الحكم والدين والثراء: لماذا الغرب أصبح ثريًا والشرق الأوسط لم يصبح؟الباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2018-06-15 19:39:46

د. عمر عثمان جبق

محاضر في كلية المجتمع بالرياض

مراجعة: د. عمر عثمان جبق

الكتاب: الحكم والدّين والثراء: لماذا الغرب أصبح ثريّاً والشرق الأوسط لم يصبح؟

Rulers, Religion and Riches: Why the West Got Rich and the Middle East Did not

المؤلف: جاريد روبين Jared Rubin

الناشر: Cambridge University Press

عدد الصفحات: 288 صفحة

تاريخ النشر: 16 فبراير 2017

يتألف الكتاب من مقدمة تتضمن أيضًا الفصل الأول من الكتاب حيث  يقدّم المؤلف للنظرية الاقتصادية وموضوع الترويج للحاكم، والفصل الثاني الذي يعدّ تطبيقًا للنظرية الاقتصادية، ويبحث في أسباب ثراء الغرب وافتقار الشرق الأوسط. ومن الجدير ذكره أنّ المؤلف بدأ بتجميع مادة كتابه هذا "عام 2004 عندما كان طالب دكتوراه في جامعة ستانفورد في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث كان الصراع بين "الغرب والعالم الإسلامي" يشكل إحدى القصص الأطول في تلك الفترة. فقد كانت أحداث الحادي عشر من سبتمبر حديثة العهد وتشغل بال الجميع، وكانت الحروب في العراق وأفغانستان تهيمن على كل عناوين الصحف والأخبار الرئيسة. لم يتغيّر الكثير على تلك الجبهة في سنوات التدخل الاثني عشر باستثناء أن حدة الصراع قد زادت. فالهجمات الإرهابية التي تضرب في أنحاء العالم وانتشار القاعدة وداعش وأزمة اللاجئين السوريين المدمرة، كل ذلك يشير إلى أن صراعات الغرب السياسية والاقتصادية في المستقبل القريب ستنشب في الشرق الأوسط".

يرى الكاتب أنّ فهم جذور الصراع بين الشرق الأوسط والغرب يأتي في المقام الأول من حيث الأهمية لأنه الدافع الأول لتأليف هذا الكتاب. ويعتقد المؤلف أن أهم محرك للصراع هو التفاوت الكبير في الثروات الاقتصادية بين الغرب والشرق الأوسط. ويرى أن دول الخليج في الشرق الأوسط على وجه التحديد حصلت على ثروة نفطية هائلة في النصف الثاني من القرن العشرين، بيد أن القسم الأكبر من السكان لم يشعروا بفوائد تلك الثروة التي يمكن عدّها حالة عرضية عابرة. ووفقًا لمعلومات المؤلف ومعارفه ثمّة أدلّة قليلة على أنّ أيًّا من هذه البلدان الغنية بالنفط قد بنت اقتصادًا سيبقى قويًا في وقت ينصرف فيه العالم عن استخدام البترول كمصدر رئيسي للطاقة.

يستعرض المؤلف تاريخ العلاقة بين الغرب والشرق الأوسط قبيل وبعيد انهيار الإمبراطورية العثمانية فيقول: "إن التفاوت الاقتصادي بين "الغرب وبقية العالم" قد سمح للغرب باحتلال الشرق الأوسط واستعماره في القرنين التاسع عشر والعشرين". وهذا التفاوت نفسه قد سمح أيضًا للحكّام المستبدين الذين يحظون بدعم الغرب بالهيمنة على سياسات الشرق الأوسط خلال معظم سنين القرن العشرين. ولهذه النتائج جذور تاريخية عميقة التي يهدف هذا الكتاب إلى اكتشافها وتحليلها. يقارن المؤلف بين الحجج التي يقدمها في سبيل ذلك، ويستعرض أسباب الخلل في الشرق الأوسط التي يعتقد أنه من السهل تأكيدها من خلال تحليل انتعاش بلدان أوروبا الغربية وسلامة مسارها. ولذلك فإن الكتاب يهدف إلى أمرين؛ أولهما تقديم فهم لبعض محددات النجاح الاقتصادي الضرورية على المدى البعيد، وثانيهما الإشارة إلى طريقة ركود الاقتصاد وأسباب هذا الركود في ظلّ غياب هذه المحددات.

ولدى التفكير والتأمل العميقين يتبين للمرء أن أسباب التفاوت الشاسع للثروات الاقتصادية بين الشرق الأوسط والغرب ليست واضحة جدًّا. إذ إن أي تفسير لذلك التفاوت لا بد أن يأخذ بعين الاعتبار أيضًا أن هذا التفسير ليس هو التفسير الوحيد دائمًا. ويقرّ المؤلف أن الشرق الأوسط ظلّ متقدمًا على أوروبا الغربية لقرون من الزمن بعد تأسيس الإسلام بكل المقاييس وعلى كافة المستويات؛ الاقتصادية والسياسية والثقافية والعلمية. فقد كان الهلال الخصيب مركز أوروبا الغربية الاقتصادي والثقافي لمعظم فترة العصور الوسطى. وفي فترة ما تغير هذا المركز؛ تحديدًا بعيد الثورة الصناعية التي شهدتها أوربا حيث تمكنت أوروبا الغربية من التقدّم على الشرق الأوسط في منتصف القرن الثامن عشر تقريبًا حيث تفاقمت الاختلافات الاقتصادية - التي كانت بارزة آنذاك بوضوح - أضعافًا مضاعفة. والسؤالان اللذان لابد من طرحهما – كما يعتقد المؤلف - هما: لماذا تخلفت المنطقة التي كانت متقدمة جدًّا  لفترة طويلة جدًّا من الزمن؟ ولماذا بدأت الثورة الصناعية في بريطانيا العظمى بدلاً من الإمبراطورية العثمانية على سبيل المثال؟

يحاول الكتاب أن يسلط الضوء على إجابات لهذين السؤالين من خلال معالجة القضية الكبرى – الإسلام - التي تثيرها وسائل الإعلام الغربية و"المفكرون الغربيون" كتفسير لمشاكل الشرق الأوسط. ويعتقد المؤلف أن هذه الإدعاءات سخيفة ولكن لا يمكن استبعادها كليًّا دون طرح تفسير بديل قوي يقدمه المؤلف في كتابه تمتد جذوره إلى النظرية الاقتصادية التي بدورها تأخذ بعين الاعتبار حوافز كل اللاعبين الذين من الممكن أن يكونوا قد لعبوا دورًا ما في ذلك التفاوت والاختلاف. ويأمل المؤلف في أن يخرج القارئ لهذا الكتاب بوجهة نظر دقيقة عن الدور الذي لعبه الإسلام في الركود الاقتصادي للشرق الأوسط وبالتالي الصراع مع الغرب.

ويحاول المؤلف أن يكون النقاش واضحًا حول نقطة رئيسة؛ ألا وهي أن الإسلام بحد ذاته ليس المشكلة. ولكن من غير المرجح أن يحدث النجاح الاقتصادي حيث يلعب الدّين – أي دين – دورًا مهمًا في السياسة. وفي هذا السياق لا يضع المؤلف اللوم على الدين بشكل عام؛ إذ إن أي مجموعة لها مصالح أو مطامع ولها مقعد نافذ وقوي حول طاولة المساومات السياسية وليس لها مصالح منسجمة مع النمو الاقتصادي ستلعب دورًا معيقًا في اقتصاد المجتمع. تاريخيًا – ولأسباب يؤكدها المؤلف في الكتاب – كان لدى السلطات الدينية مقعد كبيرًا جدًا حول طاولة المساومات السياسية في كل من الشرق الأوسط وأوروبا الغربية. ولذلك فإن فهم الطريقة التي من خلالها تم تقويض ذلك في أوروبا الغربية، وليس في الشرق الأوسط، مهم جدًّا لفهم الاختلاف أو التباعد الاقتصادي طويل الأمد بين المنطقتين.

لا يقدم الكتاب حلاً لرأب التفاوت الاقتصادي بين الشرق الأوسط والغرب. فهو ببساطة يشخّص المشكلة وأسبابها، ولكن و"كأي طبيب يتوجب عليه إجراء تشخيص صحيح قبل وصف العلاج؛ فإن التشخيص المناسب لهذا التفاوت والاختلاف أساسي جدًّا إذا ما أردنا أن نفهم الإجراءات السياسية والاقتصادية التي يمكن اتخاذها للمساعدة على رأب الهوّة". إن التشخيص الذي يقدمه المؤلف في كتابه لا يستند على فكرة مبسطة عن الإسلام، ولا يلقي المؤلف اللوم على الإسلام على الأداء الاقتصادي العام أكثر من أي دين آخر، إلا أنه يشير إلى أن إخراج الدين من السياسة سيكون خطوة حاسمة وضرورية للشرق الأوسط، مع أنّ المؤلف لا يرى أنّ ذلك سيكون حلاً كاملاً.

"لا يوجد سبب يدعونا لتوقع حل سريع في الشرق الأوسط إذ إن عملية إخراج الدين من السياسة استغرقت قرونًا في الغرب". وصحيح أيضًا أن السياق مهم وأن السياقات الاقتصادية والسياسية للمنطقتين مختلفة جدًّا. وهناك اختلاف ملحوظ في هذا الكتاب ألا وهو أن الإسلام يفضي إلى تشريع الحكم السياسي أكثر من المسيحية، وهذه الحقيقة تؤثر بالتأكيد على مجموع التغييرات الممكنة في الشرق الأوسط. ولكن حتى وإن تم إخراج الدين من السياسة فهذه ليست إلا الخطوة الأولى. إذ إن من يحلّ محل النخبة الدينية في طاولة المساومات مهم جدًّا. فعلى سبيل المثال، استبدال النخب الدينية بحكام مستبدين هو بالتأكيد أسوأ بكثير على الصعيدين الاقتصادي والشخصي.

ويختم المؤلف كتابه بالحديث عن ارتداد أو عودة انتشار الأصولية الإسلامية فيقول: "من المرجح أن يكون ظهور الأصولية الإسلامية وانتشارها إحدى أطول القصص في القرن الواحد والعشرين. وأفضل طريقة لاحتوائها حقًّا – وأفضل طريقة لاحتواء أي نوع من التشدد والتعصّب – هي من خلال التنمية الاقتصادية، لأن الأفكار المتشددة، أكانت دينية أم علمانية، أكثر جذبًا و استقطابًا في ظلّ غياب الأمل بمستقبل أفضل. وهذه الأفكار والأساليب المتطرفة العنيفة المستخدمة لتطبيقها إنما هي نتاج لعالم متخلف اقتصاديًا".


عدد القراء: 2472

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-