العدد الحاليالأدب والنقدالعدد رقم 48

خالدة سعيد: شاعرة النقد وأيقونة الحداثة من زنازين السياسة إلى آفاق المعنى

شَغلت الناقدة والأكاديمية اللبنانية، السورية الأصل، الدكتورة «خالدة سعيد» مكانة بارزةً في الساحة الأدبية العربية خلال القرن العشرين، ففضلًا عن كونها رفيقةَ درب للشاعر الكبير أدونيس (علي أحمد سعيد إسبر)، فقد أدت دورًا محوريًا كمرجعيةٍ من مرجعيات الوعي الحداثيّ ومُنَظّرة أصيلة في صياغة ملامح الثورة النقدية في العالم العربي. وقد وصفتها الصحافة الثقافية بألقاب تعكس ثقلها المعرفي؛ فكانت «أيقونة النقد العربي الحديث»1 بالنسبة لجريدة النهار البيروتية اعترافًا بدورها الريادي وإسهاماتها الفاعلة في تأسيس وتطوير حركة الحداثة الأدبية والنقدية العربية، و«شاعرة النقد العربي»2 بالنسبة لجريدة الحياة اللندنية تقديرًا لأسلوبها النقدي الحصيف الذي يمتزج فيه التحليل الرصين باللغة الشاعرية المرهفة، لتثبت عبر مسيرة ممتدة لعقود أن حضورها الفكري مستقل وساطعٌ يوازي وهج شهرة زوجها قوةً وعمقًا.

الأثر في المشهد الأدبي والنقدي العربي

وُلدت خالدة صالح -التي عُرفت لاحقًا بخالدة سعيد – في سوريا، ونشأت في بيئة عائلية عالمة أسهمت في تشكيل الوجدان الأدبي السوري واللبناني؛ فهي شقيقة الفنانة مها صالح والشاعرة سنية صالح زوجة الكاتب محمد الماغوط. تلقت تعليمها في دمشق ثم في بيروت، قبل أن تنال درجة الدكتوراه من جامعة السوربون في فرنسا3، وقد جمعت خلال مسيرتها بين التدريس الأكاديمي في الجامعة اللبنانية منذ أواخر الخمسينيات وحتى منتصف التسعينيات، وبين النقد التطبيقي الذي واكب أهم التحولات الإبداعية العربية.

ارتبطت انطلاقتها النقدية بـ«مجلة شعر» فمنذ عددها الثاني عام 1957 بدأت تكتب مقالات نقدية تمتاز بالجدّة والاختلاف، مستخدمةً في بداياتها اسمًا مستعارًا هو «خزامى صبري» لتتفادى الأضواء وتمنح قلمها فرصة النضج الهادئ4. وكانت «خالدة» ركنًا أساسًا في «خميس مجلة شعر» تلك الصالونات الأدبية التي كانت تجمع طليعيّي المثقفين والشعراء مثل: يوسف الخال، أنسي الحاج، محمد الماغوط، خليل حاوي وغيرهم كثر5، فهناك قدمت قراءات لدوَاوِين غيرت مجرى الشعر العربي، فكتبت عن «قرارة الموجة» 1957 الديوان الشعري الثالث للشاعرة العراقية نازك الملائكة6، و«وجدتها» 1958 الديوان الثاني للشاعرة الفلسطينية فدوى طوقان7، وديوان البئر المهجور للشاعر اللبناني يوسف الخال8، كما كان لها مقال مفصلي دافع بحماسة وموضوعية عن ديوان «لن» 1960 في قصيدة النثر لأنسي الحاج9.

قلم فكّك الحداثة العربية وعاش مخاضاتها

تميّز مشروع خالدة سعيد النقدي بالجمع بين الوعي الأكاديمي والحدس الإبداعي، وهي القارئة التي برعت في تلمس العلاقة المعقدة بين المبدع ونصّه وعصره، حيثُ لم تقتصر قراءاتها على الشعر الذي توجته في كتب مثل «البحث عن الجذور»10 و«حركية الإبداع»، بل التفتت إلى الفنون الأخرى لتؤرخ بجهد بحثي مضنٍ للمسرح عبر كتابها المرجعي عن المسرح اللبناني بين عام 1960 و1975، والذي وثّقت فيه كيف تحول المسرح اللبناني خلال تلك الفترة من حالة المحترف الطقسي النخبوي (الذي بدأ مع أبو دبس) إلى مسرح أكثر تسييسًا واشتباكًا بالشارع وقضاياه (مع روجيه عساف ونضال الأشقر وجلال خوري) قبل انفجار الحرب عام 1975. 11 فضلًا عن اهتمامها بقضايا المرأة والإبداع النسوي في كتابها «في البدء كان المثنى»12.

وحتى في قراءاتها المتأخرة، كما في ثنائيتها «جرح المعنى»13 و«أفق المعنى»14، ظلت خالدة سعيد مخلصةً لتفكيك النص واختراق عواصفه السحرية للوصول إلى المعنى المضمر، متوقفة عند تجربة رفيق دربها أدونيس في ديوانه «مفرد بصيغة الجمع» وتجارب كبار المبدعين من السياب وجبران إلى درويش وعباس بيضون.

هي نموذج للمثقفة الطليعية الشاهدة على التحولات الكبرى، والتي تركت بصمة لا تُمحى في تاريخ الحداثة العربية بصفتها صوتًا نقديًّا فذّا قاد الثورة النقدية بمشارط الفهم والتحليل الإنساني والجمالي العميق. وامتدادًا لمشروعها الفكري والنقدي، لم تكن الناقدة بمعزل عن المخاضات السياسية والأيديولوجية الشرسة التي عصفت ببلاد الشام والعالم العربي في منتصف القرن العشرين، بل إن مواقفها القومية والوطنية صاغت جزءًا جوهريًّا من وعيها الباكر ودفعت ثمنه من حريتها.

موقف سياسي والتزام إنساني وقومي

انخرطت خالدة سعيد في مرحلة التكوين الأولى وسنوات شبابها في العمل السياسي الخشن، متأثرةً بالأجواء الطليعية المحيطة بها، ونظرًا لخلفيتها وبيئتها الاجتماعية التحقت بالحزب السوري القومي الاجتماعي، مدفوعةً في البداية بالشغف والارتباط برفيق دربها الشاعر أدونيس الذي كان عضوًا بارزًا ومؤمنًا بالعقيدة القومية السورية التي أسسها أنطون سعادة. هذا الالتزام الحزبي والموقف القومي المتجذر كلّفها الدخول إلى السجن في سوريا، حيث اعتُقلت وأمضت عقوبةً بالسجن دامت ستة أشهر بسبب نشاطها وانتمائها السياسي قبل أن تنتقل برفقة أدونيس إلى بيروت أواخر عام 1956.15

وعلى الرغم من أن تجربتها السياسية الحزبية المباشرة انحسرت لاحقًا لصالح العمل الأكاديمي والنقد الأدبي، فإن هذا البُعد القومي والوطني لم يغب عن قراءاتها بل تحوّل إلى أفق أوسع للحداثة والتنوير، فقد آمنت الأيقونة بأن النهوض بالمجتمع العربي والمرأة وتحرير العقل من الرواسب البدائية والجهل هو جوهر المعركة القومية الحقيقية، ويتجلى ذلك بوضوح في كتاباتها المشتركة مع أدونيس حول رواد عصر النهضة العربية أمثال الكواكبي ومحمد عبده؛ ذلك أنها رأت في فكرهم استكشافًا تاريخيًا وحضاريًا للهوية العربية – الإسلامية وتأسيسًا لمفهوم المواطَنة الحداثية.

كما انعكست مواقفها القومية والإنسانية المناهضة للاستعمار والاعتداءات الخارجية في مواكبتها للمآسي العربية؛ فخلال الحرب اللبنانية شهدت مآسي تلك المرحلة ووقفت علانيةً ضد العدوان الإسرائيلي، وفي قراءاتها ومقالاتها ظل نبضها القومي والعروبي حاضرًا عبر دفاعها المستمر عن القضايا العربية الكبرى وفي مقدمتها القضية الفلسطينية؛ إذ كتبت بمرارة واهتمام بالغ عن فظائع الحرب والقتل المسلط على أهل وأطفال غزة، معتبرةً أن استهدافهم هو محاولة لـ «قتل المستقبل العربي» وداعيةً دومًا إلى صياغة وعيٍ عربيٍّ جديدٍ يتجاوز الانقسامات والعصبيات الضيقة نحو أفق إنساني وحضاري أرحب ممّا هو كائن.

 

الهوامش والحالات:

1 – انظر أرشيف صحيفة النهار، بعنوان: تحية إلى خالدة سعيد، عن طريق: سليمان بختي، منشور على شبكة الويب عبر الرابط:

https://web.archive.org/web/20200110130807/

https://newspaper.annahar.com/article/831037

2 – انظر موقع مكتبة الوراق على شبكة الويب، منشور بعنوان: شاعرة النقد، عبر الرابط:

 https://web.archive.org/web/20100616221236

/http://www.alwaraq.net/Core/news/news_indetail?id=893

3 – رنا نجار، خالدة سعيد: لا أعرف كيف يكون النقد نسويًّا أو ذكوريًّا! حوار مجلة الدوحة، العدد 119، سبتمبر 2017، ص 22 وما يليها.

4 – نفسه، 23.

5 – عبدالمجيد زراقط، مدونة خطاب حركة شعر النقدي، جريدة القدس العربي، العدد 10563، 14 مارس 2022، ص 12.

6 – خزامى صبري، قرارة الموجة لنازك الملائكة، مجلة شعر، العدد 3، يونيو 1957، ص 91.

7 – خزامى صبري، وجدتها لفدوى طوقان، مجلة شعر، العدد 4، أكتوبر 1957، ص 102.

8 – خزامى صبري، البئر المهجور ليوسف الخال، مجلة شعر، العدد 6، أبريل 1958، ص 102.

9 – خالدة سعيد، حركية الإبداع: دراسات في الأدب العربي الحديث، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، لبنان، الطبعة الثالثة 1986، ص 72.

10 – خالدة سعيد، البحث عن الجذور، دار مجلة شعر، بيروت، الطبعة الأولى 1960.

11 – خالدة سعيد، منير أبو دبس والحركة المسرحية في لبنان: 1960-1975، منشورات لجنة مهرجانات بعلبك الدولية، طباعة دار الآداب، بيروت الطبعة الأولى 1999.

12 – خالدة سعيد في البدء كان المثنى، دار الساقي، لبنان، الطبعة الأولى 2009.

13 – خالدة سعيد، جرح المعنى، دار الساقي، لبنان، الطبعة الأولى 2018.

14 – خالدة سعيد، أفق المعنى، دار الساقي، لبنان، الطبعة الأولى 2018.

15 – خالدة سعيد، سجنت 6 أشهر بسبب الحزب القومي وأدونيس شاعر عملاق. حوار مع موقع مؤسسة العويس الثقافية، منشور على شبكة الويب عبر الرابط: خالدة-سعيد-سجنت-6-أشهر-بسبب-الحزب-القو/ https://www.alowais.com

Facebook
X
WhatsApp
Threads
Telegram

د. عبداتي بوشعاب

ناقد مغربي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى