
النص في محكمة الثقافة
تقديم:
يعد مفهوم النص، من المفاهيم الأساسية في الدراسات النقدية المعاصرة، سواء العربية أو العالمية، وقد اختلفت تحديداته وتعددت، باختلاف الثقافات، وتعدد المنطلقات الفكرية والمنهجية. الأمر الذي ترتبت عليه، محاولات عدة، لتحديده، وتعريفه، وأخرى، حاولت أن تبرز الخواص النوعية الماثلة في بعض أنماطه المتعينة، خاصة الأدبية.
وفي هذا السياق توصل الكثير من الباحثين إلى أن تحديد مفهوم النص في التراث العربي، يختلف عن تحديداته (Texte) في النقد الغربي المعاصر الذي أرخى بظلاله على النقد العربي الحديث، حتى في جانب حده. ووجدوا أن مفهوم النص في الثقافة العربية القديمة، يختلف عنه في الثقافة الغربية، بل إن تحديده يختلف داخل هذه الأخيرة نفسها، لاختلاف المدارس والتوجهات؛ بدءًا من الشكلانية الروسية، وعلم اللسانيات، مرورًا بالمدرسة البنيوية، وصولًا إلى التفكيكية ونظرية التلقي، وغيرها من النظريات الحديثة. فأين يتجلى هذا الاختلاف؟ وما هي الإشكالات التي ترتبت على ذلك؟
- النص في النقد الغربي الحديث:
لقد استطاع النص عبر المسارات التي قطعها، والقراءات التي تعرض لها، والدارسين الذين التقى بهم، أن يكسب قيمته، وأهميته، حتى أصبح عنوانًا لعدة علوم: لسانيات النص، نظرية النص، السيميائيات النصية، وغيرها. وأصبح مدخلًا مهما للبحث لدى الكثير من النقاد المعاصرين، أمثال: جوليا كريسطيفا، رولان بارت، إدوارد سعيد، عبدالفتاح كيليطو، وغيرهم.
ورغم محاولة تقريب تباين تحديدات النص بين اللغة العربية واللغات الأوربية، واختلاف النقاد في تعريفه أيضا، إلا أننا «لا نصل إلى تحديد واضح قاطع بمجرد إيراد التعريف، بل علينا أن نبني مفهوم النص من جملة المقاربات التي قدمت له في البحوث البنيوية والسيميولوجية الحديثة»1، وفي الدراسات التأويلية، وفي المجالات الثقافية، وغيرها.
لقد شكلت النصوص، بصورة متواضعة، موضوع اهتمام اللسانيين والسيكولسانيين، وبصفة خاصة الأدباء والعلماء. وغالبًا ما يكون المستوى الجمالي الجانب الذي تتنافس فيه الحقول المعرفية المهتمة بالنص، وهو الجانب الذي يظهر نواقصها2 . لكن، قبل الحديث عن اهتماماتهم به، لا بد من العودة إلى أصله اللغوي في الثقافة الغربية، باعتبار أنه مفهوم حديث في حقل الأدب.
يتضمن في اللغات الأوربية، من حيث بنية اشتقاقه، أغلب الحروف الواردة في أصله اللفظي. فكلمة (Texte) مشتقة من لفظة (Texture) التي تعني النسيج، أو ما يتصل بفن الحياكة بعامة3. والمقصود بكلمة «نص» (Texte) بالفرنسية، و(Text) بالإنجليزية، و(Textus) باللاتينية، تعني النسيج (Tissu)؛ أي النسج الكلامي الذي يروم صناعة معنى من المعاني وتحققه، بضم الكلام بعضه إلى بعض، امتثالًا للقواعد اللغوية المعمول بها. والظاهر، أن النص بهذا المعنى لا يقبل إشراك الأبعاد الخارجية عنه في تشكيل صورته وعلى رأسها المؤلف4.
وهذا، ما حدا برولان بارت إلى القول بموت المؤلف، وتغييب وإنكار أي دور له في نسج النص. حيث يقول: إن النص «لا ينطوي ولا بأي شكل كان، على كائن سابق أو لاحق على كتابته»5. وهذا، هو موقف مدرسة النقد البنيوية، التي خلصت النص من سلطة مؤلفه، ونادت بالنص «المغلق» الذي لا يقبل الاختراق من الخارج؛ أي تغييب الخلفية المعرفية لكاتبه، وكل السياقات الخارجية عنه، والاهتمام ببنيته اللغوية والأسلوبية، وما يتشكل منه النص، دون الرجوع إلى الأنساق التي ساهمت في تشكله.
في حين، ذهبت جوليا كريسطيفا، إلى القول بأننا: «لنعرف الآن أن النص ليس سطرًا من الكلمات، ينتج عنه معنى أحادي، أو ينتج عنه معنى لاهوتي (لرسالة) جاءت من قبل الله. ولكنه فضاء لأبعاد متعددة، تتزاوج فيها كتابات مختلفة وتتنازع، دون أن يكون أي منها أصليًا: فالنص نسيج لأقوال ناتجة عن ألف بؤرة من بؤر الثقافة»6. والواضح أن هذه الناقدة استفادت من «علم اللسانيات» لتحدد النص بأنه جهاز يعيد توزيع اللسان، ويربط بين الملفوظات المختلفة، نظرًا لأن المفردات اللغوية التي يتشكل منها، تحمل دلالات متعددة، وأبعادًا ثقافية متنوعة. حيث ترى، أن «النص الأدبي خطاب يخترق حاليًا وجه العلم والإيديولوجيا والسياسة، ويتنطع لمواجهتها وفتحها وإعادة صهرها»7.
وعليه، يمكن عد النص جهاز عبر لغوي، يعيد توزيع نظام اللغة، بكشف العلاقة بين الكلمات التواصلية، مشيرًا إلى بيانات مباشرة، تربطها بأنماط مختلفة من الأقوال السابقة والمتزامنة معها. والنص نتيجة لذلك، إنما هو عملية إنتاجية، مما يعني أمرين:
- علاقته باللغة التي يتموقع فيها، بحيث، تصبح من قبيل إعادة التوزيع عن طريق التفكيك وإعادة البناء. مما يجعله صالحا لأن يعالج بمقولات منطقية ورياضية أكثر من صلاحية المقولات اللغوية الصرفة له.
- يمثل النص عملية استبدال من نصوص أخرى؛ أي عملية تناص (Inter Textualité)، ففي فضاء النص تتقاطع أقوال عديدة، مأخوذة من نصوص أخرى، مما يجعل بعضها يقوم بتحييد البعض الآخر ونقضه8.
وبالعودة إلى موقف البنيوية من المؤلف، سرعان ما نجده فُنّد، وعُورض من طرف رولان بارت نفسه، حيث أكد ـ في كتابه (لذة النص)ـ على أهمية وجود المؤلف في عملية القراءة، نظرًا لاحتياج القارئ له، وبالتالي فقد عارض طرحه السابق وناقضه، وهذا ليس بغريب على هذا الناقد، الذي، عرفت مواقفه تطورات مهمة في مجال النقد. إذ، يقول: «لقد مات المؤلف بوصفه مؤسسة: واختفى شخصه المدني، والانفعالي، والمكون للسيرة. ولكنني في النص لأرغب في المؤلف، بأي شكل من الأشكال: فأنا محتاج إلى صورته (وهذه الصورة ليست تمثيلا له، ولا إسقاطا عليه)، مثلما هو محتاج إلى صورتي»9.
وبهذا، يقترب تحديد النص ـ مع بارث ـ مما ذهبت إليه كريسطيفا، لأن النص جهاز لغوي يرتبط بأنماط مختلفة من الثقافة، التي يتلقاها المؤلف، الذي ينسج النص.
ومقابل الطرح السابق للبنيوية التي اعتبرت «النص» وحدة مغلقة، مكتفية بذاتها، فإن «التفكيكية» على النقيض من هذا التصور، حيث، «يدفع التفكيك بالنص إلى الانفتاح واللانهائية، أو اللعب الحر بالمعنى والدلالة، دون الاهتمام بما هو مركزي، مهما كانت قيمته المعرفية أو العلمية أو الإيديولوجية»10. فالنص ـ حسب هذا الاتجاه ـ يخرق الأفق الذي حددته البنيوية، ويتجاوز الحدود التي رسمتها له، وينتج سلسلة من الإحالات اللامتناهية، انطلاقًا من المعاني التي تسمح بها الدوال.
وقريبًا من هذا الاتجاه، ذهب «أمبرتو إيكو» إلى تحديد «النص» بأنه «نسيج من المرجعيات المتداخلة فيما بينها دون ضابط ولا رقيب، ولا يحد من جبروتها أي سلطان»11. إذ يرى إيكو أن قصدية النص أكبر من قصدية المؤلف، وقصدية القارئ. وأنه لا توجد قراءة نهائية تنهي النص. وبما أنه نسيج تتداخل فيه مجموعة من المرجعيات، والأبعاد الثقافية، فإن تأويله أيضًا، يأخذ أبعادًا وأوجه متعددة، إذ لا تستطيع القراءات المتعددة الإحاطة به، ولا إنهاء معانيه، ودلالاته.
وأما الدراسات الثقافية، فقد كسرت مركزية النص، ونظرت إليه باعتباره مادة خامًا، ووسيلة تستخدم لاستكشاف الأنساق الثقافية المختلفة. وهو ــ كما يرى محمد عفط ــ يصدر في تعددية المداخل، وانفتاح الشبكات، ولا نهائية اللغات، يجسّد كل هذه الدلالة المتمثلة في أنه تعددي. ولا يعني هذا فحسب أنه ينطوي على معان عدة، وإنما يحقق تعدد المعنى ذاته، إنه تعدد لا يؤول إلى أية وحدة. ليس النص وجودًا لمعان، وإنما هو مجاز وانتقال. وبناء على هذا، لا يمكن أن يخضع لتأويل، حتى لو كان حرًا، وإنما لتفجير وتشتيت. ذلك أن تعددية النص لا تعود لالتباس محتوياته، وإنما لما يمكن أن نطلق عليه التعدد المتناغم للدلالة التي يتكون منها12. وما يؤكد هذه التعددية، ويمنحها وضعًا اعتباريًا في كل تعريف للنص، هو أن التناص نفسه لا يتجدد بكونه بحثا عن الأصل النقي للنص المقروء في آنيته. بل، هو «نسيج من الاقتباسات والإحالات والأصداء وأعني من اللغات الثقافية السابقة أو المعاصرة التي تخترقه بكامله. فهو، نسيج من الاقتباسات تنحدر من منابع ثقافية متعددة»13.
وبناء على ما سبق، نستنتج أن النص نسج كلامي، غير أن تحديد مفهومه، يختلف باختلاف الخلفيات المعرفية، والتصورات النظرية، والمناهج النقدية الغربية الحديثة. وبذلك، فتحديده يختلف داخل الثقافة الغربية. بل، يختلف أيضا، بينها وبين الثقافة العربية، إذ «الكلام الذي تعتبره ثقافة ما نصًّا قد لا يعتبر نصًّا من طرف ثقافة أخرى، بل هذا ما يحدث في الغالب»14. ولهذا، لا يكفي إذن، أن نحكم على الكلام المؤلَّف من جملة أو عدة جمل، كتابية كانت أو شفوية، بأنه نص، بل، لا بد من حكم الثقافة التي ينتمي إليها عليه. فما هو حكم الثقافة العربية في تحديد النص أو لا نص؟
- النص في الثقافة العربية الكلاسيكية:
يختلف تحديد مفهوم النص في اللغة العربية عن اللغات الغربية. فقد ورد في لسان العرب، لابن منظور، أن «النص: رفعك الشيء. نص الحديث ينصه نصًّا: رفعه. وكل ما أظهر فقد نص. وقال عمرو بن دينار: ما رأيت رجلًا أنَصَّ للحديث من الزهري أي أرفع له وأسْندََ. يقال: نصَّ الحديث إلى فلان أي رفعه، وكذلك نَصَصْتهُ إليه. ونصَّت الظبية جيدها: رفعته»15. والرفع هنا، يعني الإظهار للأصل، والاستناد إليه، وفي علاقته بالكلام؛ يرتبط بوضوح فحواه وإسناده إلى قائله الأصلي الذي ينقل عنه، وبهذا يكون المسند إليه ضروريًا لإظهار الحديث ونصه. وبذكر المسند إليه، يتبادر إلى الذهن أن المؤلف ضروري، لنسج النص، فيختلف بذلك، مفهوم النص في اللغة اللاتينية عنه في اللغة العربية؛ حيث يعني في الأولى النسج من خيوط متعددة، ويعني في الثانية الإظهار والرفع، الذي يعود فيه جهد العمل والإتقان إلى مؤلفه.
غير أننا إذا بحثنا عن معنى النسج في معاجم اللغة العربية، سنجد له معان قريبة من السياق الذي شبه به النص في النقد الغربي الحديث، وأن نظم القصيدة يعد نسجًا كذلك. إذ ورد في لسان العرب: «النسج: ضم الشيء إلى الشيء، هذا هو الأصل. نسجه ينسجه نسجًا فانتسج ونسجت الريح التراب تنسجه نسجًا: سحبت بعضه إلى بعض. ونسج الشاعر الشعر: نظمه»16. فالشاعر إذن ينسج الشعر بضم الكلام بعضه إلى بعض، وفق قواعد وضوابط لغوية، وإيقاعية معينة، يروم من خلالها المعاني وتحققها. معان يكون له الفضل في صناعتها.
لكن، هذا التقارب في معنى النسج، لا يمنع من أن لكل ثقافة معاييرها وشروطها، في إصدار الحكم على الكلام، هل هو «نص» أم «لا نص»؟ بل يدفع إلى التساؤل عن أهمية المؤلف في اعتبار النص. إذ، يقول عبدالفتاح كيليطو: «إن الخطاب “غير المميز والساذج والمبتذل» يتعارض مع الخطاب «البليغ» الذي يقدم نفسه «في شكل يرضي ويدهش»17.
وبالعودة إلى الثقافة العربية القديمة، نجد أن مفهوم النص في التراث العربي، قد أخذ مجموعة من التحديدات والشروط، فبالإضافة إلى وجود المؤلف الحجة، هناك شروط أخرى، كالتدوين، والعملية التعليمية، والتفسير، والإجازة. فلا تدون، ولا تنسج، ولا تفسر، إلا النصوص المعترف بها، ولا يؤخذ، ولا يستشهد، إلا بما اعتبر نصًّا. ففي الثقافة العربية، لا يكفي توفر انتظام خاص لقول ما، كي يعتبر نصًّا، بل، ينبغي أن يصدر عن قائل يقع الإجماع على أنه حجة، حتى يكون النص كلامًا مشروعًا. فوظيفة المؤلف هنا أيضًا أن يخصص نمطًا معينًا من أنماط وجود الخطاب، فأن يُربط قول ما باسم مؤلف، أن يمكن القول: هذا كتبه فلان، أو فلان مؤلفه، فهذا يدل على أن القول ليس كلامًا غفلا يُروج ويَعبر ويستهلك مباشرة، بل إننا أمام كلام يجب أن نتلقاه بشكل معين، كلام يلقى في تلك الثقافة وضعًا خاصًا18.
وبالمقابل، فالقول الذي لم تتحقق فيه هذه الشروط، لا يدخل في هذا الحكم، أي إنه يدخل في حكم، «لا نص»، كما هو الحال مع «ألف ليلة وليلة»، التي لم تتوفر فيها شروط النص19. إلا أن هذه الأخيرة، اعتبرت نصًّا في الثقافة الغربية. لذلك، أقبل عليها أشهر القراء ـ أمثال خورخي لويس بورخيس ـ بالدراسة والتحليل. ومن ثمة، قرئت في الغرب قبل الشرق؛ لأن الحكم الثقافي ـ الذي لم يعتبرها نصًّا ـ أبعد عنها القراء العرب فترة طويلة من الزمن، فطالها التهميش، ورتبت في درجة أقل من النصوص التي تحققت فيها شروط حكم الثقافة العربية القديمة.
وفي هذا السياق، وبالعودة إلى قيمة المؤلف في اعتبار النص ـ وخلافًا للطرحين السابقين لرولان بارث بين موت المؤلف والحاجة إليه ـ يؤكد عبدالفتاح كيليطو على ضرورة وجود المؤلف بالنسبة إلى النص، في الثقافة العربية الكلاسيكية؛ لأن «المؤلف الحجة هو الذي يمنح النصَّ قيمته، بحيث إن عبارة «نص بدون مؤلف» عبارة فيها مناقضة في الكلام»20. فالنص المعترف به في الثقافة العربية الكلاسيكية، هو النص المعترف بمؤلفه أولًا، و«المعترف بقيمته»21 ثانيًا. ولهذا السبب لم يعتبر المحكي التخييلي، الليلي في الثقافة العربية نصًّا، في حين عدت المقامات نصًّا، فاهتم الكتاب بنسخها، وتأثر بهم غيرهم في الكتابة على منوالهم، كما انكب المحققون على تحقيق نصوصها، وجمعها، وتصنيفها، وشرحها، ودراستها، وتحليلها.
خاتمة:
خلاصة القول، يختلف مفهوم النصّ كما تم تحديده في النقد الغربي عمّا كان سائدًا في التراث العربي. غير أن «جل النقاد العرب المحدثين لا يخرج منتهى استعمالهم لمفهوم النص عن الاقتضاءات النظرية والإجرائية التي استعمل بها في الثقافة الغربية، وعن الإشكالات التي اعترضت سبيل استقراره نظريا وإجرائيا»22. وبناء على هذه المفارقات، ذهب سعيد يقطين إلى أن مفهوم «النص» ملتبس، يشبه مفهوم «التراث»، في تعدد أبعاده ودلالاته. وتساءل هو الآخر عن «المعايير التي تحكمت في تحديد «نصية» النص المعتنى به أو «لا نصية» النص المهمل أو المبعد من زاوية الاهتمام في الثقافة العربية»23. وهو، توجه قريب مما ذهب إليه «عبدالفتاح كيليطو»، إلا أن «يقطين» يوظف النص لاعتبارات محددة أهمها: أولًا «أن مفهوم النص «لازمني»، لأنه يتصل بخاصية متعالية على الزمن هي «النصية»، فيقول: صحيح نجد «النصية» تتغير بتغير الأزمنة والأمكنة، لكن ما يتغير فعلا ليس «النصية» في ذاتها، ولكن تجلياتها العلمية، والمفاهيم التي بواسطتها نرصدها»24. هذا، ومن جهة أخرى، فإن «أي نصّ كيفما كان لا يتم تلقيه إلا وفق أنظمة القراءة السائدة في الحقبة المعينة، وما تضعه من إمكانات، وتوفره من مؤولات. فالنص كالنهر، لا نسبح فيه مرتين. إنه دائم التجدد تبعا لتجدد أشكال تلقيه في الزمان والمكان»25.
وبناء على تتبع مفهوم النص في الثقافتين العربية والغربية، وما يعترض تحديده من صعوبات، واختلافات، وتباينات، لا يمكننا الأخذ إلا بما ذهب إليه سعيد يقطين، حينما اعتبر «النص» مفهومًا ملتبسًا، لا يقل عن مفهوم «التراث» إبهامًا وشمولًا. لكن، رغم وجود هذا الالتباس، فإنه لا يمنع من وجود النص واستمراره، الذي يتحقق عن طريق التلقي، وتعاقب القراء، وتعدد القراءات؛ إذ، التلقي، هو الذي يتيح اعتبار النص، ويمنحه قيمته، وأهميته، ويسهم في استمراره، وتفاعل القراء معه.
إن الولوج إلى مظان النص والإبحار في معانيه، والإمساك بكثافة دلالاته، لا يتحقق إلا بالقراءات المتعددة، المختلفة والمتباينة. إذ لكل نص قراؤه، وبتعدد القراء تتعدد المنطلقات، والمقاصد، لتصل في كثير من القراءات إلى حد التباين والتصادم. لكنها في كل الأحوال تحافظ عليه، وتحميه من الضياع، كما تبعثه من جديد، وتثير حوله التساؤلات.
وبما أن القراءة عملية مهمة في الكشف عن مظان النص، وأبعاده، فإنها أيضًا، عملية في غاية الأهمية للحفاظ عليه واستمراره، والنظر في اعتباره. إذ، إنها بمثابة الهواء الذي يجعله حيّا من عصر إلى آخر، وبمثابة النَّفَس الذي يَمنحه القدرة على اختراق الشروط الثقافية، والسياقات العصرية. فهي، أيضًا، ضرورة قصوى حتى لما اتفق حوله على أنه نصّ، إذ لا يكفي وجود النص دون قراءته، فلولاها (القراءة)، لكانت النصوص القديمة مهمشة يعلوها الغبار، وأيضًا، لما وجدت هذه التصورات، والاختلافات النقدية، والثقافية. فما هي علاقة القراءة والقراء بالحكم على النص؟
الهوامش:
1 – صلاح فضل: بلاغة الخطاب وعلم النص، عالم المعرفة، سلسلة كتب ثقافية شهرية يصدرها المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، يناير 1978 العدد 164، أغسطس 1992، ص: 211
2 – فرانسوا راستي: فنون النص وعلومه، ترجمة إدريس الخطاب، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، ط1، 2010، ص:26
3 – عبدالرحيم جيران: النص الأدبي لعبة المرايا، الدار المغربية العربية، مطبعة الأمنية، الرباط، ط 1: 2016، ص:176.
4 – عبدالرحيم حامد الله: قراءة النص السردي لعبد الفتاح كيليطو، مكتبة سلمى الثقافية، مطبعة الخليج العربي، تطوان، الطبعة الأولى، 2018.، ص:18.
5 – رولان بارت: نقد وحقيقة، ترجمة منذر عياشي ،3 الأعمال الكاملة، مركز الإنماء الحضاري، بيروت ـ الدار البيضاء، الطبعة الأولى، 1994، ص: 20.
6 – رولان بارت: نقد وحقيقة، ترجمة منذر عياشي، مرجع سابق، ص:21.
7 – جوليا كريسطيفا: علم النص، ترجمة: فريد الزاهي، مراجعة عبدالجليل ناظم، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، الطبعة الأولى ،1994، ص: 20.
8 – صلاح فضل: بلاغة الخطاب وعلم النص، مرجع سابق، ص: 211، 212
9 – رولان بارت: لذة النص، ترجمة: منذر عياشي ،1 الأعمال الكاملة، مركز الإنماء الحضاري، بيروتـ الدار البيضاء، الطبعة الأولى، 1994، ص:13.
10 – عبدالرحيم حامد الله: قراءة النص السردي لعبد الفتاح كيليطو، مرجع سابق، ص:23.
11 – أمبرتو إيكو: التأويل بين السيميائيات والتفكيكية، ترجمة: سعيد بنكراد، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، الطبعة الأولى ،2000، ص:12.
12 – محمد عفط: التحولات العلمية والفكرية: الانفتاح والتركيب وتجليات النقد المتجدد، فكر ونقد، مجلة ثقافية شهرية، دار النشر المغربية، الدار البيضاء، السنة السابعة، العدد 69/70، مايو ـ يونيو، 2005، ص: 19، 20.
13 – نفسه، ص: 20.
14 – نفسه، ص:13.
15 – ابن منظور: لسان العرب، مادة: نسج، باب النون، فصل السين مع الدال، ج: 6، دار إحياء التراث العربي للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، لبنان، ط 3: 1419هـ/ 1999م،
16 – نفسه
17- Abd El-Fattah Kilito: Sur le métalangage métaphorique des poéticiens arabes ; Poétique revue de théorie et d’analyse littéraires ; N. Y. U. ; N: 38 ; Avril 1979; P: 156
18 – عبدالسلام بنعبد العالي: الأدب والميتافيزيقا، دراسات في أعمال عبدالفتاح كيليطو، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، ط1: 2009، ص: 22، 23
19 – عبدالفتاح كيليطو: الأدب والغرابة، دراسات بنيوية في الأدب العربي، دار الطليعة للطباعة والنشر، بيروت، الطبعة الأولى، أيار (مايو) 1982م، الطبعة الثانية، نيسان (أبريل) 1983ص: 14، 15.
20 – نفسه، ص:16.
21 – عبدالفتاح كيليطو: مسار، المعرفة لعبا، حوار مع محمد لفتح، ترجمة: سعيد الحنصالي، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، الطبعة الثانية، 2018، ص:48.
22 – عبدالرحيم جيران: النص الأدبي لعبة المرايا، مرجع سابق، ص:188
23 – سعيد يقطين: الكلام والخبر، مقدمة للسرد العربي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، بيروت، ط: 1997، ص:42.
24 – نفسه، ص: 48.
25 – نفسه، ص: 49.
المصادر والمراجع:
1 – صلاح فضل: بلاغة الخطاب وعلم النص، عالم المعرفة، سلسلة كتب ثقافية شهرية يصدرها المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، يناير 1978 العدد 164، أغسطس 1992،
2 – فرانسوا راستي: فنون النص وعلومه، ترجمة إدريس الخطاب، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، ط1، 2010،
3 – عبدالرحيم جيران: النص الأدبي لعبة المرايا، الدار المغربية العربية، مطبعة الأمنية، الرباط، ط 1: 2016،
4 – عبدالرحيم حامد الله: قراءة النص السردي لعبدالفتاح كيليطو، مكتبة سلمى الثقافية، مطبعة الخليج العربي، تطوان، الطبعة الأولى ،2018.
5 – رولان بارت: نقد وحقيقة، ترجمة منذر عياشي ،3 الأعمال الكاملة، مركز الإنماء الحضاري، بيروت ـ الدار البيضاء، الطبعة الأولى، 1994،
6 – جوليا كريسطيفا: علم النص، ترجمة: فريد الزاهي، مراجعة عبدالجليل ناظم، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، الطبعة الأولى ،1994،
7 – رولان بارت: لذة النص، ترجمة: منذر عياشي،1 الأعمال الكاملة، مركز الإنماء الحضاري، بيروتـ الدار البيضاء، الطبعة الأولى، 1994،
8 – أمبرتو إيكو: التأويل بين السيميائيات والتفكيكية، ترجمة: سعيد بنكراد، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، الطبعة الأولى ،2000،
9 – ابن منظور، لسان العرب، ج: 6، دار إحياء التراث العربي للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، لبنان، ط 3: 1419هـ/ 1999م،
10 – محمد عفط: التحولات العلمية والفكرية: الانفتاح والتركيب وتجليات النقد المتجدد، فكر ونقد، مجلة ثقافية شهرية، دار النشر المغربية، الدار البيضاء، السنة السابعة، العدد 69/70، مايو ـ يونيو، 2005،
11 – عبدالسلام بنعبد العالي: الأدب والميتافيزيقا، دراسات في أعمال عبدالفتاح كيليطو، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، ط1: 2009،
12 – عبدالفتاح كيليطو الأدب والغرابة، دراسات بنيوية في الأدب العربي، دار الطليعة للطباعة والنشر، بيروت، الطبعة الأولى، أيار (مايو) 1982م، الطبعة الثانية، نيسان (أبريل) 1983.
13 – عبدالفتاح كيليطو: مسار، المعرفة لعبا، حوار مع محمد لفتح، ترجمة: سعيد الحنصالي، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، الطبعة الثانية، 2018،
14 – عبدالرحيم جيران: النص الأدبي لعبة المرايا، الدار المغربية العربية، مطبعة الأمنية، الرباط، ط 1: 2016.
15 – سعيد يقطين: الكلام والخبر، مقدمة للسرد العربي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، بيروت، ط: 1997
Abd El-Fattah Kilito: Sur le métalangage métaphorique des poéticiens arabes ; Poétique revue de théorie et d’analyse littéraires ; N. Y. U. ; N: 38 ; Avril 1979;



