العدد الحاليالعدد رقم 48ثقافات

بين رهين المحبسين وعميد الأدب العربي: قراءة تاريخية وفلسفية في تجديد ذكرى المعري

يُعدّ أبو العلاء المعرّي أحد أبرز أعلام الفكر العربي، ورمزًا فلسفيًا وأدبيًا تفرّد بجرأته العقلية وعمق تأملاته. وظل تراثه موردًا خصبًا للدراسات، لكن أغلب ما كُتب عنه قبل مشروع طه حسين كان مشوبًا بضبابية الأحكام أو خاضعًا لقراءات تقليدية تفتقر إلى النفاذ لجوهر تجربته.

من هنا، مثّل مشروع طه حسين حول المعرّي قطيعة معرفية مع الأساليب القديمة في دراسة التراث. لقد اتجه إلى قراءة تاريخية نقدية ولغوية وفلسفية متجددة، ولم يقف اهتمامه عند حدود العمل العلمي؛ بل امتد إلى صلة وجدانية عميقة استدعتها المعاناة الإنسانية المشتركة بينهما، وتجسّدت في زيارته التاريخية لضريح المعرّي في معرّة النعمان خلال أربعينيات القرن العشرين، وما رافقها من احتفاء ثقافي بارز.

أولًا: جذور الاهتمام والتماثل الإنساني: ارتكز اهتمام طه حسين بالمعري على مستويين رئيسيين:

  1. التماثل في التجربة الإنسانية

شكّل العمى نقطة تماس جوهرية، لمس فيها طه حسين قدرة المعرّي الاستثنائية على تحويل المحنة إلى طاقة معرفية. رأى طه حسين أن فقدان البصر قاد المعرّي إلى بناء عالم داخلي عميق يرتكز على التأمل والمراجعة، مؤكدًا أن العمى «تجربة روحية وفكرية» صاغت وعي المعرّي وأسلوبه.

وقد انعكس هذا التماثل في سيرته «الأيام»، حيث آمن بحياة المعرّي كـ «مثله الأعلى»، وجعل طيف «رهين المحبسين» قرينًا يحضر كلما مر الفتى بذكر عاهته، مكررًا قوله: «استيقن أن حياة أبي العلاء تلك هي الحياة التي يجب عليه أن يحياها ما استطاع إليه سبيلا».

  1. الإعجاب بالجرأة الفكرية ومشروع التجديد:

تميّز المعرّي بالنزعة العقلية الحرة والشك المنهجي ونقد الموروث، وهو ما توافق مع مشروع طه حسين الإصلاحي القائم على تحرير العقل من سلطة التقليد. هذه الجرأة رفعت المعرّي في نظر طه حسين إلى مرتبة الفيلسوف العربي الفريد، لا مجرد الشاعر.

وقد أسس طه حسين لهذه الرؤية في كتابه الرائد «تجديد ذكرى أبي العلاء»، مقدمًا أول قراءة عربية حديثة تعتمد على التحليل اللغوي التاريخي الدقيق والقراءة الفلسفية للنصوص، ومفككًا الأساطير المحيطة بسيرة المعرّي، وبذلك أعاده إلى دائرة الاهتمام العلمي الرصين.

ثانيًا: نقاط الالتقاء الفلسفي ومؤلفات طه حسين

جمعت بين طه حسين والمعري عدة روابط فكرية وفلسفية عميقة:

فقدان البصر ونفاذ البصيرة: تحويل «انعدام البصر» إلى «نفاذ بصيرة» والاعتماد على العقل والتحليل.

الشك والتساؤل:

تبني الشك المنهجي كطريق للمعرفة، مؤكدًا أن المعري لم يكن متشككًا في الإيمان ذاته، بل في الروايات المصنوعة حول الإيمان.

التشاؤم الفلسفي والتمرد:

لم ير طه حسين تشاؤم المعرّي مجرد حالة نفسية، بل «تشاؤمًا فلسفيًا» نابعًا من رؤية نقدية للوجود، أفضى إلى منظومة أخلاقية تقوم على عدم الإيذاء. وقد وصفته زوجته سوزان بأنه «أبا علاء آخر… يرفض قدرًا ظالمًا».

التكفير والهجوم:

تعرض كلاهما لاتهامات مشابهة (المعرّي بسبب «رسالة الغفران»، وطه حسين بسبب «في الشعر الجاهلي»)، مما جعل دفاع طه حسين عنه دفاعًا عن منهجه الخاص.

وقد عبّر طه حسين عن عمق هذه الصلة في مؤلفين أساسيين: «تجديد ذكرى أبي العلاء» الذي مثل حجر الأساس في الدراسات الحديثة، و«مع أبي العلاء في سجنه» الذي جسّد الجانب الوجداني والفلسفي كحوار داخلي بين عقلين متقاربين.

الزيارة التاريخية وأثر المعرّي في المشروع الفكري:

كانت زيارة طه حسين لقبر المعرّي في معرّة النعمان في الخمسينيات من القرن الماضي جزءًا من قراءته المعرفية؛ فقد رأى أن فهم شخصية المعرّي يكتمل بزيارة موطنه ورؤية البيئة التي أثّرت فيه. وهذا الجانب أعطى دراسته بعدًا إنسانيًا خاصًا.

وخلال الزيارة التي كانت حدثًا ثقافيًا نوعيًا وقوبلت بحفاوة شعبية ورسمية وقف طه حسين أمام ضريح المعري ليُطلق عبارته الشهيرة: «هنا يرقد المفكر الذي أراد للإنسان أن يكون حرًّا». وكانت الرحلة تجربة روحية وفكرية أكملت صلته بعالم المعرّي.

العقلانية والشك المنهجي:

رأى طه حسين في دراساته التي تناولت «شاعر الفلاسفة وفيلسوف الشعراء» كما لقبه الأقدمون بأن المعرّي مارس الشك كـمنهج قبل ديكارت بقرون، مما أثر مباشرة في تبنّيه للمنهج الديكارتي لاحقًا، حيث أن الشك هو الطريق إلى المعرفة.

النزعة الإنسانية: ركز طه حسين على الجانب الإنساني في فلسفة المعرّي، الذي يتجلى في نقده للعنف ودعوته لعدم الإيذاء، فرآه مفكرًا عالميًا ذا رؤية أخلاقية تتجاوز الزمان.

تجديد قراءة التراث: استفاد من عقلانية المعرّي في تأسيس منهجه الخاص القائم على تحليل النصوص بعيدًا عن التقديس، مما أسهم في تأسيس مرحلة جديدة في النقد العربي.

وخلاصة القول إن دراسة علاقة طه حسين بأبي العلاء المعرّي تكشف عن صلة فكرية وروحية تجاوزت النقد الأدبي إلى مستوى التكوين الفكري العميق، ليجد طه حسين في المعرّي عقلًا عربيًا حرًا سابقًا لعصره، ويوجه مشروعه لإحياء هذا التراث العقلاني وتأكيد دوره في تشكيل الوعي الثقافي العربي الحديث.

Facebook
X
WhatsApp
Threads
Telegram

خالد عواد الأحمد

كاتب وصحفي سوري مقيم في الأردن

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى