
إثيريدج نايت، صوت زنجي أمريكي صدح من وراء القضبان
ترجمة: الحبيب الواعي
تقديم
بمناسبة صدور الترجمة العربية لمختارات شعرية للكاتب الأفروأمريكي إثيريدج نايت عن دار كوديا للنشر والتوزيع يسعدني أن أتقاسم مع القارئ هذا التقديم الموجز عن حياة الشاعر ومنجزه الأدبي وعلاقته بحركة الفنون السوداء باعتبارها أهم الحركات الأدبية والثقافية التي عبّرت عن هموم وانشغالات الإنسان الزنجي بالولايات المتحدة الأمريكية خلال ستينيات وسبعينيات القرن الماضي.
يضم هذا العمل الترجمي قصائد إثيريدج نايت المفقودة والتي قام الشاعر نورمان مينيك بتحريرها بعد أن أكتشفها في أرشيف مركز وارد م. كانادي بجامعة توليدو بولاية أوهايو، بالإضافة إلى مائتي قصيدة نشرت في مجلات أدبية مفقودة وفي دواوين نفدت طبعاتها. يسعى هذا العمل إلى أن يكون رفيقًا لـمجلد «أهم أعمال إثيريدج»، وهو مجلد شعري مهم، وإن كان صغير الحجم، نشرته مطبعة جامعة بيتسبرغ قبل خمسة وثلاثين عامًا.
يمكن القول إن هذا العمل رأى النور في أوانه، ففي هذه المرحلة الراهنة بالذات وأكثر من أي وقت مضى يبدو الإنسان أكثر عرضة للعنصرية العرقية والثقافية في جو اجتماعي محتقن نتج عن متطلبات وتناقضات الحياة الرأسمالية، فتنوعت أساليب الضبط والزجر المستنفذة لقوتها الإصلاحية وانتشرت أنواع جديدة وفتاكة من المخدرات تصنعها شركات العقاقير الدولية ذات الربح الشخصي. في صلة بكل ما سبق، يتناول المنجز الشعري لإثيريدج مواضيع شتى، من أوجاع الولادة والجرعات الزائدة من المخدرات والحرب إلى تيمة «الكونية الفريدة» التي يعتقد نايت أنها حقيقية، والتي تكمن في «كونية المشاعر، إلا» أن وصف إثيريدج لما يمكن أن يسمى ثقافة «مجمع صناعة السجون» يجعل كتاباته ذات صلة بالقرن الحادي والعشرين بشكل جدير بالاهتمام. إن الموضوع الذي يشغل ذهن نايت بشكل ملفت للنظر—كما يقول كولينز- ليس السجن، بل موضوع الحرية باعتباره الموضوع المطروح بشكل عام في أمريكا. ولتحقيق الحرية لنفسه ولمجتمعه، كان إثيريدج يسعى إلى خلق ثورة في الفكر الأمريكي المشوه بالمفاهيم المتبقية من عصر العبودية.
حياة إثيريدج نايت وتجربة السجن
في خضم حديثها عن إثيريدج نايت وعلاقته بالتاريخ الأدبي للشعر والشعرية الأمريكية تقول شيرلي لامبكين في المدخل المخصص للشاعر في قاموس السيرة الأدبية «لقد أشاد الكتاب والنقاد السود بعمله باعتباره مثالًا ممتازًا ومغايرًا عن الحقيقة الصارخة للزنوجية في الفن. لقد أصبح عمله مهمًا ومؤثرًا في الشعر والشعرية الأفروأمريكية على الخصوص، وفي سيرورة وتاريخ الشعر الأنغلو-أمريكي المنحدر من إرث والت ويتمان». لم يكن من السهل تبوء هذه المكانة الرفيعة في صرح الشعر ومعبد الإبداع الأمريكيين كما تشير السيرة الذاتية لإثيريدج، فقد كانت حياته كإنسان أسود أمريكي مكتظة بالعزلة، بتعبير الشاعر الأسود بوب كوفمان، ولم تكد تخلو من المعاناة من بدايتها إلى نهايتها. في سياق آخر لكن غير بعيد عن حياة وشعر إثيريدج، يقول الشاعر تيرانس هيس إن سيرة إثيريدج تمثل «حكاية عن الهوية الأمريكية المضطربة، عن الهوية الأفروأمريكية والشعر. إنها تحتوي على ما يشبه ملحمة عائلية من ملاحم ويليام فوكنر، وبعض قصص الهجرة في منتصف القرن العشرين، والكثير من مآسي الذكورية وتراث روح الفنان».
وُلد الشاعر الأفروأمريكي إثيريدج نايت في 19 من أبريل عام 1931 في مدينة كورينث بولاية ميسيسيبي، لأم تحمل اسم بلزورا كوزارت وأب يحمل اسم إثيريدج «بوشي» نايت. كانت أمه تنحدر من آل كوزارت، وهي عائلة كانت تعتبر نفسها من مؤسسي المدينة وكانت تملك أراض شاسعة ومزارع للقطن كما تضم رجال أعمال وموسيقيين ورواة قصص، أما أبوه فكان بناءً من بلدة رامر بولاية تينيسي على حد قول الشاعر تيرانس هييس. يبدو أن اقتران بلزورا بإثيريدج الأب إلى جانب التفرقة العنصرية أثر على الحالة المادية للعائلة وجعل الوضع الاجتماعي متأزما بالنسبة لإثيريدج الذي كان يفر لمدد متباينة من بيت أسرة كانت تصارعت كي يبلغ أطفالها السبعة أشدهم. في مقابلة له مع الصحفية غلاديس كيز برايس، قال إثيريدج إن أباه كان «ينتقل من مدينة إلى أخرى بحثا عن العمل، وكان بذلك يجتث عائلته وينقلها إلى مكان آخر كلما بدا الوضع المادي واعدًا». وهكذا استقر الأمر بإثيريدج وعائلته في بادوكاه بكنتاكي حيث شارك أبوه في بناء سد كنتاكي وبعدها ستنزح العائلة إلى مدينة إنديانابوليس بولاية إنديانا حيث حصل على عمل جديد كحامل أمتعة في محطة القطار.
رغم الظروف المادية المزرية لعائلته، تمكن إثيريدج من الحصول على معدلات جيدة خلال مرحلة دراسته الابتدائية وكان تلميذًا متفوقًا في فصله بالمدرسة الإعدادية إلا أنه قرر الانقطاع عن الدراسة في الصف التاسع بعد أن قرر أن المدرسة «لا صلة لها بآماله وتطلعاته». هكذا ترك إثيريدج المدرسة في سن الرابعة عشرة وانخرط في سوق العمل كمساح أحذية وانجرف مع تيار الصعلكة في شوارع بادوكاه بحاناتها وقاعات البلياردو حتى بلغ السابعة عشرة. بعيد انقطاعه عن الدراسة بقليل أدرك إثيريدج صعوبة العيش في الجنوب الأمريكي بالنسبة للإنسان الأسود فقرر الالتحاق بالجيش الأمريكي عام 1947 بعد أن زور توقيع والديه. حصل إثيريدج على معدلات عالية جدًا في اختبارات الذكاء لدرجة أن «السلطات في فورت نوكس بكنتاكي شككت في نزاهته وأعادت امتحانه لكنها فشلت في إيجاد أي علامة لانعدام النزاهة»، كما جاء في إحدى مقابلات الشاعر يوسف كمونياكا. تم إرساله كتقني طبي إلى ثكنات الحرب الكورية وبعد إصابته إصابة خطيرة بشظايا قنبلة تم إعفاؤه من مهامه عام 1951.

في مقابلة له مع صحيفة روكي ماونتن نيوز وفي خضم تذكره لتفاصيل الحرب يقول إثيريدج «كان الموت والدم في كل الأرجاء. لا يوجد شاب يبلغ من العمر 17 عامًا يستطيع أن يتحمل ويلات الحروب. ولذلك وقعت في براثن الإدمان على المورفين. بدأت أستعمل المخدرات لأنها كانت توقف الألم». في تقديمه لكتابه عن إثيريدج يؤكد الباحث مايكل س. كولينز أن أجزاء من السجلات العسكرية لإثيريدج التي نجت من حريق شب عام 1973 في المنشاة التي تأويها تشير إلى أنه التحق بالجيش من 23 فبراير إلى 17 نوفمبر عام 1950، بعد أن قضى فترة سابقة امتدت من 24 يونيو 1947 إلى 7 يونيو 1949، وأنه سرح بسبب «الإعاقة» بعد نقله إلى المستشفى، كما تشير وثائق أخرى إلى أن شخصيته وكفاءته أثناء خدمته العسكرية كانتا «ممتازتين» وأنه في عامي 1948 و1950 تم ترشيحه للحصول على وسام حسن السلوك. تشير بقايا التقرير الخاص بالتقييم الجسدي والنفسي لإثيريدج إلى عدم وجود “انحراف في الشخصية”.
بعد تسريحه من الجيش، عاد إثيريدج إلى إنديانابوليس ليشيع جثمان والده الذي توفي بعد معانته مع مرض القلب، وكان عمره لا يتجاوز الخامسة والأربعون. استسلم إثيريدج شيئًا فشيئًا للسيل الجارف للجريمة في محاولة منه لتوفير متطلبات إدمانه وأصبح محط شكوك الشرطة التي لاحقته على الدوام. تتذكر أخته يونس نايت بوينز في حوار لها مع مايكل كولينز قائلة «أتذكر أيام طفولتنا. كانت الشرطة تأتي إلى بيتنا بحثًا عن جونيور [إيثريدج نايت]، وكانت والدتي تقول ‘ماذا تقصد أنك تبحث عنه؟ إنه في السجن في مركز المدينة. . .. وهكذا، يأتون للبحث عن جونيور لأن شخصًا ما فعل شيئًا مشابهًا لما يفعله جونيور. . .. في كثير من الأحيان أعتقد أن جونيور في السجن وسيخبر السجناء بما يجب عليهم فعله في الخارج..». في يونيو 1958سيتم تسجل أول مخالفة لإثيريدج عندما ضبطه شرطي وهو يقفز من نافذة الطابق الثاني لمستشفى إنديانابوليس العام وهو يحمل زجاجة دواء مملوءة بالكوكايين. اعترف إثيريدج بجريمته في النهاية وأخبر القاضي أنه «تم القبض عليه حوالي 10 مرات بتهمة السرقة والمخدرات»، وتم الحُكم عليه بالسجن لمدة تتراوح بين سنة وعشر سنوات مع وقف التنفيذ بالإضافة إلى غرامة وأداء تكاليف المحكمة، والتحذير من عواقب أشد إذا تجاهل جميع القوانين التي اخترقها من قبل.
لم يمر أمد طويل على هذا الحادث حتى تم القبض على إثيريدج واثنين من شركائه في السادس من ديسمبر عام 1960 لتورطه في سرقة حقيبة امرأة مسنّة تدعى ليليان روبرتسون باستخدام القوة والعنف. تمت إدانته بثمان سنوات قضاها في سجن ولاية انديانا في مدينة مشيغان جراء سرقة ما تبين أنه عشرة دولارات من أجل المخدرات. يتذكر رفيقه في السجن، الكاتب أرت باورز أن إثيريدج «قضى عامًا أو ما يزيد في السجن محاولًا إقناع الهيئات المسؤولة على تقليص مدة عقوبته السجنية غير أن الشرطة والقاضي والصحف والجمهور أصروا على أن تطبيق التدابير الكاملة لتحقيق «العدالة»- مدة تتراوح بين عشر وخمس وعشرين سنة – هو فقط ما يمكن أن يخدم مصالح المجتمع». أثناء تواجده في «بطن الوحش» كما كان يسميه وبعد أن أدرك أن مدة بقائه هناك ستطول، قرر إثيريدج أن يعيد ترتيب أفكاره وأوراقه فركز على مطالعة كتب الفلسفة والفنون والعلوم والدين، وفي السنوات الخمس الأولى – يتذكر رفيقه في السجن أرت باورز- تمكن إثيريدج من أن يغطي مجالًا واسعًا ووجد جزءًا من ذاته في كل ذلك، وبالتدريج أصبح المتحدث الرسمي باسم السجناء السود وكاتب رسائل للنزلاء وصحفيًا مساهمًا في جريدة ومنشورات السجن حيث التقى واشتغل رفقة الكاتب أرت باورز. يتذكر هذا الأخير التجربة الإبداعية لإثيريدج داخل السجن قائلًا «لقد شاهدته خلسة مرات عديدة. رجل ضخم ونحيف ذو يدين متدليتين وأصابع قصيرة، منحن على آلة كتابة وهو ينقر المفاتيح في ذهول تام، وقلت من المستحيل أن يبدع هذا المعتوه شيئًا» (العين بالعين: أربع سجناء عن جرائم السجون الأمريكية اليوم للمحرر هـ. جاك غريسوولد).
في عام 1963، وهناك خلف القضبان ستنطلق التجربة الإبداعية لإثيريدج، وستتشكل مادتها الأولية من التجارب المريرة التي تخللت حياته الشخصية. بعد مرور سنتين نُشرت قصيدته الأولى «إلى دينا واشنطن» في مجلة نيغرو دايجست، وفي عام 1966 نشر محرر نفس المجلة، هويت دبليو فولر، قصة قصيرة لإثيريدج تحمل عنوان «القطار القادم المتوجه إلى الجنوب»، وهكذا سيلفت إثيريدج تدريجيًا أنظار المبدعين والقراء خارج جدران السجن. كانت الشاعرة الأفروأمريكية الشهيرة غويندولين بروكس أول من زاره في السجن فأدركت على الفور عبقريته كمبدع وبدأت تصقلها من خلال نقدها البناء. كان من بين معجبيه الأوائل أيضًا الشعراء هاكي مادوبوتي ودودلي راندال مؤسس دار نشر برودسايد الذي كان يتراسل مع إثيريدج ويزوره مرتين ويقدم له المشورة حول أمور تتعلق بالصياغة والتعبير. في مقال عن دودلي راندال لصحيفة ديترويت فري برس كتبت سوزان دوليزال تقول: «في غرفة صغيرة مخصصة للاستشارة مع السجناء المحكوم عليهم بالإعدام، وسط أصوات إغلاق الأبواب الحديدية وصراخ السجناء في الخلفية، أقنع راندال إثيريدج المتردد بموهبته». هذا بالإضافة إلى الشاعرة صونيا سانشيز التي كانت تحث إثيريدج على الصمود والمثابرة قائلة في إحدى رسائلها: «اعتني بنفسك – يجب أن تبقى على قيد الحياة لتخبر العالم عن نفسه».
في عام 1968، تم الإفراج عن إثيريدج بشروط وتزوج الشاعرة والناشطة سونيا سانشيز وأنجبا طفلين، موراني نيوسي ومونجو نيوسي، ثم انتقلا للعيش في بيتسبرغ بولاية بنسيلفانيا حيث حصل إثيريدج على منصب كاتب مقيم في جامعة بيتسبرغ، إلا أنه سرعان ما انتهى قِرَانهما بالطلاق عام 1970. مباشرة بعد طلاقه من صونيا، ربط علاقة مع الناشطة والكاتبة البيضاء ماري ألين ماك أنالي التي تزوجها رسميا عام 1972 ورزق منها بطفلين ماري تانديوي ماكنالي، إثيريدج بامباتا ماكنالي، واستقرا بهما المطاف في مدينة منيابوليس بولاية مينيسوتا. كانت علاقة إثيريدج بماري ألين والأطفال جحيمًا حقيقيًا قبل وبعد نذر الزواج بسبب إدمانه. في عام 1971، بعد هروبه بسيارة ماري ألين ألقي القبض عليه بتهمة حيازة المخدرات وزج به في سجن بريدج بورت بولاية كونيتيكت، وحُكم عليه بخمس سنوات مع وقف التنفيذ شريطة التحاقه بمركز للتأهيل الطبي. في غشت عام 1972، سجلت زوجته ماري ألين في مذكرتها أنه تم القبض عليها «بتهمة حيازة المخدرات بسبب سيجارة حشيش كان إثيريدج قد خبأها في أمتعتها» (أرشيف ووثائق إثيريدج 1964-1990). يبدو أن مشروع زواج إثيريدج بماري ألين سيتداعى لا محالة للسقوط عما قريب ففي أبريل 1974، فاز إثيريدج بزمالة غوغنهايم بقيمة اثني عشر ألف دولار بددها في ظرف وجيز في المخدرات والكحول وتكاليف المعالجة وإصلاح أعطاب حوادث السير مما أدى إلى طلاقهما عام 1977.
ربما لم يكن الإدمان السبب الوحيد لإنهاء العلاقة الزوجية بين إثيريدج وماري ألين، هذه الناشطة البيضاء التي كانت تعد أطروحة دكتوراه في جامعة كولومبيا حول ما أسمته الحكومة العنصرية لجنوب إفريقيا بـ«تعليم البانتو»، وتم طردها من البلاد عام 1968 لأنها تحدت النظام العنصري علنًا. هذه الناشطة التي سلمت دعمًا ماديًا إلى مجلس كنائس جنوب إفريقيا للدفاع عن السجناء السياسيين أمثال نيلسون مانديلا، كما أسهمت أيضًا في بناء حركة مسيحية جامعية مناهضة للتفرقة العنصري انتخبت الزعيم ستيف بيكو كأول رئيس لها، تلك الناشطة التي صادقت أميلكار كابرال وهي في طريقها إلى جنوب أفريقيا من أجل إنهاء استعمار غينيا بيساو وحشدت له حراسًا شخصيين- كان من بينهم إثيريدج- عندما دعي إلى جامعة لينكولن لتسلم شهادة دكتوراه فخرية عام 1971 (أنظر رسائل أن ماري ألين لإثيريدج 14 مارس 2011، و ديوان ماري ألين بعنوان قوس قزح عظيم، بارتزن بريس 2006، ص 116). كانت هناك دواع لسقوط بيت إثيريدج تعود في مجملها إلى خلافات إيديولوجية بينه وبين ماري ألين كما يتضح في رسالة بعثها إليها عام 1982 يقول فيها: «أنتم ‘خبراء الثقافات واللغات الافريقية’ لم تغفروا أبدًا للأمريكيين السود على مطالبتكم جميعًا بالتخلي على الشأن الأفروأمريكي وبأنكم لا تستفردون بالسلطة المعرفية في هذا المجال. . . مثل العديد من المثقفين الليبراليين، أعتقد أنك كنت دائمًا ممتعضة وربما في الحقيقة كنت تحسدينني لأنني كنت أنشر وكان الناس ينصتون إلى هذا السجين ‘الأمّي’، المدمن، اللص، الكاذب، هذا الذكر الأسود ‘زير النساء’ ، بينما أنت البيضاء ‘المطلعة’، الأنثى الموهوبة، الصادقة والطيبة لم يسمع بك أحد ولم ينظر إليك أحد».
من عام 1977 إلى عام 1982، ربط إثيريدج علاقات عرفية مع كل من شارلين بلاكبرن وإيفلين براون وإليزابيث ماك كيم. في عام 1978، أنجبت له شارلين بلاكبيرن- إحدى طالبات صديقه الشاعر فرن كوين التي التقى بها في ماساتشوستس- ابنًا سماه إسحاق بوشي بلاكبرن نايت، إلا أنها سرعان ما اضطرت إلى هجرانه جراء الإدمان، مغادرة رفقة ابنها مدينة ممفيس بولاية تينيسي التي كانا يعيشان فيها آنذاك باتجاه الشمال. كان آخر زيجاته صديقة أخرى لفرن كوين- إليزابيث غوردن مكيم -الرفيقة التي كتب عنها نايت أنها إذا توقفت عن حبه «سوف يرتجف قلبي وينكسر//مثل شجرة بلوط في فلوريدا في إعصار». بين ذراعي هذه الرفيقة المميزة سيلقي إثيريدج حتفه يوم 10 مارس 1991 عن عمر يناهز 59 عامًا، في إنديانابوليس، إنديانا، على الساعة 11:00 صباحًا، كما تتذكر إليزابيث.
شعر إثيريدج نايت ومبادئ حركة الفنون السوداء
بدأ إثيريدج يكتب الشعر وراء القضبان الحديدية لسجن ولاية إنديانا للحفاظ على سلامته العقلية والجسدية، وهناك سيطلع
لأول مرة على مجلة نيغرو دايجست المخصصة للكتاب الزنوج، حيث سينشر أولى قصائده وقصصه التي ستجذب انتباه شعراء عظماء من حركة الفنون السوداء أمثال غويندولين بروكس وسونيا سانشيز ودادلي راندال وحاكي مادوبوتي الذين لعبوا دورًا مهمًا في الإفراج المشروط عنه عام 1968. مباشرة بعد الإفراج عنه تزوج إثيريدج الشاعرة سونيا سانشيز، إحدى أهم شواعر حركة الفنون السوداء إلى جانب نيكي جيوفاني ولوسيل كليفتن وجين كورتيز وآخرون. يبدو من البديهي إذن أن يتأثر وعي وتصور إثيريدج لفعل الإبداع والكتابة الشعرية بالرؤية الفلسفية ومشروع حركة الفنون السوداء التي نشطت وانتشرت أفكارها بين 1965 و1975، تلك المرحلة الحرجة في تاريخ أمريكا المتسمة باضطراباتها السياسية والاجتماعية. كل محاولة نقدية تصبو إلى قراءة ودراسة أعمال إثيريدج الشعرية ينبغي أن تستحضر سياق وفلسفة وأهداف حركة الفنون السوداء، ولذلك ينبغي الوقوف لبرهة عند هذه الحركة للتعريف بها ولو بإيجاز.
حركة الفنون السوداء عصبة مثيرة للجدل تتكون من كتاب وفنانين أفروأمريكيين، تأسست في منتصف الستينيات بعد اغتيال مالكوم إكس باعتبارها الذراع الفني والجمالي لحركة القوة السوداء، وهي حركة سياسية راديكالية رفضت أهداف وممارسات الاندماج العنصري الذي سعت إليه حركة الحقوق المدنية التي سبقتها. تعود تسمية هذه الحركة إلى الكاتب والناشط أميري باراكا (المعروف سابقًا باسم لوروي جونز)، فهو الذي صاغ مصطلح «الفنون السوداء» عندما أسس مسرحًا للفنون السوداء في حي هارلم في مدينة نيويورك خصصه لتقديم حصص وأوراش في الشعر والمسرح والموسيقى والرسم. عمومًا، يؤكد النقاد أمثال غيرشون أفيليز أن هذه الحركة أرّخَتْ لفترة انتقالية من حركة الحقوق المدنية إلى مرحلة ما بعد الحقوق المدنية التي شهدت ارتفاعا ملموسا في الإنتاج الفني الأفروأمريكي بعد فترة قصير من إقرار قانوني الحقوق المدنية لعام 1964-الذي حظر التمييز الفيدرالي على أساس العرق، أو اللون أو الجنس أو العقيدة أو الوطن الأصلي- وقانون حقوق التصويت لعام 1965 الذي حظر ممارسات التصويت التمييزية. بلا شك، شكلت هذه القوانين الجديدة انتصارًا ملموسًا لنشاط حركة الحقوق المدنية وبشرت بإمكانية التغيير في العلاقات الحقيقية والمتخيلة بين الأفروأميركيين والدولة القومية. وبناء على ذلك، كان للتشريعات الجديدة تأثير لا يمكن إنكاره على الإنتاج الثقافي حيث نبغ مفكرون ومبدعون جدد شيدوا صرح الأدب والثقافة الأفروأمريكية أمثال أميري باراكا، وأديسون جيل جونيور، ولري نيل؛ والناشرين هويت فولر وهاكي مادوبوتي ودادلي راندال؛ والكتاب إد بولينز، ولوسيل كليفتون، وجين كورتيز، وهنري دوماس، وإيثريدج نايت، وأودري لورد، وسونيا سانشيز.
تكمن السمة المميزة لحركة الفنون السوداء في كونها إحدى الحركات الأدبية الأمريكية التي دمجت الفن مع العمل السياسي كما يشير إلى ذلك لري نيل في مقاله «حركة الفنون السوداء» الذي أصبح بيانًا للحركة. يقول لري «تعارض حركة الفنون السوداء بشكل جذري أي مفهوم للفنان يؤدي إلى عزله عن مجتمعه. هذه الحركة مرتبطة بحركة القوة السوداء من الناحية الجمالية والروحية. وعلى هذا النحو، فهي تتصور فنًا يتحدث مباشرة عن احتياجات وتطلعات أمريكا السوداء[…] يرتبط مفهوما الفنون السوداء والقوة السوداء على نطاق واسع برغبة الأفروأمريكيين في تقرير المصير وبناء وطن يأويهم. كلا المفهومين قوميان. أحدهما يهتم بالعلاقة بين الفن والسياسة، والآخر يهتم بفن السياسة». ولتحقيق أهداف حركة الفنون السوداء يقترح لري خلق استطيقا أو فلسفة جمالية أفروأمريكية فريدة يلخصها باستشهاده بموقف إثيريدج الذي يقول: «إذا لم يؤسس الفنان الأسود «استطيقا سوداء» فلن يكون له مستقبل على الإطلاق. إن قبول استطيقا بيضاء يعني قبول وتأييد مجتمع لن يسمح له بالعيش. يجب على الفنان الأسود أن يخلق أشكالًا جديدة وقيمًا جديدة، ويغني أغان جديدة (أو يصقل الأغاني القديمة)؛ ويجب عليه، بالتعاون مع السلطات السوداء الأخرى، أن يخلق تاريخًا جديدًا، ورموزًا جديدة، وأساطير وحكايات رمزية». يتضح هذا الموقف الداعي إلى الانعزالية الثقافية في قصيدة إثيريدج المعنونة «عن الكونية»:
لا أرى خيطًا وحيدًا
يربطني كذات بالجميع
حتى الموتى العاديين
تقبلوا اللوم على أمر لم يقترفوه.
لا قوانين كونية
للبؤس البشري
قادرة على خلق قضية مشتركة
أو تاريخ مشترك
يخفف من آلام السود
أو يكسر قيودهم.
رغم راديكاليتها الواضحة، فحركة الفنون السوداء تتأسس على أخلاقيات تثير التساؤلات التالية التي- على حد قول لري نيل- فشل المثقفون السود في العقود السابقة في طرحها: «من يمكن اعتبار رؤيته للعالم أكثر معقولية، رؤيتنا أم رؤية المضطهِدين البيض؟ ما الحقيقة؟ أو بالأحرى، حقيقة من تستحق التعبير، حقيقة المظلومين أم حقيقة الظالمين؟» بهذه الطريقة اذن، وحسب لري نيل، تصبح الإتيقا والإستطيقا وجهان لعملة واحدة.
إن المطلع على أعمال إثيريدج الشعرية سيكتشف أن المشروع الإبداعي لهذا الشاعر لا يعدو أن يكون سوى محاولة شجاعة تسعى إلى الإجابة عن التساؤلات السابقة من خلال إستطيقا فريدة ومتميزة تعكس الوعي واللاوعي الجمعي للذات والحساسية الزنجية. لن نبالغ إن قلنا إن الانشغال الذي يتكرر في الأعمال الشعرية لإثيريدج لا يعدو أن يكون سوى سعيًا مستمرًا في استكشاف تاريخ ودواخل الذات ألأمريكية السوداء، ومعاينة واقعها المضطرب ومعاناتها جراء المخدرات والفروقات العرقية والطبقية والاقتصادية، التي تواصل الحكومات البيضاء المتعاقبة ترسيخها بأشكال وتلوينات ناعمة. في ارتباط بهذا الانشغال، تطفو تيمة تجربة السجن التي تأبى أن تنمحي من ذاكرة إثيريدج الذي لا ينفك يقول في مقابلاته «لقد مت في كوريا بسبب إصابتي بشظية، ثم أعادتني المخدرات إلى الحياة. لقد مت عام 1960 بسبب عقوبة السجن، ثم أعادني الشعر إلى الحياة». تيمة السجن هاته نجدها تتكرر في جميع أعمال إثيريدج بدءا بديوانه الأول قصائد من السجن (1968) ومرورًا بديوانه أصوات سوداء من السجن (1970) وأغنية البطن وقصائد أخرى (1973) إلى ديوانه الأخير ولدت من رحم امرأة: قصائد جديدة ومختارة (1980).
في محاولة منه لوصف السجن يقول إثيريدج إنه «عالم القمع بامتياز، مؤلم ومستلب للذات. أنت لا تُنفى، بل تقصى كما أقصي الذين فضلوا البقاء في وطنهم وناضلوا ضد نظام التمييز العنصري. يتم عزلك عن مجتمعك» (مقابلة إثيريدج مع ستيفن سي. تريسي، صيف 1985). في هذا السياق وارتباطًا بتيمة السجن بالخصوص، تقول الناقدة باتريشيا ليغينز هيل في مقال لها- نشر في كتاب منتدى الأدب الأمريكي الأسود عام 1981- إن معظم قصائد إثيريدج التي كتبها وراء القضبان تركز على السجن كشكل من أشكال العبودية المعاصرة، وتبحث عن طرق يستطيع من خلالها المرء أن يتحرر بالرغم من الاعتقال، أي عبر سبل أخرى تعتمد على التخييل والإبداع. حينما نقرأ قصائد إثيريدج التي كتبها وراء القضبان نلاحظ أنها تستكشف السجن كمجمع صناعي كما عرفته أنجيلا ديفيس، وتعكس واقع حياة السجناء، مركزة على اشكالات الحرية والعدالة والسلطة وآلام الجسد والنفس. إن كل قراءة متأنية لقصيدة من قصائد إثيريدج ستحيل القارئ على عقلية الاستعباد السائدة في نظام السجون من خلال قوانين عنصرية مصممة خصيصًا لشيطنة وقمع السود. تتضح هذه الانشغالات في قصائد شتى لإثيريدج نكتفي بذكر التالية منها : في «أن تبدع قصيدة في السجن» يتأمل الشاعر في إمكانية الإبداع في جو لا يسعف بضجيج مفاتيحه وفراغه المطبق والعيون المحدقة في العدم، في «حَمَامٌ مجنون» حيث يخاطب الشاعر الحمام كرمز للسلام ويحثه على التحليق بحرية والتغريد بعيدًا عن زنزانته داخل الجحيم الخرساني، في «هارد روك عائدًا إلى السجن من مارستان المجرمين»، يخلق الشاعر النموذج البطولي للإنسان الأسود القوي والشجاع، غير أن «الأطباء قد حفروا ثقبًا في رأسه،/ واستأصلوا جزءا من دماغه،/ وحقنوا الكهرباء/ فيما تبقى»، وفي قصيدة «قال لي حارس السجن ذات يوم» يركز الشاعر على الظرف الوجودي الجامد للسود سواء داخل أو خارج السجن، إلى درجة أن السود توقفوا عن الفرار من السجون مثل البيض لأنهم لا يملكون مكانا يفرون إليه.
ولنقل تجربة السجن هاته، تعتمد قصائد إثيريدج بالأساس، كما تشير باتريشيا هيل، على «عناصر زمنية/مكانية متنوعة تسمح للشاعر بدمج وعيه الشخصي مع وعي السود»، هذا الدمج للوعي الذي تعتقد باتريشيا هيل أنه «يميزه عن الشعراء السود الجدد الآخرين… [الذين] يعتبرون أنفسهم شعراء/كهنة… بينما يعتبر إثيريدج نفسه جزءًا لا يتجزأ من الشعب الأسود». تتضح تقنية استعمال العناصر الزمنية/ المكانية لدمج الوعي الشخصي بالوعي الجمعي الأسود في قصيدته المعونة «في الطريق إلى السجن»، والتي تنتقل بالقاري بين حيزين ومجالين زمانيين مختلفين للفت الانتباه إلى حالتين وجوديتين مختلفتين يشكل السجن فيهما العامل المؤثر. يقول إثيريدج:
نظرت إلى/محيا الشمس/سمعت ضجيج السيارات.
قذف بي من جديد/ إلى الطفولة/ بين الألعاب القديمة
والصبية الصغار/ المعتقِلون بجانبي/ لم يبدوا أي كراهية/
محض غطرسة متعجرفة/ فارغة كروح نازِيّ/
شعرت بالأغلال حول/ خصري /بالأصفاد حول /يدي/
بشرخ حول/ قلبي/ بينما كانت طيور الحرية/
السوداء تتدفق/ إلى الخارج.
في قصائد السجن عند إثيريدج، يكتسي مفهومي الزمان والمكان بعدًا أنطولوجيًا فهما غير منفصلين عن بعضهما، بل ينظمان العلاقات بين الأفراد والأشياء والأحداث، فالشخصيات تقضي المدة الزمنية التي حكمت بها الدولة، وعالمها وأحداثها تدور في السجن باعتباره مكانًا محددًا وذكوريًا، وغالبًا ما تسود فيه الفوضى والتمرد، مما يستدعي تفعيل ملكات وتكتيكات تحافظ على الوجود الجسدي وتضمن السلامة العقلية والروحية دون أن تقطع العلاقات مع العالم الخارجي. في قصيدة «فكرة النسب» مثلًا، يحدد إثيريدج الزمن ويشير إليه من خلال استخدام روابط الانتقال السردي أو عبارات تفيد التسلسل مثل ‘كل عام’، ‘كل خريف’، ‘العام الماضي’، ‘تلك الليلة’، و’اليوم التالي’، ليحكي لنا عن تقاليد وعادات اِجْتِمَاع الشَّمْل العائلي وكيف ينسجم ويتكيف معها. يبدأ القصيدة بسبعة وأربعين صورة لأقاربه الذين سيشتاق إليهم، ملصقة على حائط زنزانته، ويتذكر تقاليد الولايات الجنوبية العظيمة، المتمثلة في المشي حافي القدمين في الغابة وشرب ويسكي الذرة، ثم يقارن الزمن في الريف الجنوبي بعاداته البسيطة مع حياة المدينة السريعة، فيجد أن الزمن في الريف بملذاته البسيطة بطيء. متنقلًا بين زمنين وفضاءين مختلفين من خلال قطار الذاكرة، يدرك الشاعر أنه يختلف عن أسلافه بسبب نمط حياته: فهم يفلحون الأرض وفقًا لتقاليد أجدادهم بينما هو يسرق من الآخرين. في الأخير، رغم إلحاحه على هذا الارتباط الوثيق بأسلافه، ينهي الشاعر قصيدته بإدراك مؤلم لانفصاله عنهم بالزمان والمكان لأنه مسجون ولا أطفال له لملء الفراغ بينه وبين أسلافه. إنه منفصل جسديا/جينيا وأيديولوجيًا:
في هذا العامِ هناكَ جدارٌ حجريٌّ رماديٌّ يسدُّ مجرى مياهِي، وعندما
تحرك الأوراق المتساقطة جيناتي، أمشي في زنزانتي أو أتقلب على سريري
وأحدق عبر المدى في سبعة وأربعين وجهًا أسودا. أنا جميعهم،
وهم جميعهم أنا، أنا أنا، وهم أنت، ولا أبناء لي
ليتيهوا في المدى بيننا.
بالإضافة إلى تيمة السجن وما يرتبط بها من قضايا تتصل بالحرية والعدالة والاضطهاد العرقي والتحكم السلطوي، نجد مواضيع أخرى تركز على الهوية الزنجية والفقر والإدمان والبحث عن الذات الجماعية والإرث الزنجي. إن إثيريدج، كباقي كتاب وشعراء حركة الفنون السوداء، يسعى إلى إضفاء المعنى وضمان الاستمرارية للذات الزنجية، وذلك بالحفر في الإرث الزنجي لبعثه وتكريسه. ونعني بالإرث الزنجي كل الممارسات والعادات والتصورات التي تشكل التراث الثقافي الغني لإفريقيا والجنوب الأمريكي. يتضح وعي إثيريدج وانشغال شعريته بالتقاليد الأفريقية باستخدامه للجماليات الشفوية المرتبطة بالقصص والأساطير والأغاني الشعبية، مما يجعل منه حكواتيا أو «djéli» باللغات المندينغية، وهو عضو في جماعة من الشعراء والموسيقيين والقصاصين المتجولين الذين يحافظون على تقاليد التاريخ الشفوي في أجزاء من غرب إفريقيا، ويضمنون عدم محو إسهاماتهم. إن التراث الشفوي مهم للغاية بالنسبة لإثيريدج لأنه يذكر بالهوية الزنجية وبالماضي وبالصدمة الجيلية التي تسببت فيها العبودية والتمييز العنصري الممنهج.
من مظاهر انشغال شعرية إثيريدج بالإرث الزنجي أيضا نظرته المقدسة للعائلة، رغم فشل زيجاته بسبب الإدمان، وتكريمه للسلف والخلف كما في قصيدته «فكرة النسب»، وغيرها من القصائد التي تذكر بأمجاد ومآثر كل من الزعماء مارتن لوثر كينغ جنيور ومالكوم إكس وباتريس لومومبا ونيلسن مانديلا وغيرهم كما في قصيدتي «مهداة لمالكوم إكس» و«أغنية البطن لقائد إفريقي». ينضاف إلى كل ذلك اهتمام إثيريدج بالإرث الموسيقي الزنجي بإيقاعاته المتعددة والمتنوعة، خاصة موسيقى البلوز وبعدها الجاز سيرًا عل نهج لانغستن هيوز وسترلين ألين براون. يعرّف أميري باراكا البلوز في كتابه Blues People على أنه قصة تاريخية لتجربة الشعب الأفروأمريكي صيغت في نغم موسيقى. بالنسبة لباراكا، البلوز ليس مجرد شكل من أشكال الفن، بل هو ممارسة ثقافية وتعبير حي عن الواقع اليومي للإنسان الأسود الأمريكي ونضاله من أجل الحرية. ليس من الغريب إذن أن يصوغ إثيريدج- وهو ابن مسيسيبي- تصورًا للشعر ينسجم مع فلسفة موسيقى البلوز، فنراه في غالب الأحيان ينظم قصيدته من حيث الشكل وفق بنية قصيدة البلوز التي تتميز عادةً بسطر أو سطرين شعريين متكررين يليهما بديل مفاجئ أو ساخر، أو من حيث الإيقاعات باستخدام تقنيات التكرار المبنية على النفس وتأثير الأصوات (جِنَاسٌ اسْتِهْلالِيّ alliteration ، وسَجْع assonance)، مؤكدا على السمة الأدائية لشعره، كما يتبين في قصائده «صباح الخير أيها البلوز»، و«بلوز الصمود المستمر»، و«قصيدة لنفسي أو بلوز لفتى أسود من مسيسيبي» التي يقول فيها:
ولدت في ميسيسيبي،
مشيت في الوحل حافي القدمين.
ولدت أسودًا في مسيسيبي،
مشيت في الوحل حافي القدمين.
ولكن عندما بلغت الثانية عشرة
تركت ذلك المكان للأبد.
كان أبي يزيل الأعشاب الضارة من حول القطن
وكان يشرب خمره دون أن يضيف إليه أي شيء.
عندما غادرت صباح ذلك الأحد
كان يتكئ على بوابة الحظيرة.
تركت أمي واقفة في الفناء
والشمس تشرق في عينيها
وتوجهت فورًا إلى الشمال
كإوز بري،
عندما يتعلق الأمر بالأسلوب، فإن إثيريدج يسعى في شعره ونثره إلى «إفساد» وتعطيل اللغة، على حد تعبير جون جينيه،
ويعني ذلك أنه يستعمل نفس كلمات وتعابير وتراكيب العدو غير أنه «يفسدها ببراعة تُوقِعُ بالإنسان الأبيض في شركه، أي أنه يقبلها بكل ثرائها، ويضيف إلى غناها، ويشبعها بكل هواجسه وكراهيته للرجل الأبيض» (أنظر إخوة سولداد: ر سائل جورج جاكسون من السجن، ص 336-337). بإفساده للغة الإنسان الأبيض، يخلق إثيريدج مجالًا سيميائيًا مشفرًا يتواصل من خلاله بعبارات وبنيات تركيبية لا يفهمها سوى أبناء وبنات جلدته لإنهم يتقاسمون نفس التجربة الاجتماعية والعرقية في أمريكا التمييز العنصري. وإفساد اللغة هذا يسمح له أيضا بتفسير وتبسيط وتفصيل الكلام في أقوال الأشخاص المقموعين والمخرسين داخل أو خارج السجن. أثناء قيامه بهذه العملية، لا يدخل إثيريدج تغييرا على موارد ما يسميه جون جينيه اللغة «البيضاء» فقط، بل أيضًا في الأساليب الشعرية المستعملة بإقحامه علامات القطع بين السطور الشعرية، وهو أسلوب استعاره من كتابات الشاعرة سونيا سانشيز التي استخدمت علامات القطع لتحديد فواصل وايقاعات بعض الرسائل التي بعثت بها له أثناء وجوده في السجن. بالتدريج، جعل إثيريدج من علامات القطع أو الشرطة أسلوبه الخاص، مستخدمًا إياها لكسر قواعد اللغة والثقافة الإنجليزية الأمريكية السائدة. وبهذه الطريقة، ينضم إثيريدج إلى التقليد الأفروأمريكي الطويل الذي أسهم في إثراء اللغة والثقافة السائدة بتصريفات وتعبيرات وإيقاعات واستعمالات بديلة. وارتباطًا بهذه النقطة بالذات، يؤكد ستيفن هندرسن في كتابه المعنون فهم الشعر الأسود الجديد (1973) بأن هذا التقليد كان راسخًا حتى قبل ظهور حركة الفنون السوداء، وأن الشعراء السود كانوا يستعيرون ويدمجون تقنيات من شعراء بيض أمثال إي. إي. كامينز وبول بلاكبرن، غير أنه شدد على أن الشعر الأسود يستمد أصالته أيضًا من مصدر فريد ألا وهو اللغة الدارجة أو اللهجة المحلية السوداء التي تكتسح باستمرار خطاب السود وموسيقاهم. يتضح استعمال إثيريدج لعلامات القطع والشرطة بشكل ملموس في قصيدته «قسم المحكوم عليهم بالإعدام»:
اليوم جاء دوري/ لأكون/ نجم العرض
سيأتي جوجو أولًا، ثم بيغ ريد –
لكن الحدث الرئيسي سينتهي بعد أن أموت.
ستكون/ هناك/ أضواء وكاميرات- وبهرجة
وسيكون السيد ك محط الاهتمام.
لن يكون/ هناك/ بكاء أو توسلات،
أو استمساك بالقضبان أو توسلا على الركبتين.
عندما يأتي/ دوري/ لأمشي الميل الأخير –
سأرفع رأسي عاليًا- وستعلو وجهي ابتسامة.
تكمن إحدى السيمات الأسلوبية المميزة لشعر إثيريدج في الاهتمام الذي يمنحه للغة المتداولة أو اللهجة المحلية، أو ما يطلق عليه في النظرية الأدبية السوداء The Black Vernacular. ارتباطًا بهذه النقطة، يتذكر إثيريدج نصيحة غويندولين بروكس التي تقول: «الشعر هو استخدام اللغة المتداولة بطريقة غير متداولة»، ولكي يشارك الشاعر في هذه العملية الإبداعية يلزمه، حسب قول إثيريدج، الاستماع كثيرًا إلى تنغيمات وتلاحين وإيقاعات الخطاب اليومي عند السود. بالنسبة لإثيريدج، قوة الثقافة الشفوية المحلية لدى السود تؤكد أن اللغة الإنجليزية الموجودة في القاموس لغة ميتة، تفتقد النفس الذي تعيش فيه اللغة فعليًا. لتبسيط هذه الفكرة أكثر، يقول إثيريدج: «نحن لا نتحدث الإنجليزية. هذا مصطلح سياسي خاطئ. نحن نتكلم الإنجليزية الأمريكية. هذه اللغة التي نتكلمها قد تأثرت بعدد كبير من الناس، وطرق التنفس في اللغة الإنجليزية قريبة من طرق التنفس في اللغة اليابانية. الناس الذين يعيشون في أماكن ضيقة يستنشقون الهواء بشكل مختلف عن الناس الذين يعيشون في أماكن مفتوحة، وكيفية استنشاقنا للهواء تحدد كيفية نطقنا. قد تتنفس اللغة الإنجليزية في خمسة تفاعيل إيامبية، لكننا لا نستنشق الهواء بهذه الطريقة. الطريقة التي نستنشق بها الهواء عندما نكون في حالة انفعال هي الطريقة التي نتنفس بها، وهذا ليس أمرا جديدًا فقد أدرك والت ويتمن ذلك». ما يصبو إثيريدج إلى تحقيقه هو العودة إلى الطبيعة الشفهية للشعر، والتي تصبح متاحة عندما ينظم الشعر خارج القواعد الكلاسيكية المعتمدة بالأساس على البحر الخماسي الإيامبي Iambic Pentameter. في نظر إثيريدج، لا يمكن إجبار الشاعر الأمريكي على التنفس داخل بحور شعرية محددة، فاللغة كائن حي، والاستعارات حية، وعندما تولد فإنها تتأثر بالسياسة وعلم الاجتماع والاقتصاد». («حول الطبيعة الشفوية للشعر: محاضرة لإثيريدج نايت»، كولورادو ريفيو، 1987، ص 5-6).
في نفس المحاضرة، أكد إثيريدج على أن الأصول الفنية لشعره مستمدة من التقليد الشفهي الزنجي الذي ينهل من إرثه الأسود المترسخ في الجنوب الأمريكي. في مقال وصفي لمشروع زمالة غوغنهايم يقول إثيريدج: «لقد تم بعث التقليد الشفهي بشكل مكتمل في الشعر الأمريكي الأسود المعاصر— خاصة عند شعراء الجنوب الأمريكي[…] الذين يجسدونه في ‘الأنخاب Toasts’ والأناشيد الشعبيةBallads». تقاليد «الأنْخاب Toasts» و«الدوزنDozen» عادات فلكلورية لها جدور في الثقافات الإفريقية حسب قول أميري براكا، وتغير باستمرار معاني اللغة السائدة من خلال موسيقى البلوز والجاز والراب. «الدوزن Dozen» لعبة اجتماعية ترتكز على الإهانة الشفوية، وتنتشر بين جميع طبقات الأفروأمريكيين، وعادة ما يتمازح فيها شخصين أمام الآخرين الذين يحرضانهما على مواصلة اللعبة بالرفع من حدة الإهانات، وأما «الأنخابToasts» فهي عبارة عن قصص وحكايات من تقاليد شفوية مميزة، عادة ما تكون طويلة ومكتوبة على شكل أبيات، وتحتفي بالأحداث والشخصيات البطولية أو المهمة داخل المجتمع. في سياقات مختلفة، يعترف إثيريدج أنه تأثر بتقليد ‘الأنخاب’ وقام بصياغة نسخ معدلة وروايات شخصية ‘لأنخاب’ ذائعة الصيت مثل «رقصة المجانين» و«القرد الدال» و«شاين وغرق التايتانك». في هذا ‘النخب’ الأخير، وباستعمال إيقاعات غير منتظمة، يمجد إثيريدج شخصية شاين الذي كان يعمل وقادا على سفينة التايتانك، والذي استطاع بإتقانه للسباحة النجاة من «الفولاذ المرهق» (رمز الاضطهاد) للسفينة الغارقة (رمز أمريكا البيضاء المنحطة) والانتصار على العراقيل (الإغراءات المادية والجنسية والدينية التي وضعها في طريقه المجتمع الأمريكي بثقافته المنحطة). يقول إثيريدج في نسخته عن ‘نخب شاين’ المعنونة بـ«نبوءة قاتمة: أتحدث عن شاين»:
نعم أيها الإخوة
بينما تتحدث أمريكا/ البيضاء عن
مولي براون القوية والتي لا تغرق أبدا
(تلك التي كانت تكافح بعجالة
فوق التايتانك وهي تغرق)
أتحدث عن شاين
الوقاد الذي كان يعلم
ما يكفي ليفر من الباخرة الهالكة
ويترك البيض يغرقون
والصراخ على شفاههم
(رمى بنفسه في البحر المظلم، ذلك ما فعله،
حرر نفسه من الفولاذ المرهق).
بشكل عام، إثيريدج نايت شاعر كوني بامتياز، جعل من فن الشعر منصة يتقاسم من خلالها تجارب إنسانية مشتركة تجعل ذوي القرار يعيدون التفكير في القرارات الأخلاقية والمعنوية التي تؤثر على حياة المجتمع الإنساني. كان إثيريدج ينقل كل تجربة بوضوح شديد، كما قال كومونياكا، بحيث تخترق الصور دروع أي شخص تقريبًا. بذلك يكون إثيريدج قد خلق توجها جديدًا في الأدب الأمريكي يمكن أن نسميه شعر السجون الذي يبرز الكفاح ضد الظلم، ويركز على قصص النجاة من الشدائد، ويبجل الحب والأسلاف، ويقدر التاريخ. بعد نصف قرن من نشر ديوانه الأول، قصائد من السجن، مازال إثيريدج يسيطر على خيال جيله ويلفت انتباه الأجيال الصاعدة لأن المواضيع التي يتناولها- إدمان المخدرات، والضغط النفسي، والمؤسسات الضبطية، والعنف الجماعي، والفروقات الطبقية والعرقية- لا تزال ملحة كما كانت في الماضي. ولأن إثيريدج مشغول بمشاكل العالم وطموحات الإنسانية جمعاء، بغض النظر عن العرق والدين والانتماء الثقافي، فتأثيره واضح سواء في كتابات الذين درسهم في الجامعات العديدة التي اشتغل فيها، أو في كتابات الذين اكتشفوه عن طريق الصدفة أو داخل حجرات الدرس أو ورشات الكتابية الإبداعية أمثال ريجنالد دوين بيتس، وراندال هورتن، وجون موريو وكريستوفر جيلبرت وآخرين. يقول هورتن، الذي اكتشف نايت عندما كان طالبًا في عام 2003 ويعمل الآن أستاذًا مساعدًا للغة الإنجليزية في جامعة نيو هافن في كونيتيكت: «كانت لشعر إثيريدج سمة خالدة من حيث المواضيع والتي تتعلق بالعنف والإنسانية والعرق، وهي من الإشكالات العويصة». هذه شهادة شاعر وناشط قضى ما يقرب من سبع سنوات في السجن في ولايتي ماريلاند وفيرجينيا بتهمة السرقة وجرائم أخرى. أما الشاعر تيرانس هيز فيدين بالفضل الكثير لإثيريدج في كتابه الأخير أن تطفو في الفضاء البيني، والذي يتكون من مجموعة من المقالات والتأملات الشخصية حول إثيريدج. اكتشف تيرانس، الذي يعمل والداه في السجن، قصائد إثيريدج في أواخر الثمانينيات. يقول هايز: «كان هناك في شعره شيء تعرفت عليه من عائلتي وتجربتي الخاصة. لقد نشأت مع أقارب يدخلون السجن ويخرجون منه. كان الأمر جديدًا ومألوفًا في الوقت نفسه. لقد كتب نايت بمشاعر تجعل السجن إنسانيًا، وقد أثر ذلك فيّ تأثيرًا عميقًا».
كان إثيريدج عنصرًا نشيطًا ومساهمًا في بناء مجتمعه قدر الإمكان. أشرف على ثلاث ورشات للشعر في إنديانابوليس (الأولى في أوائل السبعينيات، والأخيرة من عام 1989 حتى وفاته)، وبدأ أوراشا أخرى للشعر في بوسطن وممفيس وفيلادلفيا ومدن أخرى. في عام 1990، عمل ككاتب زائر في سجن النساء في إنديانا، كما تقلد منصب شاعر مقيم في جامعة بيتسبرغ وجامعة لينكولن وجامعة هارتفورد، واشتغل في استوديو الكتّاب في جامعة بتلر عام 1990. حصل على لقب شاعر جامعة مارتن في إنديانابوليس، وفي عام 1990 حصل على درجة البكالوريوس من تلك المؤسسة. حصل إثيريدج على زمالات من الصندوق الوطني للفنون ومؤسسة غوغنهايم، كما حصل على جائزة شيلي التذكارية من جمعية الشعر الأمريكية عام 1985. حصل كتابه أهم أشعار إثيريدج نايت على جائزة Before Columbus American Book Award لعام 1986. في عام 1988، تم تشخيص إصابته بسرطان الرئة. في العاشر من مارس عام 1991، لقي إثيريدج حتفه عن عمر يناهز 59 عامًا، في إنديانابوليس، إنديانا، على الساعة 11:00 صباحًا. لتخليد ذكرى الشاعر، نظمت أخت إثيريدج، إيونيس نايت-بوينز، مهرجان إيثيريدج نايت للفنون في إنديانابوليس عام 1992 إلى حين وفاتها عام 2013. في عام 2012، استضاف المهرجان شعراء أفروأمريكيين مرموقين أمثال أميري باراكا وماري إيفانز وهاكي مادوبوتي وسونيا سانشيز. في عام 2023 تم تكريم إثيريدج نايت بلوحة جدارية رسمها الفنانين إليو ميركادو من جنوب فلوريدا والفنانة كايلا أوستن من إنديانابوليس على الجدار الشمالي لنادي الجاز تشاتربوكس في شارع ماساتشوستس.
المراجع:
– Avilez, GerShun. Radical Aesthetics and Modern Black Nationalism. University of Illinois Press, 2016.
– Collins, Michael S. Understanding Etheridge Knight. University of South Carolina Press, 2012.
– Hill, Patricia Liggins. “The Violent Space: The Function of the New Black Aesthetic in Etheridge Knight’s Prison Poetry.” Black American Literature Forum, vol. 14, no. 3, 1980.
– Lumpkin, Shirley. “Etheridge Knight.” Dictionary of Literary Biography, edited by Trudier Harris, vol. 41, Gale Research International, 1985, pp. 200–208.
– Neal, Larry. “The Black Arts Movement.” Visions of a Liberated Future: Black Arts Movement Writings, edited by Evelyn Neal, Thunder’s Mouth Press, 1989.



