البكتيريا وتقنيات المستقبلالباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2016-11-25 03:34:59

منة الله عبدالمنعم

كاتبة ومترجمة علمية وفيزيائية بمعهد الكبد القومي - جامعة المنوفية - مصر

البكتيريا ليست فقط الكائن الأكثر انتشارًا والأقدم تواجدًا على كوكبنا الأرض بل هي كذلك تعد الأكثر تنوعًا (تقدر أعدادها بمليارات الفصائل) والأكثر تكيفًا متجاوزة حلقات الانتخاب الطبيعي منذ ظهور الخليقة فهي قادرة على التواجد في درجات الحرارة الشديدة الارتفاع تحت سطح الأرض والمنخفضة قرب القطبين وحتى في الفضاء الخارجي وقد تخطت البكتيريا منذ أمد طويل الفكرة السيئة عنها أنها مسببة الأمراض والأوبئة برغم أن هناك أنواعًا منها تسبب أمراضًا خطيرة كالكوليرا والزهري والجمرة الخبيثة وكذلك عدوى المحاصيل والنباتات, فهي منذ عهود تستخدم في إنتاج منتجات الألبان في عمليات التخمير وكذلك في معالجة الذهب والنحاس وإنتاج الكيماويات والمضادات الحيوية ومجالات أخرى.

لكن الآن في قرننا الحادي والعشرين، الذي توقع الخبراء أن علوم الحياة ستكون هي محرك نهضته وتقنياته، آخذة نفس الدور الذي أخذته الفيزياء في القرن العشرين. لذا لا بد وأن تحظى البكتيريا بدور بارز في تقنيات حديثة شديدة الإبهار في ما يلي بعض منها:

كمبيوتر المستقبل حيوي

دراسة مشتركة بين جامعة ليدز البريطانية وجامعة طوكيو للزراعة والتكنولوجيا باليابان، حيث قام الباحثون بتطوير بكتيريا آكلة للحديد وثم عند هضمه تقوم بتحويله إلى مغناطيسات مصغرة داخلها مشابه في الخواص لتلك المستخدمة داخل القرص الصلب للحواسيب الشخصية, ولذا يسعى الباحثون لاستخدامها لإنتاج أقراص صلبة مصغرة عالية الكفاءة وقد سبق الباحثين أنفسهم استخدام بكتيريا مغناطيسية موجودة في الطبيعة، واسمها العلمي Magnetospirilllum magneticum تتواجد في البيئات المائية على مسافات بعيدة عن سطح الماء، حيث يقل الأوكسجين، وتستعمل هذه البكتيريا خواصها المغناطيسية كبوصلة تستدل بها على البقع الأغنى بالأوكسيجين، ولا زالت في طور الدراسة، لكن خرجت من عباءتها البكتيريا آكلة الحديد التي تتفاعل البروتينات المكونة لها مع الحديد مكونة مغناطيسات نانوية ومع التصغير الفائق المستمر لأجهزة الكمبيوتر سيصعب إنتاج إلكترونيات فائقة الصغر، لذا كان الحل في العودة للطبيعة. ونجري كذلك أبحاث لاستخدام الميكروبات والكائنات الدقيقة الأخرى لإنتاج أسلاك ودوائر كهربية تستخدم أيضًا في الكمبيوترات فائقة الصغر، مما سيحول الكمبيوترات مستقبلاً إلى حيوية بدلاً من إلكترونية.1

 بكتيريا صانعة للوقود الحيوي 

يُعد البعض الوقود الحيوي هو وقود المستقبل لحل مشكلة وسائل المواصلات لكن المشكلة تكمن في اختلافه الكيميائي عن الوقود الحفري مما لا يتناسب مع المحركات المتوفرة ويتسبب في إتلافها مع الوقت، ولذا فالحل في أحد أمرين: إما تحسين الوقود الحيوي الحالي وإما تحسين المحركات الحالية لتتناسب مع الوقود المتوافر. لكن تجربة العالم البريطاني جون لاف هو وفريقه بجامعة إكستير البريطانية تطرح حلاًّ أفضل فقد قاموا بأخذ جينات من بكتيريا التربة وشجرة الكافور ونوع من الطحالب، ثم قاموا بحقنها في المادة الوراثية لبكتيريا معروفة بإسم ESCHERICHIA COLI فنتج بكتريا جديدة عند تغذيتها بالجلوكوز تنتج إنزيمات تحول السكر إلى أحماض كربونية، تتحول بعد ذلك إلى مواد هيدروكربونية تصبح في تركيبها الكيميائي مطابقة للوقود الحفري التقليدي المستخدم تجاريًّا. وهذه الخطوة تبشر بحل مذهل لأزمة الوقود، ولكن لا زال فريق العمل يدرس إمكانية إنتاج كميات ضخمة من هذه البكتريا.2

وكذلك في دراسة أخرى اكتشف علماء من ولاية المسيسبي أن دب الباندا تحتوي فضلاته على بكتيريا لها تأثير فعال في إنتاج وقود حيوي من العشب وقطع الخشب وبقايا المحاصيل.

ووفقا للدكتور أشلي براون المساهم في نشر البحث، فإن دب الباندا العملاق الذي يحتوي جهازه الهضمي على بكتيريا مميزة مثل النمل الأبيض آكل الخشب والماشية تساعده على تكسير جزيئات المادة الأصلب في النبات، وهي السليولوز الذي يتواجد في لحاء الأشجار.

ودب الباندا غذاؤه الرئيسي يعتمد على نبات البامبو ويستهلك ما بين 20 - 40 باوند منه يوميًّا. وهذه الكمية الكبيرة التي يستهلكها الدب لفتت نظر العلماء إلى قدرته على تحويل السليلوز قد تكون أفضل كثيرًا من النمل الأبيض آكل الخشب الأشهر، وجاءت فكرة فحص فضلاته التي بها أكثر من فصيلة بكتيرية تحوي أنزيمات بإمكانها تكسير ما يزيد على 95% من كتلة النبات العضوية إلى سكريات بسيطة. وإنتاج الوقود الحيوي من الخشب ولحاء الذرة والعشب، بدلاً من العمليات الحالية التي تستهلك كمية كبيرة من المحاصيل الغذائية، مثل الذرة وفول الصويا وقصب السكر التي هي أولى بالاستهلاك الغذائي، مما ينتج وفرة اقتصادية كبيرة على المستوى العالمي خاصة، وأن حوالي 20 % من إنتاج هذه المحاصيل يستهلك في إنتاج الوقود الحيوي الحالي.

وقد يكون العائق الوحيد أمام هذه الدراسة المميزة أن دب الباندا على قائمة الحيوانات المهددة بالانقراض لندرتها، حيث مئتين دب فقط موزع على حدائق ومراكز الحيوانات في العالم، وألفين وخمس مئة دب في البرية والمحميات الطبيعية أغلبها في الصين موطنه الأصلي، لكن الفريق العلمي يعكف حاليًّا على دراسة وتحديد البكتيريا المنتجة للوقود من فضلات الدب مما يمكن من إيجادها في مصدر آخر أو هندستها وراثيًّا.3

بكتيريا اليد جيل جديد من البصمات

كشف الجريمة المعروف بالعلوم الجنائية والشرعية تعد من المجالات التطبيقية، التي تتقاطع مع الكثير من العلوم الأخرى من الكيمياء والطب والفيزياء وعلم السموم والتتكنولوجيا الحديثة، كذلك لا تتوقف عن مد علوم الجريمة بجديدها كل يوم، ومن أهم أهداف العلوم الشرعية هو كشف الجناة من خلال بصماتهم الخاصة،  التي اعتمدت طويلاً على بصمات الأصابع، وتطورت لاحقًا إلى الحمض النووي من خلال السوائل الجسدية، وكذلك يتم التعرف على بصمة الشفاه، وحتى  شكل الأذن في بعض الدول، أما أحدث التقنيات توفرها لنا البكتيريا فقد وجد فريق من العلماء الأمريكيين أن بكتيريا اليد البشرية لا تتكرر أبدًا من شخص لآخر حتى التوائم مما يمكن استخدامها كبصمة مميزة في الطب الشرعي والبحوث الجنائية, ووجد العلماء أن هناك مئة وخمسين فصيلة في المتوسط  في يدي كل شخص، ولا يتغير هذا العدد حتى لدى الأشخاص المهووسين بغسل أيديهم، وكذلك تظل البصمة البكتيرية موجودة في مكانها لأكثر من أسبوعين، حتى لو تم مسح أو تلطيخ بصمات الأصابع أو لم تتواجد كمية حمض نووي كافية لتعريف الأشخاص وتحمل التقنية الجديدة دقة تقدر مابين 70-90%، ويتوقع أن تصل لمزيد من الدقة مع الوقت .4

المراجع:

1 - HTTP://WWW.BBC.COM/NEWS/TECHNOLOGY-17981157

2 -  BACTERIA CHURN OUT FIRST EVER PETROL-LIKE BIOFUEL, NEW SCIENTIS,APRIL 2013,REBECCA SUMMERS,

3 - BACTERIA IN PANDA POOP USED TO MAKE BIOFUELS FROM CELLULOSE, ASIANSCIENTIST (AUG. 30, 2011)

4 - http://www.usnews.com/science/articles/2010/06/07/next-in-forensics-bacterial-fingerprints


عدد القراء: 6692

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-