
الشّفاهيّة والمكتوب في الثّقافة الإسلاميّة: أيّة علاقة؟
يحي بلحسن – باحث وأكاديمي تونسي
ترجمة: أحمد السّائح
مقدّمة
يؤكّد المؤرّخ الألمانيّ هانس كيلر على أنّ العلاقة بين الشّفاهيّة والكتابة تشغل حيّزًا مهمًّا في البحث التّاريخيّ الغربيّ، يزداد كلّ يوم، منذ السّنوات السّتّين. لكنّ الباحث في العصور الوسطى، ونظرًا إلى طبيعة مصادره، مواجهٌ باستمرار مسألةَ العلاقات بين الشّفاهيّة والكتابة. وقد نشأت هذه الإشكاليّة، في البداية، ضمن مجالات الفيلولوجيا وتاريخ القانون وفلسفة التّاريخ، والثّقافة واللّغة على يد ثلّة من بينهم يوهان جوتفريد هردر تلميذ كانط وفيلهلم. وليس يمكن، مع ذلك، إغفالُ تأثيرات الدّراسات الإثنوسوسيولوجية، وبالأخصّ أعمال الأنجلو-أميركيّين أمثال أونج (1982)، وإيان واط (1957)، وجاك جودي (1979 و1994)، على هذا الموضوع. وإنّنا لسنا نلاحظ، في البحث الألمانيّ مثلًا، اهتمامًا بهذه المسألة إلاّ منذ عقديْن من الزّمن فحسب (أي منذ أواخر سبعينيات القرن الماضي، إذا اعتمدنا سنة نشر الكتاب المعنيّ). وقد بدأ سؤال الشّفاهيّة/الكتابة، باعتباره موضوع تفكير عميق، ضمن الفيلولوجيا الألمانيّة، وتحديدًا في مجال دراسة رواية الشّعر مشافهةً، والتّغييرات النّاتجة عن تدوينه كتابةً، خلال فترة نهضة الأدب باللّغة الألمانيّة العليا المتوسّطة. ورغم طول النّقاش حولها، فإنّ الاهتمام بإشكاليّة العلاقة بين القانون الشّفويّ والقانون المكتوب، بالنّسبة إلى تاريخ القانون، لم يقع إلاّ في السّنوات الأخيرة من منظور الفوارق البنيويّة بين الأعراف القانونية الشّفويّة وصيغ القانون المكتوبة. وقد خاض في هذا النّقاش عددٌ من المختصّين في الحضارات القديمة مثل عالم المصريّات جان أسمان (2010). وقد أسال حبرًا كثيرًا الانتقالُ من المشافهة إلى المكتوب متعلّقًا بالإلياذة والأوديسة المنسوبتيْن إلى هوميروس، واللّتيْن تعتبران من لبنات الأدب الغربي الأولى. ورغم إنشاء وحدة بحث متخصّصة تحمل عدد 321 واسم «التّفاعلات ومواضع التوتّر بين الشّفاهيّة والكتابة» منذ 1982 في جامعة فرايبورغ-بريسوغاو الألمانيّة، فإنّ المؤرّخين وتحديدًا متخصّصي العصور الوسطى لم يتطرّقوا، حتّى الآن، إلى هذه الإشكاليّة إلاّ على نحو فيه من التردّد شيئًا كثيرًا. ويؤكّد كيلر أنّه من اللاّفت للانتباه حقّا، في ضوء تاريخ البحث الألمانيّ، غيابُ كلّ نقاش معمّق حول العلاقة بين الكتابة والشّفاهيّة في المجمعات القروسطيّة. ويوضّح ميشال باريس (Parisse)، المختصّ الفرنسيّ في المدوّنات القروسطيّة، قائلًا: «يبدو المختصّون الفرنسيّون في القرون الوسطى، والذين هم غير جاهلين بهذا التيّار التّاريخيّ الذي تحفّزه البحوث الأنجلوسكسونيّة والأمريكيّة، متأخّرين حتما من غير أن تغيب عنهم، مع ذلك، التّداعيّات المتّصلة بالشفّويّ وبالمكتوب.
الشّفاهيّة والمكتوب في البحث الإسلاميّ
بدأ الاهتمام بالشّفاهيّة والمكتوب، بالنّسبة إلى البحث المتخصّص في الإسلام إبّان القرون الوسطى، يظهر منتصف القرن التاسع عشر مع الباحث سبرنجر. وجاء بعده جولدسيهير مدليًّا بدلوه في دراسة هذه الإشكاليّة، وقد هيمنت آراؤه على البحث الغربيّ حتّى 1960، فهو يرى، على سبيل المثال، أنّ مجاميع الحديث الكبرى المنظّمة حسب الأبواب (وهو ما يُسمّى تصنيفًا) لم ترَ النّور إلاّ في القرن التاسع ميلاديًّا، لا الثّامن. وتواصل الاهتمام خاصّة بعد صدور كتابيْن، هما دراسات في البرديّات العربيّة (Studies in Arabic Papyri) لنابيا أبّوت بين 1957 و1972، وكتاب تاريخ التّراث العربيّ لفؤاد سزكين بين 1967 و1984. «لقد وجدت الدّراسات الإسلاميّة نفسها مضطرّة إلى إعادة توجيه نفسها، بل والانخراط في نقاش تواجه فيه حججًا ذات منظور مختلف تمامًا». لقد أنتج العرب، حسب هذين المؤلَّفيْن، أدبًا مكتوبًا كان في حركةِ تطوّرٍ مستمرّةٍ، منذ بدايات الإسلام، وفي العصر الأمويّ بالخصوص، أي بين 8هـ/630م و132هـ/750م. لكنّ هذه الفرضيّة مفتقرةٌ إلى الدقّة، خاصّة حين يورد سيزكين، على سبيل المثال، أنّ عبدالله بن عباس (ت. 68هـ/م687) قد دوّن بنفسه تفسيرًا للقرآن، كتابًا بأكمله. وعلى كلّ حالٍ، فقد فتحت هذه الأطروحة الطريق أمام أبحاث جديدة جعلت من إشكاليّة الشفويّ والمكتوب في الثقافة الإسلامية لبّ شواغلها.
لا ريب أنّ الكتابة، خلال العهد النّبويّ، قد وُظّفت لتوثيق الاتّفاقيّات السّياسيّة والتّجاريّة، وكذلك للاتّصال بالأشخاص أو بالقبائل النّائية. إذ يروي زيد بن ثابت (ت.45هـ/ 665م) أنّ النّبيّ، لمّا قدم المدينة، طلب منه تعلّم العبريّة أو السريانيّة (الشكّ متأتٍّ ربّما من ناقل الرّواية)، وذلك أنّه كانت تأتيه كتبٌ من أُناس لا يحبُّ أن يقرأها أحدٌ. وفي رواية أخرى أنّ النّبيّ أمره أنْ «تعلّمْ كتاب يهود، فإنّي ما آمن اليهود على كتابي». وإنّه من الدّالّ جدًّا أن يستحضر القرآن لفظ كَتَبَ بمختلف مشتقّاته ثلاثمائة وستّ عشرة مرّة. وتُبين هذه المواضع، في مجملها، عن ثلاث دلالات: القدر والحساب الإلهيّ متعلّقًا بأعمال البشر، ثمّ على معنى التدوين. وكشف لفظ كتاب الوارد وحده مائتيْن وثلاثين مرّة، والدّالّ على المكتوب، عن أنّ فكرة الكتاب، على ما يبدو، لم تكن حاضرة بعدُ في هذا المجتمع النّاشئ. وبالرّغم من أنّ القرآن يُشير إلى كلمة صُحُف ثماني مرّات، مثلما أشرنا آنفًا، فإنّه لم يظهر لفظ مصحف بما هو دالّ، إلى حدّ ما، على مفهوم الكتاب، إلاّ في فترة حكم أبي بكر. ويعلّق كازانوفا، في هذا الإطار، على الآية 47 من سورة العنكبوت (وَكَذَٰلِكَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ، فالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ…)، قائلًا: «نلاحظ أنّ النّبيّ يستعمل اللّفظَ نفسه للإشارة إلى القرآن والكتّاب المقدّس، فلعلّه إنّما يعني، حين يتكلّم عن أهل الكتاب، اللّفظَ الإغريقيّ (βίϐλος) الذي أضحى في اللّغات الأوروبّيّة مرادفًا للفظ الكتاب (العهد القديم والجديد).
لم تعد، إذن، فكرة أنّ النّقل كان شفويًّا بشكل مطلق مقبولةً، فقد استندت المصنّفات إبّان القرن الثّامن والتّاسع على كتابات متقدّمة عنها، تعود إلى زمن سابق لنهاية القرن الأوّل للهجرة. ولخّصت جاكلين شابّي ذلك بأنّه ليس يُنظر إلى الكتابة بما هي مجرّد علامة خطّيّة، بل بوصفها تقييدًا لما هو شفويّ… وليست وظيفتها بسيطةً في المجتمعات التي تهيمن عليها المشافهة كمجتمعات جزيرة العرب القبليّة إبّان القرن السابع ميلاديًّا.
أ- عينٌ على الكتابات السّابقة:
لئن لم تكن الكتابة في البدء منتشرة على نطاق واسع، فإنّها كانت دائمًا والمشافهةَ جنبًا إلى جنبٍ. وقد سارت المعرفة الدّينيّة، تقريبًا، المسارَ نفسه الذي سلكه الأدب العربيّ والذي وصفه شولر بقوله: «استند نقل هذه المعرفة، نحو مئة عام، على الاتّصال الشّفويّ بين المعلّم والطّالب، دون أن يكون في ذلك، منذ زمنٍ بعيد، بل يمكن أن نقول حتّى منذ البدايات، استبعادٌ لإدراج الكتابة في هذه العمليّة مطلقًا. وقد أخذت مكانة الكتابة تتطوّر عبر الزّمن، رغم الانتقادات [التي واجهها المكتوب].
وقد كان عروة بن الزّبير (ت.94هـ/ 713م) أوّل من جمع، بطلب من الخليفة عبدالملك بن مروان، الأخبار المتعلّقة بحياة النبيّ محمّد، وبعث بها إليه في شكل رسالة أو عدد من الرّسائل. دون أن ننسى، كما ورد في الخبر الذي رواه ابن إسحاق عن الزّهريّ، أنّه، أيضًا، تبادل، على الأقلّ، رسالة واحدة مع صَاحِبِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِالْمَلِكِ ابن أبي هنيدة (ت.96هـ/ 714م)، لمّا كتب إليه هذا الأخير يسأله تفسير آيَةِ الْمُهَاجِرَاتِ (سورة الممتحنة، الآية 10) المتعلّقة مباشرة بصلح الحديبية. وقد اضطلع، منذئذ، هشام بن عروة والزّهري – تلميذ عروة – بنقل هاته النّصوص. وقد وصلتنا، بعضُها على الأقل، بفضل الشّذرات التي ذكرها الطّبريّ. ويعبّر وات عن شكوكه المتعلّقة بحياد هاته الرّسائل. وهو ويرى أنّ هذا الشكّ يقوى بسبب أنّ بعض ناقلي هاته الرسائل كانوا يتردّدون على القدرية خصوم بني أميّة، على غرار أبان بن يزيد العطّار (ت. 165هـ/781م) وعبدالوارث بن سعيد (ت. 180هـ/796م). ولا بدّ من الإشارة، في هذا السّياق، إلى الرّسالة الطّويلة التي يُذكَر أنّ الحسن البصريّ (ت. 110هـ/728م) المعاصر لعروة أرسلها هو أيضًا إلى عبد الملك. وقد احتوت ردودًا على أسئلة كان هذا الأخير أثارها. وقد تعلّقت خصوصًا بالجبر والاختيار. وتعكس هذه الرّسالة رؤية معتزليّة خالصة. وهو ما جعل الشّهرستانيّ الأشعريّ (ت. 548هـ/1153م) يؤكّد على أنْ الحسن ليس هو كاتب الرّسالة الحقيقيّ، بل إنّه، بلا ريب، واصل بن عطاء (ت. 131هـ/748م). ويذكر الصّنعاني في مصنّفه نقلًا عن هشام بن عروة إحراق عروة بن الزّبير يوم الحرة (63هـ/682م) كتبا له في الفقه، ثم ندم بعد تلك الفتنة قائلًا: «والله لوددت أنّي كنت فدّيتها بأهلي ومالي». وثمّة، في المقابل، رواية أخرى لعروة يقول فيها: «كُنَّا نَقُوْلُ لاَ نَتَّخِذُ كِتَاباً مَعَ كِتَابِ اللهِ، فَمَحَوْتُ كُتُبِي، فَوَاللهِ لَوَدِدْتُ أَنَّ كُتُبِي عِنْدِي». ولئن ذكرت الرّوايتان الحدث نفسه، فإنّ عروة يقدّم لنا تفسيريْن مختلفيْن لما أقدم عليه: فيمكن أن يكون قد أتلف ما دوّنه حتّى لا يقع في أيدي بني أميّة، إذ من المحتمل أنّ كتاباته كانت معادية لهم، أو لأنّه كان يعتقد، في لحظة ما، أنّ الكتاب الوحيد الجدير بالبقاء هو القرآن وحده. وآراء الباحثين متباينةٌ حول مسألة ما إذا كان عروة هو المؤلّف الحقيقيّ لتلك الكتب، أم أنّ هذه الكتابات التي كانت معه قد وضعها غيره. وتشكّك لاندو- تاسّورون في الواقعة في حدّ ذاتها. وتعتقد أنّ الأمر لا يتعدّى كونه صنعة أدبيّة يتعيّن وضعها في سياق الجدل القائم بين العلماء المسلمين حول جواز تدوين الحديث من عدمه. وليس من المستحيل أن يكون، حقًّا، تحريق الكتب ثيمة متكرّرة (topo)، مثلما تشهد بذلك أحداثٌ أخرى وقعت في الفترة نفسها. ومن المرجّح كذلك أن يكون هشامٌ قد وضع خبر الحرّة بُغية إضفاء المصداقيّة، ببساطة، على والده، وعلى نفسه تبعًا لذلك، عند بني العبّاس. وقد أنكر علماء الحديث، وفق ما يذكره الخطيب البغداديّ، على هشام بعد أن سار إلى العراق انبساطه في الرّواية. وعلى كلّ حال، فالكتب المنسوبة إلى عروة ليست تعني البتّة، أنّها كتبٌ بالمعنى الحرفيّ للكلمة. فمصطلح كتاب، عصرئذ، أي مطلعَ القرن الثّامن ميلاديًّا، يُقصَد به: نصوص، كتابات، ملاحظات وتدوينات مما كان طالب العلم يسمعه في أوقات، وحتّى في أمكنة، متعدّدة. ولم تمنع الشّفاهيّة الغالبة على الثّقافة العربيّة المبكّرة الشّيوخَ وطلاّبَهم من تقييد ملاحظات تُستعمل باعتبارها معيناتٌ على التذكّر. وهذه الملاحظات بالذّات لم يقع اعتبارها كتبًا في صيَغها النهائيّة، لا ينقصها سوى أن تعرف طريقها إلى النّشر. وهو ما يقودنا إلى أنْ نتساءل: هل كان ثمّة تصنيف عصرئذ؟
اختلف الباحثون حول هذه المسألة، وخاصّة جولدسيهير، الذي رفض قبول فكرة أن يكون الحديث النّبويّ قد شهد ضربًا من النّشاط كهذا، أي التّصنيف، قبل القرن التّاسع الميلادي. وقد اعترض معاصرُه مارتن هاتمان (ت.1918) على آراء جولدسيهير، دون أن يُؤخذ ذلك بعين الاعتبار حسب شولر. أمّا سيزكين فيرى أنّ ثمّة كتبًا صُنّفت خلال القرن الثّامن الميلادي، وحتّى قبل ذلك، ويوضّح أنّ هاته المؤلّفات فُقد أغلبها، على غرار تفسير ابن عبّاس والتّفسير لمجاهد. ويرفض رودولف سيلهيم هذه الأطروحة القائلة بالتّدوين المبكر للتّراث العربيّ رفضًا قاطعًا، ويرى فؤاد سيزكين ونابيًا أبّوت، الدّاعمان لفكرة الوجود المبكّر للكتاب في الثّقافة العربيّة، أنّ علم الحديث تطوّر، كغيره من العلوم العربيّة الإسلاميّة، وفق نموذج يبدأ بـالكتابة، أي أخذ ملاحظات، ثم التّدوين، ثم التّصنيف.
لا ريب أنّ العلاقة بين الشّفويّ والمكتوب في الثّقافة الإسلاميّة معقدّة ومستعصية، ونحن، مع ذلك، نرى أنّ شيوع استخدام مصطلحيْ كتاب وتصنيف، وخاصّة الأوّل، في الكتابات المبكّرة، هو السّبب الرّئيسيّ لهذا الالتباس. وللتّمييز بين الكتاب، الدّالّ على التّقييد الشّخصيّ والمسوّدة وما يُعين على التّذكّر، وبين الكتاب الموضوع وفق قواعد التّأليف والمخصّص للنشر، يقترح شولر، الذي يرى أن كلمة « كتاب» العربية تعيّن بشكل غير واضح الفئتين معًا، مصطلحين يونانيّيْن: أوّلهما التّقييد الشّخصيّ (hypomnèma) الذي يعني الملاحظات الخاصّة، وثانيهما التّأليف (syngramma) الدّالّ على الكتاب في شكله الرّسميّ. وكلمة كتاب، في دلالتها الأولى، تعني المكتوب. ثمّ اكتسبت، لاحقًا، معنى “الكتاب. إذن يمكننا، ببساطة، استعمال اسم المفعول «المكتوب» والمصدر «الكتاب» لتعيين هذين النوعين على التّوالي. وقد مرّ معنا أنّ استعمال المصدر والمراد به اسم المفعول شائعٌ أسلوبيًّا في اللّغة العربيّة. ونحن ذاكرون بعض النّماذج المبرهنة على أنّ العرب القدامى في استعمالهم كلمة كتاب لم يكن قصْدهم منها المؤلَّف في معناه الدّقيق. ويثبت الخبر الذي أورده ابن داود، بوضوح، أنّ القدامى يستعملون كلمة كتاب ويفهمون منها المكتوب. فقد أمر عثمان بن عفّان أنْ: «… مَنْ كَانَ تَلَقَّى مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ فَلْيَأْتِنَا بِهِ، وَكَان النّاس كَتَبُوا ذَلِكَ فِي اللّخاف وَالْأَلْوَاحِ وَالْعُسُبِ…». وذكر ابن الأثير أنّه «لمّا قُتل الزّبير، قال ابنه عَبْد اللَّهِ لعبداللَّه بْن جَعْفَر: إنّي وجدتّ في كتب أَبِي أنّ له عليك ألف ألف درهم…». وجاء عند ابن أبي خيثمة أنّ أحدهم يُدعى عَزْرَة «يَخْتَلِفُ إِلَى سَعِيدِ بْنِ جُبَيْر مَعَهُ التَّفْسِيرُ فِي كِتَابٍ وَمَعَهُ الدَّوَاةُ يُغَيِّر». ويروي المبرّد أنّه بعد مقتل شاعر الهجاء بشّار بن برد (ت.168هـ/ 784م) على الإلحاد، روى قوم أنّ كتبه فُتّشت فلم يصب فيها شيء ممّا كان يُرمى به وأصيب له كتاب فيه: «إنّي أردّت هجاء آل سليمان بن عليّ، فذكرت قرابتهم من رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأمسكت عنهم». وجاء في الخبر «عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، أَنَّهُ وَجَدَ كِتَابًا فِيهِ تَسْمِيَةُ مَنْ بَعَثَ رَسُولُ الله إِلَى مُلُوكِ الْخَائِبِينَ(…) فَبَعَثَ بِهِ إِلَى ابْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ، مَعَ ثِقَةٍ مِنْ أَهْلِ بَلَدِهِ فَعَرَفَهُ». ويكشف كتاب الخطيب البغدادي أنّ إسحاق كان يقول متحدّيًا مالكا بن أنس: «ائتوني ببعض كتبه حتّى أبيّن عُيوبه، أنا بيطار عيوبه». وكان أنْ تكلّم اللّيث ابن سعد في مسألة فقال له رجل: (…) في كتابك غير هذا، قال: «في كتابي أو في كتبنا، ما إذا مرّ بنا هذّبناه بعقولنا وألسنتنا». ويعترض الطّبريّ، في سياق سرده وقائع يوم الحرّة قائلًا: «هكذا وجدته فِي كتابي، وهو خطأ، لأنّ يَزِيد هلك فِي شهر ربيع الأول سنة أربع وستّين، وكانت وقعة الحرّة سنة ثلاث وستين». يدلّ إذن لفظ كتاب، حتّى في فترة متأخّرة، مثلما هو الأمر عند الطّبريّ (ت.310هـ/ 922م)، على معنى كرّاسة التّقييدات والمسوّدات. ويمكن، إلى ذلك، أن يدلّ الكتاب، على الرّسالة: فقد أورد عبد الرّزّاق «عَنْ أَيُّوبَ قَالَ: قَرَأْتُ كِتَابًا: مِنَ الْعَلَاءِ بْنِ الْحَضْرَمِيِّ إِلَى مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ». ويحيل الكتاب كذلك على معنى الفصْل. فقد لاحظ كازانوفا، في سياق عنايته بالملاحم، أنّ حاجّي خليفة نسب إلى أبي داود «كتاب الملاحم». ولاحظ أنّ احتمال ذلك ضعيفٌ، نظرًا إلى أنّ كتاب السّنن الكبرى لأبي داود يتضمّن فصلًا في الملاحم. ويخلص إلى أنّ حاجّي خليفة قد وقع في الخلط بين الفصل والكتاب. ويُطلق اللّفظ (كتاب) أيضًا على الجزء يكون من الكتاب. وفي هذا السّياق، لا بدّ من التّذكير بأنّ نُسّاخ الكتب عمدوا، في مرحلة لاحقة، إلى نسخها وتقسيمها إلى أجزاء. فأضحت بعدئذ كلمة جزء دالّةً على معنى الكتابٍ المستقلّ. ونستحضر، في هذا السّياق، نسخة زياد البكّائي لسيرة ابن إسحاق التي أملاها عليه في بغداد له، ثمّ أملاها عليه في الحيرة لرجل من قريش. ولا يُحيل لفظ نسخة في هذا السّياق على معنى الكتاب في صيغته النّهائيّة والمكتملة. ولسنا نعلم ما إذا كان ابن إسحاق قد صحّح، في الأثناء، بعض الرّوايات أو أنّ زيادًا أعاد النّظر أم لا في نسخته الشّخصيّة. ويؤكّد جاك جودي على أنّه لابدّ، بالضّرورة، للمؤلَّف المكتوب من بداية ووسط ونهاية. وما كان شفويًّا فهو عُرضة لإضافات مختلف الأشخاص في أي وقت وحين. وتُصوّر رؤيا الحمامة التي كان ابن سيرين قد أوّلها، بدقّة دور الرّواة الذين هم ليسوا دائما محايدين. إذ «قَالَ رَجُل لِابْنِ سِيرِين رَأَيْت فِي الْمَنَام حَمامة التقمت لؤلؤة فَخرجت مِنْهَا أعظم مِمَّا دخلت. وَرَأَيْت حمامة أُخْرَى التقمت لؤلؤة وَخرجت مِنْهَا أَصْغَر مِمَّا دخلت. وَرَأَيْت حمامة أُخْرَى التقمت لؤلؤة فَخرجت مثل مَا دخلت سَوَاء. فَقَالَ بن سِيرِين أمّا الْحَمَامَة الَّتِي التقمت اللؤلؤة فَخرجت أعظم مِمَّا دخلت فَهُوَ الْحَسَن يسمع الحَدِيث فيجوده بمنطقه وَأما الَّتِي خرجت أَصْغَر مِمَّا دخلت فَذَاك مُحَمَّد بْن سِيرِين يسمع الحَدِيث فيشك فِيهِ وَينْقص مِنْهُ وَأما الَّتِي خرجت كَمَا دخلت فَذَاك قَتَادَة أحفظ النَّاس». ويظهر أنّ الزّهريّ، وهو ممثّل الرواية الشّفويّة الأبرز، لم يكن موضوعيًّا في علاقته بالنّصوص. إذ يروي مالك بن أنس قائلًا: «قَدْ أَخَذْتُ بِلِجَامِ ابْنِ شِهَابٍ وَهُوَ عَلَى بَغْلَتِهِ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ حَدِيثٍ. فَقَالَ قَدْ حدّثتُكه. قُلْتُ: فَأَعِدْهُ عَلَيَّ. قَالَ: لَا». ويعتبر، في عصر الطباعة، تحريرُ الكتاب ونشره نهاية لكلّ تعديل، على الأقلّ، إلى حين صدور طبعة جديدة. وهي المرحلة التي يمكن أن يُقال فيها إنّ الكتاب، الذي لم يكن سوى مشروع، قد وُلِد حقًّا. ولعلّ هذا ما دفع سبرنجر إلى أنْ يكتب في دراسته المخصّصة للنبيّ: «يجب علينا التمييزُ بين التّقييدات المعينة على التّذكّر، وكراريس الدّروس، والكتب المنشورة». ويؤيّد شولر الطرح الذي قدّمه جولدسيهير، الذي يميّز فيه بين التدوين، أي المجاميع الأولى التي وقعت تحت إشراف الدّولة، على حدّ تعبير شولر، وبين التصنيف، الذي هو ترتيبُ المواد أبوابا. ومن المحتمل أن يكون الزهريّ هو من دشّن عصر التصنيف، من خلال المناولة. فيعمد إلى إعارة مسودّاته تلاميذَه آذنًا لهم بنسخها، وهو ما سيقوم به تلميذه الأبرز مالك في الموطّأ. وهكذا افتتح مالكٌ، ومعاصره ابن إسحاق، مرحلة التّصنيف. والجدير بالملاحظة تسْمية الزّهريّ حاملَ الأحاديث المجموع بأمر من عمر بن عبد العزيز (ت.101هـ/719م) دفترًا لا كتابًا: حدّث الزّهريّ قال: «أمرنا عمر بن عبد العزيز بجمع السّنن. فكتبْناه دفترًا دفترًا. فبعث إلى كلّ أرض له عليها سلطان دفترًا». والدَّفْتَرُ والدِّفْتَر، عند ابن منظور، جَمَاعَةُ الصُّحُفِ الْمَضْمُومَةِ. وينتمي لفظ الدّفتر، إذن، إلى مرحلة التّدوين السّابقة والممهّدة لمرحلة التّصنيف.
ب- دور التّلاميذ في تأليف كتب شيوخهم بعد وفاتهم:
ما دام الشّيخ يتصرّف في كتاباته وينقّحها، ولم يُعلن عن النّسخة النّهائيّة والحاسمة، فإنّ مؤلَّفه يبقى تصنيفا وهو المرحلة التي تسبق مرحلة التحوّل كتابًا. فالتّصنيفُ مرحلة وسطى بين التّقييدات والكتاب في صيغته النّهائيّة. وكنّا قد أشرنا أعلاه إلى خبر متعلّق باللّيث بن سعد حيث استغرب أحد التّلاميذ أنْ في كتابه «غير هذا، فأجابه: في كتابي أو في كتبنا، ما إذا مرّ بنا هذّبناه بعقولنا وألسنتنا». لكنّ هذا الفقيه المصريّ لم يتجاوز، للأسف، مرحلة التّصنيف، فقد انفضّ عنه تلاميذه. والحال أنّ هؤلاء هم في الغالب الذين يضطلعون بنقل المكتوب من طور المُصنَّف إلى طور الكتاب التّام. ونستحضر في هذا الإطار القول المنسوب إلى الشّافعيّ: «كان اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ أَفْقَهَ مِنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ إِلَّا أَنَّهُ ضَيَّعَهُ أَصْحَابُهُ». وكما قال ريجيس دوبريه، حقًّا، إنّ «التّلاميذ هم الذين يصنعون الأساتذة». أي أنّهم، في هذا السّياق، يخلّدون ذكرى شيوخهم بحفظهم ما صنّفوا وضبط مادّته لتصبح كتابًا يُنشر في كلّ مكان. ويميّز العلماء المسلمون بين الحلقة التي يحضرها جميع النّاس، حتّى الأميّين منهم، وبين حلقة الخاصّة التي تضمّ فقط طلاّب العلم. والعلماء معتمدون في بثّ علومهم على هؤلاء الطلبة وحدهم. ويلفت جودي انتباهنا إلى فكرة أنّه حتّى النّصوص القديمة ذات الصّيت كشريعة حمورابي وقصّة بدء الخلق، وملحمة جلجامش كانت مقصورة على المجال التّعليميّ، أي أنّها حكرٌ على نخبة محدّدة. ويروي الخطيب البغداديّ أنّ «محمّد بن إسحاق السرّاج استعار من ابن أبي خيثمة شيئًا من (كتاب) «التّاريخ». فقال: يا أبا العبّاس عليّ يمينٌ أنْ لا أحدّث بهذا الكتاب إلاّ على الوجه». ويثير وانزبرو إشكاليّة نسبة كتاب إلى مؤلَّف بعيْنه، في القرون الإسلاميّة الأولى. إذ تُظهر المصنّفات الأولى بجلاء أثارًا لعديد المحرّرين. إذ يورد ابن سعد (ت.230هـ/844م) في طبقاته مثلًا تراجم شخصيّات ويذكر تواريخ وفاتهم، والحال أنّهم ماتوا بعده. وفي هذا الكتاب نجد كذلك ترجمة تتعلّق بابن سعد نفسه، تذكر بدقّة، رغم إيجازها، تاريخ وفاته ومدفنه وسنّه. ولا ريب أنّ هذا من عمل أحد تلاميذه، لعلّه الحسين بن فهم (ت.289هـ/901م). ويثبت أصحاب التّراجم نسبة كتاب المغازي إلى عروة، إذ هو أوّل من صنّف فيها، ولعلّه أوّل كتاب في الأدب الإسلاميّ بأكمله. ويؤكّد ابن النّديم وجود هذا كتاب مغازي عروة بن الزّبير، وينسبه إلى الحسن الزّياديّ (ت.243هـ/857م)، وذكر معلومة مهمّة عن هذا القاضي الشّغوف بجمع الكتب: «كان يَعْمَلُ الكُتب (…) وكانت له خِزَانَةٌ حَسَنَةٌ كبيرةٌ”. ولا ريب في أنّ الحسن هو الذي صاغ هذا الكتاب اعتمادًا على روايات عروة بن الزبير المتناثرة هنا وهناك. ويورد الذّهبيّ أنّ أبا الأسود الأَسَدِيَّ يتيم عروة (ت. 135هـ/752م)، “نَزَلَ مِصْر، وَحَدَّثَ بِهَا بِكِتَابِ المَغَازِي لِعُرْوَةَ بنِ الزُّبَيْر». وليست هذه اللّمع التي ذكرها الذّهبيّ تثبتُ أبدا أنّ عروة صنع في حياته كتابًا قائم الذّات. إنّها، على العكس من ذلك، تبرهن على صحّة ما ذهبنا إليه من أنّ التلاميذ يسعوْن إلى تطوير تقييدات دروس شيوخهم أو تصانيفهم، لتصبح كتابا حقّا. وبذلك يحقّق اللاّحق ما لم يكن عروة نفسه قد أنجزه أبدًا.
ج- ظهور الكتاب (في نسخته النّهائيّة):
ولم ينقطع، على ما يبدو، الالتباسُ الحاصل بين لفظ كتاب بمعنى المكتوب، وهو التّقييدات التي تُؤخذُ حين الدّرس أو أنّه جذاذات منظّمة لما يلقيه الشّيخ، وبين كتاب بمعنى النّسخة النّهائيّة، والكاملة نوعًا ما، لدروس الشّيخ التي ربّما أقرّها بنفسه. وكان الفقيه الشافعيّ القفّال الكبير (ت. 365هـ/975م)، حتى النّصف الثّاني من القرن العاشر الميلادي، يقسّم كتابه محاسن الشريعة إلى أربعة مصاحف، أي أجزاء، تُقسَّم إلى كتب، ثم تكون الكتب أبوابًا. ويخبرنا الجاحظ، قبل القفّال بأكثر من قرن، بوضوح في البيان والتّبيين أنْ: «كانت العادة في كتب الحيوان أن أجعل في كلّ مصحف من مصاحفها عشر ورقات من نوادر الأشعار». ومن الواضح أنّ الجاحظ يدلّ بالمصحفِ على معنى الجزء، فهو يذكر في نهاية كلّ جزء أنْ «كمُل المُصحف كذا (يذكر رقمه) من كتاب… ويتلوه كذا (يذكر رقم المصحف ومضمونه)». وقد ارتبط كذلك، على الأرجح، تطوّر مفهوم «كتاب» أيضًا بتطوّر وسائط الكتابة، أي بصناعة الكتاب. فقد كان ورق البرديّ المصريّ هو المعتمد عند الأمويّين، في مختلف الدواوين حتى القرن الثّامن الميلادي. في حين كان بنو العبّاس، الذين توزّر لهم الفرس البرامكة، أكثر تأثّرًا بالأعراف الفارسيّة، فاستبدلوا بالبرديّ الرّقَّ الذي يعود أصله إلى آسيا الصّغرى. وقد كانت لفائف البرديّ أو الرقّ ذات صلاحيّة محدودة، فكان لا بدّ من نسخ مضمونها، بعد عقود، على لفائف جديدة، ومع كلّ إعادة نسخ، كانت ثمّة فرصة لإدخال تعديلات: بالإضافة أو الحذف. وعُدَّ منعرجًا حاسمًا إدخالُ جعفر بن يحي البرمكيِّ (ت.187هـ/ 803م) وزير الرّشيد استعمالَ الورقِ في الدّواوين الحكوميّة أواخر القرن الثّامن الميلادي وبداية القرن التّاسع. وكانت الإمبراطوريّة السّاسانيّة على معرفةٌ بالورق، مع أنّها لم تكن تصنعه، فتستورده من الصين. والظّاهر أنّ هذه الإصلاحات تُعزى إلى انخفاض تكلفة هذه المادّة، وتحديدًا، إلى استحالة كشط الورق أو غسله، خلافًا للبرديّ والرقّ. ويفسّر انهيارٌ عظيمٌ مزلزلٌ المجتمعَ هذا الانتقال من الشّفويّ إلى المكتوب، أو حتّى نكون أكثر دقّةً، من سيادة الشّفويّ إلى تفوّق المكتوب. كتب مندلسون سنة 1783، أي قبل وفاته بثلاث سنوات: أعتقد أنّ التحوّل الذي وقع بفعل الكتابة في مختلف مراحل الثّقافة كان منذ زمن بعيد عنصرًا مهمّا في الثّورات التي عرفتها المعارف الإنسانيّة عمومًا، وتحديدًا، في التحوّلات المختلفة التي شهدتها الآراء والمفاهيم المتعلّقة بالمواضيع الدّينية، وإنْ لم تكن هي السّببُ الوحيد وراء ذلك، فإنّها كانت، وأسبابٌ أخرى ثانويّةٌ، مساهمة، في ذلك، على نحو واضح». لقد لاحظ سولير ذلك جيدًا في علاقة باليهود الذين راهنوا على الكتابة لمّا تعرّضت الإيديولوجيا الموسويّة، حسب قوله، إلى الضّرر الشّديد بسقوط السامرة وتدمير مملكة إسرائيل. ويضيف أنّه لم ينتجْ عن سقوط القدس عاصمة مملكة يهوذا سوى تعزيز هذا التيّار. وقد استشعر الأثينيّون الحاجة نفسها عندما تلقّى دراكون وهو مشرّع أثينيّ من القرن السّابع قبل الميلاد، الأمر بتدوين القوانين في أثينا، عام 621 قبل الميلاد. ويرى عالم المصريّات ج. أسمان (J. Assmann) أنّ التحوّل التوحيديّ قد رافقه تحوّل في وسائط التّواصل، بمعنى الانتقال من الدّين الشفويّ إلى دين المكتوب، أي، إلى الكتاب.
ومن المحتمل أنْ تمكّننا الأحداثُ التّالية: سقوط الدّولة الأمويّة سنة 132هـ/750م، وتفكّك وحدة الأُمّة: الخلافة في العراق، الأمويّون في الأندلس سنة 139هـ/756م، والأدارسة بالمغرب سنة 173هـ/789م، من فهم هذا الانتقال ضمن السّياق الإسلامي. ولا ريب أنّ الحافز المباشر الذي سرّع هذا التحوّل هو توسّع السيطرة الإسلاميّة على آسيا الوسطى، وهي منطقة كانت، حتّى ذاك الحين، تحت النّفوذ الصّينيّ، عقبَ النّصر المؤزّر الذي حقّقه بنو العبّاس على ضفاف نهر طلاس. ويعلّق موريس لومبارد على نتائج هذا اللّقاء العنيف الأوّل مع الصّين بقوله: «الحكاية القائلة إنّ بعض من أُسِر في تلك المعركة من الصّينيّين قد أدخلوا صناعة الورق إلى سمرقند تنطوي على حقيقة تاريخية. ومن الجدير بالذّكر أنّ نشير إلى أنّ أخا الوزير جعفر بن يحيى، مؤسس أول مصنع ورقٍ في بغداد سنة 178هـ/795م، كان في الوقت نفسه حاكمًا لسمرقند. ومن بين مصنّفات القرن الثاني للهجرة/الثّامن للميلاد التي نجحت في التحوّل إلى كتب، بفضل، إخلاص التّلاميذ ونشاطهم، نذكر: كتاب الموطأ لمالك (ت.179هـ /795م) وكتاب الخراج لأبي يوسف (ت.182هـ /798م) وكتاب الأمّ والرّسالة للشّافعي (ت.204هـ /819م) وكتاب المسند لأحمد بن حنبل (ت.241هـ /855م) وكتاب العين للفراهيدي (ت.175هـ /791م) والكتاب لسيبويه (توفّي حوالي سنة 180هـ /796م)، والجامع الصّحيح للبخاري (ت.256هـ /869م).
صفوة القول أنّ المشافهة والمكتوب قد تعايشا، ولا ريب، منذ بدايات الإسلام. والمؤكّد أنّ التّفوّق المتبادل بينهما كان، في فترات مختلفة واضحا، لكنّه لم يكن تفوّقًا تامًّا لدرجة أن يقضيَ أحدهما على الآخر. فمنذ البدء، لم تُرفض الكتابة جملةً، رغم أنّ نقل المعرفة كان معتمدًا على الرّواية الشّفويّة، بل إنّها، على العكس، ستشهد مع مرور الزّمن توسّعًا. وهذا ما يعني أنّ الكتابة لم تتغلّب تماما على الشّفاهيّة التي ظلّت دائمًا قائمة في المدارس التّقليديّة حتّى في عصرنا هذا. وإزاء هذا التّداخل بين صيغتي التّواصل هاتيْن، قال المؤرّخ الفرنسيّ المختصّ في التّاريخ الوسيط م. باريس: «يُدرس الانتقال من الشّفويّ إلى المكتوب، ولكنّ، في مواضع أخرى، يقع الحديث عن الانتقال من المكتوب إلى الشفويّ، عندما يغدو جانب المنطوق أكثر أهمّية. ومعلوم أنّ الكتابة لا تقلّل من أهمّيّة الشفويّ، بل يمكن أن تُنعشه. مثلما هو الحال في تطوّر خطاب المحامي والخطيب والمعلّق …». غير أنّه لا يمكننا الانتهاء من هذا الفصل دون الإشارة بإيجاز إلى فئة ثالثة نشأت في العصر الرقمي. إنّها مُربكة، لأنّها تمزج المكتوب بالشفويّ أو تحتوي مظاهر الشفاهيّة، في حين أنّها تتحقّق بالمكتوب. ونضع ضمن هذه الفئة الفيديوهات، والرّسائل الإشهاريّة، ومواقع التّواصل الاجتماعيّ خاصّة فيسبوك وتويتر. فالإعلان خطاب شفويّ، موجز ودقيق، لكنّه، مع ذلك متضمّنٌ عبارات مكتوبة. والمكتوب هنا مشوَّشٌ بهذا الشفويّ السينمائيّ الطّاغي والآسر بفضل تقنيات الصورة. إنّها رسالة شفويّة- مكتوبة مصوّرة (ora-écrit filmé) إن جاز لنا تسميتها كذلك، ولا ريب أنّ ملفوظات التّواصل الاجتماعيّ وتحديدًا فيسبوك وتويتر، تُنجَز عمومًا بالمكتوب، مع أنّها تحمل بجلاء سمات الشفويّ، من ذلك على سبيل المثال، وصف وضعيّات عاديّة للحياة اليوميّة بأسلوب لا يختلف البتّة عن المحادثة الشّفويّة اليوميّة، وخصوصًا التّداول السّريع دون التريث في قراءة النصّ ببصيرة أو حسب التّعبير الشّائع: «نسخ، لصق، نشر». فهي إذن شفاهيّة مكتوبة رقميًّا.
خلاصة
د- نرى في النهاية أن أنواع المؤلّفات المكتوبة هي:
- المكتوب: وهو التّقييدات الشخصية، المسوّدات، ومعينات الذّاكرة، كالكُتُب التي يُقال إنّ عُروة أحرقها خلال موقعة الحَرّة. وقد ظهرت، على الأرجح، أولى نماذج هذا الجنس من الكتابة، حسب الموروث، في جيل الصّحابة، كصحيفة عليّ (ت.40هـ/ 660م)، عبدالله بن عمرو بن العاص (ت.63هـ/682م)، وجابر بن عبدالله (ت.78هـ/697م)، وتلك التي لخلفه همّام بن منبّه (ت.132هـ/749م) الذي روى الصّحيفة مباشرة عن الصّحابي أبي هريرة (ت.59هـ/ 678م).
- التّدوين: المجموعات الأولى التي جُمعت عادةً تحت إشراف الدّولة، وكانت موجّهة أصلاً لاستعمالها، مثل السّنن التي يُقال إنّ الزهري جمعها خلال الخلافة الأموية (نحو نهاية القرن الأول هجريًّا/بداية القرن الثامن الميلادي) في دفاتر. ووفقًا لخبريْن أوردهما ابن عبدالبرّ، فإنّ الخليفة الأوّل الذي أمر بهذا الجمع هو عمر الثّاني (حكم بين 99-101هـ/717-719م)، ويذكر الخبر الثّاني أنّ هشام بن عبدالملك (حكم بين 105-125هـ/723-743م أَقَامَ كَاتِبَيْنِ يَكْتُبَانِ عَنِ الزُّهْرِيِّ، فَأَقَامَا سَنَةً يَكْتُبَانِ عَنْهُ. ولعلّ هشاما استأنف المشروع الذي انطلق إبّان فترة حكم ابن عمه عمر الثاني. ويورد الخطيب البغداديّ خبرًا آخرَ مفاده أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ، كَتَبَ إِلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، المعاصر للزّهريّ، أنْ انْظُرْ مَا كَانَ مِنْ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه وسلم) أَوْ سُنَّةٍ أَوْ حَدِيثِ عُمْرَةٍ فَاكْتُبْهُ. ونُدرج ضمن هذه الفئة الرسائلَ التي أرسلها عروة إلى الخليفة عبدالملك بن مروان، ربّما أواخر القرن السابع، بعد هزيمة أخيه عبدالله بن الزبير (ت.73هـ/692م).
- التّصنيف: وهو ترتيب وتصنيف الموادّ في فصول، مثل سيرة ابن إسحاق وموطّأ مالك بن أنس، وبدأت هذه المرحلة، من المحتمل، بعد منتصف القرن الثّامن. وهذا الجنس من الكتابة يُفضي في النهاية إلى ما يمكن أن نسمّيه:
– الكتاب الجماعيّ أو، يمكن القول، الكتاب الجيليّ: نرى أنّ أعمال ابن إسحاق ومالك، على سبيل المثال، بدأت كمصنّفات لتصبح كتبًا حقيقيّة بفضل الإسهام الجماعيّ للتلّاميذ المنتمين إلى جيليْن على الأقلّ، نحو الرّبع الثالث من القرن التاسع.
– الكتاب في صورته النّهائيّة: المكتوب منذ البداية وفق الضّوابط والموجّه للنّشر. واكتسب هذا الأخير شكله النّهائيّ في عصر المؤلّف نفسه، ووقع تداوله كما هو. وضمن هذه الفئة نذكر مثاليْن فقط:
أ- الجاحظ (255هـ/ 868م): يضع قائمة طويلة برسائله وكتبه في مقدمة كتابه الحيوان، ويُشير إليها أيضًا في كتابه البيان والتبيين، مثلما أشرنا سابقًا: «كانت العادة في كتب الحيوان أن أجعل في كلّ مصحف من مصاحفها عشر ورقات من نوادر الأشعار».
ب- المسعودي: (346هـ/ 957م): في مروج الذّهب ينهى المسعودي عن التصرّف في الكتاب ويخوّف من ذلك قائلًا: «فمن حرّف شيئا من معناه، أو أزال ركنا من مبناه … أو بدّله أو اختصره أو نسبه إلى غيرنا… فوافاه من غضب الله … ما يعجز عنه صبره».



