مراجعة كتاب: «العمل العميق: قواعد النجاح المركّز في عالم مشتت»الباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2019-02-05 14:17:37

د. عمر عثمان جبق

محاضر في كلية المجتمع بالرياض

لالاتيندو كيساري جينا Lalatendu Kesari Jena

 و إيمان باسو Eeman Basu

ترجمة: د. عمر عثمان جبق

 

الكتاب: "العمل العميق: قواعد النجاح المركّز في عالم مشتت" 

Deep Work: Rules for   Focused Success in a Distracted World

المؤلف:  كال نيوبورت Cal Newport

الناشر: Grand Central Publishing   

عدد الصفحات: 304 صفحة

تاريخ النشر: 5 يناير 2016

الرمز المعياري الدولي للكتاب:

 ISBN-13: 9781455586691

إنّ تمكّنَ المرء من فنّ تعلّم الأشياء المعقدة غايةٌ في الأهمية للحفاظ على قيمته في عالم الاقتصاد الجديد.       ويتطلب هذا النوع من المهام غرس مهارة مهمة جدًّا تُدعى "العمل العميق" للتنافس في اقتصاد معلوماتي تنافسي على مستوى العالم. إلا أنّ دراسة لشركة ماكينزي للاستشارات McKinsey في العام 2012 وجدت أن عمّال المعرفة يقضون وسطيًّا أكثر من 60% من أسبوع عملهم في التواصل الإلكتروني والبحث على النت، وحوالي 30% من وقتهم مكرس لقراءة رسائل البريد الإلكتروني والرد عليها. لذا فإنّ لدى الكاتب "كال نيوبورت" سببًا وجيهًا للقول إن "سبب فقدان عمّال المعرفة معرفتهم بالعمل العميق راسخ جدًّا، ألا وهو أدوات الشبكة العنكبوتية" في كتابه الأكثر مبيعًا في مجلة وول ستريت بعنوان "العمل العميق: قواعد النجاح المركّز في عالم مشتت". من الواضح تمامًا أن ظهور شبكات التواصل الاجتماعي مع الوصول الدائم إليها من خلال أجهزة الهواتف الذكية وأجهزة الحاسب الآلي المكتبية الموصولة بالنت قد قسّم انتباه عمال المعرفة إلى أجزاء صغيرة. وهناك دليل كبير اليوم على أنّ عمال المعرفة ليسوا منشغلين في مهام صعبة من الناحية المعرفية ومؤهلة لتكون عملاً عميقًا، و لكنهم منشغلون في مهام عادية ذات أسلوب منطقي يشير إليها الكاتب بالأعمال الضحلة. ولإثبات ذلك من خلال مثال ما نقول إذا ما شرعنا في محاولة استخلاص طرق مختلفة لمشكلة ما تعترضنا عن طريق العصف الذهني فإن هذا العمل يعدّ عملاً عميقًا. أما إذا كنا نقوم فقط بالردّ على بريد إلكتروني مثلاً في قسم ما فإن هذا عمل ضحل.

يلاحظ الكاتب أنه إذا كانت طبيعة عملنا ضحلة بشكل رئيسي ولا تستوجب قدرات فكرية فإننا نفقد مقدرتنا كثيرًا على إنجاز أعمال صعبة معرفيًا يشير إليها الكاتب بالأعمال العميقة. لذا فإنّ نظرية الكتاب تستند إلى فرضية أنّ القدرة على إنجاز عمل عميق تصبح نادرة جدًّا تقريبًا في نفس الوقت الذي تصبح فيه قيّمةً على نحوٍ متزايدٍ في اقتصادنا. ونتيجة لذلك، سيزدهر أولئك الذين يطورون هذه المهارة و يجعلونها جوهر حياتهم العملية.

والكتاب برمته لديه هدفان يسعى لتحقيقهما في قسمين. يحاول القسم الأول (على شكل قواعد) إقناع القارئ بصحة فرضية العمل العميق. وفي هذا الصدد يقول الكاتب إن الآلات تستبدل القدرات البشرية في السياق الحالي التنظيمي. كما ويفضّل أرباب العمل اليوم الآلات الحديثة على توظيف الناس. لذا ففي هذا الاقتصاد الجديد سيمتاز ثلاثة أنواع من الناس بأفضلية خاصة إذا كانوا يرغبون في أن يكونوا أعظم من غيرهم؛ النوع الأول أولئك الذين بإمكانهم العمل جيدًا مع الآلات الذكية  بطريقة إبداعية، والنوع الثاني أولئك الذين هم الأفضل فيما يعملون، والنوع الثالث أولئك الذين يملكون الوصول إلى رأس المال. ويؤكد نيوبورت في كتابه على قدرتين جوهريتين للازدهار في الاقتصاد الجديد هما "القدرة على التمكّن من الأشياء الصعبة بسرعة، والقدرة على الإنتاج على مستوى عالٍ من حيث الكم و النوع". والسؤال الذي يطرح نفسه هو: كيف يمكن للمرء تطوير هاتين القدرتين الجوهريتين؟" وهنا يتوصل القراء إلى الفكرة المركزية للكتاب. ويقول الكاتب، "تعتمد القدرتين الجوهريتين اللتين تم وصفهما للتو على قدرتك على إنجاز عمل عميق". ولكن الاعتماد على قدرات العمل العميق هذه ليس واضحًا للوهلة الأولى إذ أنّه يتطلب نظرة أقرب إلى علم التعلّم والتركيز والإنتاجية. لتعلّم الأشياء سريعًا ينبغي للمرء أن يركز بشدّة دون أي تشتُت. لذلك يقول الكاتب إن التعلّم الجادّ هو أحد الأعمال العميقة التي تتحقق من خلال الممارسة المقصودة. تأتي المكونات الجوهرية للممارسة المقصودة على شكل تركيز على مهارة محددة ينبغي للمرء التمكّن منها و تلقي تغذية راجعة مناسبة لتصحيح منهجه.

يضيف الكاتب موضحًا أنه لا ينبغي للأفراد الطموحين تعزيز ممارسة العمل العميق وحسب، بل ويُتوقع أيضًا من هذه الاستراتيجيات أن تنطبق على المنظمات على أمل الاستفادة القصوى من موظفيها. ومع أن الكاتب يعرّف العمل على أنه وكيل الإنتاجية، إلا أنه يقول، "في حال غياب مؤشرات واضحة على إنتاجية  عمال المعرفة وقيمتهم في عملهم، فإنّ كثيرًا من عمال المعرفة يعودون باتجاه مؤشر صناعي للإنتاجية،      وهو القيام بأعمال كثيرة بطريقة مرئية وضحلة بطبيعتها". ويسمح هذا الخلط القوي لغموض العمل وقلة المقاييس لقياس فاعلية مختلف الاستراتيجيات بظهور سلوك يزدهر في مشهد نفسي مربك جدًا من مشاهد العمل اليومي، وقد يبدو هذا السلوك سخيفًا عند النظر إليه بموضوعية. ويقتبس الكاتب أمثلة لوصف عقليات وانحيازات أبعدت الأعمال بعيدًا عن العمل العميق باتجاه بدائل مشتتة أكثر. وهناك مسألة أخرى تعبث بالرابط بين عمق عمل المعرفة ومعناه و هي نشاز الأصوات التي تحاول إقناع عمال المعرفة بقضاء وقت أكثر في الأنشطة الضحلة. ويسوق الكاتب ثلاث حجج محددة لدعم رأيه أن العمل العميق يمكن أن يولد قناعة في اقتصاد المعلومات. يمكن للقراء أن يجدوا الحجج من خلال تتبع المسار النظري من ضيق إلى واسع بشكل تقريبي بدايةً من المنظور العصبي ثم باتجاه المنظور النفسي ونهاية بالمنظور الفلسفي. إن فكرة الفصل الأخير في القسم الأول هي أن الحياة العميقة ليست مربحة اقتصاديًا و حسب، بل هي حياة جيدة أيضًا.

يضم القسم الثاني من الكتاب أربعة فصول تركّز على طريقة الاستفادة من تدريب الدماغ وتحويل عادات العمل بحيث نضع العمل العميق في مركز حياتنا المهنية. إنّ مفتاح تطوير عادة العمل العميق هو في المضي إلى ما هو أبعد من النوايا الحسنة و إضافة أعمال روتينية وطقوس إلى حياة العمل تكون مصممةً لتقليل كمية قوة الإرادة المحدودة الضرورية للانتقال إلى التركيز غير المنقطع والحفاظ عليه. يصف الكتاب ست استراتيجيات (هي: اختيار فلسفة العمق وتشكيل طقوس والقيام بإيماءات كبيرة وعدم العمل وحيدًا والإنجاز في أي عمل والكسل) مصممةً استنادًا إلى علم قوة الإرادة المحدودة. يمكن للقارئ أن يستوعب هذه الاستراتيجيات على أنّها خزّان من الأعمال الروتينية والطقوس لزيادة كمية العمل العميق. بعض هذه الاستراتيجيات موزع باستدلالات بسيطة لخطف مركز تحفيز دماغ الإنسان، بينما بعضها الآخر مصمم لإعادة شحن احتياط قوة الإرادة في أسرع وقت ممكن. يحاول الكاتب إقناع القرّاء بوجود طرق واستراتيجيات عديدة لدمج العمل العميق في جدولهم، ولذلك فمن الجدير أخذ الوقت لإيجاد منهج ينجح مع القرّاء. و يتطلب النجاح في العمل العميق إعادة توليف الدماغ ليصبح مرتاحًا مع مقاومة المحرضات المشتتة. ولا يعني هذا أنه ينبغي للمرء حذف السلوكيات المشتتة. ولكن "يكفي أن تحذف قدرة مثل هذه السلوكيات على خطف انتباهك".

يقترح نيوبورت استراتيجيات جدولة معوقات الإنترنت التي تحاول جاهدة المساعدة على استحواذ الانتباه بكثافة شديدة. ويقترح الكاتب تبني إحدى طرقه في التدريب على العمل العميق، وهي التأمل المنتج الذي مارسه خلال فترة عمله بعد الدكتوراه في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا. من خلال إعادة الانتباه بصورة متكررة إلى مشكلة محددة جيدًا، فإنّ عملية التأمل المنتج تساعد على تقوية العضلات المقاومة للتشتت بينما تدفع التركيز بعمق أكثر وأكثر على مشكلة واحدة فقط. وينصح الكاتب بالتحكم بالوقت والحذر من المشتتات الكثيرة التي تحاول سرقتهما للتمكن من فن العمل العميق. ويقول الكاتب لعامل المعرفة، ولاسيما ذلك المهتم في تطوير عادة العمل العميق: "عليك أن تعامل اختيار أدواتك بنفس مستوى حذر العمال الماهرين الآخرين كالمزارعين مثلاً". ولتعميم استراتيجية تقييم الكاتب فهو يقترح "منهج الحرفي" في اختيار أدواته، وهذا اسم يؤكد على أن الأدوات هي في النهاية مساعدات لأهداف مهنية أكبر.

إن البرنامج النهائي هو أنك إذا أعطيت عقلك شيئًا ما ذا قيمة للقيام به أثناء ساعات يقظتك، فإنك ستمضي النهار وأنت أكثر إنجازًا، وستبدأ اليوم التالي وأنت مرتاح أكثر مما إذا سمحت لعقلك بالسباحة لساعات طويلة في تصفح شبه واعٍ وعشوائي للنت. تعدّ القدرة على العمل العميق ملكةً في عالم التشتت. ويولّد عمال المعرفة أعظم قيمة من خلال هذه الفترات العميقة من التركيز. وتتطلب عادة العمل العميق بالأساس معالجة الوقت باحترام كبير. وتكمن أوّل خطوة جيدة باتجاه هذه المعاملة المحترمة في التحديد مسبقًا "ماذا سنفعل بكل دقيقة من يوم عملنا؟" ومن الطبيعي أولاً أن نقاوم هذه الفكرة، لأنه من السهل بلا شك الاستمرار بالسماح للقوى التوأم وهي النزوة الداخلية والطلبات الخارجية بتوجيه جدولنا.

باختصار، يمكن وصف الكتاب أفضل وصف على أنه محاولة لشرح الانجذاب نحو العمق وليس الضحالة. لقد وضع نيوبورت القواعد باتجاه اقتلاع الضحالة بلا رحمة مع مشاركة خطوات تطوير شدة العمق. وباستثناء محتوى الكتاب الجوهري، فقد استمتعنا شخصيًا بكل قصصه وحكاياه النادرة. هناك أجزاء كثيرة ممتعة تتحدث عن حياة المشاهير والناجحين. مع وجود مزيج من النقد الثقافي والنصح العملي، يأخذ الكتاب القارئ في رحلة عبر القصص التي لا يمكن نسيانها – من كارل يانج وهو يبني برجًا حجريًا في الغابة ليركّز عقله، إلى رائد وسائل التواصل الاجتماعي وهو يشتري تذكرة ذهاب وعودة إلى طوكيو لكتابة كتاب بعيدًا عن التشتت في الجو. وأخيراً، لتطوير القدرة على إنتاج قيمة حقيقية في عالم مشتت على نحو متزايد ولإدراك الحقيقة التي اعتنقها أكثر الشخصيات إنتاجًا وأهمية عبر الأجيال، قد يتفق قرّاء الكتاب جيدًا أن الحياة العميقة هي حياة جيد العيش معها. إنّ هذا الكتاب كتاب أسطوري يساعد حقًا في تغيير طريقة عمل الناس وعيشها.

 

REFERENCES

Issacson,  W.  (2013).  Dawn  of  a  revolution.  Harvard  Gazette: Issacson.  Retrieved  27  December  2017,  from  http://news. harvard.edu/gazette/story/2013/09/dawn-of-a-revolution/ Krieder, T. (2013). The ‘busy’ trap. Retrieved 27 December 2017,  from

http://opinionator.blogs.nytimes.com/2012/06/30/the -busy-trap/

Krieder, T. (2013). The ‘busy’ trap. Retrieved 27 December 2017,  from  http://opinionator.blogs.nytimes.com/2012/06/30/the -busy-trap/

Masicampo,  E.  J.,  &  Roy,  R.  B.  (2011).  Consider  it  done!  Plan making  can  eliminate  the  cognitive  effects  of  unfulfilled goals.  Journal of  Personality  and  Social  Psychology,  101(4), 667–698.


عدد القراء: 1157

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-