
سَبْتَة.. أو الهُروب الكبير إِلى الرَّحم المائِي
لم تكن الهجرة مجرد فرارٍ طارئ لجسدٍ يُطارده الفقر، ولا مغامرةً عابرة، بل كانت هاتفًا غيبيًّا ملحًّا يُنادي «عبد السلام» من قلب السُّخار والأثقال. كان صخب سوق الخضار يضجُّ بالأصوات والمساومات، بينما هو يرفع صناديق الثمار الثقيلة، ويفرغ شقاء يومه المنهك في مسح العرق المتصبب عن جبينه الأسمر. وفي غمرة هذا الزحام الخانق، كانت تطرق مسامعه همساتٌ متطايرة كأوراق خريفٍ تتهيأ للتحليق، همساتٌ تتغنى بالبحر الذي يفتح صدره للراحلين في عتمة الليل. تردد ذلك الهمس في أعماقه كمعزوفةٍ غامضة ومقدسة، تحثّه على أن ينسج لوليدته ذات الشهر الواحد غدًا بكرًا ناصعًا، لم تطأ أتربة الحاجة ولا أدناس الفقر. كان ينظر إلى يديه المتهرئتين من العمل الشاق، فيقطع عهدًا ألا تذوق هذه الرضيعة مرارة الحياة التي تجرعها.
عاد عبدالسلام إلى بيته الصغير محتميًا برغيف دافئ وفي عينيه شعلة أملٍ غريبة لم تألفها زوجته “أرحيمو”. لم يحتاجا إلى كثير كلام، فالفقر يملك لغةً خاطفة وأيقونية لا تحتمل الإطالة ولا التفاصيل. كان يخيم على الغرفة صمتٌ شفيف تشوبُه رهبة القرار. جلس بجوارها، ورَبَتَ على رأس طفلتهما بحنوٍّ أخير، ثم دمدم بنبرةٍ يمازجها الرجاء والتحدي:
«إما أن نمنح هذا الجسد الغضّ أرضًا تبتسم لمقدمه وتصون كرامته… أو نَذَر أرواحنا للموج».
في ساعاتٍ معدودات انكمش فيها الزمن وتلاشى الخوف لصالح الأمل، أعدّا خطتهما الخاطفة تحت ضوء شمعةٍ تتلوى ضئيلةً كأنما تشاركهما خفقات الرحيل وتخاف أزيز الريح. لم يحملا زادًا ولا متاعًا، لفا الرضيعة بدفء البطانية، وضَعا إلى جوارها علبة حليبٍ صغيرة ووثيقة ميلادٍ صريحة، ورسالةً كُتبت بمدادٍ يتفطّر خوفًا وحبًا.. ثم خبا الضوء، وانطلاقا بخطواتٍ حثيثة تسبق خطو الليل نحو الشاطئ المجهول.
تدفقا سباحةً في العباب الأزرق المظلم، يدفعان بكل ما أوتيا من قوةٍ طوافةً مطاطية صغيرة تتوسدها طفلتهما كأنها حلمٌ يطفو على سريرٍ من غيم. كان البحر ثقيلًا وعميقًا، يستقبل جسديهما ببرودةٍ قارسة ترشف القوة من العروق رويدًا رويدًا. وفي قلب اللجة الموحشة، بينما كانا يقطعان المياه، صُدما بأطياف جثثٍ طافية تصطدم بأجسادهما. أشباح صامتة لمآسٍ سبقتهم إلى هذا القاع. سرى الصقيعُ في عروق «أرحيمو»، وانكسرت روحها قبل جسدها أمام هول المشهد المروع. تقطعت أنفاسها وخارت قواها لتغوص في الأحشاء الزرقاء.
لم يتردد «عبد السلام» لرفة جفن، ترك طرف الطوافة وغاص في طلبها بما تبقى في قلبه من رمق. قبض على يدها، حاول رفدها نحو النور والأنفاس، لكن البحر لا يعبأ بلوعة العشاق ولا بحسرة الآباء. استنزف الموج الثقيل آخر قطرةٍ من حياته، ليتعانقا في الرحم المائي الغائر عناقًا أبديًا ممتدًا إلى الأزل.. تاركَين الطوافة تمضي منفردة، تُحرّسها عين السماء وتدفعها نسائم اللطف.
مع انبلاج أول شعاعٍ للفجر وتنفّس الصبح، كانت الطوافة تتهادى ببطء وسكينة نحو رمال «سبتة»، بعدما هدأت ثورة الموج وكأن البحر يتنصل من قسوته ويؤدي الحمولة الوديعة إلى البر بكل رفق. انتبهت دورية الشاطئ للجسم الصغير المتسرب مع المياه، فهرع عناصرها ليستقبلوا معجزة إنسانية: رضيعةٌ تنام في دفء بطانيتها، وعلى مقربةٍ منها علبة الحليب وغلافٌ بلاستيكي صينت فيه الوثيقة والرسالة المبتلة بالملح، والتي كُتب فيها بخط يرتجف:
«إن أخذنا البحر قبل الوصول، فهذه طفلتنا «أمل».. أودعنا معها زاد يومها، ونبتهل إلى الله وإلى كل من يجدها أن يدعها تنمو في الضفة الشمالية، كي لا تضيع كما ضاع أبواها.»
طارت صورة الرضيعة ووثيقتها في الآفاق كالصاعقة. وعلى الضفة الأولى، أمام شاشة تلفاز في مقهى مكتظ يتابع فيه رواده بحسرةٍ ووجوم أوجاع الأخبار ونشرات الهاربين نحو الضفة الأخرى، أبصر العم فجأة صورة طفلة أخيه واسمها المدون ملء الشاشة. سقط الفنجان من يده مرتطمًا بالأرض، واستبد به الذهول ولوعة الفقد الجسيم وسط وجوم الجالسين.
لم ينتظر العم طويلًا، حشد كل ما يملك من وثائق وقصد سلطات «سبتة» يطالب باسترداد قطعةٍ من دمه ولحمه. لكنه صُدم حين واجهه المسؤولون والقضاة بتلك الوصية المحفوظة، حيث أبلغه الادعاء أن النَفَس الأخير للوالدين قبل غرقهما يعدّ ميثاقًا صريحًا وعهدًا أخيرًا لحماية المصلحة الفضلى للطفلة بالبقاء حيث أُريد لها، وأن الدولة ستتولى رعايتها تنفيذًا لعهد والديها اللذين بذلا أرواحهما ثمنًا لهذا المأوى.
وأمام هذا القدر الصارم والقانون الذي انحنى لوصية الموتى، لم يجد العم ملاذًا سوى الانكفاء نحو الشاطئ الأول حيث تجثو حافة الوطن وتنتهي أوهام النجاة. وقف هناك شاخص البصر يُسائل الزبد المتلاطم، يرقب وجه الماء بعينين غائرتين أضناهما البكاء، يرجو أوبة الراحلين لا ليعاتبهما على الرحيل، بل ليتلقف جثمانيهما إن رقّ قلب اللجة وَلَفَظَتْهُمَا إلى الرمال، ليوسدهما الثرى ويكرم رحيلهما الأخير بمدفنٍ يليق بعاشقَين لم تتبقَّ منهما سوى وصية.. وموج.



