العدد الحاليالعدد رقم 47ترجمات

النسوية الإسلامية وإشكالية الالتباس في الانخراط السياسي: الجميل قبيح، والقبيح جميل

أ. د. أميمة أبو بكر- جامعة القاهرة

ترجمة: د. أشرف زيدان                  

مقدمة

يدعو الصعود السريع ثم السقوط اللاحق لحكم الإسلاميين في مصر إلى التأمل، ليس فقط في دور الأفكار النسوية الإسلامية داخل المجتمع، بل أيضًا في تحوّلات المشهد السياسي وما يطرحه من أسئلة تتعلق بالمعارضة الأخلاقية والمبدئية. ولا يتبنى تناول هذا الموضوع المقاربة الثنائية الشائعة التي تقابل بين العلماني والإسلامي، ولا ينطلق من نقد الليبرالية العلمانية، بل يركّز أساسًا على نقد أي حركة نسوية – سواء كانت علمانية أو إسلامية – تسمح لنفسها بأن تُستوعَب أو تُسكت من قِبل أنظمة سياسية (فاسدة). وتسعى الكاتبة إلى بلورة تصور لسياسة أخلاقية للتيار النسوي الإسلامي، لا تُعرَّف بالضرورة، أو حصريًا، من خلال تعارضها مع النسوية العلمانية أو الليبرالية في السياق العربي.

لقد انصبّ اهتمام التوجه النسوي الإسلامي في مصر حتى الآن، في الغالب، على مجالات الخطاب والمعرفة الدينية، من خلال نقد التأويلات الذكورية للنصوص، والدفاع عن العدالة الجندرية من داخل الإسلام وعبره. وبعبارة أخرى، فقد بدأ هذا التوجه بوصفه مشروعًا لاهوتيًا ومعرفيًا يمتلك إمكانات واضحة ليكون موردًا داعمًا لإصلاح القوانين المتعلقة بالنساء، لكنه افتقر إلى بُعدٍ نضالي وحركي (قوي). ومن ثمّ، ترى الكاتبة بأن النسويات الإسلاميات-لا الإسلاميات السياسيات-إذا أردن أن ينمُوْن ويتطوّرن ليصبحن حركة اجتماعية ونضالية واعية، لا سيما في هذه المنطقة وفي هذه اللحظة التاريخية المفصلية، فعليهن اتخاذ مواقف واضحة إزاء سياسات وأخلاقيات كلٍّ من المؤسسة الدينية والنظام الحاكم.

يناقش هذا الفصل [الفصل السابع] في جزئه الأول الإشكالية العامة للعلاقة الهشّة بين النسويات والدولة، ولا سيما في السياق المصري الحديث، بينما يتناول في جزئه الثاني مواطن الالتباس الأخلاقي المرتبطة بالمواقف السياسية للنسوية الإسلامية. كما يقدّم إلقاء نظرة سريعة على خلفية نسوية الدولة في أوروبا الحديثة، لا بوصفها نموذجًا مثاليًا يُحتذى، بل باعتبارها فرصة للتفكير في الفوارق التي تفرضها السياقات الديمقراطية وغير الديمقراطية على قدرة الحركات النسوية على التعبير الحر عن المعارضة. فالوضع الذي تفاوض فيه النساء الدولة، على حساب تجاهل الانتهاكات الجوهرية وأشكال الفساد، مقابل مكاسب محدودة ومرتبطة بالنوع الاجتماعي فقط، يُعدّ شكلًا مشوَّهًا أخلاقيًا من نسوية الدولة.

الحركات النسائية والدولة

أُنجزت في السنوات الأخيرة مجموعة من الدراسات التي سعت إلى بلورة مفهوم النسوية الحكومية (state feminism)، والذي يُقصد به عمومًا شكل من أشكال النشاط النسوي الهادف إلى إحداث تغيير وإصلاح عمليين من خلال التعاون مع صانعي القرار والمؤسسات الرسمية (آدامز 2007؛ ماكبرايد ومازور 2010). وفي هذا الإطار، تُفهم هيئات سياسات المرأة بوصفها مؤسسات أو مجالس حكومية أُنشئت خصيصًا لتعزيز حقوق النساء ودعم المساواة بين الجنسين. وقد ظهر المفهوم الشامل للنسوية الحكومية لأول مرة عام 1987 على يد هيلغا هيرميس (Helga Hermes)، في سياق دراستها للنموذج الإسكندنافي لدولة الرفاه ودورها الاستباقي في دمج المواطنات باعتبارهن فاعلات أساسيات في المجال العام. وعرّفت هيرميس النسوية الحكومية بأنها «طيف متنوع من السياسات العامة والتدابير التنظيمية التي تهدف جزئيًا إلى معالجة مشكلات اجتماعية واقتصادية عامة، وجزئيًا إلى الاستجابة لمطالب النساء» (هيرميس 1987: 11). ومنذ تسعينيات القرن العشرين، ازداد اهتمام الباحثين بتحليل الممارسات الفعلية لهذه البنى الحكومية ودور الفاعلين داخل الدولة، مع التركيز على مدى قدرتها على جعل السياسات العامة أكثر استجابة لاحتياجات النساء ومصالحهن (ماكبرايد ومازور 2010: 5). وغالبًا ما تتمحور هذه الدراسات حول قضيتين أساسيتين: الأولى استخدام معايير شمول المرأة وتعميم المنظور الجندري بوصفها أدوات لقياس الأداء المقبول للدولة في هذا المجال؛ والثانية التأكيد على أن الحركات النسوية تكون أكثر فاعلية حين تنجح في بناء تحالفات استراتيجية مع مؤسسات الدولة وأهدافها السياسية، فيما يُعرف بـ«التحالف الناجح بين الوكالة والحركة» (ماكبرايد ومازور 2010: 5).

تقدّم جويس أوتشورن (1994) (Joyce Outshoorn)، التي يُنسب إليها صياغة مصطلح «النسويات» لأول مرة لوصف العاملات داخل الأجهزة البيروقراطية والمؤسسات الحكومية المعنيات بتعزيز حقوق المرأة وتحسين أوضاعها، قراءةً إيجابية عامة لهذه الظاهرة، إذ ترى أن البيروقراطيات النسويات يمتلكن، في الغالب، القدرة المؤسسية على تحويل مطالب الحركة النسوية إلى سياسات عامة قابلة للتنفيذ. ومع ذلك، وعلى الرغم من الميل السائد في الأدبيات إلى اعتبار الشراكة بين الدولة والحركة النسوية علاقة مثمرة وفعّالة، يظل التساؤل قائمًا حول مدى قدرة الحركة النسوية على الحفاظ على استقلالها في بعض السياقات، مع الدخول في تحالفات مرحلية مع الحكومات في سياقات أخرى (أوتشورن 2010). ويغدو الوعي بتقلّبات المشهد السياسي والخصوصيات الوطنية لكل دولة عنصرًا محوريًا في تحليل آليات عمل الدولة وأجهزتها المختلفة، خاصة عند تقييم الفرص والعقبات التي تواجه المؤسسات والحركات النسوية في مسارات التعاون والحشد والتعبئة (أوتشورن وكانتولا 2007).

بعبارة أخرى، يرتبط اعتبار النسوية الحكومية ظاهرة ناجحة بسياق سياسي واجتماعي معيّن يتيح للحركات النسوية الحفاظ على قدر من الاستقلالية، ويمنحها حرية تقرير حدود وشروط تحالفها مع الدولة والنظام القائم. ومن هذا المنطلق، برزت دراسات تشكك في التصور الإيجابي السائد حول النجاح الكامل للنسوية الحكومية-ولا سيما أنها تبلورت في إطار نموذج دولة الرفاه الإسكندنافية (Nordic welfare state model) – من خلال تسليط الضوء على العلاقة الإشكالية بين النسويات العاملات داخل مؤسسات الدولة والناشطات النسويات خارجها. وغالبًا ما تتسم هذه العلاقة بالتوتر والمنافسة أكثر مما تتسم بالتعاون (فالينتي، 1997). وتلخّص ماريان سوير (Marian Sawer) هذه الهشاشة، في تقييمها المقارن لسياسات الرعاية الاجتماعية العامة مقابل سياسات ترشيد السوق في ثلاث دول، بحديثها عن التوتر القائم بين «النساء العاملات من داخل الحكومة وخارجها». إذ تشير إلى أن آليات السياسة النسوية هي نتاج للحركة النسوية ذاتها، لكن هذه العلاقة تنطوي على توتر بنيوي؛ فالوحدات المعنية بالسياسات النسوية مسؤولة أمام الحكومة بقدر ما هي مسؤولة أمام الحركة النسوية، ما يجعل تعارض المصالح وتباين الرؤى أمرًا لا مفر منه. وتؤكد سوير أن النسويات العاملات ضمن الأطر الديمقراطية يُطلب منهن إظهار قدر من الولاء للحكومة للحفاظ على مصداقيتهن كمستشارات سياسيات، وهو ما يجعل الوساطة السياسية عملية محفوفة بالتنازلات (compromises)، حتى وإن أدّى ذلك إلى اتهامات بالاستيعاب أو الاستغلال (co-option) (ساوير، 1996. ii: )

تمثّل المراجع المذكورة أعلاه نماذج لدراسات تجريبية سعت إلى تقييم أثر النسوية الحكومية وقياس مدى نجاحها في السياق الأوروبي، بوصفه جزءًا من منظومة الديمقراطيات الغربية المستقرة. وقد انصبّ تركيز هذه الدراسات على سياسات وتدابير محددة تبنّتها الدولة ضمن ما يُعرف بـ «عملية تعميق الديمقراطية» (process of making democracies more democratic) (ماكبرايد ومازور، 2010: 3). وإلى جانب ذلك، تُبرز هذه الأدبيات أن تبنّي هذا النهج النسوي الحكومي يعكس تحوّلًا سياسيًا واجتماعيًا مهمًا، يتمثل في ازدياد وضوح التزام الدول بالنسوية بوصفها إطارًا موجّهًا للسياسات العامة (مازور، 2002). في المقابل، يختلف السياق في دولة مثل مصر- سواء قبل ثورة يناير 2011 أو بعدها – اختلافًا جوهريًا؛ إذ يتسم بدرجة أعلى من التعقيد، وبمستوى أقل من الاستقرار السياسي والمؤسسي.

النسوية الحكومية في مصر

تتسم العلاقة بين الحركات النسوية والدولة في المنطقة العربية، ولا سيما في مصر، بدرجة عالية من التعقيد، يعود جانب كبير منها إلى إرث الاستعمار الحديث ومسارات النضال الوطني من أجل الاستقلال. وتقدّم إيلين فليشمان (1999) (Ellen Fleischmann) قراءة شاملة لتاريخ نشأة الحركة النسوية الحديثة في مصر وسياق تطورها خلال النصف الأول من القرن العشرين، حيث تميّز ثلاث مراحل متعاقبة. تتمثل المرحلة الأولى فيما تُسميه «الصحوة» (awakening)، أي بدايات الاهتمام العام والنخبوي بقضايا المرأة مع مطلع القرن العشرين، وهي مرحلة شهدت (أيضًا) تأسيس منظمات نسوية وازدهار الصحافة والمجلات النسائية. أما المرحلة الثانية، فتتمثل في انخراط النساء في الحركة الوطنية المناهضة للاستعمار البريطاني والمشاركة الفاعلة في النضال من أجل الاستقلال. وتأتي المرحلة الثالثة مع تبنّي الدولة سياسات تهدف إلى إقرار مساواة قانونية بين الجنسين، خاصة في مجالي التعليم والعمل في القطاع العام. غير أن تحليل فليشمان يكشف عن نمط تاريخي متكرر في تجارب حركات التحرر الوطني وبناء الدول المستقلة عقب الاستقلال، إذ تميل الأنظمة الجديدة إلى تهميش المطالب النسوية الخاصة والشاملة، ولا تُترجم مشاركة النساء في النضال الوطني بالضرورة إلى منحهن حقوقهن كاملة، رغم الاعتراف الرمزي بأدوارهن في معركة التحرر.

في الواقع، رصد عدد من الباحثين المتخصصين في تاريخ الحركات النسوية في المنطقة العربية، وفي الشرق الأوسط عمومًا، هذه المفارقة المتكررة التي تتمثل في إسهام النساء في المشروع القومي، ثم تهميشهن أو التخلي عن مطالبهن لاحقًا (بارون، 1991: 272). وقد كشفت كتابات كلٍّ من دنيز كانديوتي (1991) (Deniz Kandiyoti) وآن ماكلينتوك (1991) (Anne McClintock) زيف الافتراض القائل إن قيام دولة قومية قوية ومستقلة وحديثة يقود (تلقائيًا) إلى تحرر النساء وضمان حقوقهن المتساوية كمواطنات. وفضلًا عن ذلك، فإن الرهان على الدولة بوصفها الفاعل الرئيس القادر على تنفيذ سياسات تقدمية وفعالة للمساواة بين الجنسين قد يعكس قدرًا من الثقة غير المبررة من جانب النساء. إذ يُظهر تحليل سياسات ومواقف دول مثل تركيا وإيران—ولا سيما خلال ذروة مشروعات التحديث والعلمنة في النصف الأول من القرن العشرين—أن الدولة، حتى حين تدعم حقوق المرأة وتوسّع من مشاركتها في المجال العام، لا تتصرف بوصفها فاعلًا محايدًا. ففي سياق ترسيخ الأيديولوجيات وبناء الأنظمة، غالبًا ما تُوظِّف الدولة قضية المرأة كأداة سياسية لإبراز صورة “حديثة، وديمقراطية، وشاملة” أمام الخارج، بينما تدخل في مفاوضات (bargaining) مع الحركة النسوية المحلية على أساس تبادل المصالح والمكاسب.

ركّزت ميرفت حاتم (1994) في تحليلها على الطابع الإشكالي للعلاقة التي ربطت الحركة النسوية بالدولة المصرية منذ خمسينيات القرن العشرين. ففي هذا السياق، بدت «النسوية الحكومية» سلاحًا ذا حدّين: فمن جهة، استفادت النساء (عمومًا) من سياسات الدولة التي عززت فرص التعليم والعمل والمشاركة في المجال العام، باعتبار ذلك جزءًا من مشروع بناء المواطنة الوطنية (nation-building citizenry project)؛ ومن جهة أخرى، تحقق هذا التقدم على حساب استقلالية الحركة النسوية وقدرتها على تحديد أولوياتها ذاتيًا. وخلال عهد جمال عبدالناصر (1952–1970)، تبنّت الدولة سياسات تشبه، في بعض جوانبها، نموذج دولة الرفاه الإسكندنافية، إذ سعت إلى إدماج النساء في برامجها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والصحية والتعليمية بوصفهن مواطنات عاملات في خدمة مشروع التحديث والتقدم الوطني. وقد مُنحت النساء حق التصويت، وأُتيح لهن الانخراط في سوق العمل، وتولّي مناصب حكومية مختلفة داخل القطاع العام. غير أن الدراسة المقارنة التي قدّمتها حاتم لاحقًا (1999) أظهرت أن هذا النمط من النسوية الحكومية -كما في حالات أخرى مثل تركيا – حين تتبناه أنظمة ما بعد الاستعمار في إطار مشاريع تحديث شاملة تُفرض من أعلى إلى أسفل، أو في سياق سعيها إلى ترسيخ شرعيتها السياسية، فإنه يربط حقوق النساء بتقلّبات المصالح السياسية للدولة، ويجعل الدولة هي التي تحدد أولويات النساء ومطالبهن. ونتيجة لذلك، ومع اعتماد الحركة النسوية اعتمادًا (شبه كامل) على الدولة في صياغة سياسات رسمية للمساواة بين الجنسين، ولا سيما في المجال العام، تميل هذه الحركة إلى فقدان استقلاليتها وتراجع قدرتها على التحكم في أجندتها الإصلاحية في مجالات أخرى.

تتجلّى إحدى إشكاليات هذا النمط من الارتباط بين الدولة والحركة النسوية – ولا سيما في حالة مصر التي انتقلت من عهد عبد الناصر إلى عهدي السادات (1970–1981) ومبارك (1981–2011) – في قابليته للاستغلال السياسي. فعلى الرغم من أن تراجع الدولة عن تقديم خدمات الرعاية الاجتماعية وأشكال الدعم المختلفة، مع تبنّيها سياسات الاقتصاد الحر منذ عام 1974، دفعها إلى تشجيع المنظمات غير الحكومية والخيرية بوصفها بدائل للمؤسسات المدنية الرسمية، فإنها ظلّت حذرة من أي مواجهة سياسية محتملة قد تنشأ عن نشاط هذه المنظمات. وتتبع هبة رؤوف (2001) تطور العلاقة بين الحركات النسوية والمنظمات النسائية- التي تصفها بأنها علمانية بوضوح- وبين الدولة، مع تركيز خاص على تسعينيات القرن العشرين، وهي المرحلة التي شهدت انعقاد مؤتمرين دوليين بارزين للأمم المتحدة حول قضايا المرأة: المؤتمر الدولي للسكان والتنمية (ICPD)، ومؤتمر بكين. وتذهب رؤوف إلى أن نشاط النساء الإسلاميات اتسم بقدر أكبر من الأصالة والامتداد الشعبي، في حين انخرطت النسويات النخبويات والعلمانيات في علاقة تفاوض ومساومة مع السلطة. ومن هذا المنظور القريب من التيار الإسلامي، تُظهر رؤوف أن حملة الدولة ضد الإسلاميين وعداءها العلني لخطابهم أوجدت فرصة ذهبية للتيار العلماني لمهاجمة الإسلاميين فيما يخص قضية المرأة، وتقديم نفسه بوصفه المدافع الحقيقي عن حقوق النساء، مع تصوير الإسلاميين على أنهم التهديد الأكبر لهذه القضية (رؤوف، 2001: 250). وحرصًا على كسب رضا الدولة وضمان دعمها لأجندتهن، امتنعت الجمعيات والتنظيمات النسوية الرئيسة عن مواجهة النظام أو معارضته صراحة، وهو ما «وضع (تلقائيًا) معظم الأوساط العلمانية والنسوية في صف الحكومة، لكن بثمن تمثّل في الصمت إزاء انتهاكات حقوق الإنسان التي ارتكبتها الدولة خلال هذه العملية» (المرجع نفسه). وفي هذا السياق، تفسّر رؤوف إنشاء المجلس القومي للمرأة (National Council of Women) بقرار رئاسي عام 2000، إلى جانب اختيار أعضائه بعناية، بوصفه آلية لإعادة توزيع السلطة (allocation of power)، وأداة للمساومة السياسية ولمكافأة حلفاء النظام وداعميه.

على الرغم من أن هذا الطرح ينطوي على قدر من التعميم والتحيّز المفرط ضد مجمل الناشطات النسويات غير المنتميات إلى التيار الإسلامي، فإنه يسلّط الضوء على مأزق محتمل ينشأ عن الارتباط الوثيق بالسلطة، ولا سيما حين تكون هذه السلطة استبدادية وغير ديمقراطية (authoritarian and undemocratic). فقد أسهم هذا الجانب البنيوي الإشكالي في تعاون الحركة النسوية مع الدولة- وخاصة في صيغته المؤسسية المتمثلة في المجلس القومي للمرأة، الذي عمل تحت الرعاية المباشرة وإشراف سوزان مبارك- في ترسيخ صورة الحركة لدى قطاعات واسعة من الرأي العام بوصفها حليفًا لنظام فاسد وقمعي (corrupt and oppressive)، الأمر الذي أضعف شرعيتها، وقلّل من تأثيرها، وقوّض قاعدة الدعم الشعبي لها. وبناءً على ذلك، تبيّن أن هذا النمط من النسوية الحكومية يفتقر إلى المتانة، إذ سرعان ما انكشفت هشاشته (fragility) عقب الإطاحة بنظام مبارك في ثورة يناير 2011، ليصبح خلال المرحلة الانتقالية التالية عرضة لهجمات تيارات رجعية طالبت بالتراجع عن بعض المكاسب القانونية التي تحققت في ظل النظام السابق.

ترى هدى الصدة (2011) (Hoda Elsadda) أن التحدي الأبرز الذي واجه ناشطات حقوق المرأة في المرحلة التي أعقبت ثورة يناير مباشرة تمثّل في التصدي لما أطلقت عليه متلازمة السيدة الأولى (Combating the shadow of the First Lady syndrome). فقد ترسّخ، خلال العقد السابق، تصورٌ عام يربط بين نشاط المدافعات عن حقوق المرأة وبين سوزان مبارك، حرم الرئيس الأسبق، ودائرتها المقربة (entourage)، وبالتالي بسياسات نظام فاسد متماهٍ مع أجندات إمبريالية (الصدة 2011: 86). غير أن الصدة تفكك هذا التصور وتدحضه على نحو مقنع، مبيّنة أن الإصلاحات والتعديلات التشريعية المعنية بقضايا المرأة كانت في جوهرها ثمرة كفاح تراكمي وطويل الأمد خاضته ناشطات حقوق المرأة أنفسهن، بصرف النظر عن محاولات السيدة الأولى توظيف هذه القضايا لتحسين صورتها العامة، وبعيدًا (أيضًا) عن الأدوار الرسمية التي اضطلعت بها قيادات المجلس القومي للمرأة (NCW’s democrats).

على الرغم من أنني تناولت مسألة الارتباط والتعاون مع دول أو أنظمة فاسدة بوصفها علاقة إشكالية وقابلة للتوظيف السياسي، فإن شيطنة أي مساعٍ إصلاحية تبذلها الغالبية العظمى من الناشطات النسويات تمثّل الوجه المقابل، والمرفوض بدوره، لهذا التلاعب السياسي (manipulation). ترصد الصدة الحالة التي تشكّلت مباشرة في أبريل 2011، حيث تعالت دعوات لإلغاء تعديلات قانونية بعينها أُدخلت خلال العقد السابق على قانون الأحوال الشخصية بهدف تحسين بعض الأوضاع القانونية للمرأة، ولا سيما فيما يتعلق بإجراءات الزواج والطلاق. وقد صدرت هذه الدعوات من معسكرات إسلامية وغير إسلامية على حد سواء، وقادها فاعلون سياسيون سعوا ليس فقط إلى تقويض المكاسب التي تحققت للنساء، بل (أيضًا) إلى تشويه الحركة النسوية برمتها، تحت ستار توجيه نقد مشروع للنظام السابق وتصحيح مسار ما بعد الثورة. تُظهر المقالة أنه، على الرغم من الجهود المضنية التي بذلتها ناشطات حقوق المرأة في مسار الإصلاح القانوني المعقّد، فإن الحصيلة النهائية ظلت رهينة بموافقة السيدة الأولى ونفوذها السياسي (الصدة 2011: 93)، الأمر الذي مثّل عمليًا نوعًا من اختطاف القضية (hijacking). ورغم أن إعلان معارضة صريحة أو قطيعة كاملة مع المجلس القومي للمرأة لم يكن ممكنًا في عهد مبارك بالنسبة إلى الناشطات المستقلات، فإن معظمهن كنّ واعيات بأن المجلس «ينافس منظمات نسائية قائمة، ويسعى إلى الاستحواذ على نشاط المرأة وعملها، ويحاول احتكار تمثيل النساء والتحدث باسمهن جميعًا» (المرجع نفسه).

خلال المرحلة الانتقالية التي تولّى فيها المجلس الأعلى للقوات المسلحة (SCAF) إدارة شؤون البلاد عام 2011، وبفعل الزخم الثوري المصاحب لتلك اللحظة، طالبت ناشطات نسويات بإعادة هيكلة المجلس القومي للمرأة وإضفاء طابع ديمقراطي عليه، بما يتيح تحويله من مؤسسة تُدار عبر مسؤولين وبيروقراطيين مُعيَّنين من قبل الدولة إلى إطار يعكس مطالب المجتمع المدني وتمثيلاته. غير أنّه، على الرغم من اتساع النقاشات العامة حول هذا الشأن وطرح مقترحات جديدة لإعادة تعريف علاقة الدولة بالناشطات النسويات والمنظمات غير الحكومية، فإن مسار الأحداث خلال تلك السنة والنصف المضطربة (حتى منتصف عام 2012)- ولا سيما تصاعد الاحتجاجات النسائية والانتقادات الحادة لممارسات العنف والقمع التي انتهجها المجلس العسكري بحق المتظاهرات- أجهض هذا التوجه ووضع حدًا له. ومع ذلك، فإن «هذا الميل إلى البحث عن صيغ تنظيمية بديلة يدل على أن العلاقة المؤسسية بين الدولة والمرأة، تلك التي مكّنت الأولى من بسط هيمنتها على الثانية مقابل بعض المكاسب، قد تعرّضت لتحدٍ حقيقي» (حاتم 2011: 38). فمنذ ثورة يناير، عبّرت «النساء المصريات الناشطات عن رغبة واضحة في الابتعاد عن الإرث المؤسسي والسياسي لنسوية الدولة» (المرجع نفسه: 41). ومع ذلك، أرى بأن هذا التوجّه كان أكثر بروزًا خلال مرحلتي حكم المجلس العسكري ثم عام حكم محمد مرسي، مقارنةً بالفترة التي تلت التدخل العسكري في الثالث من يوليو.

لم تتردد الجماعات النسوية والناشطات في إعلان معارضتهن الصريحة لانتهاكات المجلس الأعلى للقوات المسلحة لحقوق الإنسان واعتماده سياسات قمعية، كما احتججن على مساعي جماعة الإخوان المسلمين لفرض توجهات وسياسات تقوم على أيديولوجيا جندرية محافظة ذات طابع رجعي (conservative, regressive gender ideology). وخلال فترة حكم الإخوان، اتخذ المجلس القومي للمرأة آنذاك موقفًا متحفظًا، إذ نأى بنفسه عن الحملة الرسمية للدفاع عن حقوق المرأة، وعن السياسات الحكومية السائدة، وعن محاولات المؤسسة الرئاسية فرض أجندتها الخاصة. وتجلى هذا التوتر (بوضوح) خلال الدورة السابعة والخمسين للجنة الأمم المتحدة المعنية بوضع المرأة في مارس/آذار 2013. فعلى الرغم من أن رئيسة المجلس القومي للمرأة، السفيرة الدكتورة ميرفت التلاوي، كانت تمثل الحكومة المصرية تقليديًا في هذا المحفل الدولي، فإن الرئيس محمد مرسي أوفد مساعدته الرئاسية للشؤون السياسية، الدكتورة بكينام الشرقاوي، لترؤس وفد ذلك العام وإلقاء الكلمة الرسمية حول قضايا المرأة من منظور النظام الحاكم، في خطوة بدت وكأنها تهدف إلى تقويض الدور التمثيلي للمجلس. واختارت الدكتورة التلاوي عدم حضور الاجتماع حتى لا يُفهم ذلك على أنه إقرار ضمني بالمواقف التي طرحتها الشرقاوي. ورغم ذلك، أعلنت الشرقاوي انضمام مصر إلى تحالف إقليمي يضم سبع عشرة دولة احتجاجًا على اعتماد إعلان الأمم المتحدة بشأن العنف ضد المرأة دون شروط، مبررة ذلك بضرورة احترام الخصوصيات الثقافية والدينية والحفاظ عليها. وجاء موقف التلاوي معارضًا بوضوح لهذه السياسة الرسمية، إذ تجاهلت هذا التوجه الحكومي وأعلنت أن مندوبة لجنة وضع المرأة ستنضم، رغم ذلك، إلى الإجماع الدولي حول وثيقة الأمم المتحدة التي تحدد المعايير العالمية لمكافحة العنف ضد المرأة. وقد اكتسب موضوع تلك الدورة، المتعلق بالعنف ضد المرأة، أهمية خاصة في ضوء تصاعد حوادث العنف والاعتداءات الجنسية ضد المتظاهرات، وهي الظاهرة التي تفاقمت في عهد المجلس العسكري واستمرت خلال حكم مرسي. وكانت الناشطات والمبادرات النسوية صريحات في فضح هذه الانتهاكات، معتبرات إياها سياسة دولة ممنهجة تمارسها الشرطة وقوات الأمن المسيطرة على الفضاءات العامة، بهدف ترهيب النساء ودفعهن إلى الانسحاب من المشاركة في الاحتجاجات (عبد الحميد وأحمد 2014؛ لانغور 2014). وفي هذا السياق، ضمّنت التلاوي في الورقة التي قدمتها خلال إحدى الجلسات النقاشية للجنة وضع المرأة إدانة صريحة لهذه الممارسات، ووصفتها بأنها «سلاح سياسي جديد» يُستخدم للاعتداء على النساء وتخويفهن من الانخراط في المظاهرات (التلاوي 2013: 3). وعندما أصدرت جماعة الإخوان المسلمين والاتحاد العالمي للعلماء المسلمين بيانًا شديد اللهجة يندد بإعلان الأمم المتحدة بدعوى تعارضه مع القيم الثقافية والدينية المصرية، سارع المجلس القومي للمرأة إلى الرد لتفنيد هذه الادعاءات، كما انتقدت الناشطات النسويات هذا الخطاب علنًا ورفضن النهج الذي تبنته الدولة آنذاك في تقويض نضال المرأة من أجل تحقيق قدر أكبر من المساواة في الحقوق.

يسعى هذا التقرير إلى إبراز الفوارق بين تحركات المجلس القومي للمرأة والحركة النسوية خلال مرحلتي حكم المجلس العسكري ونظام جماعة الإخوان المسلمين، وهي تحركات عكست، في كلتا الفترتين وما تلاهما، قدرًا من مقاومة هيمنة الدولة على قضايا المرأة. غير أن هذا المسار شهد تحولًا ملحوظًا عقب التدخل العسكري في 3 يوليو/تموز 2013. ففي مؤتمر صحفي دولي واسع التغطية الإعلامية، نظمه المجلس القومي للمرأة برئاسة الدكتورة ميرفت التلاوي، وبمشاركة سكينة فؤاد، المستشارة الرئاسية المعينة حديثًا لشؤون المرأة، وتهاني الجبالي، نائبة رئيس المحكمة الدستورية السابقة والمعروفة بتأييدها لسياسات المجلس العسكري ــ وهي مواقف سبق أن تعرضت بسببها لانتقادات حادة من قبل العديد من الجماعات والناشطات النسويات- اتخذ الحدث طابعًا سياسيًا واضحًا. وقد عُقد المؤتمر بعد أقل من أسبوع على الفضّ العنيف لاعتصام رابعة في 14 أغسطس/آب 2013 (violent disbanding of the Rabia sit-in camp)، حيث سارعت المتحدثات، في خطوة وُصفت بالمتعجلة وغير المحسوبة، إلى تقديم أنفسهن بوصفهن الممثلات الوحيدات للحركة النسوية، متحدثات باسم جميع النساء المصريات (رمضان 2013). وخلال المؤتمر، عبّرن عن دعمهن الكامل للنظام القائم، ولا سيما من خلال تبرير أفعال القوات المسلحة والشرطة في أحداث فضّ اعتصام رابعة. وفي مفارقة لافتة، نُقل عن التلاوي تعليقها على نظام الإخوان المسلمين الذي أُطيح به حديثًا (just-ousted) بقولها إن «النساء تعرّضن لمعاملة وحشية على يد الإخوان المسلمين». كما وجّهت المتحدثات انتقادات حادة إلى الغرب بسبب إدانته أعمال العنف والإجراءات التي اتخذتها الحكومة المصرية بحق قطاعات واسعة من الشعب. وفي ختام المؤتمر، صدر بيان رسمي عن المجلس القومي للمرأة، تلتْه التلاوي، تحت عنوان «النساء ضد العنف والإرهاب»، أكد على الدعم المطلق للقوات المسلحة والشرطة، وطُرح فيه، باسم «المرأة المصرية»، مطلب إدراج جماعة الإخوان المسلمين على القوائم الدولية للمنظمات الإرهابية.

مثّل هذا المؤتمر الصحفي المبكر تدشينًا لمرحلة جديدة في العلاقة بين مختلف الناشطات والجماعات النسوية من جهة، والحكومة/النظام المصري الجديد المدعوم من المؤسسة العسكرية من جهة أخرى. وباستثناء عدد محدود من جماعات المعارضة النسوية والحقوقية، إضافة إلى قلة من الناشطات النسويات الواعيـات، يمكن القول إن ثمة تحولًا ملحوظًا قد حدث، أو بالأحرى عودة إلى ما كان سائدًا قبل ثورة يناير، حيث التزم المجلس القومي للمرأة وحلفاؤه الصمت (keeping silent) إزاء انتهاكات الدولة لحقوق الإنسان، وشاركوا فيما يمكن وصفه بـ«ديمقراطية غير ليبرالية» (illiberal democracy). وفي ورقة موقف أصدرتها مؤخرًا ثلاث منظمات غير حكومية مستقلة- هي منتدى المرأة والذاكرة (The Women and Memory Forum)، والمبادرة المصرية للحقوق الشخصية (The Egyptian Initiative for Personal Rights)، ونظرة للدراسات النسوية (Nazra for Feminist Studies)- قُدّمت كعرض مشترك في الدورة الثامنة والخمسين للجنة الأمم المتحدة المعنية بوضع المرأة في مارس/آذار 2014، طُرحت مسألة استقلالية المنظمات النسوية ومنظمات المجتمع المدني في مواجهة الدولة بقدر كبير من الدقة والاختصار. فقد أشارت الورقة، على سبيل المثال، إلى تجاهل المجلس القومي للمرأة التام للاحتجاجات المحدودة التي عبّرت عنها بعضُ الجماعات الناشطة، رغم تصاعد التقارير حول الاعتداءات الجنسية (sexual assaults) وممارسات التعذيب (torture perpetrated) التي يرتكبها أفراد من الشرطة وقوات الأمن، سواء في الشوارع أو داخل مقار الاحتجاز (detainment). كما امتنع المجلس عن إصدار أي بيانات يمكن أن تُفهم على أنها إدانة لسياسات وزارة الداخلية أو ممارساتها المتعمدة. ويثير هذا الموقف تساؤلات جدية حول التحيزات (biases) السياسية للمجلس القومي للمرأة، وصلته (الوثيقة) بنظام 3 يوليو، ومدى ابتعاده عن القضايا الملحّة التي تشغل الحركة النسوية. ويتضح هذا التوجه (أيضًا) خلال التوقيع الرسمي على بروتوكول تعاون بين المجلس القومي للمرأة ووزارة الداخلية في سبتمبر/أيلول 2013، حيث أعلنت الوزارة نيتها إنشاء وحدة خاصة بحقوق الإنسان لمناهضة العنف ضد المرأة. ففي تلك المناسبة، وجّهت التلاوي الشكر لوزيري الداخلية الحالي والسابق، ورفضت تحميل الشرطة وحدها مسؤولية استعادة الأمن، مشيدةً بأدائها، ومؤكدة أن «الأمر عاد إلى الشعب»، وأن الفجوة بين الشرطة والمجتمع قد انتهت بعد ثورة 30 يونيو (العيسوِّي 2013). غير أن هذا التأكيد لم يستند إلى معطيات واقعية ملموسة، بقدر ما عكس رغبة مسبقة في إعلان دعم غير مشروط وغير مبرر لسلطة الأجهزة الأمنية وممارساتها.

ومن الأمثلة الأخرى التي يوردها التقرير دور المجلس القومي للمرأة في تنظيم حملات واسعة لحشد النساء في مختلف أنحاء البلاد للتصويت لصالح دستور 2014، وهو ما أسهم في توجيه النساء نحو خيار سياسي بعينه، بدلًا من الاضطلاع بالدور المفترض للمجلس في نشر الوعي بأهمية المشاركة السياسية القائمة على حرية الاختيار والفهم والتحليل النقدي. وبناءً عليه، فإن استمرار المجلس القومي للمرأة بوصفه مؤسسة ترعاها الدولة وتخضع لإشراف مباشر من مؤسسة الرئاسة يقوّض استقلاليته على نحو خطير، لا سيما فيما يتعلق بقضايا المشاركة السياسية وصنع القرار. ويترتب على ذلك أن المجلس بات، في نظر كثيرين، يؤدي وظيفة دعائية (propaganda tool) لصالح النظام بالدرجة الأولى، بدلًا من التركيز على دعم النساء في مواجهة أوضاعهن المعيشية وأزماتهم اليومية، أو حمايتهن من مختلف أشكال العنف والانتهاك، سواء داخل الأسرة أو في المجال العام أو على مستوى المؤسسات، بما في ذلك ممارسات الدولة نفسها. وفي هذا السياق، وخلال مؤتمر عقده المجلس القومي للمرأة في 24 مايو/أيار 2014 للترويج لما اعد نجاحًا للانتخابات الرئاسية ومشاركة النساء فيها، أثارت التلاوي جدلًا واسعًا عندما قامت بطرد عضوين من بعثة الاتحاد الأوروبي لمراقبة الانتخابات، رافضةً تقريرهما بدعوى أنه يعكس موقفًا عدائيًا تجاه مصر، ومُتهمةً إياهما بالتزوير والتدخل في الشؤون الداخلية للبلاد، ومصرّحةً بلهجة حادة: «أنتم خارج الشرق الأوسط» (البنا 2014). وقد قوبل هذا الموقف بتصفيق حاد من الحضور، الذين اعتبروا تصرّفها تعبيرًا عن الوطنية في مواجهة ما وُصف بـالمتآمرين الغربيين (Western conspirators)، بما ينسجم مع المناخ السياسي العام السائد في تلك المرحلة.

في ظل استمرار انتهاكات حقوق الإنسان، وتصاعد ممارسات العنف الشرطي، وتزايد التقارير عن التعذيب والاعتقالات العشوائية، فضلًا عن الإجراءات غير القانونية التي اتخذتها سلطات الادعاء (prosecution) خلال عام 2014، لم يتطرق المجلس القومي للمرأة إلى هذه الأوضاع خلال الدورة الثامنة والخمسين للجنة الأمم المتحدة المعنية بوضع المرأة في مارس/آذار 2014. فقد تراجع (بشكل ملحوظ) مستوى التحدي والاستقلالية اللذين ميّزا موقف المجلس في العام السابق، حين اتخذ مواقف معارضة للحكومة المصرية آنذاك، ليحل محلهما خطاب عام يناهض النزعات المحافظة أينما وُجدت، في تجنب واضح للقضايا الأكثر إلحاحًا وأهمية (ليدرر 2014). وعلى الرغم من أن المجلس القومي للمرأة يسعى بالفعل إلى تحقيق أهداف قد تسهم في تحسين أوضاع النساء وتعزيز حقوقهن، ويشارك بفاعلية في صياغة السياسات الدولية الداعمة للإصلاح، فإنه عاد في الوقت نفسه إلى موقعه التقليدي المريح بوصفه مؤسسة موالية للدولة، تتجنب انتقاد السياسات والممارسات القمعية، حتى عندما تمس حقوق الإنسان للنساء والرجال على حد سواء، فضلًا عن الحريات الديمقراطية والسياسية. وفي هذا السياق، نشرت الدكتورة نيفين مسعد، أستاذة العلوم السياسية وكاتبة عمود وعضو بارز في المجلس القومي للمرأة، مقالًا صحفيًا تناولت فيه (بإيجابية) اللقاء الرمزي الذي جمع عبدالفتاح السيسي بالمجلس خلال حملته الرئاسية القصيرة. وبعد أن قدمت ما وصفته بعرض موضوعي للحوار- من دون أي إشارة إلى التقارير المتداولة آنذاك بشأن الاعتقالات العشوائية وسوء المعاملة الجماعية في مقار الشرطة أو العنف الجنسي داخل أماكن الاحتجاز- اختتمت مقالها بتوصية موجزة وجهتها إلى المرشح قائلة:«استثمر في التعليم، وستجد كل أم إلى جانبك» (مسعد 2014).

وإذا كان من الممكن تبرير هذا التغاضي المتعمد عن الخطابات المأزومة (defective) وأوجه القصور (malfunctions) في السياسات بوصفه ضرورة سياسية مرحلية، فإن الموقف النسوي الإسلامي، بوصفه موقفًا أخلاقيًا تمكينيًا، يفترض أن يتبنى مسارًا مغايرًا. فمبادئ الحركة النسوية، كما القيم الأخلاقية التي يؤسس لها القرآن الكريم، تقتضي تبني قراءة نقدية صادقة لأشكال الظلم كافة، قراءة تقوم على وعي أخلاقي رفيع وممارسة مسؤولة. وفي هذا السياق، يرد في القرآن الكريم: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا) (النساء: 135)، (نقلًا عن أبو الفضل 2002: 14). ويؤكد هذا النص القرآني أن العدل واجب أخلاقي لا يخضع للاعتبارات الشخصية أو السياسية، ولا يجوز الالتفاف عليه أو التهاون في إقامته. وعليه، فإن رفض الظلم والنفاق السياسي وأشكال الخداع كافة (يظل) ضرورة أخلاقية لا غنى عنها، حتى وإن اقتضى ذلك، في الحد الأدنى، الامتناع عن تقديم الدعم المباشر أو المشاركة في مؤسسات حكومية تتبنى الصمت إزاء هذه الانتهاكات.

النسوية الإسلامية والسياق السياسي المتغير

خلال فترة حكم مبارك، ولا سيما في العقد الأخير الذي سبق ثورة يناير 2011، تبنّت الدولة خطابًا سياسيًا عامًا يدعو إلى تجديد الخطاب الديني (renewal of religious discourse)، في إيحاء واضح بأن الأيديولوجيا الإسلامية تُعد عائقًا أمام تحقيق تحديث مدني كامل ومستنير. وبموجب هذا التصور، لم تعتبر السلطات الآراء التي تتبنى خطابًا إسلاميًا معتدلًا وغير تصادمي أو مسيّس مصدر تهديد حقيقي، إذ انصب اهتمامها الأساسي على احتواء ومواجهة أيديولوجيا جماعة الإخوان المسلمين التي كانت تُقدَّم بوصفها نموذجًا للإسلام السياسي الساعي إلى السيطرة على الحكم والنظام العام. وفي هذا السياق، أُتيح للباحثات النسويات العاملات في قضايا المرأة والإسلام- بل وشُجّعن في بعض الأحيان- تقديم مقاربات غير مسيّسة لقضايا المرأة من منظور ديني، الأمر الذي أسهم في تصنيفهن باعتبارهن مستنيرات وآمنات سياسيًا. غير أن هذا الوضع ظل ملتبسًا ومثيرًا للقلق؛ إذ واصلت أجهزة الأمن وسلطات الدولة مراقبة منظمات حقوق الإنسان والمنظمات النسوية غير الحكومية، إلى جانب الصحفيين والأكاديميين والكتّاب والشخصيات العامة، لرصد أي توظيف للخطاب الديني قد يتجاوز حدود الاعتدال والتدجين، ليتحول إلى نقد صريح لسياسات الدولة. وبناءً عليه، أبدت الدولة قدرًا من التسامح الحذر مع الطروحات التي تدعو إلى إصلاح أوضاع المرأة استنادًا إلى تفسيرات دينية مستنيرة، ما دامت هذه الطروحات تُسهم، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في إضعاف (undermining) خطاب الإسلام السياسي وتقويض نفوذه.

وجدت الحركة التي تُعرّف نفسها بـالنسوية الإسلامية، والساعية إلى إنتاج معرفة إسلامية بديلة تراعي قضايا النوع الاجتماعي، نفسها في موقع ملتبس (equivocal) عقب صعود الإسلام السياسي إلى السلطة. فمنذ نشأته، انطلق هذا المشروع من نقد البنية اللاهوتية الذكورية، ومساءلة المبررات الدينية التي تُسوّغ التراتبية بين الجنسين، والعمل على بلورة قيم العدل والمساواة بين النساء والرجال ضمن إطار الرؤية الإسلامية للعالم. وقد تمحور هذا التوجه حول شقّ مساحة وسطى ومعارضة في آن واحد، تقع بين الرفض العلماني الجذري لأي مرجعية دينية، وبين النزعة الدينية المحافظة. وفي السياق المصري، لم يكن هذا النمط من العمل النسوي- على الرغم من اعتماده على دراسات وحجج دينية- جزءًا من مشروع الإسلام السياسي أو من أيديولوجية جماعة الإخوان المسلمين. فلم ينخرط باحثوه في النشاط الأيديولوجي للحركة، ولم يتبنّوا تصورات الأخوات، أي النساء المنتميات إلى جماعة الإخوان، بشأن قضايا النوع الاجتماعي. فعلى سبيل المثال، في حين روّجت منظمة موالية للإخوان، مثل اللجنة الإسلامية العالمية للمرأة والطفل برئاسة كاميليا حلمي، لرؤى تقليدية محافظة تقوم على التراتبية الجندرية والقيادة الذكورية وخطابات معادية للمرأة، اتجهت مجموعة أخرى، هي المرأة والحضارة، إلى إجراء بحوث حول قضايا المرأة في الإسلام بهدف استكشاف إطار معرفي نسوي إسلامي، وتطوير خطاب نقدي يواجه في آن واحد التفسيرات الذكورية للإسلام والتصورات العلمانية السائدة. وفي ذلك الوقت، عبّرتُ عن هذا الالتباس الجديد الذي بدأ يحيط بالحركة النسوية الإسلامية بالقول: «إنها تجد نفسها اليوم في وضع مختلف نسبيًا مع وصول حزب الحرية والعدالة الإسلامي إلى السلطة. فربما كان توظيف الحجج المستندة إلى الإسلام والمفاهيم التحررية يُعدّ سابقًا شكلًا من أشكال المقاومة، لكنه قد يُنظر إليه الآن بسهولة باعتباره منسجمًا مع نسوية الدولة الجديدة، أو بالأحرى مع الأيديولوجيا الجندرية الإسلامية المحافظة التي ميّزت فكر جماعة الإخوان المسلمين» (أبو بكر 2013: 1).

تمحور القلق حول احتمال إساءة فهم هذا التيار النسوي الإسلامي، وربطه- على نحو خاطئ- بخطابات جماعة الإخوان المسلمين، بدل النظر إليه بوصفه حركة نسوية مستقلة ذات موقع فكري وسياسي متميز. ومن هنا برز السؤال الجوهري: كيف يمكن للنسويات الإسلاميات الحفاظ على استقلاليتهن، بحيث لا يُفرض عليهن خطاب الهيمنة الذي يتبناه النظام الحاكم الجديد، ولا يُستغللن من قِبل المعسكرات السياسية المتنافسة في صراعات السلطة؟ وقد شكّلت هذه الإشكالية معضلة حقيقية استدعت بلورة موقف معارض ومقاوم واضح ومشترك، والتأكيد عليه صراحة. وفي هذا السياق، جاء التأكيد على أن «كونكِ باحثة نسوية إسلامية لا يعني تبنّي مشاريع سياسية يمينية، ولا القبول بتفسيرات متحيزة جندريًا للإسلام، ولا تقديم قراءات سطحية للشريعة، ولا الانخراط في الخطابات الاستشراقية الجديدة أو الحداثوية، ولا استدعاء ثنائيات عصر التنوير في مقابل العصور المظلمة، ولا الوقوع في الاستقطاب بين الإسلامي والمدني، ولا تمجيد السلف الصالح في مواجهة حاضر فاسد. وربما، أكثر من أي وقت مضى، نحن بحاجة إلى حركة بديلة واعية بذاتها، قادرة على سد الفجوة بين البحث وبناء المعرفة من جهة، والنشاط والمشاركة في المجال العام من جهة أخرى” (أبو بكر 2013: 2). وقد هدف هذا البيان، في جوهره، إلى المواءمة بين متطلبات البحث وإنتاج المعرفة من ناحية، والالتزام برفض الانتهازية السياسية والتفريط في القيم من ناحية أخرى.

مع حدوث تحوّل سياسي جذري جديد، أُطيح بمحمد مرسي، وانتهى حكم جماعة الإخوان المسلمين (بصورة مفاجئة). ولا شك أن الرؤية المحافظة للجماعة تجاه قضايا النوع الاجتماعي، إلى جانب الخطابات السلفية المتشددة- مثل تبرير ختان الإناث (condoning female circumcision) وزواج القاصرات، وتقويض مطالب الحركة النسوية بالمساواة ومناهضة العنف الأسري، فضلًا عن تحميل المتظاهرات مسؤولية التحرش والانتهاكات التي تتعرض لها النساء في الشوارع وعلى أيدي قوات الأمن- قد أثارت غضبًا واسعًا بين النساء، بما في ذلك النسويات الإسلاميات، وهو ما استدعى أشكالًا متعددة من المقاومة. غير أنه، ومع تصاعد شعبية الجنرال عبدالفتاح السيسي، قائد عملية الإطاحة، بدأت وسائل الإعلام في تصويره بوصفه بطلًا خارقًا ومنقذًا لمصر، التي جرى تمثيلها في المقابل كامرأة في محنة، يحملها تارة على حصانه الأبيض، وتارة أخرى في صورة بطل أسطوري. وقد تعززت هذه الصور الكاريكاتورية عبر مقالات صحفية وقصائد مديح بالغت في إبراز هذا النموذج من الرجولة، مستخدمة إيحاءات جنسية صريحة، مثل الحديث عن حمل مصر من نجم بطولته، أو تصوير النساء المصريات وهنّ يعرضن أنفسهن للزواج منه، بل وحتى تشبيههن بالجواري. ومن اللافت أن هذه الصورة الذكورية المصطنعة، التي كرستها وسائل الإعلام السائدة ذات الانحياز السياسي الواضح، أسهمت في إعادة إنتاج شكل من أشكال النظام الذكوري العسكري (militarized patriarchy). ويتجلى ذلك بوضوح في عدد 15 يناير/كانون الثاني 2014 من صحيفة الوطن- وهي صحيفة واسعة الانتشار وموالية للمؤسسة العسكرية- حيث وصف العنوان الرئيس للخبر الذي غطّى الاستفتاء الدستوري (constitutional referendum) في اليوم السابق الطوابير الطويلة من النساء أمام لجان الاقتراع (ballots)، والتي كانت مؤمّنة بقوات الجيش الخاصة، بأنها «طوابير من النساء في ظل رجال الجيش». ويحمل استخدام كلمة الظل في العامية المصرية إحالة مباشرة إلى المثل الشعبي المعروف، والمثير للجدل: «العيش في ظل رجل أفضل من العيش في ظل حائط/ضل راجل ولا ضل حيطه». ويُفهم هذا المثل في الثقافة الشعبية بوصفه تبريرًا لفكرة الحماية الذكورية بوصفها ضرورة حتمية، في ظل تصور النساء على أنهن عاجزات بطبيعتهن عن الاستقلال والحماية الذاتية.

يُعَدّ الخلط بين النظام الذكوري والعسكرة، وتفسيرهما بوصفهما تجلّيين لفاعلية المرأة، مثالًا صارخًا على انزلاق التحليل النسوي إلى قراءة مضلِّلة (gone awry). ففي مقال ذي صلة، تُؤوَّل ممارسات النساء- من الزغاريد والتصفيق إلى تحدّي ما يُسمّى بخطوط اللياقة الأنثوية عبر الرقص نهارًا وفي الفضاءات العامة- على أنها مظاهر فاعلية «متحرّرة وغير مكبّلة بالأعراف الذكورية» (تادروس، 2014). غير أنّ هذه الأفعال كانت تاريخيًا جزءًا من طقوس ثقافية جماعية للاحتفال، شائعة بين شرائح واسعة من المجتمع، ولا تحمل بالضرورة دلالة تحرّرية. يتغافل هذا التأويل الإشكالي عن حقيقة أنّ رقص النساء وغناءهن على أنغام الأغنية الشهيرة التي أُنتجت مباشرة بعد 3 يوليو/تموز لتمجيد الجيش إثر إطاحته بالرئيس مرسي وحكم جماعة الإخوان المسلمين، لا يمكن فصله عن سياق أوسع من عبادة الشخصية المعادية للنسوية، والمتمحورة حول بطل عسكري ذكوري مُتعالٍ (super-male military hero). إن الوعي والمنظور النسوي لا ينبغي أن يضحّيا باتساقٍ أخلاقي في تقييم المشاركة السياسية مقابل مكاسب سطحية أو ظرفية. ولتفادي ازدواجية المعايير، يتعيّن أن يتّسع النقد ليشمل الذكورية الدينية والعسكرية على السواء. ومن اللافت غياب أي تحليل نسوي لتصريحات السيسي في مقابلاته الإعلامية السابقة على تولّيه الرئاسة، ولا سيما تلك التي تعيد إنتاج الصورة النمطية للمرأة باعتبارها قبل كل شيء أمًّا وربّة بيت، حيث يُختزل دورها في إطفاء الأنوار بعد أطفالها، ويُصوَّر افتقارها للاهتمام بالشؤون العامة الجادّة المرتبطة بعمل أزواجها بوصفه أمرًا بديهيًا. إن مثل هذا الخطاب يُرسّخ، بالضرورة، انتماء المرأة إلى المجال المنزلي، لا بوصفها مواطنة كاملة الحقوق ومتساوية في الفضاء العام.

سياسات وأخلاقيات النسوية الإسلامية

هل للأخلاق موقعٌ في المشاركة السياسية للنسويات؟ أرى أن لها موقعًا لا غنى عنه. فإذا كانت الغاية الجوهرية للنسوية هي مقاومة الاستبداد الذكوري والظلم القائم على النوع الاجتماعي، فمن الأولى- بل من الواجب- أن تمتد هذه المقاومة لتشمل ديكتاتورية الدولة ومظالم الأنظمة الحاكمة. وإذا كانت النسوية قد انبثقت أصلًا من كشف الممارسات الإقصائية وفضحها، فلا يليق بها أن تنزلق إلى رضا أخلاقي انتقائي يكتفي بالانشغال بأوضاع النساء بمعزل عن البُنى الأوسع للاحتكار، وعنف الدولة، والاستبداد السياسي. وبوصفها حركة نقدية واعية، يمكن للنسوية أن تتميّز بذلك عن تاريخ طويل من الممارسات الذكورية المؤسسية التي اتسمت بالانتهازية السياسية وترسيخ القهر. ومن هذا المنظور، يتعيّن على النسوية الأخلاقية أن تُدرج (في صميم اهتمامها) قضايا الطبقة الاجتماعية، وأن تُنصت (بجدية) لاحتياجات النساء الفقيرات والمهمشات والمستضعفات، بوصفهن الأكثر عرضة لتقاطعات القمع وأشدّها فتكًا.

يتّسم الفكر النسوي الإسلامي برؤية كليّة للعالم، تقوم على مفهوم الأخلاق المعاشة، بما يؤهّله لأن يكون حركةً معارضة مبدئية ومتّسقة في مواجهة مختلف أشكال الظلم. ففي دراسته لتقاليد الأخلاق ونُظمها في الإسلام، يبيّن أمين ساجو (Amyn Sajoo) أنّ المنظور الأخلاقي لا يُختزل في التجريد أو التأمل الفلسفي المحض، بل يتمثّل في «الممارسة العملية للمبادئ الأخلاقية، حيث تُفهم المُثل العليا وتبعاتها ضمن أطر العلاقة بين الفرد والمجتمع والإله» .(2004: 2) ويقدّم ساجو قراءةً للأخلاق الإسلامية بوصفها نموذجًا تتأسّس فيه الأخلاق الدينية، أو القائمة على الإيمان، على التجارب المعيشة للجماعة وخيارات الأفراد والجماعات الأخلاقية. وفي هذا السياق، تتجسّد «التفسيرات العقلانية للصواب والخطأ» (ساجو 2004: 4) في الحيّز الاجتماعي وفي المجال العام. كما يناقش ساجو مجموعة من النصوص الأخلاقية المركزية في العصر الإسلامي الكلاسيكي، والتي تصوّرت تكامل الفضائل الأخلاقية الفردية (الأخلاق) مع آداب السلوك الاجتماعي (الأدب)، توظيفًا لهما في خدمة غاية اجتماعية ونقدٍ أخلاقي للممارسة السياسية.

يمثّل هذا النمط من الأخلاق الاجتماعية، المنخرط فاعليًا في الشأن العام وفي بنية النظام السياسي، أحد أبرز ما يميّز التصوّر الإسلامي عن المقاربة الليبرالية للمجال العام. فبينما يتجاوز المنظور الإسلامي مجرّد «سنّ القواعد المعيارية والامتثال لها»، ويتخطّى كذلك «العقل الأداتي الذي يُقصي المقدّس استنادًا إلى بناء أيديولوجي للعقلانية» (المرجع نفسه: 43)، فإن المقاربة الليبرالية، على النقيض، «تُعلي من شأن عقلانية منزوعـة الأخلاق، حيث تُختزل المعايير الأخلاقية إمّا في مفهوم للسلوك اللائق يخلو من أي حكم قيمي على الخير، أو في سلوك عقلاني ينفي أي دور للمقدّس» (المرجع نفسه: 44). وينصبّ نقد ساجو للممارسة الليبرالية على كونها، في جوهرها، تُفرغ الأخلاق من مضمونها القيمي، وتختزلها إلى مجرّد مهنية وأدب شكلي وسلوك قانوني منضبط. في المقابل، لا يُنظر إلى الأساس الديني للأخلاق الاجتماعية في المجال العام بوصفه مجرد أداة في خدمة سيادة القانون، بل باعتباره المبدأ الجوهري الذي أفضى تاريخيًا إلى نشوء منظومة الحقوق التي تُعلي من قيمة الكرامة الإنسانية، والتي نحتفي بها اليوم بوصفها حقوقًا إنسانية كونية (ساجو 2004: 85).

رأت كلٌّ من صبا محمود (Saba Mahmood) وتشارلز هيرشكيند (Charles Hirschkind)، من خلال دراستهما لظواهر اجتماعية متباينة في مصر خلال تسعينيات القرن الماضي، بأنّ للأخلاقية أبعادًا سياسية متعددة، وأنّ الروحانية الإسلامية أو الحساسية الدينية بوصفها دافعًا لا تستلزم بالضرورة الانخراط في عمل سياسي متشدّد، ولا تُعدّ بالضرورة نقيضًا للتصوّر الليبرالي التقدّمي لحرية الاختيار. ويقدّم هيرشكيند مفهوم الاستماع الأخلاقي بوصفه مسعى يهدف إلى إعادة تشكيل الكينونة الأخلاقية للفرد، وتوجيهها نحو نموذج أكثر اكتمالًا للشخصية المسلمة. كما يؤكد أن خطب الكاسيت (cassette sermons) تسعى إلى تنمية حساسية دينية مخصوصة، متجذّرة في اعتبارات أخلاقية واجتماعية، وأن هذه الظاهرة تمثّل «جزءًا من مشروع أخلاقي وسياسي مركّب لا يمكن اختزال نطاقه أو دلالته في صورة المتشدّد أو الإرهابي» (هيرشكيند 2006: 6). وبالمثل، ترى صبا محمود أنّ الفهم الدقيق للفاعلية الأخلاقية وللطابع التربوي لحركة المساجد يقود إلى قراءة مغايرة للفاعلية السياسية؛ إذ تؤكد أن «الفاعلية السياسية لهذه الحركات . . .  هي نتاج العمل الذي تؤدّيه في المجال الأخلاقي، أي استراتيجيات التنشئة التي تتشكّل من خلالها ارتباطات متجسّدة بأشكال محدّدة تاريخيًا من الحقيقة. ومن ثمّ، لا يمكن استيعاب مشروعها السياسي إلا عبر تحليل ممارساتها الأخلاقية» (محمود 2005: 35). ومع اتفاقي مع هذه الأطروحات في إبراز مركزية البعد الأخلاقي ودوره في تشكيل مجال سياسي مُعاد التعريف، فإنّ تركيزها يظلّ موجّهًا أساسًا نحو التقوى الفردية الخاصة وتحسين السلوك الأخلاقي أو الديني، وهي مسارات لا تنعكس بالضرورة على المواقف العامة، ولا تُفضي حتمًا إلى التعبير عن اعتراضٍ صريح على الفساد أو الظلم البنيوي في المجتمع.

ترمي المناقشة السابقة إلى وصل البعد التطبيقي للمبادئ الأخلاقية بمسألة المشاركة السياسية في النشاط النسوي. ومن المأمول أن تتموضع النسوية الإسلامية، على نحوٍ خاص، في موقع يتيح لها مواجهة النظام الذكوري اللاأخلاقي وما تنطوي عليه المؤسسات الدينية من مساومات سياسية، إلى جانب التصدي لسياسات الدولة غير الديمقراطية ومساعيها الدائمة لاستقطاب كلٍّ من الحركة النسوية والمؤسسة الدينية وتوظيفهما. ويُلخّص خالد أبو الفضل هذه العلاقة المركّبة بعبارة موجزة ودالّة، إذ يقول: «أتجنّب السياسة حين تفتقر إلى المشروعية، وأتجنّب القانون حين يغدو غير أخلاقي. فبقدر ما تنفصل السياسة عن القانون تصبح موضع استهجان، وبقدر ما ينفصل القانون عن الأخلاق يتحوّل إلى أداة قهر. وينبغي أن يشكّل العقل والرحمة- حين ينضبطان ويهتديان بالسعي إلى الإرادة الإلهية- الوحدة الأساسية التي يقوم عليها صلب السياسة والقانون والأخلاق. فسياسة بلا قانون ليست سوى انتهازية، وقانون بلا أخلاق ليس إلا استبدادًا، وأخلاق لا تُوجَّه بالإرادة الإلهية مآلها أن تنقلب إلى مجرد خضوع للأهواء» (أبو الفضل 2006: 84).

وكما رفضت النسويات الإسلاميات الاصطفاف مع نظام الإخوان المسلمين السابق وأيديولوجيته الجندرية، فإنّ من الضروري أن يواصلن مقاومتهن عبر وصل النضال من أجل العدالة الجندرية، في مواجهة الاحتكار الذكوري، بمعارضة قمع الدولة وعنفها المنهجي. وينبغي أن يستمر نقد الذكورية المحافظة والمتعالية التي تبنّتها جماعة الإخوان المسلمين، مقرونًا بنقدٍ واضح للاستبداد العسكري الذكوري، بوصفهما وجهين متكاملين لمنظومة قهر واحدة. وتتيح الرؤية النسوية الإسلامية إبراز التلاقي بين الذكورية السلطوية اللاهوتية والسياسية، من خلال بلورة مفاهيم واستدعاء مبادئ أخلاقية محدّدة وذات دلالة، في مقدّمتها مقاومة جميع أشكال الظلم، والطغيان، والتعدّي، سعيًا إلى تحقيق عدالة شاملة. ولا تقتصر هذه المفاهيم على كونها ألفاظًا عربية متقاربة المعنى، بل إن تكرارها المنهجي في سياقات أخلاقية دقيقة في القرآن الكريم يُنتج نسقًا موضوعيًا ومفاهيميًا متماسكًا للأخلاق الإسلامية وضرورتها العملية. كما يمكن توظيف السردية القرآنية المركزية التي تُقِرّ بنجاح ملكة سبأ- والتي كثيرًا ما تستشهد بها المفسّرات النسويات الإسلاميات لإثبات مشروعية القيادة السياسية للمرأة- في مقابل نموذج الحكم الاستبدادي لفرعون، لصياغة موقف نسوي إسلامي يرفض، من منظور قرآني، هذا النمط الذكوري من الاستبداد السياسي، مع إقراره في الوقت ذاته بإمكان وشرعية قيادة المرأة. ورغم أنّ التحليل التفصيلي للفروق السياسية الدقيقة بين هاتين الروايتين يتجاوز نطاق هذا الفصل، فإنّ القارئ يستطيع أن يستشف (ضمنيًا) المفاهيم والموضوعات القرآنية المشار إليها آنفًا، والقابلة للتطبيق على كلٍّ من الاستبداد السياسي والظلم الذكوري الواقع على النساء. وفي هذا السياق، تشير أمينة ودود، في تطويرها لما تُسميه النموذج التوحيدي- القائم على مبدأ وحدانية الله في الإسلام- بوصفه أساسًا ناظمًا لتفكيك التراتبية الجندرية وإعادة بناء العدالة والعلاقات بين الجنسين داخل الإطار الإسلامي، إلى امتداد هذا المبدأ ليشمل مجالات أوسع، مؤكدةً أنّ «المفهوم الشامل للتوحيد، أو وحدانية الله، يشكّل مسارًا ينظّم البُنى الاجتماعية والاقتصادية والأخلاقية والروحية والسياسية في الإسلام» (ودود 2006: 29).

الخاتمة 

قدّم هذا الفصل قراءة نقدية لاستراتيجية الاصطفاف الكامل بين الحركة النسوية والدولة، ولا سيما في السياق المصري الراهن الذي يتّسم بالغموض والتناقض وسياسات محلّ تشكيك واسع. ولا يقتصر الأمر على التحفّظ إزاء الدولة بوصفها مؤسسةً ذكورية تُقصي النساء أو توظّفهنّ أداتيًا، بل يتعيّن على النسويات، على نحوٍ أعمق، التنبه إلى المأزق الأخلاقي الكامن في بعض أشكال الممارسة النسوية نفسها. فإذا كانت النسوية الحكومية في بلدان الشمال الأوروبي- كما أُشير في مطلع الفصل- تتمحور حول جعل الديمقراطيات أكثر ديمقراطية، أي تعزيز النظم الديمقراطية القائمة عبر توسيع إدماج النساء وتعميم منظور النوع الاجتماعي، فإنّ النسوية الحكومية التي تُفضي إلى إضفاء الشرعية على ما يُسمّى الديمقراطية غير الليبرالية، بما يستتبعه ذلك من تعميق لقمع الدولة، تُعدّ ممارسةً يتعيّن رفضها. وعلى النقيض، يمكن للنسوية الإسلامية أن تتبنّى سياسة نقدية واعية أخلاقيًا، من خلال اتخاذ مواقف لا تُسوّغ استبداد الدولة، ولا تُبرّر نفاق المؤسسة الدينية أو توظيفها من قِبل السلطة السياسية. وفي السياق المصري الراهن، كثيرًا ما يُواجَه من يوجّهون نقدًا علنيًا لبعض سياسات الدولة أو لمواقف الأزهر- على سبيل المثال- باتهامات جاهزة، تتراوح بين الخيانة، والعمل ضمن أجندات غربية، أو الانتماء إلى جماعة الإخوان المسلمين، وصولًا إلى وسمهم بالإرهاب.

في مسرحية ماكبث لشكسبير، حيث تتشابك ثيمات الغموض الأخلاقي مع تعقيد الاختيارات الفردية في سياق من الخداع وخداع الذات، يغدو التمييز بين الصواب والخطأ ملتبسًا، ويصبح التلاعب المتعمّد وسيلةً للتهرّب من مرجعية أخلاقية ثابتة. ففخّ الساحرات الشرير يقوم (في جوهره) على خلق حالة من الالتباس القيمي، حيث ينفصل الظاهر عن الحقيقة- ومن هنا المقولة الشهيرة الدالّة: «الجميل قبيح، والقبيح جميل». وعلى هذا الأساس، يسمح البوّاب، عند بوابة الجحيم المتخيّلة، بمرور «المراوغ، القادر على أن يُقسم في كلا الكفّتين ضد أيٍّ منهما» (ماكبث، الفصل الثاني، المشهد الثالث)، أي ذاك الذي يتفادى الالتزام الأخلاقي الواضح. وفي المقابل، يصوّر القرآن إحدى السمات الجوهرية للمنافقين عديمي الأخلاق وذوي الازدواجية الخادعة في تردّدهم الدائم بين موقفين، من دون انحياز صادق أو التزام مبدئي لأيٍّ منهما- (مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَٰلِكَ لَا إِلَىٰ هَٰؤُلَاءِ وَلَا إِلَىٰ هَٰؤُلَاءِ (وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا) (القرآن 4: 143)- أي أنهم لا ينتمون حقًا إلى هذا الفريق ولا إلى ذاك.

 

الهوامش:

1 – Abou-Bakr, Omaima. “Islamic Feminism and the Equivocation of Political Engagement: ‘Fair Is Foul, and Foul Is Fair.’” Rethinking Gender in Revolutions and Resistance: Lessons from the Arab World, edited by Maha El Said, Lena Meari, and Nicola Pratt, Zed Books Ltd, 2015, pp. 181–204.

Facebook
X
WhatsApp
Threads
Telegram

د. أشرف زيدان

جامعة بور سعيد - كلية الآداب - مصر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى