العدد الحاليالعدد رقم 47ثقافات

مقاربات في مفهوم كلام الله تعدد المعنى وخلفياته عند الشيخ محمد الفاضل بن عاشور من خلال كتابه «محاضرات»

تقديم الكتاب: يتكون الكتاب من 423 صفحة، صادر عن مركز النشر الجامعي، تونس سنة 1999 ويتكون من ديباجة للأستاذ الدالي الجازي، وزير التعليم العالي آنذاك ثم من مقدمة لفضيلة الشيخ كمال الدين جعيط، مفتي الجمهورية التونسية آنذاك، ثم نجد سبع عشرة محاضرة تناولت جوانب متعددة من الإسلام فكرًا وعقيدة وأخلاقًا يقول الأستاذ الدالي الجازي في ديباجته: «إن في هذه المحاضرات التي نتولى اليوم نشرها تعريفًا بأحد المفكرين المبرزين في العلوم الشرعية ببلادنا،  وهو في الوقت نفسه تعريف بمدرسة فكرية لها نظرتها و مقوماتها، وإنما نشأتها وحياتها واستمرارها بسبب قدرتها على تمثل علوم السلف والإحاطة بما يلجئ إليه الزمان.

إلجاء ويحدثه التاريخ أحداثًا(1). فهل كانت هذه المحاضرات تمثلًا لما خلفه السلف عمومًا أو بعض السلف وهل نجد فيها إحاطة بما استجد من أحداث ومن رؤى فكرية أثرت بحكم نزعتها الكونية تأثيرًا كبيرًا في مجتمعات مازالت البنى التقليدية لها الكلمة العليا في صياغة التصورات والأفكار؟

1 – القرآن- الوحي وصفة الكلام

  1. تختلف تعريفات القرآن عند الشيخ محمد الفاضل بن عاشور (1909 – 1970) حسب مجال النظر والعلوم النقلية والعقلية التي اهتمت بالنص القرآني، يقول: «ولذلك فإننا نجد تعريف القرآن عند الفقهاء والأصوليين غير تعريفه عند المتكلمين ونجد تعريفه عند البلغاء غير تعريفه عند الفقهاء والمتكلمين، وذلك لأن كل طائفة من هؤلاء العلماء لم تكن تقصد إلى تعريف القرآن العظيم وإنما كانت قاصدة إلى تعريف الناحية التي يتعلق منها القرآن بموضوعها فحسب».(2) ثم ينتقل الشيخ إلى توضيح التعريف الذي وضعه علماء الكلام للقرآن يقول: «ونظر إليه علماء الكلام الذين موضوع علمهم إقامة الأدلة اليقينية على العقائد الدينية، نظروا إليه باعتبار كونه متعلقًا بصفة من صفات الله تعالى. فعرفوا الصفة الأزلية لله تعالى التي هي صفة الكلام التي عبر عنها بالقرآن تعريفًا يرجع إلى صفة أزلية من صفات الله تعالى وبناء على ذلك بنوا مسألة أن القرآن ليس بمخلوق باعتبار أنه صفة من صفات الله تعالى ولا يليق قيام الحادث بالقديم»(3). لقد حاول الشيخ – إزاء هذه الكثرة في حد القرآن وتعريفه – أن يبحث عن تعريف جامع، ففي نظره هذه التعريفات المنبثقة من حاجة كل علم من العلوم إلى القرآن اختزالية وناقصة. لذا يقترح تعريفًا يصفه بأنه موضوعي، ينطلق فيه من القرآن نفسه يقول: «فنجد أن القرآن يمكن أن يعطينا من ذاته تعريفًا جديًا حقيقيًا يمكن أن نعبر عنه بمصطلح اليوم، بأنه تعريف موضوعي (…) حين نقول: إن القرآن هو كلام الله تعالى الذي نزل على محمد صلى الله عليه وسلم مرادا به الإعجاز».(4) ويعتبر الشيخ هذا التعريف يصور الأركان الثلاثة التي يقوم عليها القرآن العظيم بحسب ما هو في ذاته وواقعه وهذه الأركان الثلاثة هي أنه كلام الله وهو وحي والثالث هو أنه مقصود به الإعجاز. هذا التعريف يثبت حقائق خمسا هي: الأولى وجود الله تعالى، الثانية صدور الكلام عنه، الثالثة إثبات الوحي الذي هو تلقي عبد من عباده لكلامه بطريق من طرق الإدراك زائد عن طرق العادية للإنسان التي هي الحاسة والغريزة والعقل، ولا يتم ذلك إلا بطريق الاصطفاء، الرابعة هو وجود الموحى إليه وهو محمد صلى الله عليه وسلم، والخامسة وجود القصد الذي هو أن يكون هذا الكلام معجزة أي أمرًا خارقًا للعادة».(5) فإذا كان القرآن العظيم معجزًا بحسب موضوعيته، أي بحسب ما يدل عليه القرآن فإننا حين نرجع إلى الكتب السماوية الأخرى نجدها خالية تمامًا من الإشارة إلى هذا المعنى أقصد الإعجاز. وفي إطار مقارنة القرآن بالكتب السماوية الأخرى ورد رأي للشيخ ملفت للانتباه، يقول: «وبذلك يكون هذا المعنى الزائد (يقصد أن القرآن يزيد على كونه وحيًا، أنه كلام الله تعالى الذي صدر عن ذاته العلية مباشرة بالحرف الذي يعبر عن المعنى)(6) الذي اشتمل عليه القرآن العظيم زيادة على كونه وحيًا وهو أنه كلام الله تعالى على الحقيقة أمرًا يجعله مختلفًا اختلافًا واضحًا عن الكتب السماوية الأخرى، إنما هي من تعبير الأنبياء أو من تعبير أصحابهم وحوارييهم حكاية عنهم، فمنزلتها عند الآخرين إنما تقابل منزلة السنة الشريفة عندنا، وأما منزلة القرآن العظيم فليس لها ما يقابلها في الكتب السماوية الأخرى».(7) تكمن خطورة ما أورده الشيخ في أمرين إثنين: أولهما اعتباره الكتب السماوية الأخرى وحيًا «منقوصًا» لأنه خال من قصد الإعجاز ويقوم على المعنى دون الحرف، فمعانيه موحاة لكن صياغتها بشرية وذلك بسبب ضياع الأصل يقول: «نجد أن اللغة التي كانت لغة موسى عليه السلام لما نزلت عليه التوراة، لغة قومه لما خاطبهم في التوراة إنما هي – كما يعرف من تاريخ اللغات السامية – اللغة العبرانية القديمة أو العبرانية الأولى التي تعتبر الآن من اللغات المنقرضة البائدة لأن بني إسرائيل لما دخلوا العراق، بلاد بابل في حالة أسر اختلطت لغتهم باللغة السريانية اختلاطًا تولدت منه لغة جديدة هي المعبر عنها بالعبرانية الحديثة أو بالآرامية وذلك إنما كان في القرن6 قبل الميلاد أي بعد رسالة موسى عليه السلام بأكثر من ثمانية قرون. فالأسفار الخمسة الأولى التي نزلت على موسى من العهد القديم فإنها موجودة الآن باللغة الآرامية التي هي لغة نشأت بعد موسى بثمانية قرون وكذلك نجد في الأناجيل، فإن المسيح عليه السلام إنما بعث في بني إسرائيل وقد كانت لغتهم تلك اللغة التي نشأت لهم  منذ القرن السادس قبل الميلاد وهي اللغة الآرامية فيها تكلم المسيح وبها خطب و بها بلغ رسالته إلى الناس وبها استمع إليها حواريوه ولكن نصوص الإنجيل التي نجدها لا نجد منها نصًّا بالآرامية أبدًا، فأقدم نصوص الأناجيل هي بين نصوص بالسريانية ونصوص باليونانية والحال أن المسيح عليه السلام ما نطق بالكلمة السريانية ولا بالكلمة اليونانية، فالموجود من الإنجيل كالموجود من التوراة إنما هو عبارة عن حكايات أو ترجمات أو تلاخيص».(8) ثانيهما اعتباره السنة وحيًا وقد ورد ذلك في نفس السياق، سياق المقارنة بين القرآن وغيره من الكتب السماوية،  قال: «فالقرآن العظيم وحي لكنه يزيد على الوحي لأنه كلام الله تعالى الذي صدر عن ذاته العلية مباشرة بالحرف الذي يعبر عن المعنى، بخلاف غير القرآن العظيم من الوحي سواء أكان ذلك الوحي الذي تضمنته الكتب السماوية الأخرى، أم كان الوحي الذي تضمنته السنة النبوية الشريفة فإنه وحي من الله تعالى لا محالة»(9) لقد أثبت الشيخ- رغم تحفظنا على ما ورد في هذا القسم من آراء- معرفة عميقة بالأديان الثلاثة وبالظروف التاريخية التي حفت بتدوين الكتب السماوية الثلاثة ودراية كبيرة بأصناف الوحي والفروق التي تميز كل واحد منها ولاسيما الخصوصيات التي يتسم بها النص القرآني في مقصده الإعجازي. يتبنى الشيخ ما استقرت عليه المنظومة العقدية الأشعرية في اعتبار كلام الله صفة أزلية ملتصقة بالذات الإلهية مع ما يستتبع ذلك من اعتبار القرآن غير مخلوق، والحقيقة أن مسألة طبيعة القرآن- هل هو قديم أم محدث؟ – مسألة خلافية قديمة بين علماء الكلام المسلمين. فقد ذهب المعتزلة مثلاً إلى أن القرآن محدث مخلوق لأنه ليس صفة من صفات الذات الإلهية القديمة، القرآن كلام الله والكلام فعل  ليس صفة فهو من هذه الزاوية ينتمي إلى مجال «صفات الأفعال» الإلهية  ولا ينتمي إلى مجال «صفات الذات» والفارق بين المجالين عند المعتزلة أن مجال صفات الأفعال مجال يمثل المنطقة المشتركة بين الله سبحانه وتعالى والعالم، في حين أن مجال صفات الذات يمثل منطقة التفرد والخصوصية للوجود الإلهي في ذاته، أي بصرف النظر عن العالم أي قبل وجود العالم وقبل خلقه من العدم وتفصيل ذلك أن سنة العدل الإلهي لا تفهم إلا في سياق وجود مجال لتحققها وليس من مجال سوى العالم. وصفة الرازق تتعلق بالمرزوق إلخ، وإلى هذا المجال مجال صفات الأفعال تنتمي صفة الكلام التي تستلزم وجود المخاطب الذي يتوجه إليه المتكلم ولو وصفنا الله سبحانه وتعالى بأنه متكلم منذ الأزل أي أن كلامه قديم لكان معنى ذلك أنه كان يتكلم دون وجود مخاطب لأن العالم كان ما يزال في العدم وهذا في رأيهم ينافي الحكمة الإلهية. أما صفات الذات فهي لا تحتاج إلى وجود العالم كالعلم والقدرة والقدم والحياة، فالله كما يقول المعتزلة عالم لنفسه قادر لنفسه قديم لذاته وحي لذاته، ومن هذه الصفات الأربعة أوجد العالم ولذلك اضطر المعتزلة للاتساق مع سياقهم الفكري والعقلي إلى افتراض أن العالم كان له مستوى من الوجود في العدم أطلقوا عليه «الوجود الشيئي في العدم أو شيئية المعدوم» وذلك ليكون هناك مخاطب لقوله تعالى (كن) التكوينية التي يخاطب بها الأشياء فتكون. لم يكتف المعتزلة بذلك للبرهنة على أن كلام الله مخلوق، فتناولوا المسألة من وجه آخر فقالوا إن كلام الله «مخلوق في محل وهو حرف وصوت كتب أمثاله في المصاحف حكايات عنه فإن ما وجد في محل عرض قد فني في الحال».(10) وإذا نظرنا إلى القرآن وجدناه يقع في محل لأنه مجموعة من حروف وأصوات تقرأ وتسمع فهي إذن تقوم في مراكز النطق والسماع العضوية وهي أيضًا تكتب في ورق وتتعدد كتابتها في نسخ من المصاحف متماثلة أي أنها تقوم في محل كذلك وما وجد في محل فهو عرض أي جسم والعرض يفنى وهذه الحروف والأصوات المنظمة التي يتألف منها القرآن تفنى في الحال أي فور الانتهاء من النطق بها وسماعها فهي إذن غير أزلية وغير معادلة للذات الإلهية في تصورهم فتبين أنها حادثة مخلوقة كسائر المخلوقات. في الطرف الآخر يبرز موقف ابن حنبل الذي يعتبر أن القرآن غير مخلوق وأن صفة الكلام ملتصقة بالذات الإلهية ويذهب إلى أن من يعتقد أن القرآن مخلوق أو ينتابه شك حول ذلك هو كافر بل إن من يرفض الإقرار بأن مدعي القرآن مخلوق كافر فهو كافر أيضًا. ويعتبر أن التلفظ بالقرآن وتلاوته من قبل المؤمنين غير مخلوقين ومن يعتقد أن التلفظ والتلاوة مخلوقين فهو جهمي، إلا أن ابن تيمية كان يخشى من أن اعتبار التلفظ غير مخلوق قد يؤدي إلى نوع من الحلول، أي حلول شيء من الذات الإلهية في المتلفظ أو في من يتلو القرآن، وحتى يتجنب تبنيه لمقولة أن اللفظ غير مخلوق عمد إلى التمييز بين الكلام الذي هو كلام الله وبين صوت القارئ.(11) مع الأشعري سنشهد نقلة في موطن النزاع إلى موطن جديد فقد قال: «إن كلام الله يطلق على المعنى النفسي وهو الأزلي القديم الذي لا يتغير بتغير العبارات ولا يختلف باختلاف الدلالات وهذا هو الذي يطلق كلام الله حقيقة،  أما القرآن المقروء والمكتوب فهو بلا شك حادث مخلوق، لأن كل كلمة تقرأ تنقضي عند النطق بما بعدها، فكل كلمة حادثة فكذا المجموع المركب منها ويطلق هذا المقروء والمكتوب كلام الله مجازًا».(12) في العصر الحديث،  بذل الشيخ محمد عبده (ت 1903 م) جهدًا ملحوظًا في إعادة طرح المسألة من جديد، فجاءت إجابته تأليفية بين المعتزلة والأشاعرة قال في رسالته: «الكلام هو صفة أزلية للذات الإلهية، والقرآن كلام الله ولكن باعتباره كلامًا متلفظًا به أو مكتوبًا متلوا أو مقروءًا، فهو ينتمي إلى العالم المخلوق وبهذا المعنى يمكننا القول بأن الله قد خلق القرآن و لكن دون تدخل من أي مخلوق».(13)

2 – الأطر الاجتماعية والسياسية ومسألة (خلق القرآن)

إن الأطر الاجتماعية والتاريخية تظل محايثة للمعارف والعلوم ولاسيما تلك العلوم ذات المنزع الإنساني فتؤثر في ظهورها وترسيخها وتكون صدى صادقًا للحاملين لرايتها. بالعودة إلى الأطر الاجتماعية والسياسية الحافة بما آل إليه علم الكلام ولا سيما الصراع السنّي المعتزلي، يكشف لنا التاريخ أن انتصار أي تيار فكري أو عقدي لم يكن مضمونًا مسبقًا، لأنه يظل رهين موازين القوى الاجتماعية والسياسية الداعمة له، فانتصار أهل السنّة والجماعة وانتشار وجهة نظرهم في المسائل العقائدية مدين إلى حد كبير بتبني السلطة السياسية لمقولاتهم واحتضانها لهم. فبعض المذاهب التي وقعت في شرك السلطة، خيل إليها في لحظة ما أنها تمسك بقواعد اللعبة لكن سرعان ما أدارت لهم السلطة ظهرها ووجدت نفسها كمن يسعى إلى حتفه بنفسه ويحفر قبره بيده. تلك حال المعتزلة حين دارت عليهم الدوائر فبامتحانهم الناس في مسألة خلق القرآن، قد خالفوا مبادئهم أولًا ونسوا مبدأ حرية الإرادة والاختيار وهو أن الإنسان مخير فيما يعتقد ويفعل، مغترين بقربهم من السلطة التي أقنعوها بصحة مقالاتهم. ثم دفعوا العامة إلى الاحتماء بالسلف والتحصن وراء المحدثين ثانيًا. امتدت محنة القول بخلق القرآن أربعة عشر سنة من سنة 218 هج إلى سنة 232 هج أي من عهد المأمون الذي تولى الخلافة من سنة (198 إلى سنة 218 هـ) إلى عهد الواثق الذي تولى الخلافة من سنة (227 – 232 هـ ) مرورًا بعهد المعتصم الذي تولى الخلافة من سنة  (218 – 227 هـ )، فبعد أن كانت  السلطة أداة طيعة بأيديهم أصبحت سيفًا مسلطًا  فوق رقابهم وشبحًا مريعًا يلاحقهم، وذلك بعد أن أفضت الخلافة العباسية إلى المتوكل (232 – 247) الذي قرأ جيدًا موازين القوى في المجتمع العباسي والتي كانت الكفة فيه تميل إلى تيار المحدثين، فأمر سنة 234 هـ بترك النظر والمباحثة والجدال وإلى التخلي عما كان عليه الناس أيام المعتصم والواثق من القول بخلق القرآن وأمر الناس بالتسليم والتقليد ودعا الشيوخ والمحدثين إلى إظهار السنة والجماعة. وبعد ذلك تتابعت الضربات والنكبات على المعتزلة لاسيما أن آل بويه (14) الداعمين لهم بدؤوا يضعفون وينحطون وقد يكون ذلك هو ما شجع الخليفة القادر بالله (381 – 422 هـ) على تصنيف كتاب في الأصول ذكر فيه فضائل الصحابة على ترتيب مذهب أهل الحديث وكفر فيه المعتزلة والقائلين بخلق القرآن، وكان الكتاب يقرأ كل جمعة بجامع المهدي ببغداد ويحضر الناس لسماعه. (15) وروى ابن الجوزي أن كتاب القادر صدر سنة 408 هـ ضد المعتزلة يأمرهم فيه بترك الكلام والتدريس والمناظرة في الاعتزال والمقالات المخالفة للإسلام وينذرهم إن خالفوا أمره بحلول النكال والعقوبة(16).

في حجية السنة:

لقد كان للنقد الذي مورس في شأن الحديث النبوي وما اعتراه من وضع، وما اتسم به منهج الجرح والتعديل من قصور في تمحيص متون الأحاديث أثره في الواضح في ضبط منزلة السنة عند المحدثين ومسألة اعتمادها أصلاً ثانيًا من أصول الفقه والتشريع، إلا أن الشيخ محمد الفاضل بن عاشور يتمسك بالموقف الذي ارتقى بالسنة النبوية إلى مرتبة الكلام الإلهي وهو رأي استقر منذ القرن الخامس الهجري، مع أننا لا نعدم آراء لبعض الفقهاء والأصوليين الذين يضعون السنة في مرتبة ثانية من الأهمية بعد القرآن، لقد صار من الطبيعي أن يطفو على السطح في العصر الحديث الموقف المغمور الذي غيبه الضمير الديني التقليدي والرافض لاعتبار السنة مصدرًا من مصادر التشريع ويدعو إلى الاكتفاء بالقرآن. هذا الموقف نجد أثرًا له عند الإمام الشافعي (ت 204 هـ /820). إن الأجيال الإسلامية الأولى قد شهدت إلى جانب القابلية للسنة منكرين لها. فالسنة لم تكتسب صبغة القداسة دفعة واحدة بل كان ذلك تدريجيًا بمرور الزمن وبعد أن نسيت مواقف المنكرين. فالشافعي نفسه يشير إلى هذا الموقف فيقول: «أحد الفريقين لا يقبل خبرًا وفي كتاب الله البيان (…) وقال: «ما لم يكن فيه كتاب الله فليس على أحد فيه فرض»،(17) إن الجيل الأول من الصحابة حرص كل الحرص على التمييز بين الوحي القرآني وكلام رسول الله. فقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بتدوين القرآن، ونهى عن تدوين كلامه وذلك اجتنابًا للخلط الذي قد يحدث عند الصحابة ثم حفاظًا على الخصوصيات التي تميز الوحي وأهمها علوية مصدره. وليس أدل على ذلك من تحرج الرعيل الأول من الصحابة من أن يقدموا سنة قولية أو عملية على آيات قرآنية وإن لم تدون بالمصحف مثل آية الرجم والتي صنفها الأصوليون في باب النسخ ضمن نمط الآيات التي نسخت تلاوتها وبقي حكمها.(18) فقد ورد في سنن ابن ماجة في باب الرجم الخبر عدد 2553 ما يلي: «حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ومحمد بن الصباح قالا ثنا سفيان بن عيينة عن الزهري عن عبدالله بن عبدالله عن ابن عباس قال : «قال عمر بن الخطاب: لقد خشيت أن يطول بالناس زمان حتى يقول قائل ما أجد الرجم في كتاب الله فيضلوا بترك فريضة من فرائض الله، ألا وأن الرجم حق إذا أحصن الرجال وقامت البينة أو كان حصل أو اعتراف وقد قرأتها (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة). رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجمنا بعده. إن الارتقاء بالسنة إلى مرتبة القرآن واعتبارها وحيًا يعني فيما يعنيه إمكانية أن تنسخ السنة القرآن وهذه مسألة ظلت محل خلاف بين الأصوليين، فالزركشي (ت 794 هج/ 1392م) وهو ممن يعتبر السنة معاضدة للقرآن تبين مجمله وتخصص عمومه ولا تنسخ أحكامه،  يقول: «اعلم أن القرآن والحديث متعاضدان على استيفاء الحق وإخراجه من مدارج الحكمة حتى أن كل واحد منهما يخصص عموم الآخر ويبين إجماله ثم يذكر رأي الإمام أبو الحكم ابن برجان في كتابه المسمى بالإرشاد وقال: «ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم من شيء فهو في القرآن وفيه أصله، قرب أو بعد، فهمه من فهمه وعمه عنه من عمه. قال تعالى: (ما فرطنا في الكتاب من شيء) سورة الأنعام/الآية 38 ألا تسمع إلى قوله صلى الله عليه وسلم في حديث الرجم : (لأقضين بينكما بكتاب الله) وليس في كتاب الله الرجم(19) فالزركشي لا يعير اهتمامًا لآية الرجم وجدت أم لم توجد، ويعتبر حديث الرجم هو بيان للمجمل الذي اشتملت عليه الآية التي تتحدث عن العذاب. يقول: وقد أقسم النبي صلى الله عليه وسلم أن يحكم بينهما بكتاب الله ولكن الرجم فيه تعريض مجمل في قوله تعالى: (و يدرأ عنها العذاب) سورة النور/الآية 8 فتعيين الرجم من عموم ذكر العذاب وتفسير هذا المجمل،  فهو مبين لحكم الرسول و بأمره(20) واضح أن هذا الموقف الذي يكتفي باعتبار السنة معاضدة للقرآن ولا يرتقي بها إلى مرتبته، لم يكن له حظوظ في الانتشار، لاسيما وأن الدين في سيرورته الطبيعية سيتحول إلى منظومة اجتماعية شاملة وسيلتجئ المسلمون إلى إضفاء شرعية دينية على مؤسساتهم وهنا سيبرز الدور الخطير الذي سيلعبه الإمام الشافعي، يقول في ذلك الإمام فخر الدين الرازي: «كانوا قبل الإمام الشافعي يتكلمون في مسائل أصول الفقه ويستدلون ويعترضون ولكن ما كان لهم قانون مرجوع إليه في معرفة دلائل الشريعة وفي كيفية معارضاتها وترجيحاتها فاستنبط الشافعي علم أصول الفقه ووضع للخلق قانونًا كليًا يرجع إليه في معرفة مراتب أدلة الشرع. فثبت أن نسبة الشافعي إلى علم الشرع كنسبة أرسطوطاليس إلى علم العقل».(21) إن الخروج من فوضى الاستدلال ووضع الأحكام كان يقتضي وضع ضوابط في استنباطها تستند إلى حجة أصولية- إضافة إلى القرآن الكريم لسبب سنبينه فيما بعد – فكانت السنة تلك الحجة التي اكتسبت بمرور الوقت قداسة ما انفكت تتعزز، وكان على الشافعي بناء تصور منطقي يفضي به في النهاية إلى تثبيت السنة كأصل ثان من أصول التشريع يضاهي الأصل الأول وهو القرآن. هذا التصور استند على القاعدة النظرية التالية: «كل ما نزل بمسلم ففيه حكم لازم أو على سبيل الحق فيه دلالة موجودة».(22) إن أهم نتيجة ترتبت عن القول بأن «كل ما نزل بمسلم ففيه حكم لازم» هي غلبة المنهج الفقهي على سواه من سبل قراءة النص القرآني، فكانت آيات الأحكام وعددها نحو 500 آية أي أقل من عشر آيات القرآن، محل عناية خاصة وباتت مركز الثقل في القرآن.(23) فالفقهاء في بحثهم عن الحكم اللازم لكل ما ينزل بالمسلم لم يكونوا يستطيعون العثور على مبتغاهم في القرآن وحده، فالنوازل كثيرة ومستجدة باستمرار، فتم الالتجاء إلى السنة والحديث النبوي لسد هذا الفراغ التشريعي بما في ذلك أحاديث الآحاد التي كانت محل خلاف، وهنا صار لزامًا على الشافعي أن يعمل، في خطوة ثانية ضمن تصوره المنطقي، على تأصيل حجية السنة وذلك من خلال النص القرآني، فاستدل على ذلك بعدد من الآيات منها قوله تعالى: (وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم صراط الله) سورة الشورى/الآية 52 ويقول الشافعي: «وقد سن رسول الله مع كتاب الله مما ليس فيه بعينه نص كتاب»(24) فأصبح هذا المبدأ منذ القرن الثالث مسلمة لا سبيل إلى مناقشتها، فقبلها الضمير الإسلامي باعتبار أن الإسلام يقتضيها وانضم خلافها إلى مجال غير المفكر فيه، بل تطور الأمر فيما بعد عند بعض الأصوليين الذين أصبحوا يجوزون نسخ القرآن بالسنة المتواترة. فذهب أكثر الفقهاء وأهل العلم إلى جوازه من جهة العقل والسمع جميعا وقد وجد ذلك وبه قال القاضي أبو الفرج ونسبه إلى مالك وقال ابن بكير من أصحابنا: «لا ينسخ القرآن إلا القرآن» وقال الشافعي: «لا يجوز ذلك من جهة العقل»(25) بعد عرضه للرأي الرافض لجواز نسخ القرآن بالسنة، يتبنى الباجي المخالف لذلك فيقول: «والدليل على جوازه من جهة العقل- أي جواز نسخ القرآن بالسنة- ما علم من تساوي حال القرآن والسنة المتواترة في وجوب العلم والقطع على الحكم الثابت بهما وكل من عند الله. فإذا جاز نسخ القرآن بالقرآن جاز نسخ القرآن بالسنة المتواترة الموجبة للعلم لأنه ليس في نسخه بها وجه من وجوه الإحالة».(26) بعد فترة قصيرة من عصر أبي الوليد الباجي، سيتطور الأمر ونجد أنفسنا وقد تجاوزنا مسألة القبول بالسنة المتواترة المخولة نسخ القرآن إلى القبول بأحاديث الآحاد وإدراجها ضمن المتواتر من الأحاديث. (27) هذا المسار الذي سلكه الضمير الإسلامي يؤكد حرصه على الاتصال بالفترة التأسيسية – منبع الوحي الإلهي -، فالمسلم لم يعد يرضيه الاكتفاء بالقرآن معجزة الرسول، بل صار يشعر بالحاجة إلى الاقتداء بالرسول المعصوم. إن عصمة النبي كانت تمثل عامل اطمئنان جعلت للمسلم مثالاً ينسج على منواله. وهنا صار الاعتماد على كل الأخبار التي رواها الصحابة والمحدثون والمتصلة بالنبي أمرًا مقبولًا بعد أن استبطن المؤمنون القائل بأن الرسول أصبح هو المعيار لتجسيم الإرادة الإلهية، لذا أصبح اللجوء إلى أحاديث الآحاد لا يثير أي حرج. إن تعظيم النبي والسمو به إلى منزلة تتجاوز المكانة البشرية، هو في الآن نفسه امتثال للقرآن وعدول عنه أيضًا، لأن القرآن يقول إن الرسول ليس إلا بشرًا ويأمر في الآن نفسه الاقتداء به ويعظم منزلته، ما حصل هو تضخيم لعنصر موجود القرآن والذهاب به إلى أقصى غايته. لقد كرس الغزالي (ت 505 هـ/ 1111 م) هذا العنصر ورسخه، يقول: «ثم ينظر في الكتاب والسنة المتواترة وهما على رتبة واحدة»(28) لقد بات القدح في صحة ما روي عن النبي من أقوال وأفعال ضربا من الكفر، رغم المآخذ العديدة التي يحق للمسلم أن يسجلها حول طريقة روايتها وعلى معايير الجرح والتعديل التي أقرها المحدثون وذلك لا يعني البتة أن هؤلاء المحدثين كانوا مقصرين في التحري، فلقد بذلوا جهودًا لا تنكر في التثبت من مدى صحة الأحاديث التي بلغتهم بحسب ما توفر لهم من وسائل معرفية.

الخاتمة: مما لا شك فيه أن الشيخ محمد الفاضل بن عاشور، كانت تحدوه رغبة جامحة في الإصلاح وهو ما تجلى واضحًا في حياته العملية الزاخرة بالنشاط والتي توزعت على مجالات متعددة كالمرأة والتعليم وغيرهما، كما كان للشيخ منزع تجديدي لامس على حد سواء الفقه والفكر الإسلاميين. في الفقه دعا الشيخ إلى الاجتهاد ففي محاضرته التي ألقاها في مجمع البحوث الإسلامية وعنوانها (الاجتهاد ماضيه وحاضره) استحضر فيها باختصار المراحل التي مر بها الاجتهاد والتشريع الإسلاميين من عهد الرسول صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا، وقد أكد الشيخ في هذه المحاضرة على اختلاف تشريع المدينة عن تشريع العراق والشام ومصر ملاحظًا أن المشرعين من الصحابة والتابعين ورجال القرنين الثاني والثالث للهجرة كانوا أكثر حرية في قياس الأشباه والنظائر واستنباط الأحكام الشرعية من الذين جاؤوا بعدهم، أما في الفكر الإسلامي فقد دعا إلى السير على خطى بعض المفكرين الإسلاميين كأبي حامد الغزالي وفخر الدين الرازي وغيرهما ممن عملوا على تأسيس فكر إسلامي خالص بعيد عن تأثيرات الفلسفة اليونانية، وإنما يستمد أصوله من روح الإسلام ومبادئه. لقد استطاع الشيخ أيضًا بفضل اتقانه اللغة الفرنسية أن يتمثل الثقافة الغربية الحديثة تمثلًا دقيقًا إذ نعثر في الكتاب على نقاش بينه وبين عدد من رموزها كفولتير Voltaire وديدرو Diderot وبرغسن Bergson وسارتر Sartre  29 لقد أثبت الشيخ أن له إلمامًا كبيرًا بجل التيارات الفلسفية القديمة والحديثة، إلا أنه في مجال العقيدة ظل رهين المنظومة العقدية الأشعرية وما استقر فيها من مبادئ، فلئن كان في مجالات أخرى يتعمق في الاحتجاج لآرائه و يوظف لها كل ثقافته، فإنه في مجال «علم الكلام» بقي وفيًا للاتجاه السائد يطرح مسلماته ثم يبني عليها ويحتج لها دون أن يسائلها أو ينبش عن الظروف التاريخية لتشكلها وعن المراحل التي مرت بها.

 

المصادر والمراجع:

1 – محمد الفاضل بن عاشور، محاضرات، تونس، 1999، ص 7

2 – المصدر نفسه، ص 145

3 – المصدر نفسه، ص 145

4 – المصدر نفسه، ص 147

5 – المصدر نفسه، ص 148

6 – المصدر نفسه، ص 156

7 – المصدر نفسه، ص 157

8 – المصدر نفسه، صص 153 – 154

9 – المصدر نفسه، ص 156

10 – الشهرستاني، أبو الفتح محمد، (ت 584 هـ/ 1153 م)، الملل والنحل، مصر، 1948 – 1949، ج 1، ص 19.

11-Voir E.I, tome VI, London, Paris, 1978, article kalam, pp 490- 491.

12– الشهرستاني، أبو الفتح محمد، نهاية الإقدام في علم الكلام، ط، أكسفورد، 1934، ص 291.

13 – الشيخ محمد عبده، رسالة التوحيد، القاهرة، 1353 هج، ص 44.

14 – البويهيون: أسرة فارسية حكمت أصفهان وشيراز وكرمان وبغداد من سنة 320 هـ إلى سنة 447 هـ، أسسها أبو شعاع بوية وأولاده الثلاثة عماد الدولة وركن الدولة ومعز الدولة الذي دخل بغداد سنة 333 هج، من سلاطينها عضد الدولة، أضعفت سلطة الخلفاء العباسيين، قضى عليها طغرل بك السلجوقي.

15 – أحمد بن علي الخطيب البغدادي، (ت 463 هج)، تاريخ بغداد، القاهرة، 1349 هـ/ 1930 م، ج 4، ص 38.

16 – الإمام أبو الفرج ابن الجوزي الحنبلي، (ت 598 هـ)، المنتظم في تاريخ الملوك والأمم، حيدر أباد، 1357 هـ / 1938م، ص 65.

17 – محمد ابن إدريس الشافعي، كتاب الأم، بيروت، 1393/1973، ط 2، ج7، صص 275 – 276.

18 – جلال الدين السيوطي، (ت 911 هـ/ 1505 م)، الإتقان في علوم القرآن، القاهرة، 1387 / 1967، ج 2، ص 25.

19 – الإمام بدر الدين محمد بن عبدالله الزركشي، البرهان في علوم القرآن، القاهرة، د.ت، ج 2، ص 129، النوع الأربعون، في بيان معاضدة السنة للقرآن.

20 – نفس المرجع، ص 129.

21 – فخر الدين الرازي، (ت 606 هـ/ ….)، مناقب الشافعي، ص 54، نقلا عن تقديم أحمد شاكر لرسالة الشافعي، ط 2، القاهرة، 1399 / 1979، ص13.

22 – الشافعي، الرسالة، ط 2، القاهرة، 1399 هـ/ 1979 م، ص 444.

23 – عبدالمجيد الشرفي، لبنات، تونس، 1994، ص 149.

24 – الشافعي، الرسالة، ص 88.

25 – أبو الوليد الباجي، أحكام الفصول في أحكام الأصول، بيروت، 1995، ط 2، المجلد الأول، ص 23.

26 – نفس المرجع، ص 423.

27 – آنظر المجهود الذي بذله البخاري في صحيحه، في سبيل تأصيل أخبار الآحاد: كتاب أخبار الآحاد ضمن صحيح البخاري.

28 – أبو حامد الغزالي، المستصفى من علم الأصول، بيروت، د.ت، ج2، 392.

29 – انظر محاضرته التي عنوانها: (موقف الدين من العلم والأخلاق) ضمن كتابه (محاضرات) صص 263 – 284 .

Facebook
X
WhatsApp
Threads
Telegram

د. رمضان بن رمضان

باحث في الحضارة العربية الإسلامية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى