
فاعلية «المفارقة» وبراعة التشكيل في خطاب «اللامنتمي»
رواية «القندس» لمحمد حسن علوان «أنموذجًا»
مقدمة:
تتناول الدراسة فاعلية توظيف «المفارقة» في خطاب «اللامنتمي»، متخذة من رواية «القندس»(1)، لمحمد حسن علوان(2) نموذجًا تطبيقيًا لتحقق هذه البراعة في التوظيف.
تأتي أهمية الدراسة في تسليط العدسة النقدية على مدى قدرة أسلوب «المفارقة»، تحديدًا، في كشف تناقضات الحياة، والبحث عن إجابات لأسئلة الوجود، في الخطاب الأدبي على نحو خاص، واستدعاء التأمل والتفكير بما تثيره من مسائل فكرية وجودية، لها طابع مأساوي فريد.
ويهدف البحث إلى رصد بنية «المفارقة»، التي نهض عليها خطاب «اللامنتمي» في رواية القندس، نموذجًا، وتحليل البراعة الفنية في إيصال الهدف السردي من توظيف هذه التقنية الفنية، وذلك من خلال توظيف اتجاه التحليل الفني في النقد، حيث مناقشة بينة الجمُل والمفردات التي تجلى فيها مستوى «المفارقة». إلى جانب محاولة الإفادة من معطيات النقد الموضوعاتي Thematique الذي، حسب رؤية دانييل برجيز Daniel Bergez، يسعى الناقد من خلاله، إلى فهم مدى تحقق تجربة «الوجود في العالم» في النص الأدبي(3). كما يتيح هذا الاتجاه استخدام كافة المفاتيح الممكنة من ظواهر وجودية، وجمالية، ونفسية وغيرها من إسهامات تتعلق بالنظرية الأدبية أو منجزات فلسفية، من أجل سبر أعماق النص الأدبي، وبالتالي تسليط الضوء على علاقة الفرد الانفعالية بالعالم من حوله، بالكشف عن موضوعاته الداخلية المستخدمة في النص الأدبي(4).
اللامنتمي.. «غالب» وقصة مدينتين:
جسدت رواية «القندس» للكاتب السعودي محمد حسن علوان أزمة تعايش وجودي منهِك لبطل الرواية «غالب»، من خلال
المراوحة بين مدينتين؛ «الرياض» و «بورتلاند» Portland حيث عاش البطل، وتناقلت فصول الرواية بينهما في انتظام.
تشير فترة الرواية إلى الزمن الماضي، وقد نزحَ والد الشخصية المحورية في الرواية «غالب» إلى مدينة «الرياض» مع أسرته، بعد أن كان يعمل في رعي الغنم في مدينة «أبها». وقد كانت «الرياض» آنذاك تلاحق لاستيعاب القفزات المدنية المتسارعة بفضل اكتشاف «البترول» على نحو لم تكن فيه تلك القفزات لتتآزر، في الغالب، مع جملة الأنظمة والأعراف الاجتماعية والقبلية التي بدت شبه ثابتة، وتشكل سلطة ذات نفوذ على الأفراد، فضلًا عن تلك «الارتباكات» في السلوك الإنساني التي تروج، أحيانًا، في بعض المجتمعات التي تتعرض لقفزة مدنية اقتصادية مفاجئة؛ حيث يغدو الإنسان متأرجحًا بين ما يريد حقيقة، وما ينبغي أن يكون عليه. إلى جانب وشيوع النزعة الاستهلاكية.
جسّد الكاتب من خلال الرواية حالة الشتات ومشاعر الاستلاب لبطل الرواية «غالب» الذي، ومن خلال تنقلاته بين مدينة «الرياض» ومدينة «بورتلاند» Portland بأمريكا، عانى في البحث عن ذاته المفقودة، ومقاومة مشاعر البلادة الناتجة عن غياب مغزى أو معنى حقيقي لحياته Meaninglessness.
في حوار ذاتي «مونولوج» (5) Monologue، وفي تأمل وصفي مفعم بالتعليقات الفلسفية، ومن خلال تنقلاته بين زمنين: «الحاضر» في مدينة «بورتلاند» الأمريكية، والماضي بتذكر حياته في مدينة الرياض وعائلته، يطرح غالب أسئلة الوجود، وأقدار حياته التي تشبه أقدار حيوان «القُندس» The Beave متكئًا في ذلك البوح على تقنية «المفارقة» الفنية للكشف عن الوجه الآخر للوجود، الذي يراه البطل غير معقول، مبرهنًا من خلال تلك المكاشفة على أن أزمته الحقيقية ليست في مدينته «الرياض» إنما في ذاته الفاقدة للمغزى، الباحثة عن ذاتها والهاربة منها في آن معًا. وأن هروبه من مدينة «الرياض» إلى مدينة «بورتلاند» الأمريكية لم يكن سوى هروبًا من ذاته، وأن معضلته الجوهرية كانت معضلة «اللامنتمي» the Outsider في كل مكان.
مصطلح «المفارقة»:
تعد المفارقة Irony «صيغة بلاغية تعبّر عن القصد باستخدام كلمات تحمل المعنى المضاد. والمفارقة أخف من الهزء والسخرية، ولكنها أبلغ أثرًا لسبب أسلوبها غير المباشر، لذلك يتطلب إدراكها ذكاءً وحسّا مرهفًا. وإدراك المفارقة أسهل في الكلام منه في الكتابة، لأن نبرة الصوت تنم عن ذلك»(6). المفارقة ليست بالظاهرة الممكن تحديدها بسهولة. وحسب رأي «ميويك» Muecke «لو اكتشف امرؤ في نفسه دافعًا لإيقاع امرئ آخر في اضطراب فكري ولغوي، فلن يجد خيرًا من أن يطلب إليه أن يدون في الحال تعريفًا للمفارقة»(7). وأبسط تعريف للمفارقة حسب رأي «ميويك» أن «تقول شيئًا وتقصد العكس»(8). أو على نحو ما عبّر عنها «هاكن شفالييه» في كتابه «مزاج المفارقة»: المفارقة «تضاد بين المخبر والمظهر»(9).
تقوم المفارقة على مبدأ الاقتصاد، فمن من الناحية الأسلوبية «المفارقة ضرب من التأنق، هدفها الأول، كما يخبرنا «ماكس بيروم» وهو صاحب مفارقة متأنق «إحداث أبلغ الأثر بأقل الوسائل تبذيرًا» وصاحب المفارقة المتمرس يستعمل من الإشارات أقلها»(10).
إن مجال المفارقة في الأدب هو الأكثر اتساعًا من غيره من الفنون، وذلك لأن «لغة الأدب أكثر قدرة في التعامل مع ما يقول الناس وما يفكرون أو يشعرون أو يعتقدون، ومن ثَـــمّ؛ على تناول الفرق بين ما يقول الناس وما يفكرون، وبين ما يعتقدون وما هو واقع الحال. وهذا هو بالضبط المجال الذي تنشط فيه المفارقة»(11). لذا، تصدر المفارقة عن ذهنية شديدة الملاحظة، واعية بما حولها.
هناك «المفارقة اللفظية» و«مفارقة الموقف أو الحدث». فالمفارقة اللفظية تشتغل على الأساليب البلاغية ووسائل الذم. وهي الأسهل والأشد وضوحًا لاعتمادها على التناقض أو التضاد الظاهر، فيما تستدعي مفارقة الموقف أو الحدث مزيدًا من التأمل والتفكير، وهي تنزع إلى إثارة مسائل تاريخية وفكرية وذات صفة كوميدية أو مأساوية أو فلسفية. كالت شاعت عند «كافكا» و«بروست» و«بير أنديلو» وغيرهم من كتاب العمق الوجودي الفلسفي(12). ولقد كانت «المفارقة اللفظية» تميز روايات القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، أكثر من هذا القرن الذي تميزه مفارقة الحدث والموقف(13).
المفارقة: الكشف عن تناقضات الوجود:
نشأ مصطلح «المفارقة» في إطار فلسفي، ولم يفارق هذا الإطار على مر العصور حتى يومنا هذا(14). وابتداءً من «كانط» كانت المفارقة تقحم نفسها في أبحاث الفلاسفة، وليس غريبًا هذا الإقحام إزاء تركيز تلك الأبحاث على تناول موقف العقل الإنساني من المحدود واللامحدود، والواقع والمثال، والقيد والحرية… وغيرها من موضوعات تشكل محور اهتمام الفلسفة الحديثة من ناحية، كما أنها تجسد الإحساس بالمفارقات في عالمنا وطريقة التعبير عنها من ناحية أخرى(15).
يقول «غالب» بطل رواية «القندس» في رصد خلاصة تجربته في الحياة «ظننت أنني بلغت عمرًا أعرف فيه بدقة ما يمتّعني وما يؤذيني، ولم يكن ذلك صحيحًا. افتراضاتنا حيال أنفسنا تتشعب كلما كبرنا حتى يصبح اليقين شائكًا وبعيد المنال»(16).
فبحسب رؤية رائد الفلسفة الوجودية «كيركيجورد» للمفارقة: «إن الوعي الإنساني كلما حاول أن يستوضح تعقيدات الحياة وتوهم أنه قد وصل في مرحلة ما إلى فهم مناسب لها، اكتشف أنه ما تزال هناك احتمالات أخرى للفهم، وهكذا يعيش صانع المفارقة حالة افتراض على الدوام، وهو في ذلك صادق في اعترافه بعدم قدرته على احتواء الحقيقة كاملة»(17). وهو ما بدا جليًا في الشاهد السابق من الرواية، إذ تتجلى قيمة المفارقة الفلسفية في الكشف عن تناقضات الوجود والتعبير عن عجز فهم الحياة، لذا، تتحقق المفارقة، على حد وصف كيركجورد، على يد الفنان، الذي يجري في دمه الإحساس العميق بالخدعة الكبرى للحياة(18). فيما يؤكد «فريدريك شليكل» أن المفارقة «تقوم على إدراك حقيقة أن العالم في جوهره ينطوي على تضاد، وأن ليس غير موقف النقيضين ما يقوى على إدراك كليته المتضاربة»(19).
على المستوى الفلسفي، نفسه، يقول «صاموئيل هاينز» عن المفارقة بأنها: «نظرة إلى الحياة تدرك أن الخبرة عرضة إلى تفسيرات شتى، لا يكون «واحد» منها هو الصحيح. وتدرك أن وجود التنافرات معًا جزء من بينة الوجود»(20). فصانع المفارقة هو الذات «التي لا تستطيع أن تحبس نفسها داخل التاريخ والواقع، بل تتجاوزهما وتعلو فوقهما، تاركة نفسها لعفوية الفكر. وهي الذات المغالطة التي تخضع سلبيتها لموضوعية مزعومة»(21). صانع المفارقة هو الشاعر بأنه ضحية الظروف، في واقع يجافيه العدل والمساواة، لذا؛ فإن ضحية المفارقة، عادة، ما يعاني من المرارة والحزن والخيبة وإشهار الهزيمة في وجه تحديات الحياة.
من وجهة نظر التحليل النفسي، عالم النفس فرويد Freud يرى «أن حياتنا الواعية واجهة تجري وراءها في الخفاء حياة «حقيقية» مختلفة تمامًا؛ وأن مخاوفنا المستترة ورغباتنا لا تظهر في الوعي عادة إلا بأشكال متنكرة لا يستطيع تفسير رمزيتها إلا المحلل النفسي. وتوصف عمليات اللاوعي بعبارات تشبه تلك التي نستعملها في وصف المفارقة: يقصد المرء أن يقول شيئًا، لكنه بسبب «زلّة فرويدية» يقول شيئًا مختلفًا تمامًا فينمّ عن مشاغله الحقيقية»(22).
مجمل القول، فإن أساس المفارقة العامة يقع «في تلك التناقضات التي تبدو جوهرية لا يمكن حلها، مما يواجه الناس عندما يتأملون في مسائل مثل أصل الكون وغايته، حتمية الموت، الانقراض الأخير لجميع أنواع الحياة، استحالة الكشف عن المستقبل، التضارب بين العقل والعاطفة والغريزة، الإرادة الحرة والحتمية، الموضوعي والذاتي، المجتمع والفرد، المطلق والنسبي، الإنساني والعلمي»(23). لذلك تنشط «المفارقة» في مجال مناقشة تلك القضايا الوجودية أكثر من غيرها، على نحو ما سيبدو خلال المقاربة النقدية القادمة للدراسة.
أقدار القندس(24)«اللامنتمي»:
تنهض رواية «القندس» على إجراء مقاربة وخطوط التقاء بين عائلته بطل الرواية الملقبة بــ«الوجزي» وحيوان القندس النهري The Beaver. فطوال إقامة الشخصية المحورية في الرواية «غالب» في مدينة «بورتلاند» بأمريكا، هاربًا من حياته، ومن ذاته، في مدينته، وخلال تأمله الطويل نهر المدينة «ويلامت» وتحسسه حركات حيوان «القندس» الذي يعيش بكثرة على هذا النهر، حتى اتخذ شعارًا لمدينة بورتلاند، يكتشف البطل أن هناك تشابهًا كبيرًا بين هذا الحيوان وعائلته في الرياض، (على وجه الخصوص والده)، بوصف حيوان القندس من أكثر الحيوانات قلقًا وشعورًا بالخوف وعدم الأمان؛ وبسبب هذا القلق الذي يغمرها، فقد عُرف عن هذا الحيوان العزلة وعدم الاستقرار، وقدرته على تغيير معالم بيئته ليتمكن من توفير الأمان له ولعائلته، من خلال قطع الأشجار لبناء السدود الكثيفة التي تشيّد له مسكنًا حصينًا داخل النهر. كذلك والد «غالب» منذ جاء إلى الرياض قادمًا من مدينته «أبها» في فترة مبكرة، وهو يبذل كل ما يمكّنه من العيش في مدينة «الرياض» التي كانت آنذاك تشهد طفرة اقتصادية ونماء مدنيًا «منذ وصل أبي إلى الرياض ووجهه معفَّر بالدَّين واليتم وهو يشعر بأنها حريق كبير يوشك أن يأخذه. ولذلك ربَّانا جميعًا كفرقة إطفاء نقف متماسكي الأيدي على محيط دائرة وندير ظهورنا بعضنا إلى بعض بينما تطل وجوهنا إلى الخارج دائمًا. ننظر إلى الناس أكثر مما ينظر بعضنا إلى بعض»(25). وعلى الرغم من هذا الاجتهاد الكبير من «والده» في بناء السدود الوهمية، من وجهة نظر البطل، التي تحفظ للعائلة تماسكها المزيف، إلا أن «غالب» لم يشعر ذات يوم بالأمان والانتماء لعائلته ومجتمعه كما تشعر صغار القندس. «راودتني فكرة أن أطلق لحيتي لتلتقي مع بقية شعر جسدي فأتحول إلى قندس حقيقي ثم أهجر شقتي وأقفز في النهر بحثًا عن عائلة وسد»(26).
سيطرت على «غالب»، خلال تأمله حياته الخاوية من أي معنى معظم، الأفكار التي عالجتها الوجودية؛ كالفراغ، والسأم، والقلق، والعبثية، والشعور بالعدم، وفقدان المغزى أو المعنى Meaninglessness. بل إن المظهر الأخير «فقدان المغزى» أشدها استحواذًا على البطل في مجمل فصول الرواية، وهو ما قاده، بالتالي، إلى الشعور بعدم الانتماء لحياته في الرياض أو في غيرها، «كل ما في الأمر أني كنت بحاجة ماسة إلى أي إنجاز أحقن به حياتي المرتبكة في غمار فراغ قاتل»(27). وقد ظل بسبب هذا الشعور طوال تأمله حياته، الأربعين عامًا، نهبًا لمشاعر القلق والفراغ واللامبالاة.
حين قرر «غالب» الهروب من حياته وواقعه، لم يكن ذلك سوى هروب من ذاته، كان واهمًا بالعثور على السعادة والانتماء، ولم يكن يدري أنه سيغدو هناك، في مدينة القنادس القلقة، أكثر ضياعًا: «لقد اتفقت مع الروح المضطربة ذات المشاريع المؤقتة على أن هذا الرحيل مشروع لا يمكن رهنه بالظنون، سأستمر فيه دون أن أستسلم، حتى أسقط أخيرًا أو أعيش سعيدًا»(28).
إن المغترب أو «اللامنتمي» The Outsider، على حد تعبير كولن ولسون، لا يستطيع قبول ما يراه ويلمسه في الواقع، فهو يرى أكثر وأعمق من اللازم. إنه يشعر بأن ما يراه في هذا العالم غير منظّم، وغير معقول. فهو إنسان استيقظ على الفوضى، ولم يجد سببًا يدفعه إلى الاعتقاد بأن الفوضى إيجابية بالنسبة إلى الحيـاة(29). ما كان يعاني منه «غالب» في مدينة «الرياض» التي شهدت، آنذاك، طفرة اقتصادية مقارنة بحياة الريف البسيطة في مجتمع «أبها» الذي نزح منه مع أبيه وعائلته، هو ما يعانيه إنسان المدينة في كل مكان، حيث شيوع ما أسماه جان جاك روسو Jean Jacques Rousseau بالتزييف وتعاطي الأقنعة. فالناس في مجتمع المدينة، على حد وصفه، لم تعد وجوههم تعكس ذواتهم الحقيقية، لقد أصبحوا مختلفين بفعل ما يتعاطون من أدوات التنكر الاجتماعي، التي تحقق لهم مصالح مادية(30). وهو ما أطلق عليه نيقولاي برديائف Nicolas Berdyaev بـ«التنكر الاجتماعي» الذي يروج عند الإنسان المدني بشكل خاص. فـ«الأنا» التي تنسب للحياة الاجتماعية، ليست هي «الأنا» الحقيقية الأصيلة، إنما هي أدوار يمثلها الإنسان الحديث، تحتّمها المراكز الاجتماعية التي يشغلها على اختلاف مستوياتها. مجرد ذات «مسرحية»(31).
مفارقة اسم البطل «غالب»:
بدت «المفارقة» اللفظية في اسم البطل «غالب» الذي يحمل، كذلك، دلالة النقيض. فالبطل، ومن خلال سرد أحدث القصة بدا «مغلوبًا» وليس «غالبًا»؛ مجرد رجل في السادسة والأربعين من عمره تلازمه أوجاع القلون العصبي من فرط التأمل، لم يحقق في حياته نجاح يذكر، ولا يعرف ماذا يريد تحديدًا «أنا الرجل الذي عمره ست وأربعون سنة وفي ذاكرتي حكايات ومدن وأشخاص ومتاعب»(32). وكل المعارك التي يدخلها أو ينوي خوضها تبوء بالخسران الكبير.
البنية الفنية للمفارقة:
اتجهت رواية «القندس» في مجملها إلى مفارقة الموقف أو الحدث، والذي على نحو ما أشير، تنزع إلى إثارة مسائل تاريخية وفكرية وذات صفة كوميدية أو مأساوية أو فلسفية، وتحرّض على بذل مزيد من التفكير في أحداث الوجود ومغزى الأشياء، وتأمل الذات، وقوانين الحياة. يمكن الوقوف على أبرز المواضع الفنية للمفارقة في التالي:
المفارقة ومبدأ التضاد العالي:
حققت أحداث رواية القندس أحد أهم مبادئ المفارقة وهو مبدأ «التضاد العالي»، والذي يعني «الإشارة إلى الفرق بين ما ينتظر حدوثه وما حدثَ فعلًا. ويأخذ هذا المبدأ في المفارقة أشكالًا عديدة مثل: «توقعات عظيمة وهبوط مفاجئ» أو «سبب تافه ونتيجة عظيمة» أو «جهود هائلة لبلوغ أعلى هدف تعرقله آخر لحظة محض صدفة» أو «توسيع الفرق بين الذنب والثواب غير المستحق» أو «بين البراءة والعقاب»(33).
تجلت المفارقة المحققة لمبدأ التضاد العالي في الفرق بين ما كان «غالب» ينتظر حدوثه، وما حدث بالفعل في أبرز حدثين واجههما في حياته؛ الأول: سفره إلى أمريكا الذي كان بمثابة هروب من واقعه الذي يراه تعيسًا، أو على نحو أدق؛ هروبًا من ذاته المخفقة في تحقيق إنجاز يستحق العيش لأجله. والثاني: عودة المرأة التي أحبها وانتظرها لما يقارب العشرين عامًا «غادة».
في الحدث الأول؛ هروبه من واقعه في مدينة «الرياض» بحثً عن حياة جديدة في أمريكا، حصل ما لم يكن «غالب» يتوقعه، ولا ينتظره؛ لقد وجد ذاته التي هرب منها ماثلة أمامه، لأن مشكلة اللامنتمي الأزلية ليست في «الواقع» إنما في «الذات» التي لا تنفك عن قناعاتها، وتأملاتها، وإخفاقاتها التي لا تريد، غالبًا، الاعتراف بها «جئتُ بحثًا عن ذات جديدة، لا لتطوير تلك الخربة التي أدور حولها منذ عقود»(34).
(مفارقة التضاد العالي): البحث عن ذات جديدة بالهروب من واقعه في مدينته التي يعيش فيها إلى أمريكا (و) تطوير الذات الخَرِبة لتصبح أكثر خرابًا عمّا كانت عليه في مدينته.
لقد لاذ «غالب» بالفرار من الضياع في مدينته إلى مدن أخرى وجد نفسه فيها أكثر ضياعًا: «تعلمت بعد ذلك أنه عندما أشعر بالضياع التام فمن الأفضل أن ألزم مدينتي التي ضعت فيها ما دمت أعرف شكل ضياعي على الأقل بدلًا من الدخول في ضياع آخ»(35).
والحدث الثاني هو توفر المرأة «غادة» التي أحبها وانتظرها لعشرين عامًا، كان يبذل الصعاب من أجل أن يحصلا على لحظات مسروقة من عمر الزمن. ها هي تتعرض لمشكلة مع زوجها وتهديد بالطلاق، تهجره لتذهب للعيش مع «غالب» في مكان إقامته في «بورتلاند»، لكن المفاجأة تمثّلت في أن غالب تمنى من أعماقه عدم نجاح مساعيها في الانفصال عن زوجها والاستمرار معه! لقد تحرى بفارغ الصبر عودتها إلى زوجها وعائلتها، وهو الذي كان يحلم كل ليلة بأن تكون له ذات يوم، وتحرى تحقق أمنيته طوال عشرين عامًا. من أجل ذلك كان غالب يبتهل في أعماقه أن تعود «غادة» لزوجها وأبنائها وتتركه لوحدته: «الآن هي أقرب إلى الحقيقة الصاخبة التي تجفل منها أعصابي وتدق جرس القلق الهائل في داخلي… يا لي من رجل منحوس. حتى عندما تتحقق أحلامي أجفل منها»(36). بل ذهب إلى ما هو أبعد من ذلك وأشد مرارة «اكتشفت بشعور مختلط بين الألم والراحة أن الجوهرة الصغيرة التي احتفظت بها في صندوق مخملي في أقصى القلب كانت مزيفة ولا تستحق سوى ثمن بخس من النزوات الطارئة»(37).
(مفارقة التضاد العالي): تحقق حلمه القديم بتوفر «غادة» ورجوعها إليه بعد انتظارها عشرين عامًا (و) جفل «غالب» من تحقق هذا الحلم وتمنى في أعماقه أن لم يكن.
(مفارقة التضاد العالي): الجوهرة الثمينة التي احتفظ بها لعشرين عامًا كأثمن ما يكون في حياته (و) مزيفة واهية لا قيمة لها.
ولأنه كما يقول «ميويك» كلما ازداد الفرق بين ما ينتظر حدوثه وما حدث بالفعل، كبرت المفارقة(38)، فقد كانت صدمة «غالب» بحصول هذه المفارقة كبيرة للغاية، ومحفّزة لإعادة التفكير فيما يريد بالفعل، ليبرهن على مفارقة أخرى لحياته بأسرها أكبر وأشد إيلامًا «منذ ولدت وأنا أحدّث نفسي ببداية جديدة، ثم أجدني مشغولًا بإيصاد الأبواب وتضميد الماضي وإقفال الحسابات»(39).
(مفارقة التضاد العالي): التفكير دائمًا بالبداية الجديدة للحياة (و) الانشغال، بدلًا من تحقيق البدايات على أرض الواقع، بإيصاد الأبواب القديمة وإقفال الحسابات.
المفارقة والكشف عن الذات:
يعد الكشف عن الذات أحد أهم المقاصد التي تهدف «المفارقة» إلى تحقيقها، لا سيما تلك التي يعنى فيها «صانع المفارقة» بتأمل ذاته وخيباته «حيث يكون الضحية غير واعٍ أبدًا أن حقيقة الأمور تختلف تمامًا عمّا يحسبها عليه»(40). يبدو الحال كذلك عند غالب، حيث كان يمارس ما لم يكم بحاجة لممارسته، ربما للتلهي عن التفكير في حياته: «تأكد لي وأنا أجمع حاجياتي استعدادًا لترك النهر أني مارست تمامًا ما لا أحتاج إليه في هذه الغربة الناشئة»(41).
وغالبًا ما يكون الضحية في هذا النوع من المفارقة «أعمى في كبرياء وواثقًا في حمق»(42). هذه الثقة وهذا الكبرياء يحولان دون امتلاكه استبصارًا أو حدسًا بما يمكن أن تؤول إليه الأمور والأحداث إلا بعد فوات الأوان. يمكن الوقوف على دلالة «الوثوق في حمق والكبرياء الأعمى» في تمرد البطل على قوانين المجتمع والانفصال عنه على الرغم من وجود مبررات للحياة وباعترافه المحض «ولكني الرجل الذي خرج عاريًا إلى البرد احتجاجًا على اكتظاظ خزانته بالملابس المحيّرة»(43). فصانع المفارقة هو «الأنا» المنفصلة عن الـــ«نحن» المجتمعة، وهي لا تحقق بهذا الانفصال تفردًا وتميزًا، بل عزلة عن المجتمع نتيجة فقدها القدرة على الانتماء(44). لذلك يعيش «غالب» حالة من عدم الثقة وهي تسبب في هزها وشتاتها.
مفارقة الكشف عن الذات: خرج عاريًا إلى البرد (و) اكتظاظ خزانته بالملابس المحيّرة.
وقد يبرز مبدأ الكشف عن الذات في المفارقة من خلال أسلوب «السخرية» من الذات؛ أن تسخر من ذاتك يعني أنك بدأت تتجلى. يمكن ملاحظة ذلك في حديثه عن الأسماك التي يصيدها من النهر ثم يعيدها ميتة «إذا ما استعدت فرحتي بهذه المدينة الجديدة فسأكون بذلك قد تجاوزت أولى بوادر الردة التي دهمتني فجأة أثناء الصيد. لابد أن أتوقف عن هذه العادة المملة. حتى الأسماك الميتة تسخر مني وهي تراني مضطرًا لإعادتها إلى النهر رغما عني»(45). لقد بعد أيام من هروبه إلى بورتلاند دهشته بالأشياء وألقه بالممارسات التي كان يستمتع بها. لم يكن هذا ما يبحث عنه من هروبه.
مفارقة الكشف عن الذات بالسخرية منها: صيد الأسماك (و) إعادتها إلى النهر ميتة.
كما يمكن أن يتجلى الكشف عن الذات في مقارنة البطل لحياته في «بورتلاند» بحياته التي كان يمكن أن تكون في «الرياض»: «والآن وأنا في الأربعين من العمر أشعر بأنها كانت إشارة قدرية غامضة جعلتني أجرب صيد السمك على ضفة نهر بعيد بدلًا من أن أكون على رأس عائلة معجونة بتفاصيل الرياض في حي من أحيائها المحتقنة»(46). وهي مفارقة تبدو ساخرة تظهر البون الشاسع بين ما كان يفترض أن يكون وما هو كائن بالفعل.
مفارقة الكشف عن الذات: ممارسة صيد السمك على ضفة نهر بعيد وهو في سن الأربعين وحيدًا بلا التزامات (و) أن يكون في هذا العمر على رأس عائلة في مدينة الرياض مغمورًا بتفاصيلها وهمومها الاعتيادية بدل ممارسة الصيد في رتابة.
مفارقة المرايا ومواجهة الأسئلة الكبرى:
تبدو معضلة «اللامنتمي» الجوهرية في الهروب من مواجهة ذاته، ولطالما اتخذت «المرايا» رمزيًا لتلك المواجهة، وقد تمّ توظيف «المفارقة» في الرواية لخدمة هذا الهدف «في شقتي مرآة صغيرة جدًا حتى إني اضطر أحيانًا لأن ألوح لها لتراني. اخترتها بهذا الحجم حتى تكفي لحلاقة عاجلة فقط، وعلّقتها في مستوى أدنى من قامتي حتى لا يداهمني وجهي بالخطأ»(47). فبدل أن تكون «المرآة» كبيرة وأعلى من مستوى القامة، كما هو معتاد، بدت عند «غالب» صغيرة للغاية ودون المستوى، تراه ولا يراها ليتحاشى مواجهة ذاته «المرايا تذكرني بأن أطرح على نفسي أسئلة صعبة ومراوغة كشأن الذي يلتقي خصمًا لم يره منذ سنين. لذلك اخترتها صغيرة وتافهة حتى لا تحاصرني بأسئلة أكبر مني ولا يمكن إجابتها»(48).
مفارقة المرايا: كبيرة وأعلى من مستوى القامة ويقصدها الرائي (و) صغيرة دون مستوى القامة، يفِر منها الرائي.
«المفارقة» وتأمل مصير العالم:
يؤكد كارل زولكر أن «المفارقة الحقّة تبدأ بتأمل مصير العالم بمعناه الواسع»(49). فكثيرًا ما كان «غالب» يمارس حالة التأمل بوفرة هائلة، لا سيما وهو جالس أمام نهر «ويلامت»، ويوظف فن «المفارقة» للإيغال في كشف تناقضات الوجود وشتات المصير. «فعلت كل ما يمكن أن يفعله رجل حر في مكان جميل، ولكني لم أتمكن من تشتيت الشعور المتعامد فوق رأسي مثل سحابة عنيدة: أني محبوس في صندوق زجاجي في متنصف الجنة تمامًا»(50).
المفارقة: يقيم في منتصف الجنة، لكنه محبوس في صندوق من زجاج يرى الجنة ولا يحيا تفاصيلها المبهجة.
كما بدت المفارقة في تأمل البطل لعلاقته بأمه وأبيه، حيث جعل أباه بمثابة الباب الموارب غير المحكم الإغلاق، لكن مع عدم مواربته يمكن احتمال وضعه، بينما بدت أمه مثل سقف مثقوب لا يمنح الأمان والحماية التي كان يعوّل عليهما من خلاله. لا يمكن احتمال العيش تحت الأسقف المثقوبة لانتفاء غايتها «من الممكن أن نتحمل مواربة الأبواب غير المحكمة، ولكن من الصعب جدًا أن نعيش تحت سقف مثقوب»(51).
(الباب: المعادل الموضوعي للأب)
المفارقة:
الباب الذي يفترض أن يكون محكم الإغلاق ومصدر الحماية (و) باب موارب غير محكم الإغلاق مصدر للتهديد.
(السقف: المعادل الموضوعي للأم)
المفارقة:
السقف يفترض أن يكون مصدر الأمان (و) بدا مثقوبًا لا جدوى من وجوده
و«غالب» إذ يحتمل الباب الموارب الذي رمز به إلى الأب، فذلك لأن حب الأب، عادة يكون مشروطًا بتحقيق الأماني التي يطمح الأب وجودها في ابنه، ولأن «غالب» لم يحقق آمال أبيه فيه وهو الابن الأكبر خلاف أخيه «إذا لم أعمل مع أبي فماذا سأكون؟ أنا المفصول من جامعة والمنسحب من الأخرى؟ أنا المطرود مثل مخلوق تعيس من جنة أبي؟»(52). فقد احتمل كره أبيه له، لأنه لم يحقق شروط الحب، في الوقت الذي يفترض أن يكون حب الأم حبًا غير مشروط، حب الأمهات لا يأتي مرتهنًا بطموح(53)، ومع هذا لم تكن أمه لتمنحه الحب، ولم يكن «غالب» ليحتمل هذا الجفاء (السقف المثقوب) في علاقته بأمه. وكما يعزي «غالب» نفسه، عادة، في الأشياء التي يخفق في الحصول عليه، فإنه في إخفاقه في الحصول على حب أمه وأبيه يعزّي نفسه كذلك «لا يوجد آباء وأمهات لمن تجاوزوا الأربعين مثلي، وجودهم في مثل هذه المرحلة من العمر يصبح تذكاريًا وسخيفًا»(54).
إن ما يعذب بطل الرواية «غالب» هو اضطراره لتمثيل أدوار مفروضة عليه منذ البداية، وفيما نجح أخوه الأصغر في تحقيقها، وبالتالي حصول أخيه على امتيازات معنوية ومالية من جهة أبيه والمجتمع. أخفق «غالب» في أداء تلك الأدوار، فمورست عليه قوة طرد خفية وتهميش منهك، كره على أساسها المدن التي تفرض تلك الأدوار على ساكنيها. في «الرياض» وفي «بورتلاند» وفي كل المدن «أسعدني بعض هذه الأدوار وأتعسني بعضها الآخر ولكن أيّا منها لم يولد شعورًا يكفي لأتبناه. من الصعب تبديل الأدوار في المدن التي لم نتدرب عليها بعد. لا يمكن أن نقتحم مسرحًا فجأة فنتناغم مع بقية الممثلين بعفوية. هكذا وجدتني أميل إلى ابتكار روتين يومي يسهّل عليّ اقتناص الألفة من وجوه الناس، تمامًا مثلما تفعل نادلة المقهى عندما تتذكر طلبي المفضل دائمًا فأشعر تجاهها بامتنان يفوق ما أكنه لنصف أفراد عائلتي»(55). وفي عبارته الأخيرة التي تشي بإظهار الامتنان الكبير لنادلة غريبة يفوق ما يكنه لنصف عائلته مجتمعة من مشاعر الود! تتكشف «المفارقة» فيما يعانيه البطل من اضطراب يعتري توجيه عواطفه.
إن غياب المغزى الحقيقي للحياة والشعور بضياع الهدف كان أكثر ما يؤرق «اللامنتمي» وهو ما يعانيه «غالب» بطل الرواية «استيقظت من النوم على صباح بلا لون. هاتفي خال من الرسائل، وعلى نافذتي ظل غير منتظم لغيمة رمادية كبيرة. نهضت من فراشي بتكاسل شديد وبقيت واقفًا وسط الغرفة لا ألوي على شيء»(56). ولعلّ دهشة «المفارقة» تتحقق على نحو جلي في يقظته في صباح بلا لون ونهوضه من الفراش ثم تسمره واقفًا دون هدف! وبين اليقظة والتسمر دون هدف، تكمن معضلة غياب المغزى.
لقد تجلت صفة العجز والكسل كأبرز ما يكون في صفات «اللامنتمي» حيث أن غياب المغزى في الحياة يستدعي غياب الدافعية والشعور بالكسل والخمول على نحو ما قيل في الشاهد السابق، وقد برز هذا العجز في تشبيه «غالب» لنفسه بـ«الغربال». وتكمن «المفارقة» في أنه في الوقت الذي يتم توظيف الغربال فيه كي ينقّى به الحبوب من الشوائب، والرمل من الحصى، فإنه عند «غالب» على خلاف ذلك، فهو «غربال» ثقوبه واسعة للغاية إلى الحد الذي يتسرب منها ما كان يجدر بالغربال الاحتفاظ به، بوصف وظيفته الأساسية الاحتفاظ بما هو أجدى وأثمن وأنفع «طالما ظننت أني تحولت إلى غربال عاجز عن اقتناء اللحظات الثمينة رغم أنها تمر بي كثيرًا»(57).
إن غياب الدهشة إزاء كل ما يحدث حول «غالب» من البدهي أن تكون أبرز ملامح «اللامنتمي» «كل المصائر المحتملة تساوت في نظري ولم تعد موشومة بالقلق»(58). حتى في علاقته العاطفية التي ربما بدا أنها الوسيلة التي يفر من خلالها من الشعور بالرتابة وتناسخ الأحداث وبلادة المشاعر «… فعليها أن تعتاد العيش مع كرة من المطاط الأحمر في صدر رجل لم يعد يدهشه شيء»(59). والبطل في بوحه بذلك يكون بمثابة الإعلان السافر لحالة اليأس من أنه ما عاد يملك الدهشة حتى من مفارقات الحياة التي وظفها في خطابه، ومن مقتضياتها الشعور بالغرابة والاندهاش، لأنه بالأساس لا يمك خيارًا فيما يريد ولا إرادة «الذي يعيش مثلي في مدن مزاجية يجد على أرفف حياته أشياء مختلفة كل يوم.. وكلها تختفي قبل الغد. وأنا مثل تلك الأرفف، لا أملك خيارًا فيما يوضع فوقي وما يؤخذ مني»(60).
الخاتمة:
تتناول الدراسة فاعلية توظيف «المفارقة» في خطاب «اللامنتمي»، متخذة من رواية «القندس» لمحمد حسن علوان نموذجًا تطبيقيًا.
رصدت الدراسة قدرة الكاتب على توظيف فن «المفارقة» لإبراز حالة الاستلاب التي يعاني منها بطل الرواية «غالب» من حيث عدم قدرته على التعايش في مجتمعه، وشعوره بالانفصال، وفقدانه المغزى الذي يعيش لأجله، واضطراره، لأجل ذلك، الرحيل من مدينته إلى مدينة «بورتلاند» بأمريكا، هروبًا من ذاته المخفقة في تحقيق مكاسب ونجاحات، وبحثًا، في الوقت نفسه، عن ذات جديدة هناك. لكن وفق ما تبين، باءت محاولة سعيه بالفشل، فمشكلة اللامنتمي الوجودية، تكمن حقيقة، في ذاته، التي تسأل أكثر من اللازم، وتفكر أكثر من اللازم، وتتأمل أكثر من اللازم.
لقد تجلت في الرواية صور «اللامنتمي» الذي لجأ إلى فن “المفارقة” لوصف ما يعتريه من شتات، من خلال جملة من الملامح ناقشتها الدراسة.
– بدت المفارقة، من خلال الدراسة، الوسيلة الأنجح، التي يمكن التعبير بواسطتها عن تعقيدات الحياة، واضطراب القدرة على فهم أحداثها، وعدم توفر إجابات كافية لأسئلتها. و«المفارقة» بذلك تغدو مراوغة أسلوبية ممتعة، كلما أوغل المتلقي في قراءة الخطاب الذي يتكئ على توظيفها، اكتشف قيمًا جديدة غير تلك الاعتيادية التي يتم الترويج لها، عادة، في النصوص السطحية. إذ يتاح تقويض المعنى الظاهر وإعادة بنائه وفق منطق «المفارقة»، لذا؛ تستدعي المفارقة حالة من التأمل العميق والعصف الذهني لإدراك أبعادها بالنسبة للمتلقي، وبالنسبة للكاتب تستدعي براعة فنية وقدرة على توظيف المعاني والمفردات في السياق الذي يخدم هدف «المفارقة» على نحو ما تجلى في الرواية موضوع الدراسة، ليست، فحسب، في موقف البطل «غالب» من الأحداث، بل حتى في زمن سرد الرواية؛ حيث المفارقة الزمنية: الحاضر يروي الماضي، ثم يتقدم متعثرًا نحو المستقبل.
الهوامش:
(1) بيروت: دار الساقي. ط1، 2011. الطبعة التي سنعتمدها للدراسة هي الرابعة 2013. الرواية رُشحت للقائمة القصيرة لجائزة «بوكر» العربية 2013.
(2) محمد حسن علوان ولد في الرياض, 27 أغسطس 1979 م. صدرت له أربع روايات سقف الكفاية (2002)، صوفيا (2004)، طوق الطهارة (2007)، القندس (2011) وكتاب «الرّحيل» نظرياته والعوامل المؤثرة فيه. كتب مقالة أسبوعية لمدة ست سنوات في صحيفتيّ «الوطن» و«الشرق» السعوديتين. نشرت له صحيفتا نيويورك تايمز New York Times الأمريكية والجارديان Guardian البريطانية مقالات وقصص قصيرة. تمّ اختياره عام (2010) ضمن أفضل 39 كاتب عربي تحت سن الأربعين، حاصل على شهادة الماجستير في إدارة الأعمال من جامعة “بورتلاند” في الولايات المتحدة الأمريكية. فازت روايته «موت صغير» بجائز البوكر للرواية العربية (2017).
(3) برجيز، دانييل. «النقد الموضوعاتي». فصل من كتاب: مدخل إلى مناهج النقد الأدبي (مجموعة من الكتاب)، ت: رضوان ضاضا (الكويت: سلسة عالم المعرفة، مايو، أيار 1997)، ص ص131-133.
(4) السيد، غسان بديع: «النقد الموضوعاتي» علامات في النقد، جدة: النادي الأدبي، ج24، مج6 (يونية 1997)، ص ص 248-264.
(5) المنولوج الداخلي Monologue أسلوب من أساليب تيار الوعي. ويقصد به «ذلك التكتيك المستخدم في القصص بغية تقديم المحتوى النفسي للشخصية. والعمليات النفسية لديها ـ دون التكلم بذلك على نحو كلي أو جزئي ـ في اللحظة التي توجد فيها هذه العمليات في المستويات المختلفة للانضباط الواعي قبل أن تتشكل للتعبير عنها بالكلام على نحو مقصود». وهناك نمطان للمنولوج الداخلي. وهما: المنولوج المباشر، والمنولوج غير المباشر. فالأول يمثله عدم الاهتمام بتدخل المؤلف. فالشخصية تعرض محتواها النفسي على نحو مباشر. والثاني يسهم فيه المؤلف بعرض هذا المحتوى. (همفري، روبرت: تيار الوعي في الرواية الحديثة، ترجمة: محمود الربيعي، ط2. القاهرة: دار المعارف، 1975، ص ص 44-56).
(6) ميويك. د. سي. المفارقة وصفاتها. ترجمة: عبد الواحد لؤلؤة، المجلد الرابع، بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط1، 1993. ص258.
(7) المرجع السابق، ص18.
(8) المرجع السابق، ص18.
(9) المرجع السابق، ص46.
(10) المرجع السابق، ص190.
(11) المرجع السابق، ص17.
(12) المرجع السابق، ص73.
(13) المرجع السابق، ص243.
(14) إبراهيم. نبيلة. المفارقة. فصول. العدد 3-4، 1 سبتمبر، 1987. ص134.
(15) المرجع السابق، ص134.
(16) «القندس»، ص165.
(17) المرجع السابق، ص135.
(18) إبراهيم. نبيلة. المفارقة. فصول، ص136.
(19) ميويك. المفارقة، ص32.
(20) المرجع السابق، ص36.
(21) إبراهيم. نبيلة. المفارقة. ص136.
(22) ميويك. المفارقة، ص104.
(23) المرجع السابق، ص96.
(24) «القندس» (الاسم العلمي: Castor) (بالإنجليزية: Beaver) هو جنس من الحيوانات يتبع فصيلة القندسية من رتبة القوارض. ويعد من القوارض المائية، ويعيش عادة في الماء، قائمًا بصورة دؤوبة على بناء السدود من أخشاب الأشجار التي يقوم بتقطيعها بأسنانه الحادة. ويعتبر هذا الحيوان أمهر مهندس في بناء السدود بين السموريات والحيوانات جميعًا. يقوم القندس ببناء مسكن تحت سطح الماء لحمايته من الأعداء. ويبلغ طول الأنفاق المؤدية إلى مسكن القندس عدة أمتار وتؤدي النهاية العليا للنفق إلى غرفة صغيرة تتسع لإيواء أسرة القندس وتغطى بطبقة من الطين المتماسك الجيد الصرف نتيجة لوجود أعواد خشبية بأسفله وعندما يبني القندس مسكنه فإنه يكدس الأعواد الخشبية والطين على هيئة كومة ثم يحفر بفمه التربة ليكون الأنفاق والغرفة الرئيسية. وعندما يفرغ من حفر الغرفة الرئيسية يكون الطين المتساقط من بين الأعواد الخشبية أرضية الغرفة وعندما يبدأ بتكديس الأعواد يترك فتحة خالية من الطين في المكان الذي يعلو غرفة المستقبل وتستخدم هذه الفتحة للتهوية. وتحصل القنادس على المواد اللازمة للبناء بإسقاط الأشجار وفروعها ويتم ذلك ليلا بصفة أساسية حيث تقرض القنادس جذوع الأشجار بقوارضها القوية التي تشبه الأزميل ويمكن للقندس أن يسقط شجرة قطرها 30 سم نتيجة عمل يستغرق ليلتين وعندما تسقط الشجرة تتولى القنادس فصل الأفرع عن الجذع وتجزئتها إلى قطع يبلغ طول كل منها أقدامًا قليلة، ويتم العمل كله باستخدام أسنانها. كما تجمع القنادس خلال الصيف الأفرع الغضة القريبة من مسكنها لكي تستخدمها كغذاء خلال الشتاء. ويتراوح عرض السد الذي يقيمه زوج القندس من المتر إلى المائة متر ثم يبني بيته وسط البركة من الأغصان جاعلًا مدخل البيت تحت سطح الماء. إذا شاهد قندس عدوا يقترب منه فإنه يضرب بذيله محذرًا الآخرين وفي الحال تندفع القنادس غاطسة في الماء لتكون في مأمن من الحيوانات المتوحشة.
موقع ويكيبيديا: «القندس»:
https://ar.wikipedia.org/wiki/%D9%82%D9%86%D8%AF%D8%B3
(25) «القندس»، ص41.
(26) «القندس»، ص220.
(27) «القندس»، ص274.
(28) «القندس»، ص221.
(29) ولسون، كولن: اللامنتمي: دراسة تحليلية لأمراض البشر النفسية في القرن العشرين، ت: أنيس زكي حسن، ط4، (بيروت: دار الآداب، 1989)، ص ص13 -14.
(30) رجب، محمود. الاغتراب: سيرة مصطلح، ط4، القاهرة: دار المعارف، 1993.، ص62- 63.
(31) برديائف، نيقولاي: العزلة والمجتمع، ت: فؤاد كامل (القاهرة: مكتبة النهضة المصرية، 1960، ص ص123- 124.
(32) «القندس»، ص168.
(33) ميويك. المفارقة وصفاتها. 1993. ص191.
(34) «القندس»، ص178.
(35) «القندس»، ص299.
(36) «القندس»، ص282.
(37) «القندس»، ص295.
(38) ميويك. المفارقة وصفاتها. ص191.
(39) «القندس»، ص132.
(40) ميويك. د. سي. المفارقة. ترجمة: عبد الواحد لؤلؤة، المجلد الرابع، بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط1، 1993. ص87.
(41) «القندس»، ص178.
(42) ميويك. المفارقة. ص87.
(43) «القندس»، ص168.
(44) إبراهيم. نبيلة. المفارقة. ص136.
(45) «القندس»، ص179.
(46) «القندس»، ص311.
(47) «القندس»، ص9.
(48) «القندس»، ص9.
(49) ميويك. المفارقة. ص32.
(50) «القندس»، ص132.
(51) «القندس»، ص108.
(52) «القندس»، ص299.
(53) هناك ما يعرف بالنظام “الأبيسي” (الأبوي) وهو الحب المشروط بالاستجابة لقوانين الأب، بينما الحب «الأموسي» (الأم) حب غير مشروط. فروم، إيريك. الإنسان المستلب وآفاق تحرره. ترجمة حميد لشعب. الرباط: فيديبرانت للطباعة. 2003. ص83.
(54) «القندس»، ص73.
(55) «القندس»، ص100.
(56) «القندس»، ص113.
(57) «القندس»، ص133.
(58) «القندس»، ص360.
(59) «القندس»، ص284.
(60) «القندس»، ص133.
المصادر والمراجع:
المصدر:
– علوان، محمد حسن. القندس (رواية). بيروت: دار الساقي. ط4، 2013.
المراجع:
– بدوي، عبد الرحمن. دراسات في الفلسفة الوجودية، بيروت: المؤسسة العربية للدراســــات والنشر، 1980.
– برجيز، دانييل. ترجمة: رضوان ضاضا. 1997. “النقد الموضوعاتي”. من كتاب: مدخل إلى مناهج النقد الأدبي (مجموعة من الكتاب)، سلسة عالم المعرفة، مايو، أيار، الكويت.
– برديائف، نيقولاي: العزلة والمجتمع، ت: فؤاد كامل (القاهرة: مكتبة النهضة المصرية، 1960.
– رجب، محمود. الاغتراب: سيرة مصطلح، ط4، القاهرة: دار المعارف، 1993.
– شاخت، ريتشارد. الاغتراب، ترجمة: كامل يوسف حسين، بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1980.
– فروم، إيريك. الإنسان المستلب وآفاق تحرره. ترجمة حميد لشعب. الرباط: فيديبرانت للطباعة. 2003.
– ابن منظور، أبو الفضل جمال الدين. لسان العرب، ج7، بيروت: دار صادر، ط3، 1993.
– ميويك. د. سي. المفارقة وصفاتها. ترجمة: عبد الواحد لؤلؤة، المجلد الرابع، بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط1، 1993.
– ميويك. د. سي. المفارقة. ترجمة: عبد الواحد لؤلؤة، المجلد الرابع، بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط1، 1993.
– همفري، روبرت: تيار الوعي في الرواية الحديثة، ترجمة: محمود الربيعي، ط 2. القاهرة: دار المعارف، 1975.
– ولسون، كولن: اللامنتمي: دراسة تحليلية لأمراض البشر النفسية في القرن العشرين، ت: أنيس زكي حسن، ط4، (بيروت: دار الآداب، 1989).
– يوسف، محمد عباس. الاغتراب والإبداع الفني، القاهرة: دار غريب للطباعة والنشر، 2004.
الدوريات:
– إبراهيم. نبيلة. المفارقة. فصول. العدد 3-4،1 سبتمبر، 1987. الهيئة المصرية العامة للكتّاب، القاهرة، ص131 – 131.
– السيد، غسان بديع: «النقد الموضوعاتي» علامات في النقد، ج24، مج6 (يونية 1997) النادي الأدبي الثقافي، جدة. ص ص 248-264.
المواقع الإلكترونية:
موقع ويكيبيديا: «القندس»:
https://ar.wikipedia.org/wiki/%D9%82%D9%86%D8%AF%D8%B3



