
عبدالله قادري: صوت أوزبكستان الغائب عن العربية
حين يتحدث العرب عن الرواية في العالم الإسلامي، تتجه الأنظار غالبًا إلى الأدب العربي أو التركي، بينما يبقى أدب آسيا الوسطى، رغم غناه وخصوصيته، بعيدًا عن دائرة الاهتمام العربي.
من بين أبرز الأسماء التي تستحق أن تُكتشف عربيًا يبرز الروائي الأوزبكي عبدالله قادري، أحد مؤسسي الرواية الأوزبكية الحديثة، وصوتٌ أدبي حمل هموم مجتمعه في مرحلة تاريخية شديدة الاضطراب.
وُلد عبدالله قادري سنة 1894 في مدينة طشقند، في زمن كانت فيه آسيا الوسطى تعيش تحولات عميقة تحت الحكم القيصري الروسي. نشأ في بيئة شعبية، وتلقى تعليمه الأولي في المدارس القديمة، قبل أن يتأثر لاحقًا بأفكار الحركة الجَدِيدية الإصلاحية التي انتشرت بين مسلمي الإمبراطورية الروسية أواخر القرن التاسع عشر، التي دعت إلى إصلاح التعليم وإدخال العلوم الدنيوية للطلبة المسلمين، ونشر الصحف باللغات المحلية وترجمة الكتب والروايات وفن المسرح.
وعمل قادري في شبابه ناسخًا للكتب والوثائق، وهي مهنة قرّبته من اللغة والأدب والمخطوطات، وأسهمت في تشكيل حسّه اللغوي المبكر. ومن خلال احتكاكه بالتراث المحلي والتيارات الفكرية الحديثة، تشكلت رؤيته الأدبية التي جمعت بين الواقعية الاجتماعية والنقد الثقافي.
أصدر عبدالله قادري في فبراير 1923 مجلة «موشتوم» وهي مجلة أدبية فنية ساخرة، ومع انتشارها الواسع في أوزبكستان
أصبحت صفحاتها تضم أسماء لامعة في الأدب الأوزبكي مثل «تشولبان» و«عبدالله قهار» و«غفور غلام» وغيرهم، وقد ترك عبدالله قادري في مجلته هذه عدة أعمال أدبية ومقالات ساخرة وكتابات إصلاحية. في عام 1926 تعرض للإعتقال بسبب مقالة نشرها في المجلة اعتبرتها السلطات الأوزبكية السوفيتية «تشويه سمعة قادة البلاد»، وحكم عليه بالسجن لمدة عامين.
عاش قادري مرحلة انتقالية معقدة شهدت تحول المنطقة من الحكم القيصري الروسي إلى النظام السوفييتي الجديد، وقد انعكس هذا التحول بوضوح في أعماله، حيث حملت كتاباته نقدًا للمجتمع التقليدي في أواخر عهد خانية خوقند، كما تأثرت جزئيًا بخطاب الإصلاح والتحديث الذي رافق البدايات الأولى للعهد السوفييتي.
غير أن شهرته الكبرى ارتبطت بروایات تعد من أمهات كتب الرواية الواقعية الأوزبكية، ففي عام 1925 نشرت رواية: «الأيام الماضية» وفي عام 1928 رواية «عقرب في المحراب»، وهما العملان اللذان رسّخا مكانته بوصفه من مؤسسي الرواية الحديثة في أوزبكستان. وقد تحولت الروايتان لاحقًا إلى أفلام سينمائية خلال ستينيات العهد السوفييتي، وهو ما يعكس استمرار حضوره في الذاكرة الثقافية الأوزبكية رغم سنوات القمع التي تعرض لها.
في أعوام 1936-1938 نفذت السلطات السوفيتية وبأوامر مباشرة من «ستالين» سياسة «التطهير الكبير» أو «الإرهاب الكبير» “Bol’shoy terror” وجرى التخلص من المعارضين السياسيين، وقيادات رفيعة في الجيش الأحمر، ومفكرين وفنانين، عبر عمليات الإعدام أو السجن في معسكرات الاعتقال «الغولاغ» Gulag في ظروف اعتقال قاسية.
أعتقل عبدالله قادري بداية في عام 1937، وبعد عدة جلسات تحقيق أتهم بعدة تهم منها:
– عنصر مضاد للثورة
– قومي برجوازي
– معاد للسوفييت
– تشكيل طابور خامس والدعوة إلى الوحدة التركية Pan Turkism
طالت هذه الإتهامات عددًا بارزًا من رجال الفكر والأدب في أوزبكستان، مثل «تشولبان» و«عبدالرؤوف فطرت» و«عبدالله أولاني» وغيرهم من رموز النهضة الثقافية الجَدِيدية، وفي الرابع من اكتوبر 1938 تم إعدام عبدالله قادري وغيره، وقد شكّلت تلك الإعدامات ضربة قاسية للحياة الفكرية في آسيا الوسطى، قبل أن يُعاد الاعتبار لبعض هؤلاء الأدباء ومن ضمنهم عبدالله قادري بعد وفاة ستالين سنة 1956.
وتُعد رواية «عقرب في المحراب» من أهم أعمال قادري وأكثرها كثافة من الناحية السياسية والاجتماعية والتاريخية. والرواية، وإن كانت عملًا أدبيًا تخييليًا، تقوم على أساس تاريخي واضح؛ إذ استند الكاتب إلى وقائع وشخصيات حقيقية، ثم أعاد تشكيلها بخياله الأدبي.
وتدور أحداث الرواية حول الشاب «أنور» الذي ينشأ يتيمًا في بيت معلمه صالح، وهناك تنشأ بينه وبين ابنة معلمه «رنا» قصة حب عفيفة وهادئ. ويتميز أنور بذكائه وقدرته الكبيرة على الكتابة، الأمر الذي يؤهله للعمل في ديوان الحاكم «خدايارخان» آخر حكام خانية خوقند.
ومن خلال هذه الشخصية يرسم قادري صورة الشاب الطموح الذي يحاول أن يجد مكانه داخل عالم سياسي مضطرب، تسوده المؤامرات والصراعات. أما العقرب في الرواية فيتمثل في شخصية الملا عبدالرحمن، إمام الحي، الذي تلقى تعليمه في مدارس بخارى، وعانى في شبابه من تجارب قاسية تركت أثرًا نفسيًا عميقًا في شخصيته.
وحين يفشل الملا عبدالرحمن في الزواج من رنا، يتحول رفضه إلى حقد ورغبة في الانتقام، فيبدأ بنسج الدسائس والمؤامرات ضد أنور حتى يوقعه في دائرة غضب الخان «خدايارخان».
ولا تتوقف الرواية عند الجانب العاطفي أو النفسي، بل تقدم صورة واسعة عن أواخر عهد خانية خوقند، وعن علاقتها المتوترة بإمارة بخارى، حيث يسرد عبدالله قادري أحداث غزو أمير بخارى «نصر الله خان» لخوقند عام 1842، وما رافقها من عنف وأحداث مؤلمة.
كما يصف قادري بأسلوب نقدي مرحلة اعتلاء «خدايارخان» الحكم للمرة الثالثة، وما رافقها من مظاهر الاستبداد والتعسف، حيث كان السكان يُجبرون على أعمال السخرة في شق الأنهار وبناء القصور والأسواق. كذلك تتناول الرواية حياة البلاط، ونظام الحريم، وكثرة الزوجات والجواري، وأجواء اللهو داخل مجالس الخان.
والمهم هنا أن قادري لم يكتب هذه الصور بوصفها خيالًا محضًا، بل استند إلى وقائع تاريخية معروفة في تاريخ المنطقة، ثم أعاد تقديمها ضمن بناء روائي يجمع بين التاريخ والنقد الاجتماعي والخيال الأدبي.
إن أهمية عبدالله قادري لا تكمن فقط في كونه روائيًا أوزبكيًا كبيرًا، بل في كونه شاهدًا أدبيًا على مرحلة انهيار عالم تقليدي وصعود عالم جديد في آسيا الوسطى. ولذلك فإن قراءة أعماله تمنح القارئ العربي فرصة لفهم جانب مهم من التاريخ الاجتماعي والثقافي والسياسي للمنطقة.
وقد قمتُ بترجمة رواية «عقرب في المحراب» إلى اللغة العربية انطلاقًا من الاهتمام بتعريف القارئ العربي بالأدب الأوزبكي الحديث، وصدرت الترجمة عن مركز الإعلام والدراسات العربية-الروسية في الرياض عام 2024.
وفي سنة 2025 حصلت الترجمة على جائزة الدولة في أوزبكستان بوصفها أفضل عمل نثري مترجم من اللغة الأوزبكية إلى اللغات العالمية، وهو ما يعكس الاهتمام المتزايد بالتبادل الثقافي بين آسيا الوسطى والعالم العربي.
إن الأدب الأوزبكي ما يزال شبه مجهول في الثقافة العربية، رغم ما يحمله من تجارب إنسانية وتاريخية غنية. وربما تكون أعمال عبدالله قادري من أفضل المداخل لاكتشاف هذا العالم الأدبي الذي ظل طويلًا بعيدًا عن القارئ العربي.

الهوامش:
* سيد محمود مبشر كاساني: مترجم وحائز على جائزة الدولة في أوزبكستان في الترجمة الإبداعية.
https://www.gazeta.uz/oz/2024/04/30/qodiriy
Nabijon Boqiy, Qatlnoma, Azon Kitoblari, Tashkent. 2021
https://ogahiymukofoti.uz/2026/02/03/tanlov-golibi



