الكـاتـب الـتـشـيكيّ البوهيميّ فرانزكافكا.. خَاضَ برواياته الغرائبيّة غِمَارَ الواقعيّة والخيَالالباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2022-01-31 17:59:44

د. محمّد محمّد خطّابي

مدريد - (إسبانيا)

على الرّغم من الكتب، والتآليف، والدراسات المتعدّدة التي كُتبت عن الكاتب التشيكي البوهيمي الذائع الصيت فرانز كافكا، وعن حياته، فإنه ليس من السّهولة واليُسر التعرّف على حقيقة حياته المعتمة. يشير الكاتب الألماني غواشيم أونسيلد الذي وضع كتابًا موفيًا حول حياة هذا الكاتب السّوداوي المثير: "إنه على الرّغم من العزلة، والمرارة اللتين يتميّز بهما كافكا، فإننا واجدون شيئًا مهمًّا آخر في حياته، وهو جانب الحبّ، والقدرة على الاستحواذ على الناس، وتحقيق النجاح منذ ظهور كتابه الأول تأمّلات عام 1912.

قبل ميلان كونديرا وليبوسي مونيكوفا، بعقود، عاش كافكا في براغ حيث ولد في 3 يوليو 1883، والمتوفىّ على إثر مرض عُضال بـ"كيرلينغ كلوستيرنيبورغ" النمسا في 3 يونيو 1924. وعلى الرّغم من الجوّ السّوداوي الذي أحاط به، وبحياته، وأعماله، فإنه في الواقع حاول في فترة مّا من حياته أن يكون شخصية كافكاوية، إلاّ أنه في الأخير فشل في مسعاه. إذ منذ بداية تعامله مع الكتابة تفتّق وظهر ككاتب لغز، مُعذّب، ومُعنّى حيث خاض بمختلف ابداعاته غمار الواقعية والخيال الغرائبي.

بول فاليري والمجد الأدبي

كان بول فاليري يقول: لكي يضمنَ الإنسانُ حياته ككاتب، ينبغي أن يتوفّر لديه أمران اثنان، الأوّل بطبيعة الحال هو أن يكتب، والثاني هو قدرته على تحقيق الانتشار الواسع لما يكتبه. ولا يمكن تحقيق المجد الأدبي إلاّ بتلاحم هذين العاملين اللذين يبدوان وكأنّهما منفصلان الواحد عن الآخر. العامل الأوّل هو تحقيق الابداع ذاته، والثاني هو ضرورة إقناع الناس بفحوى هذا الابداع وجدواه بواسطة الكاتب نفسه، أو عن طريق هؤلاء الذين قرأوا أعماله، وأعْجِبوا بها، بذلك تتحقق الشّهرة، ويتأكد النجاح والانتشار. وكان ناشر كافكا، كورت وولف، يقول: إن الكاتب الجيّد ينبغي له أن يظهر في الوقت المناسب، وعن طريق دار النشر المناسبة، وينبغي له أن يكون مُحاطًا بالحماس الذي هو قمين به، وعلى عكس ذلك فإنّ الأمر قد يغدو مجرّد نشر مطبوع ضائع.

ويروي لنا أونسيلد قصة طريفة عن بداية حياة كافكا الابداعية، فيشير إلى أنه كان قد تقدّم لنيل جائزة فونتان للقصّة القصيرة عام 1915، واتفق الناشر مع حكام هذه المسابقة الأدبية على أن يعلن بأنّ اسم الفائز هو كارل سترنهيم، على أن يُسلّم مبلغ الجائزة لفرانز كافكا اعترافًا بقيمته الأدبية، وكان القصد من هذه العملية هو كسب اسميْن بدل اسم واحد لصالح دار النشر التي أشرفت على تنظيم هذه المسابقة. وكان فرانز كافكا قد شارك في هذه المسابقة الأدبية بقصّة قصيرة تحت عنوان: وقّاد الآلات البخارية، والتي ستصبح لاحقًا الفصل الاوّل لروايته أمريكا.

الابداع والاندحار العاطفي

لقد اعترف فرانز كافكا لصديقه وولف أنه أسعد ما يكون عندما ينصرف للكتابة، بل إن نسبة إنتاجه الأدبي رهينة بمدى قدرته على التأقلم مع المحيطين به، والتجمّع، والمشاركة. إنّ كافكا كان يعمل في بعض الأحيان لمدّة خمسة أشهر متتالية، ثم يدخل بعد ذلك في مرحلة من الخمول الأدبي. واتّضح أنّ غِنىَ، وعمق، وثراء إنتاجه الأدبي، شديد الصلة بمدىَ إندحاره العاطفي أو تألقه، وأنه كلما خمدت عنده جذوة الطاقة الابداعية، وخبا أوارُها، فإنّ علاقاته الشخصية الخاصّة مع فليس باور تزداد قوّةً، ومتانةً، وعنفوانًا.

كان كافكا نباتيًا، عكس والده الذي عملت عائلته طوال حياتها بالجزارة، وكان كافكا يهوى الإقامة في مراكز الطبيعيين، وكان يحبّ السباحة، والرياضة، والتجوّل في الهواء الطلق. إنّ اتصالاته وانقطاعاته عن فليس باور، التي تزوّجها عام 1919 كان لها تأثير بليغ على حياته، وعلى الرّغم من أنه كان يعرف أنه قد أصيب بداء ذات الرّئة، فإنّ مرض السلّ هذا لم يمنعه، ولم يثنه عن القيام ببعض المغامرات العاطفية الأخرى. كان كافكا خجولاً، منعزلاً، إلاّ أنه لم يكن روحانيًا محضًا، كان ساخطًا ناقمًا، غير أنه كان يقاوم الاستسلام. كان واثقًا من نفسه، ومن كتاباته، إلاّ أنه مع ذلك، كان يشعر بنوع من القلق، والارتياب من مدى قبولها، واستحسانها من طرف القراء.

كان كافكا في صراعٍ دائمٍ مع نفسه، وذاته، وحياته، ومجتمعه، ومعاناته الكتابية بشكل خاص. هل كان كافكا يكتب ليكون محبوبًا، أو بالأحرى محبوبًا جدًّا؟ أم كان يكتب بغاية تحقيق الشّهرة، والمجد، والذيوع، والانتشار؟ أم كانت الكتابة عنده نوعًا من إثبات الذات، وتأكيد هويّة مّا، أم لكبح لوم عدم الكتابة؟ هذا النوع من التطلعات هي التي كانت قد طبعت حياة كافكا.

إدانة صارخة للوجود!

من أشهر أعمال كافكا الروائية قصة بعنوان  Die Verwandlung- التحوّل أو المسخ 1915 التي تتناول قصّة بائع يسافر ليجد نفسَه فجأةً قد تحوّل إلى كائن غير مرغوب به، وتحديدًا على شكل حشرة قبيحة مُرعبة. أجمع عدد كبير من نقاد الأدب على أنّ هذه القصة تُعتبر من أكثر الأعمال الخيالية إثارةً وتأثيرًا في القرن العشرين. واجه فرانز كافكا الموت ليس كموقف درامي، بل إنّه حاول استيعاب أو فهم هذا الشعور المأسوي، أو الحدث الدرامي، ولم يجد في الأدب وسيلة فقط لتحقيق ذلته، أو غايته، أو مراده، أو مأربه، بل إنّه ألفىَ في الكتابة نوعًا من الفرار أو الخلاص، أو منفذًا، أو ملاذًا، أو إنقاذًا له من فداحة الموقف الذي يتردّى فيه.

وأمام هذا النغوص أو الغموض كان على كافكا أن يجد الإجابة بواسطة هذا الغموض بعينه، فالحديد لا يُضرَب أو لا يُفلّ إلاّ بالحديد. وهكذا فالأدب عنده هو نوع من الغموض نفسه مثلما هو الشأن لدى الألماني ريلكه، أو الفرنسي مالارميه، اللذين كانا يريان أنّ الأدب الغامض، أو الأدب الجيّد لا يمكن فهمُه أو إدراكُه أو الوصول إليه إلاّ بقدرٍ باهظٍ، ومجهود كبير من الذكاء، والفطنة، والتفكير، والمعاناة، والمكابدة. فكثير من الأعمال الأدبية العظيمة هي أعمال غير مريحة، أو غير سهلة أو مستساغة الفهم بسهولة ويُسر عند الكثيرين، والتفكّك، الذي قد تحدثه بعضها لدى قرّاء هذه الأعمال قد يكون في النهاية تركيبًا أو بناءً يغدو في آخر المطاف عنصرًا نابضًا من عناصر الأمل أو فسحة منه للتغلّب على عذاباته، وعلى ذاته، وهو يرى والحالة هذه أنّ ذلك لم يكن ضربًا من ضروب المداهنة أو المصانعة، وإنّما كان مجرّد شكل خاص من أشكال الإدراك أو الاقتناع مفاده بأنْ لا أحد، بين الأحياء على الأقلّ، يستطيع أن يتخلّص من ذاته.

ويؤكّد النقاد المتخصّصون في أعمال فرانز كافكا أنّ كتاباته تحمل في طيّاتها بذرة الموت، والموت عنده هو الجانب السّلبي والسّحري والقّسري للحياة. وهو لا يَسلب المرء حياته وحسب، بل يسلبه حرّيته كذلك، وهكذا تصبح الحياة غارقة في هوّات الفراغ والسوداوية، وفي متاهات التفاهة، والعبث، كما أنها تغدو غير ذات مدلول. كان الناقد الفرنسي موريس بلانشو قد قام بمراجعة متأنيّة لبعض كتابات كافكا مثل اليوميّات ومراسلاته، وكتاباته الذاتية، في محاولة منه لاستدراك عمقها، واستكناه أسرارها، واستغوار غوامضها، وتجسيم هوَسه في مناغاة العزلة، ومعانقة الآلام، وانتهىَ إلى نتيجة مفادها أنّ الكتابة عنده كانت بمثابة مكافأة عذبة ورائعة، ولكنّ كافكا سرعان ما يتساءل: مكافأة على ماذا؟ ويجيب في الآن نفسه: في الليل كان واضحًا لي أنها مكافأة على خدمة الشّيطان. ويضيف قائلاً: ربما توجد كتابة أخرى أيضاً، لكنّني لا أعرف سوى هذه..!.

كتابه: تأمّلات

في خريف 1912 وبعد مرور عدّة أيام من غير أن تصله أيّة تعليقات من خطيبته فليس باور حول كتابه تأملات، كتب إليها يقول: الحقّ أنّ هذا الكتاب يبطّنه تشوّش لا يمكن التحكّم فيه، بل بالأحرى قد تجدين فيه في الكتاب نظرات ينبغي الاقتراب منها كلّيًا حتى يمكنكِ رؤية شيء. على كلّ حال إنني أقدّر عدم معرفتك بماذا ستفعلين بهذا الكتاب، إلاّ أنني مع ذلك لن أفقد الأمل، إذ أنه في لحظة حِلم، أو تسامح، أو أريحية، أو ضعف، أو تواضع من طرفك عندئذٍ سوف تشعرين أنّك تميلين لمحاولة فهمه، ولن يكون هناك أبدًا أحد يعرف ماذا يفعل بكلّ هذا، إنه شيء لي، ومني، وسيظلّ واضحًا أمامي، ونصب عيني إلى الأبد. إنني لآسف كثيرًا عن تضحية ناشر مبذر، وإنّ مجرّد التفكير بأنّ كلّ محاولاتي قد باءت بالفشل يسبّب لي آلامًا مُبرحة، ولكنّني أعزّي نفسي بأنّني وأنتِ في آخر المطاف لنا قاسم مُشترك، على الرّغم من أنه لو أعجبتكِ درّاعة ولم ترقني أنا إلاّ أنه فقط لأنك ترتدينها حينئذٍ يفرحني أن أراها عليك، وهكذا فإنّ كتابي في حدّ ذاته حتى وإن لم يعجبك، فإنه يكفي أن يكون من تأليفي، عندئذٍ لا أشكّ في أنه يروقك، وهذا ما يُقال عن مثل هذه الأشياء في مثل هذه الحالات.

ومن غرائب الصّدف أن يكون هذا الكتاب من أكثر كتب كافكا الذي حقق نجاحًا منقطع النظير، ولم يكن يقصد من تأليفه حث ّ اهتمام الأوساط الأدبية به وحسب، بل كان يسعى كذلك إلى رفع الحجر عن وضعه كموظّف إداري بسيط. طبع في البداية من هذا الكتاب 800 نسخة فقط عام 1912، وظلت حتى عام 1926 دون أن تنفذ، إلاّ أنه بعد مرور عامين على وفاته 1924 لم يحقق أيُّ كتابٍ من كتب كافكا المنشورة الأخرى النجاح الذي حققه هذا الكتاب بالذات! لقد طلب ذات مرّة كافكا من صديقه الحميم المقرّب ماكس برود إتلاف أو إحراق مخطوطات كتبه لعدم تحقيقها في حياته النجاح الذي حققته بعد مماته، إلاّ أنّ ذلك لم يحدث، بل لقد عمل ماكس برود وفاءً لصديقة كافكا على نشر أعماله الإبداعية بعد رحيله على إثر المرض العضال الذي كان قد نهش جسمَه النحيل وسلّمه لبراثن الحِمام.

جذوة الإبداع وجمرة المعاناة

تؤكّد جميع الدراسات، والبحوث، والكتابات التي كتبت عن كافكا، وعن مختلف أعماله بما لا يرقى إليه شكّ، أو يخامره ريبة أنه عانى الكثير، وقاسى الكثير، من سلطة والده القويّ والاستبدادي، وهو ما يبرزه كافكا بصورة خاصة في كتابه الحُكم  Das Urteil أو المحاكمة، حيث يقبل الشاب حكم الموت الذي أصدره عليه والده. كلّ هذه المعاناة تلظّاها كافكا من أجل إبلاغ صوته، وكتبه، وإبداعاته، وتآليفه للقرّاء ليس في بلده وحسب، بل إنّ هذه الكتابات قد تخطّت كلّ الحدود الإقليمية التي كانت تحيط به إلى اكتساب شهرة عالمية واسعة. هذا فضلاً عن معاناته الشديدة كإنسان، وككاتب يتفاعل، وينفعل مع نفسه، ومع ذاته، ومجتمعه، وكينونته، ومع العالَم المحيط به، ولقد اعترف الكاتب الأرجنتيني الرّاحل خورخي لويس بورخيس، في أحد مقالاته عن فرانز كافكا، بأنّ هذا الكاتب هذا المُعنّى كان أستاذه، ومعلّمه في هذا المجال.

لقد صارع فرانز كافكا الحياة، وصارع الدّاء الذي كان ينهش أحشاءه. وكافح بكلّ ما أوتي من قوّة وإرادة، حتى لا يُساق أو يُقتاد إلى المُحاكمة من دون اقترافِ أيّ ذنب أو جُنحٍ، أو جُرمٍ، أو جِنايةٍ، يُساق إلى حبل المشنقة قهرًا، وقسرًا، وعنوة بعد أن أُرْغِم على ارتداء ثوب العيْش دون استشارته !، أسوةً بما قاله قبل قرون عديدة خلت خِلّه في الخلق، والعطاء، والإبداع الشاعر عمر الخيّام، القائل كذلك في رباعيّاته، في السياق ذاته: لبِسْتُ ثوْبَ العُمر لم اُسْتشرْ/وَحِرْتُ فيهِ بين شَتىّ الفِكَرْ. لقد كافح كافكا من أجل تثبيت قيم إنتاجه الأدبي، كما أنه لم يهدأ من خوض هذه المعركة مع نفسه، ومع المجتمع، ومع أعدائه، وخصومه، لم يهدأ سوى عندما أُخبِر عام 1917 أنه يعاني من مرضٍ عُضال لا شفاء يُرجى منه.


عدد القراء: 676

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-