الفلسفة بمتعة الكينونة وقصدية الحياةالباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2023-05-31 05:31:03

د. سامي محمود إبراهيم

رئيس قسم الفلسفة- كلية الآداب جامعة الموصل – العراق

الحياة امتحان وابتلاء مستمر غايتها أداء الأمانة الملقاة على عاتق الإنسان، من أجل تعمير الأرض، وتسيير شؤونها بالحكمة، والشريعة حتى تجري الأمور بحسب القوانين الأرضية في الظاهر والباطن.

فمن بين سنن الكون الكبرى السعي، وراء فكرة الاكتمال والتقدم والرقي. ونظرًا للشعور الإنساني العام بالنقصان، فإن الصراع في الوجود بأخذ صورة بين طرفين والسالب والموجب، والعدل والظلم حتى يسير الوجود على أساس التوازن، صراع بين الأضداد أو بين المتعارضات أو بين المتناقضات.

وهكذا نجد إن بلوغ الحقيقة، يكون بواسطة المعرفة، بالعقل، والدين، وبالذوق أو العلم بالوحي، فالمعرفة مجهود بشري يصل إلى العلوم والمعارف المتعلقة بالمحسوسات والمعقولات، غايتها إدراك العلاقة بين الأشياء وإفراغها في قوالب تعبيرية، تسمى قوانين، وقواعد، والعرفان هو النظرة العامة القلبية العاقلة، حول الكون والوجود، وحكمة الأشياء وحقائقها.

فالوجود يسير بمقتضى السنن الكونية، والمطلوب من الإنسان أن يتوافق مع هذه السنن، ولن يتأتى له ذلك إلا إذا أدرك حقائق هذا الوجود بعقله وبصيرته.

والعقل لا يكون عقلاً إلا إذا عقل من العلم والحكمة، وعقل نفسه من مخالفة هذا العلم والحكمة ليهتدي به في الحاضر والمستقبل مستنيرًا في الوقت نفسه بالماضي.

تقوم العقيدة على فكرة الوحدة والتوحيد وحدة العقل ووحدة النفس ووحدة الحقوق والواجبات، ووحدة الأديان ووحدة المصير وحدة ضمن الاختلاف طبقًا للقوانين الكونية. والغاية هي البحث عن الحق والخضوع له، فالعبادات وسيلة للترقية والبحث عن إشراق بدل الانحدار باسم التقدم إلى منزلة الحيوان في مجتمع الاستهلاك حيث يزيغ العقل وتنحرف المعرفة.

إن الله يرفع من شأن الأمة برفع مستوى عقلها، بعمق التفكير وعندما تدخل الأمة في عصر الانحطاط التدريجي يكون ذلك مصاحبًا لانخفاض التفكير وخفوت نور العقل. 

فالسر العظيم في العقيدة الإسلامية، أنها جمعت التعاليم العليا الخالدة فهي عقيدة توحيد الحكمة والشريعة ليتحقق بذلك توحيد الفكر والمصير الإنساني على أساس العقيدة الجامعة بين النظري والعلمي، والاعتقاد والتشريع، منهجًا يستقيم عليه ويهتدي به، وشرعة يأتمر بها، ودينًا قيمًا يوصله إلى الحق المبين.

أما الحضارة الغربية فقد تقدمت فيها الآلات والصناعات وتأخرت النفوس. مع فساد وضلال في التفكير، وانحلال في الأخلاق، أذواق سقيمة وقلوب مريضة ومشاعر مضطربة.

إن الغرائز والجوارح وظائف ذات قيمة عالية. فهي وسائل لا غايات وكل فلسفة أو نظرية تبيح المحرمات، والسموم المادية أو المعنوية فهي جهل في صورة علم، إذ تجهل حقيقة وظائف الأعضاء في تكوينها وغايتها.

أما التفكير السليم فهو الذي يغوص في باطن القلوب وينفذ إلى حقائق الأشياء ولبها، ويبحث عن أسرار الحكمة العليا بفضل استقامة الحكم المنطقي، لأن ملكة الحكم تتصل بها ملكة الحكمة.     

ولا مراء أن لكل عقيدة أثر بالغ وعميق في واقع الأمة لأنها تشكل فكرها ونظرتها إلى الوجود، وهذه النظرة إلى الوجود، تسمو بالحياة العاقلة والمدركة لتسلك سبيل الحق والخير والجمال.

إن الفكر لا يكون على صواب إلا إذا تعلق بالحق. ويكون على ضلال إذا فتح الباب لطغيان المال، والفساد، والاستغلال وتعسف الجاه والسلطان والأهواء.

إن أبرز صفات العقل هو الحقيقة أي مطابقة العقل للواقع، فيحركه منطلقًا من العلم الصحيح، بعيدًا عن الأوهام والخيالات وسراب الظنون في الخلط بين الحق والظن.

ومن خصائص العقل أنه يتأمل، فيما يدركه، ويستخرج منه بواطنه وأسراره، ويبني عليها نتائجه، وهذه الخصائص في جملتها تجمعها ملكة الحكمة.

أما القلب فأبرز ميزاته نفوره من الفراغ بأي وجه من الوجوه، ذلك أن الدوران في فراغ يؤدي إلى فساد في التفكير واعوجاج وخطر في المعرفة، وبلبلة في الرؤية والتصور، وبالتالي انحراف عن النهج القويم.

فالقلب لا بد له من أن يتعلق بشيء وأهم التعلقات هو عقيدة فالإنسان مجبور على التعلق فهو إما يعبد الله او يعبد نفسه أو يعبد غيره بشرا كان أو فكرة.

فعبادة الله تخرجه من تناقض الجمع بين الأضداد، ومن اعوجاج في التفكير، وطغيان الأهواء واضطراب النفوس، وسطحية في المعرفة والتشبث بالقشور والأعراض عن اللباب، والاستبداد في السياسة والتلاعب والتهاون في الدين وما إلى ذلك من أمراض الحضارة.

ومن أمراض الحضارة الجهل العالمي الحضاري وهو الذي يطغى في العصر الحديث حيث أصبح ضمير الإنسان ممزق بفعل كثرة المعارف وضعف التفكير، وفساد الأذواق وانحلال الأخلاق، وطمس البصائر واضطراب النفوس التي خيم عليها القلق واليأس. وفي هذا المناخ يسود الشعور بسقوط الحضارة، نتيجة الاختلالات الكبيرة، الظاهرة أو الخفية.

إن الانهيار يتأصل من خراب النفوس، ومن تعطيل السنن، والتنكر للنواميس المادية والمعنوية وقلب الحقائق، فيفسد السلوك، والتدبير، وينتشر بالخلل المتفشي في الحضارة.

إن الأزمات أعراض مرضية تنم عن خلل جسماني أو نفساني أو حضاري عام وشامل.

ومن أعراض الأزمة الحضارية ومظاهرها الأزمة الروحية وهي نفي المطلق ونكران روح التقديس، ونفي الخلود، ومن تم غياب الحكمة والتبصر، والجهل بأسرار الوجود، ومعاني الخلود، واستمرارية الحقيقة، ورفعة الأذواق المعنوية، وعظمة الإيمان، والأخلاق ونظام الكون ودقائق المعاني الرقيقة، مثل الجمع بين الجوارح والفضائل والظاهر والباطن.

إن الترابط الوثيق بين مقومات الإنسان ونتيجة للتأثير والتأثر المتبادل يجعل من الحتمي أن تنتج عن الأزمة الروحية الحضارية أزمة مادية تجعل الظاهر يفضح الباطن.

ومن نتائج هذه الأزمة الروحية الأزمة العقلية وهي أساس الفوضى القائمة على الفكر المضطرب نظرًا لفساد المعرفة وفساد القصد.

ومن مظاهر هذه الأزمة الحضارية الروحية العقلية، حيرة العقول والقرائح، ففلاسفة العلوم يتكلمون عن لا مادية المادة ولا جوهرية الجوهر، ولا شيئية الأشياء، بمعنى أن كل ما نشاهده، ما هو إلا نسيج من العلاقات والمظاهر، أي ما يقع على الحواس من أشياء مجهولة الكنه والمدلول العميق، إنه الجهل بكنه المادة، والغرور الجاحد بوجود مجردات كما لوكان من الممكن أن يتحرك العقل بدون تجريد.

إن كلمة إنسان أو فرس أو شجر وغيرها من الأوصاف والتحديدات إنما هو مفهوم مجرد، تندرج فيه عدد كبير من المفاهيم، وكلها مجردات رغم وجود الأوصاف الحسية التي لا تعدو أن تكون محض ارتسامات وأحاسيس ذهنية.

إن اضطراب التفكير يؤدي إلى اضطراب الفهم، وقد سمى أوجست كونت هذه الحالة بالفوضى العقلية، وقد أدت هذه الفوضى إلى فساد في الأخلاق، وأدى فساد الأخلاق والسلوك إلى فساد شامل في مختلف فروع الحياة. لأن الحياة قائمة على دعائم من الأخلاق والمثل، فبفساد هذه الدعائم تفسد جميع فروع الحياة وتتقوض أركانها.

ويمكن أن نؤكد أن من مظاهر الفوضى العقلية موقف الحضارة الحديثة من الدين كل الدين. فقد نشأت في جو من الشرود من الكنيسة والنفور من الدين، ووقع ذلك الفصام بين الدين والحضارة الحديثة. بحيث طغت التصورات الغربية والنظرة المادية للوجود والحياة ولمركز الإنسان في الكون ولغاية وجوده الإنساني.

وأدى هذا المنهج المادي إلى اختلال في الفكر واضطراب في الفهم وخطأ عقلي في التقدير والتدبير الرشيد. كما نتج عن هذا الاضطراب التمزق المأساوي لضمير الإنسان.

وصفوة القول إن العقل الذي يفكر ويستخلص من تفكيره زبدة الرأي، يناط به التأمل الصادق والحكم الصحيح.

ثم إن أسرار العقيدة أعمق وأصدق مما يدور بأوهام منكريها، وأنها ذخيرة من القوة وحوافز الحياة، تمد الجماعات البشرية بزاد صالح لا يستمد من غيرها.

إن الغربيين الذين يشعرون بمدى الضياع الذي أصابهم بسبب ضياع الإيمان، وغياب الهدف النهائي للحياة يتزايدون في الحقيقة، لكن المؤسف أن الغرب، قد رتب شؤونه كلها في المجالات كافة على أن الحياة هي الحياة الدنيا وحدها، ولأن على المجتمع أن يتجاوز كل المبادئ والأخلاق والأفكار المتعالية التي تأتي من خارج المجتمع البشري لتنظمه. إنه يطمح لأن يرى في إنتاجه الحضاري الشخصي المبادئ والوسائل التي تمنحه للاستقرار، وتصلح شؤونه.

والأنكى من هذا أن الغرب فجر كل سبل العودة إلى الدين والوحي؛ ولذا فإن مشاعر الإحباط التي ولدها الإلحاد، وتفتحات بعض علمائه على ضرورة تغيير المسار لن تكون كافية لبعث أهداف جديدة للحياة، وللاتصال بالحياة الآخرة. ومثل هذا لو انطلق، فإنه سيكون بحاجة إلى أجيال عديدة حتى يصبح ملمحًا واضحًا من ملامح المجتمعات هناك.

السواد الأعظم من المسلمين يمتلك على المستوى النظري المعرفة بالغاية الكبرى لوجوده، وكثير أولئك الذين يحاولون مَنْهَجية حياتهم على مقتضاها؛ وهذا ما يخفف من ضغوط الحياة عليهم، ويمنح مجتمعاتنا الإسلامية نوعًا من التماسك على الرغم من سوء كثير من الأحوال، لكن هذا لا ينبغي أن ينسينا أن روح الحياة الغربية، تسري أكثر فأكثر في حياة المسلمين، وقد أخذت الأهداف الدنيوية الآنية، ومطالب الحياة اليومية، تضغط أكثر فأكثر عليهم، وتشكل بالتالي حركتهم ومناشطهم اليومية على مقتضاها.

وليس بخاف أن كثيرًا من الناس اليوم يقوم بأعمال ليس لها أي تفسير مقنع، وليس لها أي معنى، تجد كثيرين يملكون الكثير، ومع ذلك فهم يكذبون ويغشون ويضيعون بعض الفرائض، ويقطعون أرحامهم، ويغامرون بصحتهم في سبيل الحصول على المزيد من المال الذي لا يعرفون متى سيتمتعون به، ولا مدى حاجتهم إليه، إنه التيه والغرق في دوامة الضياع.

وهنا تبرز مسؤولية القلة المؤمنة التي تنعم بالعيش في ظلال الالتزام الصحيح في التفكير مليًا في نوعية الظروف الأكثر ملاءمة لدفع السواد الأعظم من المسلمين في اتجاه العيش على مقتضى الآمر الشرعي، والسعي الحثيث إلى توفير ما يمكن توفيره منها؛ وما تلك بالمهمة السهلة؛ ولكن ليس ثمة خيارات أخرى.

وعلى رغم التقدم الهائل الذي أحرزه الفكر الغربي في بيئته وفي مجالات عدة إذ يكشف في توجهاته المثالية والنقدية عبقرية نادرة حين يتعاطى مع الواقع لتثويره ومع قيم التنوير المختلفة، إلا أن علامات تساؤل كثيرة تثور حينما تفقد الرؤية الفلسفية للغرب عمومًا الانسجام والتماسك بين تلك القيم والرؤية العامة للدين وللكون والإنسان، وسرعان ما تبدأ عجلة العقل والفلسفة بالتراجع، حين يفتقد الفيلسوف الغربي أرضية الوضوح النظري والعقدي الضرورية ليستطيع العقل أن يتفلسف أو يصل إلى شيء.

فالإنسان والطبيعة ومختلف القوى المركبة فيهما، لا يمكن أن تمثل حقيقة مستقلة قائمة وناجزة قادرة على أن تجيب عن حقيقة كلية ومطلقة، يبحث عنها السؤال الماورائي للفلسفة الغربية من دون كلل، وبخاصة حين تفتضح أدوات التفلسف؛ إذ إن أداة التفلسف سواء كانت عقلاً للتجريد والنظر أو تجربة للملاحظة والفحص لا تنتج إلا الأرق عند الفيلسوف الباحث عن الحقيقة المطلقة، بأدوات محدودة وقاصرة، فهذه الأداة توصل الفيلسوف إلى ما يشبه الحقيقة أو تدله إلى جزء منها في أحسن الأحوال، لكن التحدي يكمن حين توعز تلك الأدوات للفيلسوف بضرورة تجاوزها وهو ما يرجعه دومًا إلى نقطة البداية. وأسعد الفلاسفة هو من علم أن للوصول إلى الحقيقة طرقًا وأدوات متعددة، كلها تصب وتحيل حين يستعملها جملة إلى أن مصدر معرفة الحقيقة الكلية الكاملة هو أداة متعالية ومفارقة هي الوحي، وهنا يدرك الفيلسوف المتجرد أن لمعراج العقل منتهى. وأتعس الفلاسفة هو من حبس نفسه في دائرة مغلقة أقطابها الحيرة والنكوص إلى بداية البحث دومًا. ونتيجة هذا الفعل التعيس والتي تمثل قمة العقل بالنسبة الى المشتغل هي النسبية التي تجعل العمر الفلسفي ينقضي من دون إدراك حتى جزء بسيط من الحقيقة، فالحقيقة لا يمكن إلا أن تكون مطلقة وواضحة أو لا تكون. هذا فإن منطق التمزيق والتجزيء للأداة والغاية والموضوع في الفلسفة، هو منطق مقيد. فإذا كان من خصائص التفلسف الشمولية والكلية، فإن النظر للإنسان لا يمكن إلا أن يكون كليًا وشاملاً. فالروح والعقل والجسم هي تجليات للإنسان في أبعاده المتداخلة والمختلفة والمتكاملة، وهي تعبير عن حقيقة واحدة كاملة وناجزة، روح تتطلع الى السمو الدائم، وعقل يجلو الوسائل والأدوات، وجسم يتطهر دومًا، ويسابق سمو الروح ونور العقل ليعكس حقيقة التوازن والانسجام، لذلك التنوع الكامن في مخلوق رائع اسمه الإنسان، يرنو دومًا بعاطفته وبروحه وعقله وجسمه، في تكامل بديع، وفي وحدة نادرة من الإعجاز إلى ملكوت ربه تلبية لنداء لا يزال يسمعه كلما صفت روحه وقوي عقله وطهر جسمه.

إلى هذا الحد اتضح أن التفلسف هو حاجة عقلية لدى الإنسان اليوم كما في الأمس، فهذا العمل الفكري والعقلي المضني هو أداة تفتح للعقل مديات من الحكمة والسر المتراكم في الإنسان والطبيعة، لكن من المستحيل، أن يبلغ فعل التفلسف مدى متجاوزًا للإنسان والطبيعة وستظل المدركات والمرئيات مبلغه من العلم ما لم ينطلق من الحقائق الناجزة في الوحي، ولكن هذا المبلغ سيظل مجالاً يوسع صدور الفلاسفة ويثلجها وهو ما يلمح إلى قيام مهمة تاريخية بانتظار الفلسفة على ناصية مفترق الحيرة والنكوص مهمة لا تلغي الفلسفة ولا تجعلها ضربًا من العلم له فرضياته وتجاربه وقوانينه. إذ الفلسفة تتمنع عن ذلك وتأباه؛ إذ يحد من طبيعة الفعل الفلسفي وهو يرمي دومًا الى المطلق والتجريد والابتعاد، بل الإيغال والتفلت من الحد والتعريف. ولكن هذه المهمة التاريخية هي مزيج من الاعتراف بأن سحر العالم وجذوته وغموضه لا تسبر مهما غمرناه بضياء العقل وحيدًا. ولكنه مجال يؤيد السؤال الفلسفي وضرورة البحث والنظر لتسبح الفلسفة في هذا السحر وتلك الجذوة وذاك الغموض. لكن هذا الاعتراف هو عتبة التواضع، اي أن يتواضع الفكر الفلسفي وألا يتعالى ولا يتشوف للمستحيل.


عدد القراء: 2070

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-