العدد الحاليالعدد رقم 47ثقافات

الترجمة واستكشاف العالم الجديد (الأمريكيتين): قراءة في الاستراتيجيات القرن السادس عشر

ملخص

في القرن السادس عشر، سعى المستكشفون والأفراد الطامحون إلى الثراء لأنفسهم وبلدانهم في العالم القديم إلى استكشاف أراضٍ غنية بالذهب. ورغم أن العديد من هؤلاء الفاتحين قد تم تخليد أسمائهم في كتب التاريخ والشوارع اللاتينية، فإن الدور الحيوي الذي لعبه المترجمون والمفسرون – أو ما يمكن تسميتهم بـ«الوسطاء الثقافيين» – في تسهيل هذه الفتوحات قد تم تجاهله إلى حد كبير.  بين صفحات التاريخ، تختفي حكاياتٌ لا تقل أهمية عن حكايات الملوك والفاتحين. حكايات هؤلاء الذين كانوا الجسور بين الحضارات، الذين صنعوا من اللغة سلاحًا فتحوا به أبواب العوالم الجديدة. إنهم المترجمون والمفسرون، الذين ظلوا في الظل رغم دورهم المحوري في أحد أهم الأحداث في تاريخ البشرية: اكتشاف واستعمار الأمريكيتين.

يتناول هذا المقال أهمية المترجمين الفوريين في عصر الاكتشافات والفتوحات، مسلطًا الضوء على إنجازاتهم اللغوية التي جعلت الفتح والاستعمار ممكنًا. كما يبرز البحث أن هؤلاء المترجمين لم يكن يُعترف بهم بشكل صحيح، حيث كان يتم تجاهل دورهم الأساسي، بل وتم تغيير أسمائهم الأصلية بعد تعميدهم بالأسماء الإسبانية. من خلال تحليل مصادر تاريخية متنوعة، تستكشف هذه الدراسة هوية هؤلاء المترجمين، وظائفهم، وتأثيرهم على مسار الأحداث. كما تتناول التحديات اللغوية والثقافية التي واجهوها، والأدوات والأساليب التي استخدموها للتغلب عليها.

الكلمات المفتاحية: الترجمة، العالم الجديد، الاستعمار، كولومبوس

المقدمة

لم تكن رحلات الاستكشاف الأوروبية مجرد مغامرات جغرافية، بل كانت رحلات لغوية شائقة أيضًا. فقد كان المستكشفون، في شغفهم باكتشاف ثقافات جديدة، يعتمدون بشكل كبير على المترجمين الذين كانوا بمثابة “الألسنة” (Varela, C. ,2014, p.17)، التي تربط بين العالمين. في إسبانيا، خلال عصر الاستعمار، حيث كانت المعرفة باللغات الأجنبية محدودة، كان المترجمون المتخصصون في اللغات العربية والعبرية كنوزًا ثمينة. ويعود ذلك إلى التنوع الثقافي الذي شهدته شبه الجزيرة الإيبيرية في تلك الفترة، حيث تعايش المسلمون واليهود مع المسيحيين.

ولم يغفل كريستوفر كولومبوس أهمية التواصل اللغوي في رحلاته الاستكشافية. فقد حرص على اصطحاب مترجمين ماهرين على سفنه، كما حمل معه رسائل مكتوبة باللاتينية، لغة العلماء في ذلك الزمان، ليتمكن من التواصل مع القادة المحليين في الأراضي المكتشفة حديثًا. وكانت هذه الرسائل مصممة لتُملأ باسم ملوك إسبانيا وتُسلم إلى الحكام الأصليين.

من الجدير بالذكر أن فشل التواصل في جزر الأنتيل كان ضربة غير متوقعة لكولومبوس وطاقمه. لقد أبحروا آلاف الكيلومترات على أمل العثور على شعوب تتحدث العربية أو العبرية أو الكلدانية أو اللاتينية، وهي لغات كانوا يعتبرونها عالمية. ومع ذلك، صُدم المؤرخون في ذلك الوقت من هذه التنوع اللغوي، حيث كتبوا: «لم يفهموا بعضهم البعض أكثر من فهمنا نحن للعرب»، و«كنا صامتين وبدون لغة». (C. Varela y J. Gil ,1992, p.74)

تُكشف عن واقع ثقافي أكثر تعقيدًا مما كان كولومبوس يتصور. لقد كانت التنوع اللغوي مذهلًا، حيث يشير غونزالو فرنانديز دي أوفييدو إلى: من الأمور المدهشة أنه في مسافة يوم واحد من خمس أو ست مراحل من الطريق، وبين الشعوب القريبة من بعضها البعض، لا يفهم بعضهم بعضًا (Varela, C. ,2014, p.18)”. بالإضافة إلى ذلك، كان المترجمون، أو «اللغات»، يلعبون دورًا حاسمًا في المستعمرات. ففي:

«أول قانون، قانون 1529، حيث كان يُطلق عليهم ما زال لقب «اللغات»، يُوصف المترجمون كمساعدين للولاة والقضاء، ويُقرر أنهم لا يمكنهم طلب أو تلقي المجوهرات أو الملابس أو الطعام من الهنود. يُذكّر النص، أن الهنود لديهم فقط هذه الالتزامات تجاه أصحاب الإقطاعيات. في عام 1537، (يُطلق عليهم هنا أيضًا «ناغواتلاتوس») يُقرر أنه يمكن للهنود الذين لا يعرفون اللغة الإسبانية أن يُرافقهم «مسيحي صديق لهم» (…) للتحقق مما إذا كان ما يقولونه بناءً على ما يُسأل ويُطلب منهم، هو نفسه ما يعلنه المترجمون»   (Marietta Gargatagli , 2007, p.2)

دفعت الحاجة الملحة للتواصل مع الشعوب الأصلية في أمريكا الإسبانية إلى ابتكار حلول لغوية مبتكرة، لاسيما في ظل ندرة المترجمين المحترفين وتنوع اللغات المحلية الهائل فكانت مهمة العثور على وسطاء ثقافيين تحديًا مستمرًا. في بداية الاستعمار، اضطر المستعمرون إلى اللجوء إلى مترجمين غير مؤهلين، مما عطل عملية التواصل بشكل كبير. سنستكشف في هذا العمل كيفية التعامل مع هذا التحدي في سياق أمريكا، وكيف أدت هذه الحاجة إلى تنوع الاستراتيجيات المستخدمة لإقامة حوار بين الثقافات.

الأصوات الصامتة: الترجمة وبناء الخطاب الاستعماري

سعى كولومبوس، في جهده لإقامة علاقات مع السكان الأصليين وتسهيل عملية الفتح، إلى القبض على عدد من الهنود ونقلهم إلى إسبانيا1 . كانت الفكرة هي تدريبهم كمترجمين ومرشدين. في رحلته الأولى، قام كولومبوس بخطف عدة أفراد من السكان الأصليين، على الرغم من أن بعضهم تمكن من الهروب. وأحد الاستراتيجيات التي اعتمدها الإسبان كانت أن لويس دي توريس، أحد المترجمين الذين رافقوا كولومبوس، تولى تعليم الإسبانية للمعتقلين. بعد ذلك، تم نقل مجموعة أكبر، بما في ذلك عائلات كاملة، لضمان وجودهم في إسبانيا. على الرغم من أن الأرقام الدقيقة تختلف حسب المصادر، كما يشير باستين (2003)، يبدو أن دييغو كولومبوس، ابن كريستوفر2، هو من أصبح في النهاية المترجم الرئيسي. بينما اعتبر كولومبوس اللغات الأصلية مجرد همهمات بسيطة وكان يسعى إلى “تخليص الكلام” من الشباب الأصليين، تم تعديل هذه النظرة من قبل بعض رجال الدين:

«عند دراسة اللغات، كانوا يمدحون تلك الخاصة بالشعوب المستقرة أو الإمبراطوريات الواسعة والقوية مثل الأزتك، حيث قال الأب خوسيه دي أكوستا إنهم يتحدثون بوضوح، على عكس القبائل مثل الشيتشيميكاس والأوتوميس، الذين قالوا إنهم يعبرون بشكل همجي وغير منطقي (أكوستا، 1983). كتب لوثانو (1733) شيئًا مشابهًا عن الغواراني، قائلًا إنه كان أكثر تطورًا من لغات أخرى، وقابلًا للمقارنة مع اللغة اليونانية». (Manuel Villalba Fernández ,2019, p.4)

في بدايات الفتح، كانت الحواجز اللغوية واضحة: لم يكن الإسبان والأمريكيون يتحدثون لغة مشتركة. في هذا السياق، تسلط كارمن فاليرو غارسيس الضوء على أهمية التمييز بين التواصل بالإشارات والرموز والتواصل الشفهي، خاصة في أولى اللقاءات بين الثقافات. في غياب لغة مشتركة، أصبحت الإشارات والرموز الوسيلة الأولى للتفاعل. وفقًا للبروتوكولات السائدة في ذلك الوقت، قام كولومبوس وخلفاؤه بتوثيق استيلائهم على الأراضي الجديدة من خلال الطقوس والصيغ اللفظية، كما هو مسجل في يوميات كولومبوس:

«استدعى الأدميرال الكابتنَين وآخرين نزلوا إلى اليابسة، ورفيقًا من الطاقم يدعى رودريغو دي إسكوبيدو، كاتب الأسطول، ورودريغو سانشيز سيغوفيا، وأمرهم بأن يشهدوا له كإثبات أن ما قام به هو بالفعل استيلاء على الجزيرة باسم الملك والملكة، حيث قام بعمل الاحتجاجات المطلوبة، كما هو موضح بتفصيل أكبر في الشهادات التي تمت كتابتها هناك». (Carmen Valero Garces, S.A., p62)

واجه المترجمون الأوائل مهمة هائلة: الترجمة في كلا الاتجاهين بمعرفة أساسية للغة الأجنبية. العديد منهم، كما تشرح إيثيار ألونسو، «بشكل عام، كان على جميع المترجمين العمل بطريقة ثنائية الاتجاه، أي من اللغة الأجنبية إلى لغتهم الأم والعكس، وهو ما لا يعني أن جميعهم كانوا ثنائيي اللغة. بل على العكس، كان العديد منهم أحاديي اللغة، وامتهنوا الترجمة بشكل غير متوقع مع معرفة شبه معدومة للغة الأجنبية وبدون تدريب مسبق» . (ICÍAR ALONSO ARAGUÁS, 2005, p.97)

وجبت هذه الحال ضرورة اللجوء إلى المترجمين، أو ما يُطلق عليهم الفاروطيين والناجواتلاتوس، لسدّ الفجوة اللغوية. وبالتوازي، شجعت الإمبراطورية الإسبانية تعليم اللغة الإسبانية بين السكان الأصليين، لكن التناقض يكمن في أن الكنيسة، التي كانت ذراعًا للإمبراطورية، كانت تبشر بلغات السكان الأصليين. هذا التناقض يعكس الصراع بين السياسة الرسمية والواقع المعاش، حيث كانت مهمة التبشير  تُستخدم لتبرير3 الفتح. بمعنى آخر:

«منذ عام 1516، تتابعت التوصيات والاقتراحات والطلبات لتعليم قراءة وكتابة الإسبانية. أول قانون عام، الذي أمر الكهنة بتعليم هذه اللغة للأطفال الهنود، يعود إلى عام 1550… ثم نصل إلى عام 1770، عندما أعلنت المراسيم الملكية لكارلوس الثالث أن اللغات الأمريكية “غير قانونية». (George Bastin, 2003, p.197)

على الرغم من أن اللغات الأمريكية وجدت مساحة في التواصل الشفهي، خاصة في المجال الديني، إلا أن الكتابة كانت محفوظة للّاتينية والإسبانية خلال القرون الأولى من الاستعمار. ومع ذلك، فإن الحاجة إلى تبشير السكان الأصليين دفعت إلى ترجمة النصوص الدينية

بين عالمين: تحديات الترجمة

في رحلته الاستكشافية، لم يغفل كولومبوس عن أهمية اللغة كأداة للسيطرة والتأثير. فاصطحب معه مترجمين، رودريغو دي غيريز ولويس دي توريس، على أمل تذليل الحواجز اللغوية والثقافية. لكن سرعان ما اكتشف أن اللغات الشرقية التي يتقنها توريس لا طائل منها في عالم جديد لم يُكتشف من قبل. وهكذا، برزت الحاجة إلى مترجمين متخصصين في لغات السكان الأصليين، الذين عوملوا بحذر وتوجس. وللتغلب على هذا التحدي، اتبع كولومبوس نهجًا مبتكرًا؛ فقرر تدريب بعض السكان الأصليين على اللغة والثقافة الإسبانية ليكونوا مترجمين ووساطة بين العالمين.

علاوة على ذلك، كانت القواميس الثنائية اللغة التي وضعها المبشرون الأوائل في أمريكا ابتكارًا لغويًا غير مسبوق. فقد عملت هذه القواميس، التي أقامت جسرًا بين الإسبانية واللغات الأصلية، ليس فقط على تسهيل التبشير بل أيضًا على تأسيس قواعد الإدارة الاستعمارية. من خلال توحيد اللغات الأصلية، سعى المبشرون إلى تسهيل التواصل والسيطرة على الشعوب المُستعمَرة. هذه المبادرة، التي سبقت حتى أول قاموس للغة الإسبانية، كان لها تأثير دائم على تاريخ اللغة والثقافة في أمريكا. كما يوضح جوشوا برايس التالي:

«في الخمسين عامًا التي تلت عام 1559، نشر دومينغو دي سانتو توماس، خوان باتيستا دي لاجوناس، لودوفيكو بيرتوني، ماتورينو غيليرتي وآخرون نصف دزينة من القواميس الثنائية بين الإسبانية واللغات الكيشوا والأيمارا على التوالي. هذه المجموعة من القواميس تسبق أول قاموس من العصر الحديث، وهو «تيسورو دي لا لينغوا كاستيلانا أو إسبانيولا» لسباستيان دي كوفاروبياس (1611) (كالفو 1997، 257-258). أقامت هذه القواميس علاقة لم تكن موجودة من قبل بين لغة المستعمرين الإسبان ولغات المهزومين”(Joshua Price,2023, p.164).

كان المترجمون الأصليون عناصر أساسية في عملية الفتح. منذ الرحلات الاستكشافية الأولى، من ألونسو دي أوجيدا، الذي تزوج من مترجمته الأصلية4، إلى كورتيس الذي استفاد من ميلشوريجو وسان فرانسيسكو في خطواته الأولى عبر يوكاتان، لجأ العديد من المستكشفين إلى هذه الممارسة. خوان غريخالبا، بيدرو دي هيريديا، وفيسنتي يانيز بينزون، من بين آخرين، اتبعوا نفس النمط: القبض على الأصليين لتسهيل التواصل واستكشاف أراض جديدة.

من ناحية أخرى، كانت غزوة المكسيك متاهة لغوية حيث لعب المترجمون دورًا أساسيًا. كورتيس5، الذي كان استراتيجيًا بارعًا، استطاع الاستفادة من التنوع اللغوي في المنطقة، مستخدمًا عدة مترجمين في وقت واحد. شكل أغويلار، مالينالي، وأورتيغيتا فريقًا لا غنى عنه، مما سمح لكورتيس بالتنقل عبر تعقيدات التواصل بين الثقافات وإقامة تحالفات استراتيجية. كان المترجمون الجسور التي سمحت ليس فقط بفتح الأراضي، ولكن أيضًا بترسيخ الاستعمار في عقول الأصليين.

تُعد قصة مالينالي6  وهرنان كورتيس واحدة من أكثر القصص إثارة في فترة الفتح، حيث «كانت مالينالي تترجم من ناهواتل إلى المايا وأغويلار من المايا إلى الإسبانية. وعندما وعد كورتيس مارينا بالحرية إذا قبلت أن تكون مترجمته، أصبحت أكثر من ذلك بكثير، حيث كانت رفيقته ومستشارته وأم ابنه» (George Bastin,2003, p.198).

لم يكن من الممكن تحقيق الفتح الإسباني في أمريكا دون عمل المترجمين، الذين كانوا من خلفيات متنوعة.

بعبارة أخرى، كانت تجربة المنفيين البرتغاليين في العالم الجديد تحولًا جذريًا. من كونهم مدانين إلى منفيين، أصبحوا روادًا ومستكشفين. في أرض غريبة، بعيدًا عن وطنهم ومجتمعهم، تعلموا كيفية البقاء، والتواصل مع ثقافات مختلفة، والتكيف مع بيئات عدائية. أظهر العديد منهم، مثل ألفونسو ريبيرو وألفونسو رودريغيز (Varela, C,2014, p.20)، أنهم لغويون استثنائيون، حيث اكتسبوا إتقانًا للغات الأصلية مكنهم من لعب دور أساسي في الاستعمار. بينما استخدم البرتغاليون المنفيين كأدوات للاستكشاف والاستعمار، اتبع الإسبان استراتيجية مختلفة. رغم أن بعض الإسبان، مثل كريستوبال رودريغيز(Manuel Villalba Fernández , 2019, p.8)، أرسلوا للعيش بين الأصليين، لم تتعمم هذه الممارسة. تعتبر حالة الباشيلير من كانانيه، الذي أصبح زعيمًا أصليًا، مثالًا متطرفًا على كيف يمكن أن تكون تجربة المنفيين لها عواقب غير متوقعة، وأحيانًا مأساوية.

كان المترجمون، سواء كانوا أصليين أو أوروبيين، شخصيات هامشية في المجتمع الاستعماري. أولئك الذين عاشوا بين السكان الأصليين كانوا يُنظر إليهم بازدراء ويُتهمون بتبني عادات بربرية. حتى الأسرى البيض، الذين تم إنقاذهم من العبودية، لم يفلتوا من هذا النظرة المتحيزة. لم يكن للمجتمع الاستعماري، بتراتبيته الاجتماعية الصارمة، مكان لأولئك الذين تجاوزوا القواعد المرسومة.

أثناء استعمار أمريكا، شهدت شخصية المترجم تحولًا ملحوظًا. من كونه وسيطًا بسيطًا، انتقل ليشغل مكانًا محددًا ضمن الهيكل الاجتماعي والقانوني للمجتمعات الجديدة. كما يوضح باستين:

«خمسة عشر قرارًا، مؤرخة بين 1529 و1630، وموقعة من قبل شارل الخامس، فيليب الثاني، وفيليب الثالث، تتعلق بالمترجمين. يصف القانون الأول، من عام 1529، المترجمين كمساعدين للمحافظين والعدالة: لا يمكنهم طلب أو تلقي المجوهرات أو الملابس أو الطعام من الهنود. في عام 1537، يُسمح للهنود بأن يكونوا برفقة ‘مسيحي صديق لهم’ للتحقق من صحة ودقة ما يقوله المترجمون. مع قوانين 1563، اكتسبت المهنة هيكلها المهني: يتم تحديد راتبهم بناءً على عدد الأسئلة التي يترجمونها، يتم تحديد أيام وساعات العمل، يُحدد عدد المترجمين لكل محكمة، وتوضح واجباتهم التي يتضمنها اليمين الذي يؤدونه». (George Bastin, 2003, p. 201)

الخاتمة

تاريخ الترجمة في أمريكا اللاتينية، على الرغم من القيود التي تعتري دراسته، يكشف عن شبكة غنية من التفاعلات الثقافية واللغوية التي بدأت منذ أولى الاتصالات بين الأوروبيين والسكان الأصليين. كان المترجمون، الشخصيات المحورية في هذه العملية، أكثر من مجرد مترجمين؛ فقد عملوا كوسطاء ثقافيين، وشهود مميزين، وفي بعض الأحيان، ضحايا للديناميات السلطة.

كانت الترجمة، بعيدًا عن كونها عملًا محايدًا، أداة أساسية في بناء الإمبراطوريات الاستعمارية. لقد خدمت في فرض السيطرة الثقافية واللغوية، لكنها كانت أيضًا وسيلة لتبادل المعرفة ودمج الثقافات. تشكل النصوص المترجمة مصادر تاريخية ثمينة تتيح لنا إعادة بناء العلاقات المعقدة بين الفاتحين والمستعمرين. مع مرور الوقت، أصبحت الترجمة مؤسسة وتم وضع قواعد وتنظيمات لممارستها. يعكس هذا الأهمية المتزايدة التي كانت تُعطى للتواصل اللغوي في السياق الاستعماري. كما أصبح المترجم شخصية محورية في اللقاءات بين الثقافات. تجاوز دوره مجرد الترجمة ليصبح وسيطًا ثقافيًا، وفي كثير من الحالات، شاهدًا مميزًا على الأحداث التاريخية.

بعبارة أخرى، فإن فكرة «اكتشاف» أمريكا هي بناء استعمارى يخفي العنف والاستغلال الذي تعرض له الشعوب الأصلية. تؤكد نتائجنا هذه الرؤية، خاصة في حالة المترجمين، الذين كانوا يتعرضون لعملية تذويب ثقافي قسري. هؤلاء الأفراد كانوا يُنتزعون من منازلهم ويُجبرون على العمل كعبيد لغويين في الأراضي المستولى عليها.

انعكست علاقات القوة بين الفاتحين والمستعمرين في ممارسات الترجمة. غالبًا ما تعرض المترجمون لضغوط وتلاعب لتفضيل مصالح الأقوياء.

ومع ذلك، تواجه الأبحاث في هذا المجال تحديات كبيرة. قلة المصادر الأولية والحاجة إلى منظور متعدد التخصصات هي عقبات يجب التغلب عليها للتقدم في معرفة هذا الموضوع. على الرغم من ذلك، فإن إمكانيات الاكتشافات الجديدة هائلة، خاصة فيما يتعلق بدراسة اللغات الأصلية وتفاعلاتها مع اللغات الأوروبية.

في الختام، تعتبر الترجمة عدسة يمكننا من خلالها فهم أفضل للعمليات التاريخية والثقافية واللغوية التي شكلت أمريكا اللاتينية. تتيح لنا دراستها تقدير تعقيد وتنوع التفاعلات البشرية التي حدثت في اللقاء بين عوالم متعددة.

باختصار، لعبت الترجمة دورًا حاسمًا في بناء أمريكا الاستعمارية. تتيح لنا دراستها فهم أفضل للعمليات التاريخية والثقافية واللغوية التي شكلت المنطقة.

 

الهوامش:

1 – أدرك كولومبوس أهمية التواصل بشكل كبير في مهمته الاستعمارية، فاصطحب معه في رحلته الأولى مترجمين اثنين: رودريغو دي خيريز ولويس دي توريس. على الرغم من إتقان الأخير للعديد من اللغات الشرقية، إلا أن معرفته هذه لم تكن مفيدة في العالم الجديد. أثبتت هذه التجربة الأولى ضرورة تدريب مترجمين متخصصين في اللغات الأصلية. لذلك، قام كولومبوس بأخذ بعض السكان الأصليين معه لتدريبهم على الثقافة الإسبانية وتحويلهم إلى مترجمين مستقبليين لخدمة التاج الإسباني.

2 – George Bastin. (2003). “Por una historia de la traducción en Hispanoamérica. Íkala, revista de lenguaje y cultura|”, Íkala, revista de lenguaje y cultura Vol. 8, no. 14.

3 – «بالنسبة للمبشرين، كانت الرغبة في «إنقاذ» الشعوب البدائية من جهلهم تحفزهم على بذل جهد فكري كبير لتعلّم اللغات الأصلية. التزامهم الأخلاقي، كما اعتبروه، بالإضافة إلى التحديات العملية التي واجهوها خلال عملية التبشير، حددت الطريقة التي قاس بها المبشرون اللغات، بوصفها ناقصة ودونية (وفقًا لمعايير الرهبان)، وبنفس المقياس حكموا على متحدثيها. الديناميكية الكامنة في مشروع القواميس، بين الوصف والوصفة، كانت محركًا للعملية التي قوضت المعرفة الأصلية، والتي حددت طريقة عرض اللغات المستعمرة والمستعمرة في القواميس»

Joshua Price(2023). “Traducción y epistemicidio. Relaciones de dominación cultural en las Américas desde la conquista hasta nuestros días”, University of Arizona Press, p. 164

4 – إيزابيل [هل لغة شمال فنزويلا؟ – الكاستيلانية] كانت هندية لُقِطت بواسطة ألونسو دي أوخيدا في فنزويلا عام 1499. معَه، الذي أصبح زوجها فيما بعد، ومع بقية أعضاء البعثة تعلمت القشتالية، لكنها حظيت بفرصة توسيع معرفتها باللغة خلال إقامة استمرت حوالي عامين في شبه الجزيرة

ICÍAR ALONSO ARAGUÁS (2005). INTÉRPRETES DE INDIAS. La mediación lingüística y cultural en los viajes de exploración y conquista: Antillas, Caribe y Golfo de México (1492-1540), Universidad de Salamanca, p. 101.

5- Todorov, T. (1987). La conquista de América. El problema del Otro. México DF: Siglo Veintiuno Editores, pp.59- 70

6 – «توصيف أشخاص مثل فيليبيلو ومالينشي بـ «الخونة» هو تبسيط مفرط لحقائق تاريخية معقدة. يجب تحليل أفعالهم، رغم مساهمتها في الفتح الإسباني، في سياق زمني ومكاني محدد، حيث أن «سياق الفتح الإسباني اتسم بوجود تفاوتات عميقة وصراعات داخلية. الشعوب التي خضعت للإمبراطوريات الهندية العظمى، مثل الإنكا والأسطك، عاشت تحت نير الاستبداد. أفراد مثل فيليبيلو، نتاج هذا النظام، لم يشعروا بالولاء تجاه مضطهديهم. ودوافع أفعالهم، بعيدًا عن الشعور بالواجب، كانت مدفوعة برغبات شخصية وأحقاد متراكمة».

.Ariana Harumi Vasquez Estrada. El rol de los traductores e intérpretes en el descubrimiento, conquista y colonización de América, TRUJILLO – PERÚ 2018, p.40.

  • Acosta, J. (1983). Historia natural y moral de las Indias. Argentina: Biblioteca Virtual Universal.

Recuperado de http://www.biblioteca.org.ar/libros/71367.pdf Alonso

  • Alonso, I., Baigorri, J. y Payás, G. (2008). “Nahuatlatos y familias de intérpretes en el México Colonial”. Revista de Historia de la Traducción, 2(2). Recuperado de https://ddd.uab.cat/pub/1611/19882963n2/19882963n2a7/alonso-baigorripayas.pdf
  • ARAGUÁS, ICÍAR, ALONSO (2005). INTÉRPRETES DE INDIAS. La mediación lingüística y cultural en los viajes de exploración y conquista: Antillas, Caribe y Golfo de México (1492-1540), Universidad de Salamanca
  • Avonto, L. (2001). “El Bachiller de la Cananea: un misterioso “Rey Blanco” en los albores del Brasil”. Humanidades: Revista de la Universidad de Montevideo, 1. 103-122. Recuperado de https://dialnet.unirioja.es/ejemplar/214407
  • Barbosa Falconí, E. (1989). Un grabado del siglo XVI que podría representar la catequización del Inca Tupac Amaru I. Lima.
  • Bastin, G. (2003). “Por una historia de la traducción en Hispanoamérica. Íkala, revista de lenguaje y cultura”, 8(14), 193-217. Recuperado de http://www.redalyc.org/pdf/2550/255026028009.pdf
  • Cunill, C. (2018). Un mosaico de lenguas: Los intérpretes de la audiencia de México en el siglo XVI. Historia Mexicana, 68(1), 7-48. http://dx.doi.org/10.24201/hm.v68i1.3637
  • Estrada, Vasquez. Harumi, Ariana(2018). “El rol de los traductores e intérpretes en el descubrimiento, conquista y colonización de América”, TRUJILLO – PERÚ
  • Gargatagli, Marietta (2007). LA TRADUCCIÓN DE AMÉRICA, Departamento de Filología Hispánica Universidad Autónoma de Barcelona
  • Grupo de Investigación T-1611 (2007). “Leyes de Indias. Libro II, Título XXIX. De los intérpretes”. 1611, Revista de Historia de la Traducción, 1(1). Recuperado de http://www.traduccionliteraria.org/1611/esc/america/leyes.htm
  • Solís, A. (1851). Historia de la conquista de Méjico. Madrid: Gaspar y Roig Editores. Recuperado de http://fama2.us.es/fde/2006/historiaDeLaConquistaDeMejico.pdf
  • Strecker, M. y Artieda, J. (1978). La “Relación de algunas costumbres (1582)” de Gaspar Antonio Chi. Estudios de historia novohispana
  • Todorov, T. (1987). La conquista de América. El problema del Otro. México DF: Siglo Veintiuno Editores. Recuperado de https://antroporecursos.files.wordpress.com/2009/03/todorov-t-1982-laconquista-de-america-el-problema-del-otro.pdf
  • Van Den Breule, Á. (2015). Juan Ortiz, “el soldado y médico español que cayó cautivo de los indígenas”. Recuperado de https://www.elconfidencial.com/alma-corazonvida/2015-10-10/juan-ortiz-soldado-medico-espanol-cautivo-indigenasamericanos_1054371/
  • Valero Garces, Carmen. TRADUCTORES E INTERPRETES EN LOS PRIMEROS ENCUENTROS COLOMBINOS Un nuevo rumbo en el propósito de la Conquista, Universidad de Alcalá de Henares
  • Varela, C. (2014). Las conquistas hispanas del siglo XVI: La función de los intérpretes, lenguas y guías. Cuadernos de la Escuela Diplomática, 50, 15-33. Recuperado de http://digital.csic.es/bitstream/10261/99532/3/Las%20conquistas%20hispanas% 20del%20siglo%20XVI.%20Varela%2c%20C..pdf
  • Vitar, B. (1996). “La otredad lingüística y su impacto en la conquista de las Indias”. Revista Española de Antropología Americana, 26. 143-165
  • Villalba Fernández, Manuel (2019). La figura del intérprete en el descubrimiento de América, Universidad Pontificia Comillas, Madrid.
  • Price, Joshua (2023). Traducción y epistemicidio. Relaciones de dominación cultural en las Américas desde la conquista hasta nuestros días, University of Arizona Press,
Facebook
X
WhatsApp
Threads
Telegram

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى