
فن الكلام والسعادة في البيت النبوي
للكلمات جاذبية وسحر كبير ودوام تأثير في ذاكرة الآخرين؛ وانتقاء الكلمات هو فنّ مهم خطير، بل صار اليوم يُدرّس كعلمٍ في التثقيف والتواصل والتربية الاجتماعية. ويزخر تراثنا العربي الإسلامي بكنوز ثقافية رائدة وأصيلة في هذا الحقل الخصب. لكن يبقى لرسول الله ﷺ القِدحُ المُعلّى والنصيبُ الأوفر في تأصيل هذا الباب من فن الكلام وكسب قلوب الأنام.
إظهار الحب وإعلانه:
يُظهر النبي ﷺ حبه لزوجاته، ويرفع من شأنهن ومن قدرهن ويدللهن، بل ولا يخجل أبدًا في إظهار مشاعر الحب اتجاههن، بل وحتى الجهر بحبه ووفاءه لهن، فكان الرسول ﷺ إذا ذبح الشاه يقول أرسلوا بها إلى أصدقاء خديجة؛ قالت عائشة: فأغضبته يومًا، فقلت خديجة!!! فقال رسول الله ﷺ: إني قد رزقت حبها.
وظل محمد ﷺ على وفائه للسيدة خديجة زوجته الأولى طوال حياتها، فلم يتزوج عليها قط حتى ماتت، وظل عازبًا بعدها ثلاث سنوات، وظل بعد موتها يجاهر بحبه لها أمام الجميع، وكان يبرّ صديقاتها إكرامًا لذكراها، حتى أن السيدة عائشة رضي الله عنها كانت تقول: (ما غِرت من أحد من نساء النبي ما غرت على خديجة وما رأيتها، ولكن كان النبي يكثر ذكرها، وربما ذبح الشاة ثم يقطعها أعضاء ثم يبعثها في صدائق خديجة، فربما قلت له: كأنه لم يكن في الدنيا امرأة إلا خديجة!، فيقول: إنها كانت وكانت، وكان لي منها ولد). رواه البخاري.
وحين بعث النَّبيَّ ﷺ عمرو بن العاص على جَيشِ ذاتِ السَّلاسِلِ [ذاتُ السَّلاسلِ اسمُ مَكانٍ وقَعتْ فيه الغَزْوةُ المُسمَّاةُ باسْمِه سَنةَ 8 للهِجْرةِ؛ وسُمِّيَت بذلك لأنَّ الأرضَ الَّتي كانوا فيها ذاتَ رَملٍ يَنعقِدُ بَعضُه على بَعضٍ كالسِّلْسلةِ]، سَأَلَه عَمْرٌو رَضيَ اللهُ عنه قبْلَ الخُروجِ للغَزْوِ قائلًا: فأتَيتُه فقُلتُ: أيُّ النَّاسِ أحَبُّ إليكَ؟ قال: عائِشةُ، فقُلتُ: مِنَ الرِّجالِ؟ فقال: أبوها، قُلتُ: ثُمَّ مَن؟ قال: ثُمَّ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ، فعَدَّ رِجالًا. [يَعْني: ذكَر بَعضَ الرِّجالِ الآخَرينَ بعْدَ أبي بَكرٍ وعُمَرَ رَضيَ اللهُ عنهم جَميعًا. وفي هذا تَصْريحٌ بعَظيمِ فَضائلِ أبي بَكرٍ وعُمَرَ وعائشَةَ رَضيَ اللهُ عنهم]. تصور بالله عليك، رئيس دولة في موضع انعقاد غزوة للحرب، وفي اجتماع مع قادة وجنرالات الفتح الإسلامي، يجيب فيها رسول الله ﷺ ويعلن تصريحًا لا تلميحًا بحبه لزوجته عائشة رضي الله عنها!
الممازحة والمؤانسة والمعاشرة النبوية:
ولم ينس النبي ﷺ ممازحة زوجاته، حسب رواية لعائشة حينما دعاها النبي ﷺ لتشاهد كيف يرقص أهل الحبشة بالحراب في المسجد، فتقول إن النبي ﷺ سمع لغطًا وصوت صبيان، فقام فإذا قوم من الحبشة يرقصون، والصبيان حولها فقال: (يا عائشة، تعالى فانظري، فجاءت عائشة ووضعت ذقنها على كتف الرسول وأخذت تشاهد من ما بين المنكب إلى رأسه، فقال لها: أما شبعت، وأما شبعت؟ قالت: فجعلت أقول: لا، لأنظر منزلتي عنده).
وأما المزاح فلم تخلُ منه حياة النبي الزوجية، قالت عائشة رضي الله عنها: أتيتُ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بخَزيرةٍ قد طَبَختُها له، فقُلتُ لسَودَةَ -والنَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بيني وبينَها-: كُلي، فأَبَتْ، فقُلتُ: لَتَأكُلينَ أو لأُلَطِّخَنَّ وَجهَكِ، فأَبَتْ، فوَضَعتُ يَدي في الخَزيرةِ، فطَلَيتُ وَجْهَها، فضَحِكَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فوَضَعَ بيَدِه، وقال لها: الْطَخي وَجْهَها، فضَحِكَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.
ولنسلط الضوء على الحادثة أكثر، فحادثة المزاح هذه بين عائشة وسودة ـ رضي الله عنهما ـ بحضور النبي ﷺ قد رواها النسائي في السنن الكبرى، وأبو يعلى في مسنده، وغيرهما: أَنَّ عَائِشَةَ ـ رضي الله عنها ـ قَالَتْ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ بِخَزِيرَةٍ قَدْ طَبَخْتُهَا لَهُ، فَقُلْتُ لِسَوْدَةَ ـ وَالنَّبِيُّ ﷺ بَيْنِي وَبَيْنَهَا: كُلِي، فَأَبَتْ، فَقُلْتُ: لَتَأْكُلِنَّ، أَوْ لَأُلَطِّخَنَّ وَجْهَكِ، فَأَبَتْ، فَوَضَعْتُ يَدِي فِي الْخَزِيرَةِ، فَطَلَيْتُ وَجْهَهَا، فَضَحِكَ النَّبِيُّ ﷺ، فَوَضَعَ بِيَدِهِ لَهَا، وَقَالَ لَهَا: الْطَخِي وَجْهَهَا، فَضَحِكَ النَّبِيُّ ﷺ لَهَا، فَمَرَّ عُمَرُ، فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ، يَا عَبْدَ اللَّهِ، فَظَنَّ أَنَّهُ سَيَدْخُلُ، فَقَالَ: قُومَا فَاغْسِلَا وُجُوهَكُمَا، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: فَمَا زِلْتُ أَهَابُ عُمَرَ لِهَيْبَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وهذا لفظ أبي يعلى. والخَزِيرَةُ ـ بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ، وَكَسْرِ الزَّايِ، وَفَتْحِ الراء المهملة ـ هو حساء يعمل بلحم، رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى وحسن إسناده الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة.
كان الرسول يعيش الحياة الزوجية كإنسان أكثر منه نبيّ، فكان يغتسل مع زوجته في إناء واحد، فيبادرها وتبادره، حتى يقول لها دعي لي، وتقول له دع لي.
كما وتقول عائشة أم المؤمنين مرة: (لما رأيتُ مِنَ النبيِّ ﷺ طِيبَ النَّفْسِ قلتُ: يا رسولَ اللهِ ادعُ اللهَ لي. قال: اللهمَّ اغفرْ لعائشةَ ما تقدَّم من ذنبِها وما تأخَّرَ وما أسرَّتْ وما أعلنَتْ، فضحكتْ عائشةُ حتى سقط رأسُها في حِجرِ رسولِ اللهِ ﷺ من الضَّحِكِ فقال أَيَسُرُّكِ دُعائي فقالتْ: ومالي لا يَسُرُّني دُعاؤُكَ. فقال: واللهِ إنها لَدَعْوتي لأُمَّتي في كلِّ صلاةٍ) أخرجه البزار وابن حبان والحاكم (السلسلة الصحيحة للألباني)
وبغض النظر عن السعادة التي يتمتع بها أي انسان في جوار رسول الله ﷺ، فإن زوجات نبينا الكريم كنّ يتمتعن بسعادة زوجية تحسدهن عليها كل بنات حواء، فمن منا لا تتمنى أن تعيش بصحبة زوج يراعي حقوقها ويحافظ على مشاعرها أكثر من أي شيء، بل ويجعل من الاهتمام بالأهل والحنو عليهم وحبهم معيارا لخيرية الرجل، قال ﷺ:(خيركم.. خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي). رواه الترمذي وابن ماجة.
وتحكي عائشة أنها كانت تغتسل مع رسول الله ﷺ في إناء واحد، فيبادرها وتبادره، حتى يقول لها دعي لي، وتقول له دع لي، وعنها قالت: (كنت أشرب وأنا حائض فأناوله النبي ﷺ فيضع فاه (فمه) على موضع في (فمي)). رواه مسلم والنسائي.
وعن ميمونة رضي الله عنها قالت: (كان رسول الله ﷺ يدخل على إحدانا وهي حائض فيضع رأسه في حجرها فيقرأ القرآن، ثم تقوم إحدانا بخمرته فتضعها في المسجد وهي حائض). رواه أحمد.
وله شاهد من حديث عائشة عند مسلم، ولفظه: قال لي رسول الله ﷺ: (ناوليني الخمرة من المسجد) فقلت: إني حائض، فقال: (إن حيضتك ليست في يدك). والخُمرة هي الْمِسْجَدَةُ وَهِيَ حَصِيرٌ صَغِيرٌ قَدْرُ مَا يُسْجَدُ عَلَيْهِ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا تَسْتُرُ الْأَرْضَ عَنْ وَجْهِ الْمُصَلِّي، وَتَرْكِيبُهَا دَالٌّ عَلَى مَعْنَى السَّتْرِ، وَمِنْهُ الْخِمَارُ وَهُوَ مَا تُغَطِّي بِهِ الْمَرْأَةُ رَأْسَهَا.
ولم يتوقف الرسول ﷺ عن ملاطفة ومداعبة عائشة حتى وفاته وكان يقول لها (تعالي أسابقك) فسابقته، لتسبقه على رجلها، ثم كانت معه في سفر، فقال لأصحابه: (تقدموا) ثم قال: (تعالي أسابقك) ونسيت الذي كان، وقد حملت اللحم، فقلت: كيف أسابقك يا رسول الله، وأنا على هذه الحال؟ فقال: (لتفعلن) فسابقته، فسبقني، فقال: (هذه بتلك السبقة).
ورغم كثرة عددهن، كان النبي ﷺ القائد والرسول يتفقد أحوالهن ويريد للود أن يبقى ويستمر، فعن ابن عباس قال: (وكان رسول الله ﷺ إذا صلى الصبح جلس في مصلاه وجلس الناس حوله حتى تطلع الشمس ثم يدخل على نسائه، امرأة، امرأة، يسلم عليهن ويدعو لهن. فإذا كان يوم إحداهن كان عندها). فتح الباري، شرح صحيح البخاري.
وفي بيت النبوة (في عصر يبتعد عن الرفاهية آلاف السنين) كان الرسول المحب خير معين لزوجاته.. فقد روي عن السيدة عائشة في أكثر من موضع أنه كان في خدمة أهل بيته، فقد سئلت عائشة ما كان النبي ﷺ يصنع في بيته؟ قالت: كان يكون في مهنة أهله -أي خدمة أهله-. رواه البخاري.
وفي حادثة أخرى أن عائشة سئلت ما كان رسول الله ﷺ يعمل في بيته؟ قالت: (كان يخيط ثوبه، ويخصف نعله، ويعمل ما يعمل الرجال في بيوتهم).
إشراك الزوجة بدعوات الطعام ومرافقتهن لبيوتهن:
ويحكي لنا أنس بن مالك (خادم رسول الله ﷺ) أن جارًا فارسيًا لرسول الله ﷺ كان يجيد طبخ المرق، فصنع طَبَقًا ثم جاء يدعوه، فرفض سيدنا محمد ﷺ الدعوة مرتين؛ لأن جاره لم يدع معه زوجته عائشة للطعام، وهو ما فعله الجار في المرة الثالثة:
فعن أنس بن مالك أنَّ جَارًا لِرَسولِ اللهِ ﷺ فَارِسِيًّا كانَ طَيِّبَ المَرَقِ، فَصَنَعَ لِرَسولِ اللهِ ﷺ، ثُمَّ جَاءَ يَدْعُوهُ، فَقالَ: وَهذِه؟ لِعَائِشَةَ، فَقالَ: لَا، فَقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ: لَا.
فَعَادَ يَدْعُوهُ، فَقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ: وَهذِه؟ قالَ: لَا، قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ: لَا.
ثُمَّ عَادَ يَدْعُوهُ، فَقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ: وَهذِه؟ قالَ: نَعَمْ، في الثَّالِثَةِ، فَقَاما يَتَدَافَعَانِ حتَّى أَتَيَا مَنْزِلَهُ. (صحيح مسلم)
وعن صفية بنت حيي، قالت: كان رسول الله ﷺ معتكفًا، فأتيته أزوره ليلًا، فحدَّثته، ثم قمتُ لأنقلب، فقام معي ليقلبني [اي ليردني إلى مسكني، وكان مسكنها في بيت أسامة بن زيد]، فمر رجلان من الأنصار، فلما رأَيَا رسول ﷺ أسرَعا في المشي، فقال: (على رِسلكما إنما هي صفية بنت حيي)، فقال: سبحان الله يا رسول الله، فقال: (إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، وإني خفتُ أن يقذف في قلوبكما شرًّا، أو قال: شيئًا). وفيه إباحة خَلوة المعتكف بالزوجة، وزيارة المرأة للمعتكف، ورفق الزوج بزوجته ليردها للدار، وبه تبديد لإحتمال سوء الظن، فالنبي ﷺ هنا لم يظن بهما سوءًا لِما تقرَّر عنده من صدق إيمانِهما، ولكن خشِي عليهما من وسوسة الشيطان؛ ذلك لأنهما غير معصومين.
التعاطف Sympathy والإحساس بمشاعر الآخرين Empathy
وزواجه ﷺ من صفية بنت حيي بن أخطب، قصة مُعبّرة بذاتها أشد التعبير، فيها الدروس التربوية العظيمة في فنون الكلام وكسب القلوب الأنام. فقد قٌتل أبوها في بني قريظة بعد غزوة الخندق (وهو الذي ألّب الأحزاب) وقُتل زوجها كنانة بن أبي الحقيق يوم خيبر، وأُخذت هي مع أسرى خيبر. فطلبها النّبي لنفسه وخيّرها بين الإسلام والبقاء على دينها قائلًا لها: (اختاري، فإن اخترتِ الإسلام أمسكتك لنفسي (أي تزوّجتك)، وإن اخترتِ اليهودية فعسى أن أعتقك فتلحقي بقومك)، فقالت: (يا رسول الله، لقد هويتُ الإسلام وصدّقت بك قبل أن تدعوني، حيث صرت إلى رحلك وما لي في اليهودية أرب، وما لي فيها والد ولا أخ، وخيرتني الكفر والإسلام، فالله ورسوله أحب إليّ من العتق وأن أرجع إلى قومي). فأعتقها النّبي وتزوّجها، وجعل عتقها صداقها، ووجد رسول الله بخدها لطمة قال: (ما هذه؟)، فقالت: (إني رأيت كأن القمر أقبل من يثرب، فسقط في حجري، فقصصتُ المنام على ابن عمي ابن أبي حقيق فلطمني)، وقال: تتمنين أن يتزوجك ملك يثرب، فهذه من لطمته. وكانت صفية جميلة وفاضلة وعاقلة، وحليمة. وكان هدف النّبي ﷺ من زواجه بها لإعزازها وإكرامها ورفع مكانتها، مع تعويضها خيرًا ممن فقدت من أهلها وقومها، وإيجاد رابطة المصاهرة بينه وبين اليهود لعله يخفّف عداءهم، ويمهد لقبولهم دعوة الإسلام التي جاء بها.
ومن فنون الكلام النبوي تعليمه إحدى زوجاته الرد على زوجاته الأخرى. فقد دخل ﷺ أحد الأيام على زوجته صفيّة؛ فرأها تبكي وسألها عن السّبب، فقالت: (أنّ زوجتين من نسائك تعيرياني، وتفضلان نفسهما عليّ؛ لأنهما من بنات عمك، وهن زوجاتك). فأجابها النبي: (بأن تقول لهما: (كيف تكونون خيرًا مني وأبي هارون وعمي موسى وزوجي محمد) [صفية بنت حيي بن أخطب من بني النضير (وهم قبيلة من ذرية النبي هارون بن عمران- أخو النبي موسى عليهم السلام)].
الرومانسية النبوية:
ولم تخلُ حياة النبي ﷺ من مشاهد الود والرومانسية مع زوجاته حتى وقت الشدة والحروب رغم المسؤوليات والمشقة، وحين أراد ﷺ أن يغادر خيبر متوجهًا إلى المدينة (بعد غزوة خيبر) فعن أنس قال: خرجنا إلى المدينة (قادمين من خيبر) فرأيت النبي ﷺ يحوي لها (أي لصفية) وراءه بعباءة، ثم يجلس عند بعيره. إذ قرّب النّبي بعيرًا لصفيه لتركبه، فوضع رجله لتضع قدمها على فخذه حتى تركب البعير، فامتنعت صفية من ذلك، ووضعت ركبتها على فخذه. فلم يخجل ﷺ أن يرى جنوده هذا المشهد وهو يظهر الحب والمودة لزوجته السيدة صفية. ففيه بلاغة عظيمة في الاحترام، وإذا كان الغرب يتفاخر في احترام المرأة، فيفتح الرجل لها باب السيارة، بينما حبيبنا محمد ﷺ يضع ركبته لزوجته، وهو أعظم من تصرفهم وأبلغ. وفعل نبينا محمد ﷺ هنا، إنما يعلم البشرية أسس الاحترام وآداب الزوجية. يظن بعض الرجال أن احترامه لزوجته أمام الآخرين، وتقديرها، والنزول على رغبتها تقلل من شأنه، وينقص من رجولته، وتفقده قوامته. والعكس هو الصحيح فاحترام الزوجة، وتقديره لمشاعرها يجعلها تكنّ لزوجها في نفسها كل حب، واحترام، وتقدير، واعتراف بفضله، وكرمه.
إذ تحكي لنا صفية بنت حيي أيضًا، أن النبي ﷺ حج بنسائه، فلما كان في بعض الطريق، نزلَ رجلٌ فساقَ بهن فأسرع، فقال النبي ﷺ: سوقك بالقوارير – يعني النساء – فبينما هم يسيرون، بَرَكَ لصفية بنت حيي جملُها، وكانت من أحسنهن ظهرًا، فبكت وجاء رسول الله ﷺ حين أخبر بذلك، فجعل يمسح دموعها بيده، وجعلت تزداد بكاء وهو ينهاها.
عن أنس بن مالك قال: كانت صفية مع رسول الله ﷺ فى سفر، وكان ذلك يومُها فأبطأت فى المسير فاستقبلها رسول الله ﷺ وهي تبكي، وتقول: (حملتنى على بعير بطىء، فجعل رسول الله ﷺ يمسح بيديه عينيها ويسكتها)، وفي مسحِ دمعتها بيده تعبير عن مدى حبه ﷺ واهتمامه بها.
ووالله، إنه لموقف جميل من الحبيب محمد ﷺ مع زوجته حين يمسح دمعتها بيده، ثم يأمر الناس بالوقوف والنزول، علمًا بأنه لم يكن يريد أن ينزل. ففي القصة فوائد جمة، إذ يستطيع كلا الزوجين التعامل مع هذا الموقف كإسوة لهم في حياتهم الزوجية، لتصبح الحياة سعيدة وجميلة. فمسح الدموع بيد الزوج فيه مواساة ودعم لعواطف ومشاعر الزوجة، علما بأن سبب البكاء قد ينظر إليه الزوج من ناحيته على أنه سبب تافه، فالدموع والبكاء من أجل بروك جمل (يعد من أحسن الجمال) هو السبب، ومع ذلك لم يحقر النبي ﷺ مشاعر صفية وعواطفها، بل احترمها ودعمها وأنزل القافلة كلها من أجلها.
كم رأينا في المحاكم دموعًا تنهمر من أزواج وزوجات، والطرف الآخر لا يقدر هذه الدمعة ولا يحترمها، بل يتمني لو تنهمر من غير توقف. إلا أن النبي ﷺ مسح الدمعة بيده، ولكنا نعرف أثر تمرير اليد على الخد، ففيه معان كثيرة على الرغم من أنه مسافر، وذاهب إلى الحج، ونفسية المسافر دائما مستعجلة حتى يصل إلى مراده، ومع ذلك تريث النبي ﷺ في التعامل مع عواطف المرأة ومشاعرها.
ولنا في رسولنا الكريم ﷺ خير قدوة، فقد كان يعيش بين أزواجه رجلًا ذا قلب وعاطفة ووجدان، حياته مليئة بالحب، والحنان، والمودة، والرحمة.
وروي عن زيد بن أسلم قال: اجتمع نساء النبي ﷺ في مرضه الذي توفي فيه، واجتمع إليه نساؤه، فقالت صفية بنت حيي: (إني والله يا نبي الله، لوددت أن الذي بك بي). فغمزن أزواجه بأبصارهن، فقال ﷺ: (مضمضن) [أي اغسلن أفواهكن من الغمز]، فقلن: من أي شيء؟ فقال: (من تغامزكن بها، والله إنها لصادقة) (ذكره ابن حجر العسقلاني وإسناده حسن)
بعد وفاة النبي خصّص الخليفة عمر ابن الخطاب لصفية بنت حيي ولجويرية بنت الحارث ستة آلاف درهم سنويًا، كما خصّص لباقي زوجات النّبي أثني عشرة ألف درهمًا؛ لأنهما كانتا سبيّتان، وفي سنة 38 للهجرة عندما حوصر بيت عثمان بن عفان، نقلت الطعام والماء إلى منزل عثمان. وحين توفيت صفية سنة 50هـ، ودفنت بالبقيع، أوصت بألف دينار لعائشة بنت أبي بكر، إذ كانت آخر من بقيت من زوجات النبي ﷺ (توفيت عائشة بين 57-59 هـ).



