الشرق الأوسط الجديد: العالم بعد الربيع العربيالباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2018-02-11 21:18:58

عمر عثمان جبق

محاضر في كلية المجتمع بالرياض

الكتاب: "الشرق الأوسط الجديد: العالم بعد الربيع العربي"

Danahar, Paul.  The New Middle East: The World After the Arab Spring

المؤلف: بول داناهار

الناشر: New York City: Bloomsbury Press, 2013

عدد الصفحات: 468 صفحة

 

مراجعة: جون إم. توماس جونيور John M. Thomas, Jr

ترجمة: عمر عثمان جبق

يُعدّ كتاب بول داناهار Paul Danahar بعنوان الشرق الأوسط الجديد: العالم بعد الربيع العربي سردًا استثنائيًّا لتجارب رئيس مكتب محطة بي بي سي في الشرق الأوسط البارز وبحوثه وكتاباته الصحفية، والذي كتبه بُعيد تولّيه منصب رئيس مكتب الوكالة الإخبارية أثناء انطلاقة "الربيع العربي". ويعجّ كتاب السيد داناهار الذي كتبه بأسلوب ممتاز بتفاصيل مطّلعة وكاشفة تقرّب المرء إلى طريقة تفكير بيئة الشرق الأوسط. قاد السيد داناهار جهود بي بي سي من عام 2010 حتى عام 2013 في نقل الأحداث الصاخبة والتاريخية التي وقعت في عدة دول من شمال إفريقيا والشام والخليج العربي مما بات يعرف  بـ"الربيع العربي". ويشرح تلك الأحداث التي أطلق شرارتها "محمد بو عزيزي" في تونس  مضحيًّا بحياته والتي تعدّ جزءًا من الفوضى غير المستقرة، يشرحها ضمن سياق تاريخي وثقافي مناسب يحيك قصة تقدّم تاريخ الشرق الأوسط، مشكِّلة عملاً رائعًا.

يبذل السيد داناهار كل ما بوسعه تقريبًا لإنجاز هذا الكتاب الشامل، خاصة للمهتمّين الجدد في الدراسات أو السياسات الشرق أوسطية، أو لمن هم بحاجة لتحديث يركّز على أوجه الصراعات السياسية المتطورة في المنطقة. سيجد الباحثون هذا الكتاب مفيدًا كمادة داعمة لدراسات منفردة تعالج موضوع الربيع العربي لأن الكاتب يؤكّد كثيرًا على الحوادث التي وقعت بين الناس، والمعالجة الواضحة والمقتضبة لبيئة الشرق الأوسط.

هناك قسم كبير من الكتاب عن الربيع العربي في مصر، البلد الذي تطوّر إلى ما أسماه البعض "مركز الثقل" في هذه القصة المحكية من حيث حجم السكان المتأثر ودرجة الاضطراب الكلي في البلد. ويصف الكاتب سقوط حسني مبارك وخلافة الأخوان المسلمين الناتجة عن سقوطه على أنه محفوف بالمصاعب المرافقة للأحزاب المختلفة اختلافًا جذريًّا، أحدها إسلاميّ والآخر أكثر ليبرالية، تقود تفاعلاتها إلى "حرب طويلة " في مصر. ويفصّل الكتاب أيضًا في معالجة السكان الفلسطينيين المتنوعين، والتحديات التي تسببها لهم إسرائيل والدول المحيطة بهم والقيادات الفلسطينية المختلفة، وكل ذلك يؤثر في إسرائيل. ويستطلع الكتاب أيضًا التطورات القديمة والحديثة في العراق وسوريا وليبيا التي لا تقلّ شدتها وآلامها عن المشاكل المصرية والشامية.

ويختم الكاتب  تحليله الصحفي المتنوّع بفصل تاريخيّ موجز بعنوان "انهيار الشرق الأوسط القديم" يسلّط الضوء فيه على القضايا المستمرة التي تساهم في الحالة الراهنة لقضايا المنطقة. ويشرح الكاتب الحكومات القديمة شرحًا معقولاً في ظل قادة كالرئيس الليبي السابق معمر القذافي وشاه إيران، ويشرح حكومة تونس وسياساتها التي قاد تاريخها مرحلة إطلاق شرارة "الربيع العربي". ويقدم الكاتب نظرة عامة كئيبة نوعًا ما عن سياسة أمريكا الخارجية المتبعة في المنطقة وغير الكافية أبدًا. ويضع الكاتب هذا النهج الأمريكي غير المطّلع اطلاعًا كافيًا والمعالج معالجةً سيئة عمومًا في سياق تاريخي يرجع إلى تفكيك الإمبراطورية العثمانية إبان نهاية الحرب العالمية الأولى بسنوات قليلة، في عام 1924 عندما أصبح العلماني التركي مصطفى كمال أتاتورك أول رئيس لما بات يعرف لاحقًا باسم تركيا. وتُرك قسم كبير من الشرق الأوسط في صراع مع الحدود المرسومة رسمًا اعتباطيًّا لم تشكّل دولاً ممكنة وبقيت إلى درجة كبيرة تعاني من اختلال في وظائفها السياسية والاقتصادية والتفاعلات الثقافية والدينية بين الناس التي تعيش في تلك الدول.

ويتحقق أثر الكتاب التوضيحي الكلّي من خلال بحث داناهار الصحفي الدقيق ومشاركته في الأحداث التي هزّت الشرق الأوسط، بما في ذلك تفاعلاته مع بعض الأشخاص الشرق أوسطية الرئيسة في الماضي والحاضر، مما يضفي لمسة شخصية على عمله هذا. فقد قابل السيد داناهار الرئيس السوري بشار الأسد في قصره  الرئاسي في دمشق، ويروي تفاصيل شخصية الدكتاتور العلويّ المناسبة أكثر "لطبيب العيون الذي تدرّب على أن يبدو معتدل السلوك" على النقيض التام من قمعه الدموي للشعب السوري والذي بدأ قبل مدة طويلة جدًّا من بداية الربيع العربي، وما يزال مستمرًا  في الحرب الأهلية التي نشهدها حاليًا.

وكان للسيد داناهار فرصة لقاء الرئيس الليبي السابق معمر القذافي في "مطعم بجانب البحر وسط مدينة طرابلس" عام 2011 عندما كانت ليبيا في مخاض الثورة. وكان النظام قد فقد آنذاك شرق البلاد، بينما كان الدكتاتور الليبي غريب الأطوار يعيش في خيمة بالقرب من طرابلس، ويدّعي كرهه للمال. هناك صفحات كثيرة في الكتاب يتم فيها مناقشة غرابة أطوار العديد من قادة الشرق الأوسط وديكتاتوريه من خلال معلومات شخصية مباشرة يتم سردها شفهيًا أو من خلال معلومات وثائقية. وتشكل تلك المقابلات رفيعة المستوى جودة الكتاب وشاهدًا على جدية السيد داناهار الصحفية والتزامه في المنطقة وفي عالم وسائل الإعلام المهنية بشكل عام.

يُعدّ توجه الكتاب الأيديولوجي الذي يركّز على وجهة نظر الكاتب الليبرالية المعتدلة الخاصة به عدسةً مناسبة يمكن من خلالها مشاهدة أحداث "الربيع العربي". ويرى الكاتب الشرق الأوسط أثرًا من آثار الإمبراطورية العثمانية لديه كثير من انحلال تلك الإمبراطورية لم يتخلّص منه أبدًا منذ تقسيم سايكس- بيكو للمنطقة. ويرى الكاتب الشرق الأوسط كما يمكن أن يكون من وجهة نظر غربية متفائلة بالرغم من  حقائق الموقف القاسية والمرّة التي يشاهدها هناك على الأرض. ولا تمثل وجهة نظره هذه وجهة نظر واحدة تجاه الثورات المستمرة في الشرق الأوسط، ويستثني العديد من الباحثين المحافظين بعضَ نتائج الأنواع العديدة من المعلومات والتحليلات المقدمة في الكتاب.

إن تفحّص الكاتب لقضايا بلاد الشام دقيق جدًّا وصادق على نحو مريع يمثل  هيمنة الإحباط المحض والمطبق من عمق المشاكل العويصة الهائلة الملازمة للصراع الإسرائيلي – الفلسطيني. ويشرح الكاتب ثقافات كلتا المجموعتين وإسهاماتها السياسية المتعلقة بالوضع الراهن ضمن مناطق الخلاف الحامية لإسرائيل والأراضي الفلسطينية ببعض من التفصيل والإسهاب.

ويقدم الكتاب مسحًا دقيقًا لمجمل المشاركة الدينية والسياسية في إسرائيل الحديثة. ويولي مجموعات اليمين المتطرف في إسرائيل أمثال الحزب الحريدي Haredi والحزب اليهودي الأرثوذكسي Orthodox Jewish اهتمامًا خاصًا إذ تمنع آراؤهما المتزمتة والقديمة إسرائيل من المرونة في التفاوض على المستوطنات والاتفاقيات نتيجة "التحول اليميني الشديد" الذي يحدثه مثل هذا الفصيل في المجتمع الإسرائيلي. وفي المقابل لدى اليهود الإسرائيليين الأكثر علمانية متطلبات مجتمعية أيضًا وتفسيرهم الخاص عما ينبغي أن تكون عليه الدولة الإسرائيلية مما يزيد من تعقيدات الوضع المتأزم للتوّ باتجاه مزيد من الخلاف والتزمت.

ويخلص القارئ بانطباع كئيب نوعًا ما عن عدم الجدوى والعبثية التي تشعر بها كل الأطراف فيما يخص الوضع السياسي والاجتماعي المتبلور للصراع الفلسطيني – الإسرائيلي. ويعتقد الكاتب أنه لا يمكن زيادة حجم التكييف لاستيعاب كل مجموعات المصالح في المعادلة السياسية العامة للصراع الفلسطيني – الإسرائيلي؛ فقد تراكمت مشاعر الألم والتاريخ الصعب على مرّ السنين منذ الوعد أحادي الجانب (وعد بلفور) لتأسيس دولة اسرائيل عام 1948 مخلفةّ فتورًا وتراخيًا لا يمكن تخفيفه كليًّا بأي شكل من أشكال الدبلوماسية المتّبعة خلال فترة الصراع. تلك هي القصّة التي يرويها السيد داناهار، ويا لها من مؤشر محبط، وربما كان دقيقًا، على قادم الأيام الأكثر صعوبة في منطقة بلاد الشام بجوار الحرب الأهلية السورية المحتدمة بالإضافة إلى الصراع الناتج عن داعش في العراق حتى تاريخ اليوم.

إن أسلوب كتاب السيد داناهار ومحتواه الصادم يجعلانه عملاً رئيسيًا للمهتمين في "الربيع العربي"، وينبغي استخدام الكتاب مستقبلاً لتحليل الموقف على الأرض كمصدر رئيسي. و ينبغي لأساس هذا الكتاب المتأصّل في صحفية داناهار المميزة أن ترافقه مادة بحثية، لتقديم عرض قوي وواضح للتوافق الحقيقي لحالة الأوضاع الراهنة في الشرق الأوسط كما يشهدها أولئك المتواجدون على الأرض ممن ينبغي لهم معايشة تبعات الثورات العديدة ونتائجها الزاخرة بالأحداث.

رابط المراجعة الإنجليزية:

http://www.asfar.org.uk/book-review-new-middle-east-world-arab-spring-paul-danahar/


عدد القراء: 381

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-