
«نَجْد» في شعر الأندلسيين شواهد من كتاب «نفح الطيب» للمقَرّي نموذجًا
ورد في اللسان: «النَّجْدُ مِنَ الأَرض: قِفافُها وصَلَابَتُها»1 لسان العرب. ج3 ص 14 والقِفاف جمع قَفّ وهو المكان المرتفع الغليظ من الأرض، وقيل: ما استوى واشتدّ وصلُب.
أما اصطلاحًا فهي اسم عَلم لإقليمٌ تاريخي وجغرافي واسع في وسط شبه الجزيرة العربية، يقع حاليًا في أرض المملكة العربية السعودية وله حضور قوي في التاريخ العربي واللغة والأدب. كما شهد قيام الدولة السعودية الأولى في الدرعية في القرن الثامن عشر. وتتميز لهجتها بأنها أقرب اللهجات العربية إلى للفصحى من حيث النطق والبنية، وقد قيل قديمًا: «نجدٌ عدنانية اللسان» إشارة إلى فصاحة أهلها. واللهجة هاهنا بمعنى اللغة إلى حدّ أن كثيرًا من اللغويين استشهدوا بكلام أهل نجد في التقعيد اللغوي، ولا أدل على ذلك أن معظم الشعراء الفحول من عصور الاحتجاج اللغوي الجاهلي والإسلامي والأموي عاشوا في نجد. والحادثة التاريخية في كتب الأدب مشهورة تذكر أن جريرًا قال عن عمر بن أبي ربيعة لمل بلغته رائيته: «أم إن آل نُعم»: ما زال هذا الفتى يهذي حتى قال شعرًا. وهذا الحكم يترجم نظرة فحول الشعراء إلى أن الحِجاز لم تكن تعرف شعراء مشاهير مثل نجد.
وقد خُصَّت نجد بميقات مكاني من مواقيت الحج والعُمرة لا يتجاوزه ساكنها أو المار بها إلا وهو مُحرم، هو قَرْنُ المنازل، ويُسمّى أيضًا قَرْن الثعالب، ويُعرف في عصرنا باسم السَّيل الكبير. وفي حديث المواقيت المكانية، الذي رواه ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: (هُنّ لهنّ ولمن أتى عليهن مِن غير أهلهن). وتُعدّ الرياض عاصمة المملكة اليوم أهم مدنها وأكبرها من الناحية السياسية والاقتصادية والثقافية.
وإذا ما تمعنا في هذه المنطقة فإننا نجد أنها حاضرة بقوة في الشعر العربي قديمًا وحديثًا، حيث ارتبط اسمها بالحنين والبادية والبطولة في القصائد. وفي التغني بصَبا نجد أُثِرت عشرات القصائد، نذكر على سبيل التمثيل لا الحصر هذه الأبيات للشاعر الأموي عبد الله بن الدُّمينة1:
أَلا يا صَبا نَجدٍ لَقَد هِجتَ مِن نَجدِ
فَهَيَّجَ لي مَسراكَ وَجداً عَلى وَجدِ
بِكُلٍّ تَداوَينا فَلَم يُشفَ ما بِنا
عَلى أَنَّ قُربَ الدارِ خَيرٌ مِنَ البُعدِ
على أن قرب الدار ليس بنافع
إذا كان من تهواه ليس بذي ود
غير أننا في هذا المقال سنتجه إلى حضور «نجد» في الشعر الأندلسي من خلال مقاربة شبه مسحية لكتاب نفح الطيب من
غصن الأندلس الرطيب للمَقرَِّي التلمساني الذي يتألف من سبعة أجزاء إضافة إلى الثامن المُخصص للفهارس، والكتاب من تحقيق الدكتور إحسان عباس، سنة 1968 م عن دار صادر ببيروت.
وُلِد المقرّي القُرَشي بتلمسان وهي مدينة كبيرة تقع في أقصى غرب القطر الجزائري سنة 986، هـ وتوفي سنة1041هـ وقد انتقل عبر عدة بلاد إسلامية بدءًا من فاس غربًا ثم اتجه شرقًا إلى مصر، كما زار مكة خمس مرات والمدينة المنورة سبع مرات، وزار بيت المقدس ودمشق ولبث في كل منهما مدة قصيرة للتدريس. توفي بمصر سنة 1041هـ وترك ثمانية وعشرين مُؤَلَّفا أبرزها كتاب نفح الطيب في غصن الأندلس الرّطيب.
وعبر الأجزاء السبعة لكتاب نفح الطيب نقف على عدة قصائد طويلة ومقطوعات شعرية لشعراء أندلسيين تتضمن لفظ «نجد» بمعناها الاصطلاحي الدال على العَلَمية المكانية، في معرض البوح بالصبابة أو الحنين إلى مراتع الصبا في بلدات وكُوَر أندلسية هجرها أولئك الشعراء طوعا لظروف قاهرة، أو أُرغموا على النزوح منها بعد أن استعادها الإسبان من المسلمين، وآخرها غرناطة التي سقطت سنة 1492م. وقد اقتصرت على شعر هؤلاء الأندلسيين دون ما ورد من شعر للمشارقة فيه ذكر لنجد في النفح. ولعل من نافلة القول التذكير بما ظل يشد البيئة الأندلسية من عُرى وثيقة إلى البيئة المشرقية، فقد ذكر أكثر من مؤرخ من مؤرخي ابن عبد ربه الأندلسي أن الصاحب بن عباد سمع عن العقد الفريد فما زال يسعى في طلبه حتى حصل على نسخة منه وما إن اطلع عليها حتى قال: «هذه بضاعتنا ردت إلينا»، فقد ظن أن الكتاب يشتمل على أخبار الأندلس وأدبها فإذا به يشتمل على أخبار المشرق وأدبه؛ وقد وقفتُ في أشعار الأندلسيين على استحضار لأمكنة تقع في شبه الجزيرة العربية مثل العقيق والعُذَيب والسَّلع وبارق ونحو ذلك. ولله درّ أبي الطيّب المتنبي شاعر العصور، وشاعر الأجيال بلا ضريب إذ وُفِّق كل التوفيق إلى هذا المطلع:
تَذَكَّرتُ ما بَينَ العُذَيبِ وَبارِق مَجَرَّ عَوالينا وَمَجرى السَوابِقِ
ولا يفوتنا أن نذكِّر بأن حكام الدول المتعاقبة في الأندلس على مدار ما يقارب ثمانية قرون وقادتها ووزراءها وفقهاءها وأدباءها بل كثيرًا من أهلها كانوا ينحدرون من أصول عربية مشرقية بدءًا من طلائع الفتح مع موسى بن نصير، ثم ما كان من شأن القيسية والمضرية إلى غاية بداية عهد عبدالرحمن الداخل صقر قريش وهو القرشي حفيد هشام بن عبدالملك بن مروان، ذلك العهد الذي دام حوالي ثلاثة قرون إلى غاية حكم ملوك الطوائف الذين ينتسبون إلى قبائل عربية مثل المعتضد بن عباد اللخمي من سلالة النعمان بن المنذر بن ماء السماء بإشبيلية التي كانت تتسمى بحِمص وغيره من ملوك الطوائف.
وبالعودة إلى الحديث عن «نجد» كمنطقة في المشرق العربي فقد ذُكِرتْ 43 مرة في الشعر المبثوث عبر أجزاء الكتاب السبعة، غير أننا اقتصرنا على نصف هذا العدد، مع مراعاة الاستقاء من كل كتاب، والتمثيل بأكبر عدد ممكن من الشعراء.
ففي كتاب بعث به الإمام الكاتب القاضي أبو المُطرًّف بن عُميرة إلى الشيخ جعفر بن أمية حين حل الرزء ببلنسية يقول2:
يحنّ إلى نجدِِ، وهيهات حرّمتْ
صروف الليالي أن يعود إلى نجدِ
فيا جبـل الريّان لا رَيَّ بعدمـا
عَدَتْ غِيَرُ الأيام عن ذلك الوِرْدِ
ويا أهل وُدِي والحوادث تقتضي
خُلُوِّيَ عن أهل يُضاف إلى الودِّ
ومن شعر ابن سبعين الفقيه المُرسي الأندلسي3
كَم ذا تُمَوِّهُ بالشِّعْبَيْن والعلَمِ
والأمرُ أوضحُ من نار على عَلَمِ
وكم تُعَبِّر عن سَـلْـع وكاظمة
وعن زَرود وجيران بِذي سَـلَمِ
ظللتَ تسأل عن نجد وأنتَ بها
وعن تهامـةَ، هذا فعل مُـتّهـم
في الحي حيُُّ سوى ليلى فتسأله
عنها، سؤالك وهْمُُ جَرَّ للعَدَمِ
وكأن في الأبيات بعض المحاكاة العفوية لمطلع البُردة للبوصيري لشهرتها، فضلًا على أن هذا الشاعر كان مُعاصرًا للبوصيري.
أما الفتح بن خاقان المؤرخ الأندلسي المشهور صاحب كتاب قلائد العقيان فيقول في بعض إخوانه وقد مات غريقا4:
أتاني ورحلي بالعراق عشية
ورَحْلُ المطايا قد قطعن بنا نَجْدا
نَعِيٌّ أطار القلبَ عن مُستقره
وكنتُ على قصد فأغلطني القَصْدا
أما أبو العباس أحمد بن محمد الواعظ الإشبيلي ثم المصري فيقول5:
حُثّوا إلى نَجدِِ نِياق الهوى
فَثَمَّ واد جَوُّه مُعشِبُ
وانتظروا حتى يَلوح الحِمى
فالعيش فيه طيّب طيّبُ
ومن شعر ذي الوزارتين ابن الحكيم الرُّندي يخاطب أهله من مدينة تونس6:
حيِّ حيِيَ بالله يا ريح نَجـدِ
وتَحَمَّل عظيم شوقي ووجدي
وإذا ما بثثتَ حـالي فـبلِّـغْ
من سلامي لهم على قدر وُدِّي
ما تناسيتُهم وهل في مغيب
قد نَسـوني على تطاول بُعْدي
بيَ شوق إليهم ليس يُعْزَى
لِجـمـيل ولا لِـسُــكانِ نـجــد
والأبيات على ما يطبعها من رِقّة فنية تتلفع بأسلوب الأوائل في توظيف الريح تعبيرًا عن حرارة الشوق.
أما الكاتب العالم الإمام أبو محمد بن خيرة الإشبيلي المعروف بابن المواعيني فقد أنشد له ابن الإمام في «سمط الجُمان»:
رَعْيا لِمنزله الخصيب وظله
وسقى الثرى النجديَّ سَحُّ رَبابهِ7:
واها على ساداته لا أدّعي
كَلَـفـا بِزيـنـبـهِ ولا بِـرَبـابْــه
فالشاعر يدعو بالخير لنجد منزلًا خصيبًا مَريعًا، وثرى زكيًا عَبقًا، ويتحسر على فقده سادات جمعهم الزمان به في ما مضى من العهد الناضر البهي. وفي قافيتي البيتين تورية بين الرباب بمعنى السحاب والرباب بمعنى اسم أنثى. فحنينه إلى مجالس السراة، لا إلى ما يحن إليه أهل النسيب.
ومن شعر الحافظ أبي الربيع الكلاعي الذي استشهد في مواجهة الكُفّار سنة 643 هـ متقدمًا الصفوف في موقعة أنيجة أو أنيشة، الذي كتبه إلى الأديب الشهير أبي بحر صفوان بن إدريس المرسي عقب انفصاله من بلنسية سنة 587 هـ8:
أحنّ إلى نَجْد ومنَ حلَّ في نَجْدِ
وماذا الذي يُغني حنينيَ أو يُجدي
وقد أودعوها واطنين وخَلَّفوا
مُحِبَّهم رَهــن الصبابــة والوجــد
ثم يعود بضعة أبيات إلى ذكر نجد:
فيا سَرحتيْ نجد، نداء مُتَيّم
لـه أبدا شـوق إلى سرحتي نجـدِ
ظمئتُ فهل طَلُُّ يُبَرِّد لوعتي
ضحيتُ فهل ظِلّ يُسَكُِّنُ من وَجدي
ثم يعود مرة أخرى بعد بضعة أبيات إلى ذكر نجد فيقول:
وكم لي بنجد من سَرِيِِّ ممجَّد
ولا كابن إدريس أخي البِشر والمَجدِ
تجمعت الأضـداد فيـه حميدة
فمِن خُلُق سَـبْط، ومن حَسَـب جَعْدِ
وفي الأبيات حنين للأوطان، وحسرة على فراق الرجال الأفاضل، ومنهم ابن إدريس الذي خصه بثناء جميل.
أما أبو الفتح التونسي فيستهل قصيدته الطويلة التي بلغت اثنين وخمسين بيتا بذكر صفة للبارق منسوبة إلى «نجد» فيقول9:
سلوا البارق النجدي عن سُحب أجفاني
وعمّأ بقلبي من لواعج نيران
والقصيدة تشتمل على أغراض غالبًا ما تكررت في الشعر الأندلسي كالحنين إلى الأوطان والأحبة وما تميزت به تونس في عهد الحفصيين …..
ومن نونية الوزير ابن زُمرُك التي اتفق فيها البحر والروي وجرت من البلاغة على النهج السوي كما وصفها المقري10:
أسائل عن نجد ومرمى صبابتي
ملاعبُ غزلان الصريم بنَعمانِ
وأبدي إذا ريح الشمال تنفستْ
شمائل مرتاح المعاطف نشوان
والقصيدة طويلة تتألف من سبعة وسبعين بيتًا تبتديء بنسيب ثم تعرّج على أطوار الصبا واللهو لتخلص إلى الغرض الذي شغل جانبًا مُعتبرًا منها وهو الشوق لزيارة ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ مع اكتنف ذلك من مدح للحضرة المحمدية وتعداد لشمائلها، وانتهاء بمد سلطان الأندلس.
ومن الشعر الذي يخاطب فيه ابن زمرك ولي نعمته لسان الدين ابن الخطيب11:
وفي السرب من نَجْد تعلقتُ ظبيةً
تصـول على ألبابنا وتُغيرُ
وتمنع ميسورَ الكلام أخا الهُدى
وتبخل حتى بالخيال يزورُ
أَسكانَ نجدِِ جادها واكفُ الحَيا
هواكم بقلبي مُـنجِـدُُ ومُغير
وابن زمرك هذا مجيد في تطويع الألفاظ للمعاني، يجيد الابتكار، كأنما يستقي من مَعين جرير.
ولا يُستساغ بل لا يُمكن أن نسوق هذه العَيِّنات دون أن نغرف من بحر الوزير الغرناطي لسان الدين ابن الخطيب صاحب الكتاب الشهير (الإحاطة في أخبار غرناطة) صاحب الموشح الشهير «جادك الغيث»، فهو أيضًا ذكر نجدًا في عدة مواضع من شعره نقتصر على نُتَف منها، من ذلك ما قاله ينشد السلطان ليلة الميلاد الأعظم من عام 736 هـ12:
تألّق نجديا فأذكرني نجدا
وهاج بي الشوقَ المبرِّحَ والوجدا
وميض رأى بُرْد الغمامة مُغْفَلا
فمدّ يـدا بالتـبر أعلـمـتِ الـبرْدا
وبعد ستة عشر بيتا يعود إلى ذكر نجد فيقول13:
سقى الله نجدا ما نضحتُ بِذِكْرِها
على كبدي إلا وجدتُ لها بردا
أما أبو الحسن علي بن جودي الذي أورده المقري نقلًا عن كتاب (مطمح الأنفس ومسرح التأنس في مُلَح أهل الأندلس) فيقول14:
أحنّ إلى ريح الشمال فإنها
تُذكِّرنا نجدا وما ذِكرنا نجدا
تمرّ على ربع أقام به الهوى
وبدّل من أهليه جاثمةٌ رُبْدا
ويقول في موضع آخر15:
سلِ الركب عن نجد فإن تحية
لساكن نجد قد تَحَمّلها الركبُ
وإلا فما بال المطيّ على الوجى
خفافا وما للريح مرجعها رطبُ
وله أيضا16:
خليليَّ من نجد فإن بنجدهم
مصـيفًا لبيت العامــريِّ ومربعا
ألا رجِّعا عنها الحديث فإنني
لأغبط من ليلى الحديث المُرَجَّعا
ومن شعر ابن جابر الأندلسي الضرير في هذا السياق17:
إذا جئتَ نجدا كرَّم الله عهدَه
فسلِّمْ على أهل المنازل من نجدِ
لئن حال بُعْد الدار بيني وبينهم
فإني لأرعاهـم على ذلك البُـعْـدِ
وثَمَّةَ نماذج أخرى لم نذكرها في هذا المقام اجتزاء بما انتقينا، ولأن في بَعضه غَناء بعضه الآخر، وفي شيء منه شيء من الخلاعة والمجون فَضَّلنا أن نضرب عنه صفحًا، والكتاب من مصادر الأدب التي تستحق القراءة والصبر على ذلك.
الهوامش:
1 – ديوان ابن الدمينة، ص 85 باختلاف في الترتيب. الحماسة بشرح التبريزي 3/ 145 ومعاهد التنصيص 1/ 160.
2 – نفح الطيب، المقري، تح إحسان عباس، دار صادر، بيروت، 1968 م ج1، ص 305
3 – المصدر السابق، ج 2، ص203
4 – المصدر السابق، ج2، ص 246
5 – المصدر السابق، ج2، ص 517
6 – المصدر السابق، ج2، ص 621
7 – المصدر السابق، ج 3، ص 426
8 – المصدر السابق، ج4، ص 476
9 – المصدر السابق، ج5، ص 29
10 – المصدر السابق، ج 5، ص 47
11 – المصدر السابق، ج 6، ص 79
12 – المصدر السابق، ج 6، ص 451
13 – المصدر السابق، ج6، ص 452
14 – المصدر السابق، ج7، ص 57
15 – المصدر السابق، ج7، ص 58
16 – المصدر السابق، ج7، ص 59
17 – المصدر السابق، ج7، ص 369



