
تجليات الحوار والمشهد: انسجام الكلمة والمعنى في رواية (منازل العطراني)*
الكتاب: «منازل العطراني» رواية
المؤلف: جمال العتابي
الناشر: اتحاد الأدباء والكتاب في العراق
سنة النشر: 20223 (ط1) 2025 (ط2)
عدد الصفحات: 253 صفحة
(الذاكرة شكل من إشكال الأسطورة الشخصية، لأنها تنتقي ما هو مهم بالنسبة لهوية المرء وقدرته على البقاء، وهي حريصة على انتقاء الموارد المحملة بالمعنى أكثر من حرصها على الدقة الواقعية بالمعنى الموضوعي) بول ريكور
منح الكاتبُ جمال العتابي (منازلَ العطراني) نسقًا حكائيًا مستمدًا من سيرة حياة (محمد الخلف) كشاهد فاعل على أحداث تاريخية، ابتدأت من عهد ثورة 14 تموز1958 ثم انقلاب البعث عام 1963 مرورًا بمتغيرات انقلابية متتالية، لينتهي مطاف أحداثها قبيل احتلال العراق وسقوط النظام الديكتاتوري عام 2003، أعاد الكاتب عبر ملكته التخييلية تشكيل الحكاية «الخام»، معتمدًا كثيرًا من مكوناتها لينتج منها مادته السردية التخييلية وينظم العلاقات بينها وبين مرجعياتها الواقعية، ما جعلها تنتظم في علاقة مزدوجة معها وبخاصة الأحداث والشخصيات وامكنتها والأزمنة المتعاقبة. وبذلك تكون منازل العطراني قد احتفت بالزمن، الذي لا يمكن إدراكه إلا من خلال السرد، تلمس الكاتب من خلاله إثاره على الأمكنة وعلى شخصيته المحورية «محمد الخلف» وشخصيات الرواية الأخرى وعلى المجتمع العراقي ككل، برؤية متأملة، راصدة وناقدة، مستثمرًا لغة حوارات شخصياته بمحمولاتها الضمنية، فمنح (الفعل السردي رؤية شاملة استوعبت مناطق الموصوف الحدثي المباشر لتحول الأحداث إلى «فرجة معرفية» تكمن في الأوصاف والأفعال والأحالات الضمنية وتقدير المواقف)1 واتسم مسار أحداث الرواية بتتابع كورنولوجي إلا أنه ظل مرتبطًا بمسار تدفق افكار وذكريات المحكي ما منح النص بنية لا كورنولوجية موازية لبنية الرواية.
وقد سعى الكاتب لتوظيف الحوار بأنماطه المتعددة بحضور وافر، باعتباره عنصرًا تكوينيا في البناء السردي إلى جانب عناصر السرد والخصائص الأسلوبية الأخرى، بوعي سردي متقن أثمر تناغمها عن نحت شخصيات نابضة بالحياة، مذيبًا بذلك الحدود الفاصلة بين السرد ولغة الحوار التي ضمّنها مفردات بعينها، أبعدت لسان الشخصيات عن نمطيته، وإبانة أبعادها النفسية والاجتماعية والسياسية، ما منح كل شخصية منها ملامح دلالية مغايرة ترسخ في الذاكرة، وبهذا يغدو الحوار بؤرة لصياغة دلالات الحبكة الروائية، وكشف ملابساتها، فارتقى بالمسار الدرامي نحو ذروته، فالكلمة هي أداة الوعي، تعبر عن الفعل الأيديولوجي وبخاصة العلاقات الاجتماعية، ولكي نفهم البنية الأدبية للرواية لا بد من الاعتماد على لغتها أداةً لتجسيد الموقف الاجتماعي كما يؤكد باختين. وما اللغة إلا (مسكن الوجود) فهي تحيلنا إلى المكنون النفسي للشخصيات المتحاورة. وتجلى الحوار بجميع أنماطه بالضرورة، في«منازل العطراني» داخل فضاء الحدث الطويل لحبكتها، الذي صاغته شخصياتها وشُيّدت على أساسه الحكاية، يُعبّرعما أغفله الرويّ وصفًا وتحليلًا، ليغطي أكثر المقاطع الروائية تمثيلاً للمستويات الفكرية المتباينة بين الشخصيات المتحاورة وما يختلج في وجدانها من مشاعر ورؤى، وقد اتضح التباين جليًا في حوار شخصيات محورية وأخرى ثانوية: «محمد الخلف، خالد، زهرة الأم، نوار، عامر، عباس، وشكرية وخيون» وبما ينسجم وتنوع ماهية الحدث وسعته في لحظات وقوعه وضرورات حضورهم فيه أيضًا. فيما اكتسبت المشاهد الحوارية الناتجة عن تداخل الحوار مع الوصف الحركي والسياقين المكاني والزماني، أهمية مساهمتها في بناء النص، وترهين الأحداث وبسطها حاضرة أمام المتلقي فكلما توقف الراوي برهة، بانتظار دوره في معاودة مهمته ثانيةً، منح الفرصة أمام كل من: الشخصيات لإنجاز الفعل الحواري، والمتلقي لمتابعة الأحداث باعتباره مشاركًا في العملية السردية. وقد تغلغلت المشاهد الحوارية إلى صفحات «منازل العطراني» لتغمر أفضية نصها كاملة، إذ لا تكاد تخلو صفحة منها، لارتباطها طرديًا بأنماط الحوار المختلفة.
توارى الكاتب خلف الراوي، الذي سيصطف مشاركًا ومعاضدًا، الى جانب محمد الخلف والشخصيات الاخرى، منذ اولى الصفحات، من خلال تقديمه لها، معقبًا عن مواقفها ومفسرًا لها، يقدم نفسه بشكل مباشر، ومبلورًا دوره دون أن يظهر كشخصية مؤثرة في رسم الأحداث، نائيًا بنفسه عن شخصياته المتحاورة ليمنحها استقلالها عن سطوته، فترك لها حرية التعبير، واشراكها في تقرير مسار الأحداث عبر منطوقاتها التي تحتمها طبيعة وصفات كل شخصية ورؤاها المتولدة، وإن اختلفت أو تناقضت مجمل الرؤى مع رؤيته، وبهذا الانسحاب الواعي، استهدف الكاتب إحالة المتن الدرامي الى حقل السرد، كسرًا لرتابته وإثراءً لحبكته، فلم يكن الحوار مجرد وسيلة بل صار غاية جمالية تخلق وعيًا أعمق بالواقع، وتشد الانتباه للنفاذ إلى ثيمة الراوية، وهكذا تحول الحوار إلى بوح واعتراف: مرآة تعكس المشاهد الحوارية إلى ذهن المتلقي ممسرحةً، التقى عبرها بالكاتب مجددًا، ليس بوصفه متسلطًا، بل شريكًا في شهادة البوح، فصار إلى جانب محمد الخلف وولده خالد خصوصًا، مكملين للمشاهد الحوارية حيث تتقاطع عندهم كافة العناصر السردية التي سخرها لهم الكاتب.
وعلى الرغم من منح شخصياته المتحاورة حرية التعبير، إلا أن هذه الحرية لم تكن مطلقة، فشخصية «محمد الخلف» تبدو مقيدة في مشهدين حواريين، حيث يتعمد الكاتب كتم صوتها أو تجنيبها سجال محاوريها، سواء مع زوجته أو ابنه خالد أو صديقه صالح كيطان، حيث تجلى هذا الكبح في عزوف «الخلف» عن مطاولة الحوار والذود عن ثوابت مواقفه، وكأن الكاتب أراد به صمتًا دراميًا محسوبًا. ففي حواره مع صالح كيطان بشأن أسباب الحكم عليه بالسجن لمدة عام وفصله من وظيفته كمعلم، بتهمة شتم (الزعيم) والتحريض على التمرد، وكيف ساومه المحقق العقيد، يخبر الخلف صديقه:
– ما كان أمامه سوى مساومتي في شتم رموز انتمائي السياسي والفكري مقابل الإفراج عني، واجهتها برفض شديد..
يرد عليه صالح:
– هل هذا صحيح في اعتقادك؟ أن تترك عائلة بهذا العدد، ماذا يحصل لو شتمت الرموز يا أخي..؟
-إرحمني يا صالح استعين بك لا تجلدني أكثر أرجوك (ص19)
وحين حدثه ولده خالد (في نبرة صوت موشومة باللوم) مذكرًا إياه بحماسته السياسية خلال عهد ما قبل 14تموز 1958 مخاطبًا:
اسمح لي بالقول: كنت شخصًا آخر بعد هذا التاريخ! أليس كذلك أبتي!؟
مناجيًا: لم يرد محمد الخلف، تكتم منسحبًا إلى داخله
(تهيأتُ لتعنيفه لأني لم اسمعه يتحدث معي بهذه اللهجة لكني سرعان ما ترددت بعد أن أظهر لي مودة وأسفا..) ص50
افتتح الكاتب سرديته بصوت ضمير المتكلم عبر شخصية (محمد الخلف) ليشرع في استعادة ماضيه تذكرًا، دون أن يبرر هذا التذكر الأقرب إلى الاعتراف، متسائلًا (أين المسار..؟) كتمهيد استباقي للروي، وإيمائي لتصور مستقبلي لما سيحدث، وسيستمر راويًا رئيسيًا لثيمة الرواية والصوت المعبر عن أفكارها، والممسك بنسيجها السردي«وإن اقتسم ولده خالد قد معه فعل الروي» وقد تماهى صوته الاتوبيوغرافي وهو يروي، مع صوت مونولوجه الداخلي ومناجاته لذاته، فـ(المحكي بضمير المتكلم يقترب كثيرًا من المونولوج المستقل يكون وضعه الإعتباري السردي ملتبسًا مثلما يكون موضوع نزاعات حدودية)2 وبذلك اتخذ السرد مسارين متداخلين، الأول يعتمد على استعادة احداث تماضت، وفق تقنية الاسترجاع والثاني استحضار وقائع الماضي بصوت محمد الخلف مخاطبًا المستمع الضمني، فألزمه بأستقبال كلا الصوتين في آن واحد، وكأنه أمام (أنا) مزدوجة تفرض الانصات اليها، ليغدو النص السردي حمّالًا لتداخلات ضميرين لشخصية واحدة.
والمونولوج هو أول أنماط الحوار الذي تبناه الكاتب، كتقنية سردية تهدف لاستحداث شكل تخييلي لا سردي، تبني الحدث وترصد تشظي الذات عبر خطّية سردية تكشف معالم الشخصية ورؤيتها المبتلاة بفوضى الوجود، كما أشار جيمس جويس، متداخلًا (المونولوج) مع تأثير انعكاس الشحنات النفسية التي تفرزها التفاصيل الدقيقة للأحداث التي كان لابد للكاتب من الركون إليها لتوثيق الواقع الذي عايشته شخصياته في أمكنة متعددة وأزمنة مختلفة، ليجعل من البوح مشهدًا دراميًا قائمًا بذاته، فبعد أن هرب محمد الخلف من سجن الكوت أثناء انقلاب البعث على حكم الزعيم عبدالكريم قاسم عام 1963 قرر أن يشارك بمظاهرات مناهضة للسلطة الجديدة ولم يزل بعد يرتدي اسمال السجن!، حيث وجد نفسه مقموعًا تارة أخرى جراء إمعان الحكم العسكري الجديد بالقمع، والآثار المهولة التي خلّفها، هنا يتفجر مونولوجه متسائلًا: (اين المسار؟ وقد بتَّ ليلتك في بيت أحد أصحابك..) هذا التساؤل حوّل منامه إلى ساحةِ كوابيس ووشى بتنامي مشاعر قلق جراء حيرته بمصيره بعد انعتاقه الجسدي دون النفسي، فتصوراته وأماله تهتزان: (أذهب إلى الفراش كي أستريح، أصبح النوم صعبًا، كم أيقظتني الكوابيس؟ لم أتمكن من مواجهة الوحدة قواي مدمرّة واعصابي التي انهكتها القضبان ضعيفة..) ص32 ثم يبلغ ذروة العتمة: (.. لِمَ التذكر مادام الطريق يمنح عتمة دائمة ومدى شديد الاتساع..؟) ص61 ليردف بجَلد ذاته بمرارة: (.. أنت أيها المغوار تقاوم الهزيمة وحدك!) ص 74 وكأنه يتوجع ندمًا: (لماذا أسلمنا أنفسنا للذبح؟ لم نعد نقرأ في كتبنا سوى اللغو) ص91
اهتم الكاتب أيضًا بتوظيف الأحلام والكوابيس باعتبارهما تمثلات لا شعورية شأنها شأن المونولوج للتعبير عن الهواجس المتولدة عن الاضطراب النفسي للشخصيات، وإضاءة الجوانب المعتمة من عوالمها، وبهذا يثري الكاتبُ لغةَ السرد بالاستبطان حين يتشابك الحلمي مع اللحظة المعيشة، حتى يصعب الفصل بينهما، إذ تتحول الأحلام إلى كوابيس والكوابيس إلى هواجس كنتيجة لتداخل الحلمي مع النسيج السردي. فصوت الحالم يصبح «ساردا» بنبض إيصالي معبر عنه باللاوعي، وهوما يمكن تسميته بـ« التماهي الحكائي» حيث يؤثر الحلم في التنامي المطرد للسرد الذي اعتمد حكاية «محمد الخلف» المركزية التي ما لبثت أن انبثقت منها حكايات أخرى، لتخلق دينامية جديدة للنص السردي، خلخلت متابعة تطورات الحكاية الأم، وتجسد مثل هذا التداخل في حادثة مغادرة «الخلف» بيت قريبه عباس في «العطرانية» خشية من وشاية أحد الجيران على أمل العودة إليه بعد الاطمئنان من خطورتها لكنه سرعان ما ينزلق إلى كابوس يقضة:
(واصلت السير أحثُّ جسدي على تحمل الألم، في وميض خاطف مرّ أمام عينيّ لم أر خلاله سوى قبضتين أخذتا تتعززان في لحم عنقي : «قف»!.. وقفت.)
(إلى أين: من أوحى لك بتغيير الاتجاه: إنك تحاول عبثًا تغيير اتجاه السهم، توهم نفسك بأن هذا الانحراف جادة أخرى يجنبك العقاب، يمنحك وعدًا بالنجاة.. من أدخلك في هذه الورطة؟
استدرتُ كالآلة ثم سرت خائفًا..) (بعدما أفقتُ كان عباس قد افترش القش لينام بين حطام طين مهدمة، صحا على صيحتي فرك عينيه مع أول خيط للفجر، ثم وقف ينظر إلى وجهي المنمش بحبّات عرقٍ، كاد أن يمسك ببقية حلم مضاع.
– (مابك ياخال أتشكو من شيء؟ قلت لا.) ص61- 62
لنكتشف بالتالي أن «النص المروي» لم يكن إلا حلمًا، وإن السرد لم يكن يحكي حلمًا، بل صار الحلم هو الذي يسرد الواقع.
إن أول ظهور لـ«خالد» زائرًا لأبيه في السجن حين كان صبيًا، في ص9 من الرواية، ثم جاء محمولًا في حيثيات حكاية «حسنة» المرأة العاقر وزوجها الشكاك، الذي لم يكد يُشبع نشوة أنوثتها، ص37 وهي إحدى الحكايات الجزئية الكثيرة التي زخرت بها الرواية، نتيجة لاستقطاب حكاية محمد الخلف لرواة ومتحاورين كثر لهم علاقات قربى به وصداقة، ما انفكوا يخوضون معه دوامة محنته، وأسهموا في طُرز نسيجها بحكايات متعددة، سواء أكانت مرتبطة بأصل سيرته أم لا، وهو ما أذكى نشاط ذهن المتلقي لإعادة تشكيل بانوراما متعددة المشاهد. وتأتي حكاية «حسنة» هنا كعتبة نصية متقنة قادت إلى شخصية «خالد» مرة أخرى، في الوقت الذي لم تكن إلا مجرد تفصيل عابر في رحلة «نوار» إلى بغداد، فبعد أن يُطمّأن «نوار» عائلة «الخلف» في بغداد على وجوده في «العطرانية» يصبح الفضاء مهيأً لظهور «خالد»، لم يقدمه الكاتب كمعلومة، بل ليصنع له مشهد ولادةٍ شخصية، استولده سرديًا، فما عاد مجرد اسم، بل سيصبح أيضًا راويًا مناوبًا لذاكرة أبيه:
(شهدت تلك السنوات افتتاح أول مدرسة ابتدائية في تلك القرية القصية من ريف الشطرة.. شاءت الصدف أن يُنَسّب إليها.. إليها نخبة من خريجي دار المعلمين.. منهم عبد جياد ومحمد الخلف، هؤلاء وجدوا في تلك البقعة عالمًا يستع لأحلامهم الكبيرة، تغمرهم سعادة خاصة، هي إيمانهم بعدالة قضية، اعتقدوا أنها أسلوب الحياة الوحيد ويقين مطلق للأفكار الجديدة…) ص 67 «من حوار لخالد مع رفيق له في السجن» ففي هذا الاستذكار مارس خالد وظيقته السردية، فهو الأرشيف الحي له، يتلقف بحرص ما سقط من حلم الأب، وهو الشاهد الأبكر لانكساره، والمحاور بين زمنين الذي ستناط به وظيقة سردية مزدوجة: (راح الأب يربت على كتف ولده، يهمس له بكلمات رقيقة هادئة الجرس يوصيه بالصبر الجميل مؤكدًا له على نحو حازم، ان المرء أيضًا يظل صانعًا سعادته أو شقاءه.) فالأب هنا يمارس دور الواعظ، لكن الابن يردّ عليه بذاكرة تفكيكية حادة، وتوثيقية في آن واحد: (.. في عام 1956 كنتُ اشاركك الاستماع إلى الأناشيد الحماسية من إذاعة صوت العرب.. أتذكر جيدًا إنك شتمت نوري السعيد بعد ختام خطابه في تلك الأثناء بأهزوجة (دار السيد مأمونه).. منذ تلك اللحظة أصابني أول ارتباك في الفهم وأنا في الرابع الابتدائي، تساءلتُ: ما معنى أن نشتم رأس الحكومة ونحن نهتف صباح كل خميس لتحية العلم: يحيا الملك يعيش الوصي، نرفع صورهم على هاماتنا.. اسمح لي بالقول: كنتَ شخصًا آخر بعد هذا التاريخ! أليس كذلك أبتي؟) ص50
وهنا يبدو المشهد الحواري موازيًا، خالد الطفل يرفع صورة الملك ويهتف لحياته، ثم يسمع الأب يشتم رئيس حكومته! عبارات استدعت أول «تضاد» سيحكم وعي خالد، ويكشف عن لحظة انكسار مبكرة في منطق أبيه بينما هو يحاور ليُدينَ عبر مسائلته.
إزداد حضور خالد بشكل لافت ابتداءً من الصفحة 53، يدعمه الراوي متجاوزًا السرد الخارجي لتفاصيل سيرة حياته الى الغوص في أعماق شخصيته وتوثيق معاناته الأليمة وقلقه الوجودي، حيث جسدت سيرة حياته مسارًا تراجيديًا لاعتناقه الفكر السياسي اليساري المناهض لأنظمة الحكم المتناوبة على حكم البلاد دفع جراءه ثمنًا باهضًا منذ صباه، وبعد الإفراج عنه من السجن عام 1962 تكشفت ملامح شخصيته لتكون أكثر نضجًا بالرغم من ما تركه عليه السجن من آثار جسدية ونفسية موجعة، فضلًا عن تاثير أوضاع العائلة المعيشية الصعبة التي تكفل هو بإعالتها طيلة غياب والده، دفع به ذلك إلى لعب دور الأب مبكرًا، ولأنه لم يخوض تجربة حب حقيقية، تولد لديه شرخ عاطفي عميق وكبتًا جنسيًا، ظلّ يكبّل انفعالاته، ليغدو ضحيةً لتضحياته المبكرة، ألا إنه بدا نموذجًا للمثقف اليساري الملتزم، بجراته النقدية لما آل إليه (الحزب) وأحوال الوطن، ويعتبر جيله هو الثاني بعد جيل والده الذين كابدا سويًا سياسة نظام الحكم الملكي وعايشا ديكتاتوريات العهد الجمهوري بمتغيراته اللاحقة لكنه (.. يعيش حالة خوف غريزي من قادم مباغت، ترهقه كثيرًا هواجس القلق من الملاحقة، كان خالد يقلب في راسه الاسئلة في رأسه كمن يقلب الجمرات بين كثبان الرماد في الكانون، لم يعد بمقدوره أن يتحمل خسارات جديدة مازال فتيًا غضّ العود..) ص53
(شعرتُ بغربة في اللحظة التي دخلت بها باب المدرسة بلغ خوفي أشدّه، فالمدرسة في طرف المدينة عند الحد الذي تنتهي فيه البيوت الطينية، تتفتح بنايتها بزاوية منفرجة تحيط بها أكداس من النفايات) ص196
لقد كشفت عبارات الحوار بين خالد وأبيه من جهة، ذرى العلاقة الابوية الحميمة التي وطنت لدى خالد إيمانه وإعجابه بكاريزما الأب، والاختلافات الدفينة معه في التوجهات، على حد سواء، وكذا من جهة أخرى، آراء ومواقف ابنه عامر الذي تم إعدامه فيما بعد، وموقف «زهرة» الأم التي افنت العمر للحفاظ على العائلة رابطة الجأش خلال فترات غياب الاب الطويلة في السجون أو الاختباء القسري بعد الافراج عنه. لقد أظهر الحوار المشهدي التالي، صراعًا وجوديًا بين جيلين يسكنان ذات «محمد الخلف»، فـ«فتح الشراع» هو زمن اليقين الأيديولوجي في مواجهة السلطة والقمع، و: «تاهت السفن والاشرعة» هو ضياع الأمل في المشروع الأيديولوجي للمواجهة، بل عبثيتها، وحوّل الأب رمز الأمل واليقين إلى شخصية منكسرة، ولم يشرح الكاتب عمق تحوله، بل راح يراه في انكسار منطوق عباراته.
(أحسّ عامر أن صمتًا ثقيلًا بدأ ينعقد فوق لسانه، ساد جو من العتمة والشّك، نفض عن كتفيه شبح الوجوم:
– لا أراك يا أبتي إلا متشائمًا، أفلا تشعر بنفسك أحيانًا معزولاً عن الناس غير مشارك في دفقهم الحياتي؟ كنا نسمع منك القول: بدل أن تلعن الريح، افتح شراعك سفينتك لها لتحملك إلى أبعد القارات.
– تاهت السفن والأشرعة ياولدي عن أي تشاؤم تتحدث؟ إن شعلة الحنين إلى عالمي الأول لم تنطفئ إلى الأبد،.. لكني لا استطيع أن أنسى أن الشعلة كادت ان تحرقني، تحيلني رمادًا، أحسها الآن قد همدت) ص223
ظلّ محمد «الخلف» ينازع اهتزاز تصوراته وأماله، تحاصره مواقف أفراد عائلته من جدوى تمسكه بصراط النضال الطويل الى ما لانهاية، بعد ما نالهم من الضيم بسببه، خصوصًا بعد اعدام ولده عامر، ما ولّد لديه أكثر من تبرير لمراجعة آليات تفكيره والبنيات والقيم السائدة. فاستمر في سفر امتد سنوات بحثَا عن ملاذات أكثر أمنا بعيدًا عن عيون رجال أجهزة الأمن، متخذًا اسم (محمد العطراني) كنية جديدة التي دُوّنت في هوية الأحوال المدنية الجديدة لصرف الأنظار عن شخصيته الحقيقية المحكومة قضائيًا، فكان أن أختار بدءًا (قرية العطراني) ملجأً آمنًا حيث أبناء عمومته. والتحق إلى بغداد مسكنًا ملتحقًا بعائلته، ليحسم أمره أخيرًا هنا، بأن حطّ ثقال سنين طوال من النضال السياسي جانبًا، وتجلى هذا الحسم في رده على اقتراح «سليم صديق ولده خالد» بالعودة إلى تنظيم (الحزب): (أنا يا صديقي حتى الجهات الأربع ضيعتها، أبدو كمن علق في فضاء فارغ في مهب رياح عاتية .. ذاكرتي لا تعمل كما ينبغي .. شيء ما يموت في مكان بعيد..) ص208، وهنا يتجلى صدى صوت صديقه صالح كيطان كـ«أنا عليا» كمنت في «لا وعيه» منذ خاطبه (أصبحت الأماني هباء يا محمد) ليردّ محمد الخلف: (نعم يا صالح لقد توارى زمن الامال، استحالت الى ركام) ص9
إن كلا الحوارين ينمان عن اعلان أخير لموت الحلم، فتضييع الجهات الأربع ماهو إلا انسجام بين الشعور باليأس ومشهد التيه.
لكن «محمد العطراني» لم ينكفئ تمامًا، فهزيمته في السياسة لم تكن قادرة على اغتيال المثقف فيه، والشخصية التي نذرت عمرها لصراط النضال المرير هي ذاتها المعطاءة التي ابدعت في فنون المسرح والشعر والقصة ونشرت نتاجاتها في صحف ومجلات، وبيعت لوحاتها في معارض الفنون، لذلك حين رأى نكسة «مشروع الحزب» أبى أن يبقى معلقًا في فضاء فارغ، بل وجد ضالته في التعبير الجمالي عن الذات. ليذود بها عن نفسه لسعات الاخرين، وضغط ركام الآمال غير المتحققة، املا ان تشعره باستراحة محارب يبحث عن الامان وصفاء الذهن.
الهوامش:
* رواية «منازل العطراني» للكاتب جمال العتابي – منشورات الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق-ط1- 2023.
1 – مقدمة سعيد بنكراد لكتاب «اليات الكتابة السردية» لامبرتو ايكو.
- حسن المودن- المونولوج الداخلي في موسم الهجرة الى الشمال- موقع سعيد بنكراد.



