العدد الحاليالعدد رقم 47ترجمات

رحلة عبر السطور: من التصفح العابر إلى القراءة العميقة

للفلسفة المرتبطة بالقراءة تاريخٌ طويلٌ وعريق. ففي محاورة «فيدروس»، هاجم أفلاطون القراءة، وعدّها إفسادًا للحوار الفلسفي الحقيقي. وبعده بقرون، كتب فرانسيس بيكون في كتابه «المقالات» عام 1597 عبارته الشهيرة: «القراءة تصنع الإنسان الكامل». أما في عصرنا الحديث، فقد حذّرت ماريان وولف من أن «عقل القراءة» بات مهدَّدًا بفعل الثقافة الرقمية.

التصفّح السريع

التصفّح السريع هو أقل أشكال القراءة انخراطًا. إنه ذلك المرور الخاطف للعين فوق الكلمات، من دون توقّف حقيقي. لكنه، ككل أنواع القراءة، يؤدي غرضًا معينًا. فإذا كنت تبحث عن اسم محدد أو فكرة بعينها، فستكتفي بالتصفّح.

لكن هذا النوع من القراءة يخص أيضًا جمهور المترددين.

القراءة الخاطفة

القراءة الخاطفة هي النسخة الأكثر امتلاءً قليلًا من التصفّح السريع. القارئ هنا يقرأ بضعة أسطر، ثم يقفز قليلًا، أو ينساب مع النص من دون أن يهضمه فعليًا. وفي عام 2006، أوضح الباحث جاكوب نيلسن أن معظم الناس يقرأون المحتوى الرقمي وفق حركة تشبه حرف F؛ سطر طويل، ثم سطر أقصر، ثم نزول عمودي سريع إلى الأسفل.

وقد غيّر «نمط الـF» هذا طريقة كتابة المحتوى على الإنترنت.

لكن القراءة الخاطفة لا تقتصر على المحتوى الرقمي. بل تظهر أيضًا لدى من يقرأون «للمتعة». عندما كنت صغيرًا، التهمت كتب الفانتازيا بنهم: التنانين، والأورك، والهوبيت، والسحرة… كانوا عالمي المفضل. وبالطبع، أحببت «سيد الخواتم». لكن يا إلهي، كم كان تولكين مولعًا بالإسهاب في الوصف!

اليوم، ربما أصبحت أكثر استعدادًا للاستمتاع بعالمه الواسع وتفاصيله المدهشة، لكن حين كنت في الرابعة عشرة؟ كنت أتجاوز تلك الفقرات بلا رحمة. أقرأ بضعة أسطر، وما إن أجد حديثًا عن «دورين الذي عاش في أزانولبيزار، والد ذوي اللحى الطويلة، أقدم البيوت السبعة، وسلالته التي امتدت عبر العصر الأول في قاعات خازاد-دوم»… حتى أقفز مباشرة إلى مشاهد القتال الممتعة.

أحيانًا، ينبغي للقراءة أن تبقى ممتعة. والقراءة الخاطفة تساعدها على ذلك.

القراءة العميقة

والآن نصل إلى الفن الآخذ في التلاشي: القراءة العميقة.

القراءة العميقة هي أن تقرأ كل كلمة في كل جملة، وربما تعود فتقرأها مرة أخرى. هي الطريقة التي تتطلبها منك كتب مثل «الأخلاق النيقوماخية» لأرسطو، و«بيت الأموات» لدوستويفسكي، و«ميدل مارش» لجورج إليوت. إن تجاوزت فقرة صغيرة، ستفقد شيئًا مهمًا. وإن بالغت في التصفح السريع، ستجد نفسك تتساءل: «ما الذي يحدث هنا بحق السماء؟»

وللقراءة العميقة ثلاثة أهداف رئيسية.

أولها: أنها غامرة.

حين أعدت قراءة «سيد الخواتم» في مرحلة البلوغ، كانت التجربة أكثر كثافة وحيوية بكثير مما كانت عليه في مراهقتي. أحسست بروائح خازاد-دوم العتيقة، وسمعت أصداءها المظلمة. كيف فاتني كل ذلك من قبل؟

وثانيها: أنها تقدير واحترام.

فالقراءة المتأنية تمنحك الوقت لتدرك أن وراء هذه الكلمات كاتبًا أمضى عمرًا وهو يصوغها. ويُقال إن الكاتب بي. جي. وودهاوس كان يعلّق كل صفحة من مخطوطته على لوح، يرفعها تدريجيًا كلما نقّحها، حتى لا تصل الصفحة إلى الأعلى إلا بعد عشرات المراجعات. القراءة العميقة، بهذا المعنى، تشبه تصفيقًا أدبيًا صامتًا.

أما ثالثها: فهي فعل سكينة وتهدئة.

فقد أظهرت دراسة لجامعة ساسكس عام 2009 أن القراءة لمدة ست دقائق فقط تقلّل التوتر بنسبة تصل إلى 68% – أكثر من الموسيقى أو المشي أو حتى احتساء كوب من الشاي. إن الجلوس لساعات، متنقلًا من كلمة إلى أخرى، يبطئ نبض القلب، ويرخي العضلات، ويدفع الدماغ نحو ذلك الصفاء الذي نشبهه بالتأمل.

عصر القراءة الخاطفة

لقد قيل الكثير عن موت القراءة العميقة. وكُتب الكثير أيضًا… لكن غالبًا لم يقرأه أحد.

في عصر «تيك توك»، نريد للمعلومة أن تكون ترفيهًا، ونريدها بسرعة. هذا هو اقتصاد الانتباه، وحين تكون شركات الإعلام جميعها في سباق محموم على النجاة، فمن يملك رفاهية المحتوى الطويل؟ المهم أن نحصد النقرات، ونخطف الأنظار، ونربح من الإعلانات المنبثقة.

كل هذا صحيح. والأرقام تثبته.

ومع ذلك، فإن المتفائل الكامن بداخلي – وربما هذا أثر تولكين – يرفض الاستسلام لتشاؤم الأدب.

نعم، نحن نقرأ أقل… لكن هل نستهلك أقل فعلًا؟

صحيح أن كثيرًا من استهلاكنا اليومي سريع وسطحي: تعليقات الفيديوهات، وتغريدات قصيرة، ومقاطع أخبار لا تتجاوز دقائق معدودة. لكن، بالتوازي مع ذلك، نشهد ازدهارًا مذهلًا للبودكاست الطويل. صار الناس يشتركون في حوارات تمتد لساعات، وينغمسون فيها بشغف. قد يقضي أحدهم ظهيرة كاملة يستمع إلى صانع محتوى محبوب وهو يفكك فكرة معقدة أو يناقش اهتمامًا شديد التخصص.

إنه عصر القراءة الخاطفة… لكن الاستهلاك العميق.

صحيح أن هذا النوع من التفاعل يفتقد هدوء كتاب يُقرأ على كرسي وثير، لكنه يظل أمرًا يدعو للامتنان.

لأن هناك، في مكان ما الآن، شخصًا لم يقرأ كتابًا منذ سنوات، لكنه منغمس منذ ثلاث ساعات في بودكاست يتحدث عن الخرسانة الرومانية.

ما زلنا بشرًا، بعد كل شيء.

ما زلنا نرغب في التعمّق، وفي الاتصال، وفي أن نهتز أمام قوة الحكاية الجيدة.

المصدر:

bigthink

Facebook
X
WhatsApp
Threads
Telegram

المحرر الأدبي

مجلة فكر الثقافية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى