عشر ثقافات أم عشر آفات!!!الباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2024-05-30 08:08:09

د. سمير نور الدين دردور

أستاذ القانون المقارن بالمركز الجامعي صالحي أحمد – النعامة – الجزائر

مفهوم الثقافة:

الثقافة...ذلك المصطلح الذي باتت تدور حول فلكه معاني النضج والفهم والأخلاق الرفيعة، تارة ومعاني الاضمحلال والجهل والأخلاق الذميمة، تارة أخرى، يدعونا اليوم إلى وضعه في إطاره الطبيعي الذي يليق به وإزالة كل شائبة تريد الإلصاق به. برجوعنا إلى تعاريف تاريخية، نجد أن الثقافة لم يتم تعريفها بشكل دقيق وصريح، لكن اقتُصِر على الإشارة إلى صفاتها ومميزاتها. عُرفت بالتربية والفهم السريع والحذق وتنمية الملكات والقدرة على التعامل مع الواقع بحكمة وإدراك الشيء وتقويمه والظفر بشيء.

ورد في لسان العرب لابن منظور فعل (ثقف) والثقاف هـي "حديدة تكون مع القواس والرماح يُقوم بها الشيء المعوج" (محمد بن مكرم بن منظور، لسان العرب، ج 9 - الصفحة 19)، فيقال إن الرمح أصبح مثقفًا أي لا اعوجاج فيه. ويعرف إدوارد تايلور (1832-1917) الثقافة على أن: "مجموعة العادات والتَّقاليد التي يكتسبها الإنسان ضمن مجتمعٍ يعيش فيه". ويرى ألفريد فيبر Alfred Weber 1868-1958 أن الثقافة هي "أشكـال روحيـة تقـوم علـى العـواطف النفسية مثل الدين، وهـي بخـلاف الحضـارة غيـر قابلـة للانتشار فكـل ثقافة تعتبر شيئًا وحيدًا، وحقيقة أصلية خاصة بشعب معين في فتـرة زمنية مـن تطوره التاريخي، وهـي مظهـر مـن مظـاهر وحـدته". كما يُعرِّف برونيسلاف مالينوفسكي Malinowski Bronislaw 1884- 1942 الثقافة على أنّها وسيلة تحسّن من وضع الإنسان، حيث يستطيع مواكبة التغيُّرات الحاصلة في مجتمعه أو بيئته عند تلبية حاجاته الأساسية.

يرى المفكر مالك بن نبي أن الثقافة عمليًا هي "مجموعة من الصفات الخلقية والقيم الاجتماعية التي يلقاها الفرد مند ولادته كرأسمال أولي في الوسط الذي ولد فيه، والثقافة على هذا هي المحيط الذي يشكل فيه الفرد طباعه وشخصيته." (مالك بن نبي، شروط النهضة، ترجمة عبدالصبور شاهين، دمشق، 1986، ص 38) ومن الوجهة التاريخية يرى أنها " تلك الكتلة نفسها، بما تتضمنه من عادات متجانسة وعبقريات متقاربة، وتقاليد متكاملة وأذواق متناسبة وعواطف متشابهة. وبعبارة جامعة، هي كل ما يعطي الحضارة سمتها الخاصة، ويحدد قطبيها من عقلية ابن خلدون وروحانية الغزالي أو عقلية ديكارت وروحانية جان دارك. هذا هو معنى الثقافة في التاريخ" (مالك بن نبي، المرجع السابق، ص 86).

غالبًا ما تشير الثقافة إلى المعارف والسلوكيات الإيجابية اجتماعيًا والقيم التي تعارف عليها الفرد وتواترها عن مجتمعه وهي ترمز إلى هويته وتفكيره. فيشترط عند إذن قبولها من طرف المجتمع عامة كرابط معنوي بين شتى أفراده. أما ما شذ من ممارسات وأخلاق فهي بمنطق المجتمع الذي تظهر فيه ليست ثقافة بل آفة اجتماعية. من بين المفاهيم اللصيقة بالثقافة نذكر ما يلي:

ثقافة التجاهل!

التجاهل أسلوب رد على مواقف سلبية، وفي حقيقة الأمر، فهو ليس ثقافة بالمعنى الحقيقي للثقافة وإنما جرى لسان الكثير من الكتاب والمثقفين والإعلاميين وحتى السياسيين استعماله كجواب بطريقة سلبية لبعض التصريحات والمواقف. وبقدر ما قد يحققه هذا الأسلوب من مكاسب آنية إلا أن عواقبه قد تهدم علاقات أسرية وتبث في المجتمع الشعور بالفروق الإقليمية في التنمية. والتجاهل بهذا المفهوم الذي يطال المطالب الأسرية والعمالية والساكنة والفئات الاجتماعية وحتى حقوق الشعوب المحتلة...التجاهل آفة وليس البتة ثقافة.

ثقافة النسيان!

النسيان أو التناسي هو مصطلح كذلك لصيق بالثقافة، غير أن مفهومه لا يتسع لمجال المجتمع في قبوله كقيمة اجتماعية وإنما هو سلوك غير حضاري قد تتبدد فيه حقوق الشعوب المضطهدة وتهضم فيه الحقوق الأساسية للإنسان. إن تناسي الجرائم والاعتداءات على المجتمعات لا ترقى لأن تصبح فضيلة مجتمعية ما لم تعكس صدق النية ورد المظالم وتقديم الاعتذار. فالنسيان في هذا الشأن ليس ثقافة بل آفة.   

ثقافة النكران!

نكران الجميل... صنيع النكرة من الأشخاص... صنيع من لا يملك قدرًا من الثقافة. يتنكر لقيم أمته ووطنه ومجتمعه وأسرته ولا يجد حرجًا في إغفال الفضائل والتنكر لها مقابل مصالح دنيئة أو حتى بدون مقابل. ممارسة النكران تمثل مستوى الأخلاق في النفس وهي لا تعكس تصورًا جماعيًا في مجتمع معين حتى يرتقي إلى درجة الثقافة بل لا نراها إلا سخافة تلم عن سذاجة الطبع والبعد عن مقتضيات الفضيلة الاجتماعية. التفاتة قرآنية طيبة حين تستحيل العشرة بين الزوجين "... ولا تنسوا الفضل بينكم..."

التنكر للغة العربية وآدابها إبداعاتها الفنية والعلمية، يظهر جليًا في استدراج الناشئة ومحاولة إقناعها أن العربية محدودة في إطارها الأدبي ولا يمكن أن تتطلع إلى أفق الاستعمال في ميادين التكنولوجيا والثقافة والعلوم. قد يعذر من ليست له دراية بالحضارة العربية وتنوع مجالاتها، لكن أن يصدر هذا الافتراء ممن يحسبون عليها، فهذا تنكر سخيف، حري بنا اليوم سحب صفة الثقافة من مرض النكران.   

ثقافة الغلو!

يصاحب التدين عادة الغلو في ممارسة الشعائر وفي دعوة الناس إلى التمسك بها. والغلو سلوك مشين تنبذه الملل والنحل. قد يعود إلى الجهل بالأحكام الدينية وسوء تفسير النصوص وإلى الارتماء في أحضان الأصوات المجانبة للتوسط والاعتدال والتواقة إلى فرض الرأي بالقوة والعنف والمفتقرة إلى قدرة الإقناع الهادئ والموضوعي. إن الغلو هو مظهر من مظاهر القصور الفكري وعامل من عوامل هدم النسيج الاجتماعي والثقافي في المجتمعات.

ثقافة الابتزاز!

الابتزاز قمة النذالة، ينتهجها عادة أصحاب النفوس السقيمة التواقة لتحقيق مآرب مادية على حساب كرامة ضحاياهم. يفضل الضحية دفع أمواله أو التنازل عن شرفه وكرامته مقابل امتناع المعتدي من نشر صوره أو وثائقه أو فضح أسراره. وقد أصبح الابتزاز عملة في سوق الفضاء الأزرق، يرافقه التهديد والمساومة والاستغلال. بصوت الحاكم المتعالي، أراد فرعون تذكير موسى عليه السلام بفضائله عليه محاولاً ثنيه عن رسالته بطريقة الابتزاز ووسمه بجحود النعمة )قَالَ أَلَمۡ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدٗا وَلَبِثۡتَ فِينَا مِنۡ عُمُرِكَ سِنِينَ) (الشعراء: آية 18).

ثقافة الباطل!

الباطل بصوره الفعلية والقولية ممارسة أزلية تقوم على إحقاق الشبهات ومنع الحقوق. قد يكون رائدها كاتب أو إعلامي أو سياسي أو رجل أعمال، يتفنن فيها أصحابها في مجانبة العدل والتساوي، فتضيع الحقوق الأساسية وتتلاشى أواصر الترابط الاجتماعي وتغيب الثقة فيستقر داء الاكتئاب العام فتقوى بسببه دواعي الانتقام وإشاعة الفوضى. زراعة الباطل وتعهدها بالسقي والرعاية هي من عمل النفوس السقيمة، فلا مجال أن نلحقها بالمعاني السامية للثقافة.

ثقافة الانبطاح!

الانبطاح وضعية فاضحة، تظهر سوءة الشخص الضعيف أمام أعين المتغطرسين الشامتين الذين يتلذذون بمعاناته مقابل تنازله عن قيمه ومقدساته ومعالم ثقافته. هذا إن كان مغرمًا، أما أن ينبطح طوعًا طالبًا مقابلاً ماديًا أو سيادة غير مستحقة فهذا من تجليات الخسة والوهن. فالانبطاح لا يربط بثقافة ولا بحضارة وإنما وجب أن يرتب في خانة الممارسات غير الأخلاقية.   

ثقافة الانتقام!

الانتقام هو بدوره من قبيل السلوكيات العدوانية، لا طالما باتت تغذيها الأحقاد وتنفث فيها وحوش الظلم والطغيان. لا طالما جر دافع الانتقام إلى حروب قاسية أبادت الحرث والنسل وتوارثتها أجيال بعد أجيال مخلفة الدمار والحزن والشقاء.

ثقافة العنف!

بالله عليكم... وهل العنف ثقافة؟ ما أبغض أن يلصق العنف بقيم الثقافة وما أتفه من يبرر وقوعه خدمة للثقافة. حينما تصبح مشاهد العنف جزء من حياتنا اليومية، نجدها على قنواتنا المختارة وغير المختارة وعلى هواتفنا الخلوية وفي شوارعنا وفي علاقاتنا الأسرية والمجتمعية، فإننا ندفع ثمن ترقيتنا للعنف إلى مستوى الثقافة. عنف ضد الأطفال، ضد المرأة، ضد المهاجر، ضد الضعيف، ضد البيئة...عنف ضد الإنسان والحيوان يغذيه حب السيطرة والاستغلال.

ثقافة التفاهة!

كل الوسائل باتت مسخرة لدفع التفاهة أن تكون جالبة للسياسة والمال والثقافة والصحافة والإدارة نحو القيادة والريادية. تقريبًا، كل شيء أصبح محل تتفيهه! حتى معالم الهوية والمواطنة. إن العبث الإلكتروني أوجد للتافهين أرضية خصبة نمت فيها مؤهلاتهم وقدراتهم حتى أينعت بالنجومية وارتقت إلى مدارج الشهرة العالمية. أنجبت العبثية جيلاً لا يقدر القيم المجتمعية والثقافية بقدر ما تقدم من منتجات راقية فكرية وفنية وتكنولوجية بل بقدر انتشار الترهات في وسائل التواصل الاجتماعي ورصد عدد المتابعين والمعجبين.

حان الوقت أن نؤصل للثقافة مفهومها البناء للفضائل والقِيم المجتمعية العالية ونرفع عنها ما لصق بها من آفات اجتماعية.


عدد القراء: 808

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-