
وصفة للقفز إلى الأمام: البحث عن الخلطة السرية
ربيعنا العربي، هذا الموسم العنيد الذي لا يريد أن يزهر رغم تسمياتنا المتفائلة، لن يعدو أن يكون تضييعًا للزمن والطاقة والأرواح معًا، إلا إذا لحقه – وبسرعة – شيء ما يشبه الثورة الثقافية (Cultural Revolution) التي قادها الزعيم ماو تسي تونغ (Mao Zedong) في الصين عام 1966.
هناك تشابه لافت للنظر بين صين الستينيات وعالم الألفية العربي، من حيث الأحوال السياسية (دكتاتورية، مؤسسات غير فعالة، فساد) والثقافية (جهل، نسب أمية عالية، فكر لا عقلاني) والاقتصادية (بنى غير مهيكلة، ناتج قومي متواضع) والاجتماعية (ضغط سكاني، بطالة، قهر للمرأة، وفقر).
بذلك، يبدو لي أن الصين هي الدولة التي يصح الاسترشاد بتجربتها الثورية، بخلاف ما جرى عليه الإعلام العربي من إغراقنا بالمقاربات السطحية مع الثورة الفرنسية لعام 1789، وهي – في أكثر التعابير مباشرة – مقارنات غير ذات علاقة لأنها تغفل حقيقة أن الثورة الفرنسية هي ثورة محظوظة من المنظور العقلاني، إذ قامت على أرضية صلبة من موروث خصب هو تركة عصر التنوير (The Age of Enlightenment)، دعمت بواسطته الأرضية الفكرية الفرنسية على مدى يقرب من مائة سنة قبل الثورة على يد فلاسفة مؤثرين مثل فولتير وروسو ديدرو وكوندياك ودالامبير وكوندورسيه وعداهم من المفكرين العظام الذين شكلوا الوعي الشعبي الأوروبي بأكمله – و ليس الفرنسي فقط – تشكيلًا حقيقيًا. كل ذلك وفر خلفية فكرية مترفة للثورة الفرنسية، وهي خلفية لم تتوفر أبدًا لعالمنا العربي المعاصر.
المرحلة الفعالة من الثورة الثقافية لصين الستينيات عرفت بـ “مشروع القفزة الكبرى إلى الأمام” (Great Leap Forward)، وهي – رغم دمويتها وآلامها – قامت على شعار مستوحىً من الربيع أيضًا، ولكنها تجاوزت سذاجة التسمية لتربطها بنزعة علمية جادة وبتغيير كامل للوعي الشعبي. لقد كان الشعار: «دع مائة زهرة تتفتّح ومائة مدرسة تتبارى».
ما هي، يا تري، الصيغة الحديثة التي يمكن أن تحقق لنا ثورةً عربية فكرية، من دون دماء، بذات التركيز، و بإحساس مماثل بالاتجاه؟



