تقنيات من إلهام الطبيعةالباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2016-05-19 01:31:19

منة الله عبدالمنعم

كاتبة ومترجمة علمية وفيزيائية بمعهد الكبد القومي - جامعة المنوفية - مصر

منذ بداية الخليقة والطبيعة كانت مصدر التعليم الأول للإنسان، ومن النماذج الخالدة في وجدان البشرية, قابيل عندما قام بمحاكاة الغراب في دفن أخيه، وكذلك نماذج كثيرة مثل اكتشاف خلاصة أوراق الصفصاف الأشهر في معالجة الألم حين لاحظ البعض أن الحيوانات تتناولها التي تحولت في عصرنا الحديث للأسبيرين وغيرها على مر العصور وحتى أيامنا الحالية لم يتوقف العلماء عن التعلم من الطبيعة لتطوير معارفهم وتقنياتهم، وسنعرض في هذا المقال نماذج مدهشة بهذا الصدد:

 نظام فعال لتنقية المياه من وحي الطبيعة

تقنية جديدة مدهشة لتنقية المياه ابتكرها عدد من العلماء بجامعة سنغافورة القومية ومعهد البحوث البيئية، وهي عبارة عن غشاء يمكنه تنقية المياه تحت ضغط منخفض، مما يسهم في استهلاك أقل للطاقة،  واستوحى العلماء هذه الفكرة من نظام تنقية المياه بجذور نبات القرم  (المانجروف) والكلية البشرية. وهذا الغشاء يسهم بتقليل تكلفة تحلية المياه المالحة بحوالي 30%، حيث إن معالجة هذه المياه تحتاج إلى ضغط هيدروليكي مرتفع لدفع جزيئات المياه داخل المرشح، وهو السبب الرئيسي في تكلفتها العالية.

أما نظام التنقية  الذي اخترعه الفريق السنغفوري فيعتمد على مسام مائية متكونة من البروتين داخل غشاء بوليمري وهذه المسام تدفع جزيئات الماء داخل أو خارج الغشاء مع منع الأملاح والشوائب الأخرى غير المرغوبة من المرور وهذه المسام المائية بمثابة قنوات تصريف المياه بالخلايا الحية، وتتواجد بكل الكائنات تقريبًا من البكتيريا، وحتى الكلية البشرية التي تعد أفضل مصفاة لتنقية المياه في الكون، حيث بإمكانها تنقية حوالي 150 لتر من السوائل يوميًّا تحت ضغط منخفض للغاية، وكذلك نبات القرم الذي اعتاد النمو في المياه المالحة يمكنه بوجود هذه المسام المائية تنقية حوالي 90-95 % من الأملاح بجذوره.

ويدخل الفريق البحثي حاليًا في مباحثات مع شركة إمكانية لتجريب هذا الغشاء في محطات تنقية المياه بشكل موسع مما يسهم في تقديم مياه صالحة للشرب بتكلفة أقل مستقبلاً، وهي فائدة عظيمة للبشرية، وخاصة دولنا العربية وأفريقيا، حيث تأتي تحديات المياه على قائمة الأولويات, وليس هذا فقط وإنما نظرًا للكفاءة المدهشة التي يقدمها هذا الغشاء فيقترح الباحثون صلاحيته للعديد من التطبيقات الحيوية الطبية الأخرى وما دخل منها في حيز التنفيذ هو تفاوضهم مع مؤسسة صناعية كبرى لتطويره وتجربته في وحدات غسيل الكلى بالمستشفيات حيث يقترح الباحثون كفائته في تطبيق مماثل 1.

نسيج مضاد للماء مستلهم من زهرة اللوتس

زهرة اللوتس الشائعة في الأنهار، وهي من رموز الحضارة الفرعونية تقدم نموذج فريدًا فأوراقها مضادة للماء وتتركب من مادة شمعية وأسفلها نتوءات، واستلهم فريق من الباحثين من جامعة رايس الأمريكية هذه الفكرة لتكوين نسيج جديد مقاوم للمياه يتركب من مواد هيدروكربونية مشابهة للطبقة الشمعية على سطح أوراق اللوتس وأسفلها طبقة نانوية من الألمونيوم بوصفها بديلاً للنتؤات في الأوراق.

والنسيج الجديد أثبت فاعلية رهيبة في مقاومة الماء أكثر من النسيج التقليدي، ويمكنه الصمود مدة أطول من الزمن، وكذلك تكلفته الاقتصادية أرخص كثيرًا من الأنسجة المتداولة, وهناك فائدة أخرى هائلة له هي أن المواد المستخدمة آمنة تمامًا، وليست سامة مثل المواد الفلوروكربونية التي تدخل في صناعة الأقمشة المضادة للماء المتداولة ما يجعلها خطيرة للإنسان والبيئة على حد سواء2.

مجس فائق الحيوية يحاكي أنظمة استشعار الأسماك

طور عدد من العلماء مجس sensor مجهري فائق الصغر والحساسية لاستخدامه في تنظيم سرعة تدفق السوائل في أثناء عمليات الحقن الوريدي وتم استلهامه من النظام العصبي لسمكة الكهف العمياء (فصيلة من الأسماك تنتشر في شرق الولايات المتحدة والمكسيك)، التي يمكنها من استشعار ما حولها من حركة وتغير في معدلات تدفق وضغط المياه  بدقة شديدة.

وهذا المجس سيساهم في تقليل المجهود البشري الذي يبذله العاملين بالتمريض في مهام الحقن الدورية، وسيحد كذلك من الصعوبات والأخطاء المعتادة عند حقن المحاليل الطبية داخل الأوردة، حيث لا بد من مراجعة تدفق المحاليل الوريدية في أثناء إعطائها للمرضى مرة واحدة بالساعة على الأقل، وبعد أي تغيير في وضعية المريض، وتسبب عدم الدقة في ملاحظة معدل التدفق المناسب مضاعفات خطيرة مثل الاستسقاء edima.

والباحثين من سنغافورة كذلك نشروا نتائج بحثهم بدورية نيتشر للتقارير العلمية، وأشاروا للنقلة الاقتصادية والطبية التي سيحدثها انتشار مجسهم فائق الحيوية، حيث أن تكلفة المجس عند وضعه بأنبوب وريدي ستكون أقل من دولار أمريكي واحد، أما وحدة التحكم برغم أنها لا زالت قيد التطوير، فلن تزيد عن 86 دولار أمريكي، وهو أرخص عشرات المرات من المضخات المستخدمة حاليًا، وتبلغ سعرها آلاف الدولارات، وارتفاع  سعرها يجعلها تستخدم فقط في وحدات العناية المركزة وبعض المستشفيات، خاصة في الدول النامية لا تتمكن من توفيرها، لذا المجس الجديد سيحدث أثرًا هائلاً في تحسين الخدمات الطبية وإيصاله لفئات أكبر من غير القادرين3.

 

المصادر:

https://news.nus.edu.sg/press-releases/9790-biomimetic-membrane-for-water-purification

http://www.sciencealert.com/this-new-non-toxic-nano-repellent-could-help-make-your-clothes-water-proof

http://smart.mit.edu/news-a-events/press-room/article/55-regulating-iv-infusion-with-innovative-blind-cave-fish-inspired-sensor-.html


عدد القراء: 4936

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-