العدد الحاليالعدد رقم 48ثقافات

«عبد الوهاب المسيري» وقراءة في كتابه الرائع «رحلتي الفكرية في البذور والجذور والثمر»

معجزة الكتابة: الغوص في أفكار الموتى وسيرة عبد الوهاب المسيري

إنه من الممتع قراءة أفكار الموتى!

لعل هذا أكثر ما يعجبني: الغوص في ذهن رأس ميت، قضى نحبه ودفن منذ بضعة سنوات أو أكثر، عشرة، عشرين، عقودًا طويلة أو حتى قرنًا أو اثنين من الزمان، وبرغم ذلك، برغم انقضاء أجله وفناء عمره وذوبان جسده، وبرغم اختفاء كل أثر أو رائحة أو وجود مادي له من فضاء هذا العالم، إلا أنه يعيش حقًا بيننا ويتنفس أكثر قليلًا من الأحياء الذين لا زالت لهم قلوب نابضة في صدورهم! وهكذا تفعل معجزة الكتابة، كل أفكاره ومشاعره التي تضطرب بين خافقيه ورؤاه التي اعترته في لحظة من الزمن محفوظة بين دفتي كتاب وبضعة كلمات..

وهذا الكتاب هنا هو سيرة غير ذاتية، غير موضوعية كما أصرّ وأكّد لعشرات المرات صاحبها في أسطرها، وصاحبها هو المفكر الكبير ذائع الصيت عبدالوهاب المسيري، وأنا هنا بدأت الكتاب وبي بعض الفضول لأتعرف عن قرب على طريقة تفكير هؤلاء المثقفين المتبحرين في علومهم، ثم وجدتني دون أن أدري وقد سُحبت إلى آلاف الذكريات والمواقف والأفكار الصغيرة والكبيرة، عبدالوهاب المسيري ظلّ طوال حياته تتآكله رغبة في الكتابة بشمولية واسعة وتفصيل دقيق في موضوع ما، ولعل الله سخّر له هذا العقل المفكر كي يكتب لنا أهم موسوعة تحدثت عن الصهيونية في العصر الحديث.

دمنهور: نداء الجذور وحنين الذكريات

من جديد تعود إليّ دمنهور بشكل أو بآخر، تبرز لي وتطل برأسها محيية في مرحلة ما من مراحل عمري، أراها كثيرًا في كتابات الأدباء وأراها اليوم في رحلة عبدالوهاب المسيري الفكرية، منها يبدأ شارحًا أصل تسميتها وأنه قد يكون (دم نهور) لأن الدماء سالت فيها أنهارًا ذات معارك حربية عتيقة! يتحدث عبدالوهاب المسيري عن حقول الطماطم والخس التي كان يحاذيها في أثناء مسيرته إلى المدرسة جيئة وذهابًا، فيتبدى لي على الفور منظر سماء دمنهور الممتدة وحتى الأفق، ودار الأوبرا والأشجار وحوض المياه الذي كنت أسميه ترعة ويسمونه بحرًا في أثناء طريقي للمدرسة الثانوية في دمنهور، حيث عشت لسنة واحدة كاملة قبل أن أتركها للأبد وحتى اليوم.

سعيدة جدًا لقراءتي حديثه المستفيض عن دمنهور بدءًا من سبب تسميتها بهذا الاسم، وحتى بالحديث عن عادات أهلها ولباسهم وتقاليدهم ومآدب أفراحهم وسرادق أحزانهم، ويوم العمل ويوم الإجازة، وتمازج الطب الحديث بالشعبي بين بيوتها، ووقت العصرية وكيف يُقضى، والزيارات والأطفال وأحلام الشباب والسينما التي تعرض حلقات مسلسل زورو، سعيدة لأنني أكتشف جزءًا نابضًا من قلبي، مدفونًا ربما، لكنه حي وموجود قطعًا، ينبض بحب دمنهور ويعلن بحماسة انتمائي لها ووفائي لذكراها، كنا أطفالًا ونحن نقضي فيها ما بين الشهر والشهرين في الإجازات الصيفية حيث بيتنا القديم الأول وبيت جدتي يواجهه تمامًا، وحيث صخب العائلات وحنان الخالات وفرحة اجتماعي ببناتهن، وجميع مغامراتنا مع أخويّ فوق سطح بيتنا وكنت لسبب أجهله أنفر من جلسات البنات وأعشق ألعاب الصبيان، وجميع جلساتي في شرفة بيتنا وحيدة يؤنسني كوب شاي وكلمات رواية، أثملُ حقيقة لا مجازًا بها، أحببت من قلبي بيتنا في دمنهور، كان فسيحًا تضيء الشمس كل ركن وزاوية منه، له شرفتان ونوافذ واسعة ويطل على أحد شوارع دمنهور الرئيسية التي لم تكن تخلو من المارة والعربات.

أذكر أنني وجدت ذات هذا الدفء والجو في روايات عجوزي الحبيب المفضل رفعت إسماعيل، تحديدًا كوب الشاي و«البلكونة» وثمالة الأحلام التي لا تنتهي، أحب أنني واحدة من أهالي دمنهور الذين يتحدث عنهم عبد الوهاب المسيري، حتى وإن جئت متأخرة، ومن كوكبة الحداثة التي لم تكن تروق له، يذكرني الأمر بذات إحساس الانتماء والوفاء والذي شعرته مع عزيز ضياء وهو يتحدث عن طفولة المدينة المنورة وشوارعها وأزقتها وتاريخها في النضال وأسماء الأحياء والكلمات التي تتميز بها لهجة أهل الحجاز، غريب كيف أنه ممزقة أنا بين كل زوايا الوطن العربي، ينبض لي قلب هنا وتحيا لي روح هناك!

عادات دخيلة وتطور الأدوات التعليمية

ويتأكد لي كل يوم كم أن بعض العادات هي دخيلة تمامًا على مجتمعاتنا نحن المسمين عربًا، وأولها وأظهرها وأكثرها شيوعًا حتى لم يكد بيت أو دار يخلو منها، هي عادة أعياد الميلاد حتى يألفها الطفل منذ نعومة أظفاره ويعدها حقًا من أخلص وأحق حقوقه، وكل عيد بأكوام لا حصر لها من الهدايا، من الذي أقرّ هذه العادة أول مرة؟ من فكر أنها سوف تكون فكرة مبهجة سعيدة؟! أكاد أعتبره مجرمًا، أكاد أرميه بالخيانة والتبذير وتنشئة أجيال بأكملها على قرار أهوج لا نفع فيه ولا مسرّة، ثم كيف ومتى صار جزءًا لا يتجزأ من حيوات عربية هائلة العدد، أحببت تسمية عبد الوهاب المسيري له (أهم الطقوس العلمانية الدخيلة على مجتمعاتنا).

وأذهل وأنا أرى المسيري يتحدث عن الطباشير واستخدامه للكتابة على الألواح في المدارس بمثابة تقدم وتغيير حيث كان هناك من قبل حجر أبيض يسمى الأردواز! وأفكر كيف كنت أعد أقلام السبورة المحبرة اختراعًا جديدًا وأحنّ إلى الطباشير الملون بغباره ورائحته وملمسه، حتى رأيت السبورات الذكية واستخدمتها في أثناء تدريسي اللغة العربية وأصبحت بعدها لا أذكر عن الطباشير شيئًا!

أذهلني أيضًا ما ذكره عن (العادة) وهي مبلغ مالي كان الأهالي يدفعونه للأطفال الذين يطرقون أبوابهم في العشر الأواخر من شهر رمضان نظير أن يغنوا لهم أغنية، أو ليس هذا مشابهًا لطقوس الهالوين المنتشرة اليوم؟ خاصة أن الأطفال كانوا يحملون الفوانيس في أثناء تجوالهم بين البيوت.

كيف يتحدث المسيري عن الأتاري كلعبة شديدة الحداثة تثير دهشته وهو يراها بين يدي حفيده، وكيف يعبر عن سخطه من لعب الشطرنج مع جهاز الكمبيوتر!

حكايات الأجداد وعشق القصة

يكاد الأمر يكون مشابهًا للاستماع إلى قصص جدي، وهو أمر افتراضي تمامًا من قبلي حيث لم يتسنَّ لي في حياتي هذه لقاء أحد أجدادي رحمهما الله وقد وافتهما المنية قبل مجيئي إلى الدنيا، إحساسًا بالاستمتاع والدهشة والجِدة أمام هذه القامة الكبيرة المديدة التي خاضت وجربت شتى صنوف الخبرات في عالمنا الواسع الرحب، موقف حدث في مراكش، وآخر في أحد أسواق الرياض، وثالث في جدة، ورابع في بوسطن، كل فكرة يندرج تحتها عشرات المواقف التي تنفرط من ذهن الكاتب وتسقط مباشرة من سلة ذكرياته بين صفحات الكتاب، دون تقيد بزمن أو مكان، فلا يهم إن كان هذا قد وقع في طفولته أو شبابه أو كهولته، ولا يهم أنه يقع في أيٍّ من هذه الأصقاع الأرضية الشاسعة، المهم فكرته وطرافة قصته وحكمة موعظته، وأغرق في ذكريات عبدالوهاب المسيري حتى لا أعود أذكر عن الفكرة شيئًا، أو ربما لأنني ببساطة امرأة تعشق القصة حد إهمال الفكرة في أكثر الأحيان، فطالما الحكاية طريفة ومسلية لا يعنيني أن أخرج منها بفائدة ما، إذ تكفيني متعتي ودهشتي كل الكفاية!

الهشاشة الإنسانية ووهج الشغف

«إنه لا يوجد مرض، بل يوجد مرضى».

كان عبدالوهاب المسيري يفاخر بكون الأمراض عرضًا بعيدًا دومًا عنه، وظل منكبًا على موسوعته ربع قرن من الزمان، من ثلاثيناته وحتى الخمسينيات، هذه الموسوعية التي وسمت عبدالوهاب المسيري كأحد أكثر أسماء المفكرين لامعية وتأثيرًا في وطننا العربي الإسلامي، موسوعة الصهيونية ونشأتها الواقعة في ثمانية مجلدات، وفور انتهاء العمل عليها بدأت الأمراض تدب في جسده، وكأنها تذكرت فجأة أن هذا جسد من لحم ودم وكتلة أعصاب وأوعية يمكن للأمراض أن تسرح وتمرح فيها، فجأة عرف عبدالوهاب المسيري طعم المرض وحيرة الأطباء ومذاق التخدير وأضواء غرف العمليات الزرقاء الباهتة! «لا يوجد مرض بل يوجد مرضى»، هي عبارة قالها له صديق، أي أنه لا يوجد قوالب جاهزة للمرض وأسباب معينة له، بل يوجد فقط مرضى وتختلف استجابة كل منهم للمرض نفسه، ما حيّرني هو أيهم الصحيح: هل الجسد المتين هو الذي تداعى فجأة، أم أن العمل والشغف به والإخلاص له هو الذي كان يؤخر المرض ويتجاهل أعراضه عامدًا؟!

أما هذه المفاجأة التي زلزلت عبدالوهاب المسيري بكون الإنسان في حقيقته كائنًا هشًا لا حول له ولا قوة، وأنّ كل لحظات الشباب والقوة هي في حقيقتها قصيرة وزائلة وغير مستقرة ألبتة، وأنها الشذوذ لا القاعدة، والعبور لا الطريق، فهذه معلومة استقرت في كياني منذ فترة ليست بالقصيرة، منذ دخلت أعوامي الثلاثينية ووجدتني أُدفع دفعًا عبرها سنة إثر سنة، ووجدتني أتلفت كل سنة خلفي في ذعر لأطمئن أن عشريناتي قريبة إليّ لم تزل، وفجأة صارت كل الأشياء التي كنت أهزأ بها تخيفني حقيقة، تجعلني مقالب الخضّات أصرخ، تخيفني الأصوات الليلية المجهولة التي تتسرب إليّ من نافذتي، ترهقني الأوجاع وتهد جسدي وتجعلني أهرع لأقرب كرسي زاحفة! هكذا هي الحياة ببساطة، إن الإنسان قليل الحيلة وهش وضعيف فوق ما يتخيل، وسواء وصلت إليه هذه الحقيقة البسيطة مبكرة أو متأخرة فإن هذا لا يغير منها شيئًا.

داء التأمل ورحلة الروح

«كل الأشياء الجميلة تنتهي، كل الأشياء الحزينة تنتهي»

«داء التأمل»

عدّه المسيري داء وأعدّه دواء، وهو القدرة على الخروج من قالب الزمان وتأمل كل الحدود والإمكانيات من طرف عليّ، القدرة على العيش خارج الزمن سواء في الماضي السحيق منه أم الآتي الذي قد لا تراه حقيقة، القدرة على الانفصال بروحك عن جسدك ورؤية الأمور خارج أطرها، خارج مفهومها، خارج اصطلاحاتها التي حددها لها البشر، لا أدري لِمَ لم أعتد يومًا العيش دون خيالي، هذا الجزء الذي ينبض فيّ بأكثر مما ينبض قلبي في صدري ويضخ في أوردتي بدمائه، عشت من الحياة اثنين وثلاثين عامًا لم يمر عليّ يوم واحد منها دون أن أرفع نظري وأسرح بخيالي خلال ساعاته، ذات مرة بينما كانت العربة تسير بي توقف الخيال فجأة وقررت للحظة وحيدة من الزمان أن أعيش لدقيقة فقط دون أن أسرح بخيالي، بعدها مباشرة وحتى عبرت هذه اللحظة عجزت عن التنفس حقيقة وبدت لي الأشياء كلها جامدة مخيفة حادة شديدة السطوع، من أنا دون هذا العضو الحي مني، ماذا أمثّل إذا أنا ما تركت لروحي أن تسرح قليلًا وتسوق جسدي باختيارها بدلًا من أن يسوقها طوال العمر هذا الجسد الفاني؟

أما الحيرة بين الأحزاب وأفكارها المختلفة والانتقال بين أحدها والآخر فهو أمر رأيته من الدكتور غازي القصيبي ومع المفكر أحمد أمين بل وحتى مع الدكتور مصطفى محمود، بذات والثورة والاضطرابات، وكلها تنتهي النهاية نفسها، وهي الوعي والإدراك بكم التخبط والنفاق والنرجسية والازدواجية وإفساد المعايير في أغلب هذه الأحزاب إن لم يكن جميعها، وأن دين الإسلام ونهجه القويم هو المتانة والبساطة ذاتها، وأن الاستقامة عليه تهدي نورًا في الفكر واطمئنانًا في القلب لا يهدي إليهما غيره، ولعل ثمرة هذا التنازع والتشتت الوحيدة في نظري هي الثبات من بعدها على الصراط المستقيم والاستماتة في الدفاع عن دين الله والانتفاضة في شرح أصوله وأسسه للأجيال التي سوف تأتي من بعد، علّها لا ينازعها هذا التشتت طويلًا.

في كل المذكرات الذاتية، أو غير الذاتية كما يصر عبدالوهاب المسيري، يروّعني مدى انشغال أصحابها بالثقافة والعلوم والنهل من معينها وحرصهم وعطشهم على الارتواء بأكبر قدر منها خلال سنوات شبابهم، من الكتب والقصائد والتاريخ إلى المسارح والسينما والمقاهي التي تدور النقاشات الثقافية فيها مع حلقات الدخان حتى تبلغ السقف، إصرار دؤوب على التعلم مهما كان الثمن، وأعجبتني هذه المرة كيف رافقت زوجة عبدالوهاب المسيري زوجها في كل خطوات هذه الرحلة الثقافية الشاقة والشيقة، وكيف حصل على الدكتوراه ثم تبعته هي، وكيف كانا يسكنان ذات الغرف الضيقة زهيدة الثمن ويرتادان دور السينما ويجوبان شوارع نيويورك طولًا وعرضًا، ولم يمنعها حملها في ابنتهما نور من تفويت أي من هذه المتع.

من الشّك إلى الإيمان: الاستخلاف الإلهي

«كائن أقدامه مغروسة في الوحل، وعيونه شاخصة إلى النجوم»

يشرح الدكتور عبدالوهاب المسيري بالتفصيل كيف بدأ يتحرر من شرنقة الشّك الخانقة ويتغلغل في وجدانه أكثر فأكثر مفهوم الإنسان باعتباره كائنًا استخلفه الله في الأرض، وأوجده فيها لعمارتها، وكيف أنه في شتى الأنحاء متى ما أنكر هذا الوجود، هذه الحقيقة، هذا الشطر الروحي الجوهري منه صار تعيسًا تائهًا تتقلبه أمواج الحياة ورياحها دون أن تستقر قدمه على أرض صلبة، «كائن أقدامه مغروسة في الوحل، وعيونه شاخصة إلى النجوم»، لا يقنع ولا يهدأ ولا يرحمه الليل والتساؤل والحيرة التي تمزقه إربًا، هكذا هو طالما بعد عن مصدر الروح منه، وقد ساعده في الاهتداء إلى هذا الاستنتاج نشأته في دمنهور القائمة على التواد والتراحم، ساعده ميلاد ابنته نور، وكيف ذهل لمشاعر الأبوة التي عصفت به وهو يراقب هذا الكائن الوديع ذو العينين المتسعتين ويغرق حتى أذنيه في حبه، ساعده تحول زوجته وزميلته من امرأة عاملة عاشقة للعلم والسينما إلى كائن أمومي هش يحتضن وليده بين ذراعيه وتفيض عيناها لأجله وتهجر الدنيا بأسرها في سبيل ضحكة واحدة من ثغره! ذكرني هذا الجزء بمذكرات دكتور مصطفى محمود الأكثر من رائعة (رحلتي من الشك إلى الإيمان)، كلهم تقريبًا يمر بالمراحل ذاتها وينتهي إلى المحطة ذاتها، وهذا بديهي فالروح تجنح إلى بارئها، هذه البذرة التي نُخلق بها تهفو إلى خالقها، وتظل عطشى حتى ترتوي، تائهة حيرى حتى تهديها بوصلتها إلى الذي ذرأها جلّ علاه.

النموذج الأمريكي: زيف الحرية وتفكك الفطرة

«مرفأ في عالم بلا قلب»

من أكثر الأمور المثيرة للاهتمام التي تحدث عنها عبدالوهاب المسيري هي الإنسان الأمريكي ومدى عطب كل مثله ولا أخلاقيات أخلاقه وتفاهة جدواه التي أمضى عقودًا يثرثر بها ويملأ الدنيا صخبًا بأهميتها، وكيف أن حريته هي في حقيقتها قيد، فحين يقبل كل ما يباع له من إعلانات وأخلاقيات معلبة جاهزة في كبسولات ليطالعها فهو في الحقيقة مأسور وليس حرًا، وحين يرتدي كل ثيابه تمامًا حسب «الموضة» فهو في الحقيقة في سجن، فذوقه وتفكيره وألوان ملابسه تُملى عليه إملاءً! وهي حقيقة متناهية البساطة لطالما أصررت عليها: «أن اتباع الموضة وتقليدها لهو التخلف عينه لا التحضر»! لماذا عليّ أن أرتدي ثيابي بطريقة معينة أو بلون محدد أو وفق معايير مُختارة لي؟! لماذا عليها أن تحمل علامة ماركة شهيرة حتى أُعدّ من المرموقين أصحاب الذوق العالي؟!!

كما تحدث عن نظرية مثيرة، وهي أن كثرة الاختيارات وتعددها وتنوعها التي تمنح للشباب الأمريكي في سن صغيرة جدًا تؤدي في الواقع إلى تشتتهم وضياعهم وصعوبة الارتياح إلى خيار صلب واعتماده والاطمئنان عليه لاحقًا، حيث تقض الأسئلة والهواجس دومًا مضجعه، إن كان قد أحسن الاختيار أم لا، ويذهب إلى ضرورة تقويمه في صغره أولًا وحسن تنشئته وتعاهد غرسه ثم تركه بعد ذلك ليختار ما يطيب له بعد أن يكون قد استقام عوده ونهل من نبع خير أولًا، لكن ذلك بالطبع يؤدي مباشرة إلى معضلة أخرى تنخر قلب المجتمع الأمريكي ألا وهي الأسرة التي لم تعد بأي حال تحوي معنى واحدًا من معاني الأسرة!

ومن القصص الحزينة المدهشة التي توضح غياب مفهوم الطبيعة البشرية وكيف أنها تحول الإنسان إلى شخص مقولب يكذّب فطرته، يكذّب حتى إنسانيته، قصة طالبة وصفها بأنها «طالبتي الثورية المتميزة»، كانت هذه الطالبة تحصل على تقديرات عالية في النصف الأول من الفصل الدراسي، ولكنه فوجئ بأن تقديراتها بدأت تنخفض بسرعة، ولما سألها عن السبب قالت أن زوجها صارت له عشيقة، وأنهما ينامان على السرير في غرفة نومها، فتضطر هي إلى النوم على الأريكة في الصالة. ولكنها بدلًا من أن تعبِّر عن أي مشاعر إنسانية فطرية، أخبرته بموضوعية شديدة أن «الأريكة في الصالة غير مريحة، ولذا فهي لا تستطيع النوم». فما كان من الدكتور إلا أن أخبرها ساخرًا بأن عليها إذن أن تشتري أريكة جديدة مريحة!

ويغضبني بشدة كيف يتناول رجال مفكرون عُرفوا بالذكاء والحنكة والفهم العميق والتحليل المنطقي، ثم لا يتناولون الأمور إلا بحسب النظريات المادية التي وضعها الإنس فقط، فيلبثون أعوامًا بل أعمارًا كاملة يدورون ويلفون ويتخيرون بين النظريات الكثيرة وأصحابها الأكثر، وآخر ما يجول في خاطرهم وأبعد ما يمر بأذهانهم هو التفسير الإلهي، وبعد بحث طويل مضنٍ يفتّت الفكر والعمر يتضح لهم أن المنظور الإسلامي هو الأصح وهو المنطق العقلاني عينه، فمثلًا كان عبدالوهاب المسيري يصدق النظرية القائلة بأن الشرق مسكين مكبوت جنسيًا وأنه لو ترك له الأمر كما يشتهي لصار أكثر ارتياحًا وتعقلًا، ثم عاش شطرًا كبيرًا من عمره في أمريكا ليتفاجأ بما أسماه «السعار الجنسي»! والمصائب التي تحدث من تحت رأسه، وذهل بعدم اكتفاء القوم هناك قط، وكأنهم في جوع دائم لا يهدأ مهما أطعموه، وبالتالي لم يعد هناك أسرة لأن القدرة على الاستقرار صارت معدومة تقريبًا، وهذا يصطدم مباشرة مع فاعلية قاعدته التي بها آمن.

تهذيب النفس في المنظور الإسلامي

«وَالنَّفْسُ كَالطِّفْلِ إِنْ تُهْمِلْهُ شَبَّ عَلَى

                         حُبِّ الرَّضَاعِ وَإِنْ تَفْطِمْهُ يَنْفَطِمِ»

قاعدة إسلامية بسيطة وهي أن تهذيب النفس وتزكيتها هو ما يكبح جماح المرء حقًا، وأن اعتياد الفضائل والمروءات والطهارة يطبع على الروح وقارًا واطمئنانًا وينحو بها نحو حياة مستقرة آمنة، والعكس بالعكس، فاعتياد الرذائل والخبائث وألفة ممارستها وكأنها شيء طبيعي كالأكل والتريّض يهوي بالنفس لأعماق مظلمة سحيقة وينزع عنها آدميتها ويلقيها في عذاب من القلق والشك والاضطراب، «نكتةٌ في القلب بيضاء ونكتةٌ في القلب سوداء»، انظر كيف تكون الحياة يسيرة سهلة عذبة بقاعدة واحدة فقط مستقاة من تعاليم الإسلام؟!

ويشرح عبدالوهاب المسيري بتفصيل شديد يتخلل قصصًا ومواقف لا حصر لها رحلة تحوله من الإيمان المطلق بالماديات فحسب إلى رحابة الإنسانية وأفق الروح الواسع، وكان أول ما أثبت له حتمية اتصال ثنائية الروح والمادة هو أنه كم تبدو الأمور كلها مجردة، قاحلة، فقيرة جدًا دون جوهر الروح منها، وكيف يستحيل الناس وحوشًا إذا هم نظروا لأقرانهم من البشر من منظور مادي بحت فقط، فالخوف والحنين والرقة والحزن والتوق، جميعها أمور حية تمامًا موجودة فعلًا مثلها مثل الدموع التي تنهمر على الوجنتين إثرها، مثلها مثل الأعصاب والدماء والأعضاء والقدم التي بها تمشي واليد التي بها تكتب، لا تفرق عنهم شيئًا، ولله در هذا الإنسان كم هو وحيد بائس حين يعتمد على عقله فقط ويترك أكثر الغيبيات! لكن هذه الرحلة طالت كثيرًا مع عبدالوهاب المسيري وقضمتْ ربع قرن من عمره! خمسة وعشرون عامًا يسأل ويبحث ويتحير ويلتهم الشك روحه، حتى انتهى به الأمر أن كفر بالعالم المادي المطلق الذي يقدس الجسد الفاني ويهمل الروح الخالدة، وحتى وقف يستمع لأذان الفجر يهزّه لأول مرة من الأعماق هزًّا! وآمن أن الثابت الوحيد في العالم هو خالقه جلّ جلاله وما عداه ممكن أن يتغير ويتحول وأن الإنسان أبدًا لن يحيط بكل شيء علمًا وأنه مثل النحوي الذي قضى حياته يفتش عن معنى كلمة واحدة ثم مات وهو يقول كلمته الأخيرة «أموت وفي نفسي شيء من حتى».

ومثل خيوط صغيرة تشكل نسيجًا متماسكًا، ومثل قطع أحجية تستقر في موضعها الصحيح، كانت كل هذه الطرق والتساؤلات هداية لصاحبها، وفيما بعد ساعدته أيما مساعدة في وضع موسوعته التي تحدث فيها عن الصهيونية ودقائق نشأتها وعن موقف أمريكا منها التي تتباهى بعلمانيتها ثم تدعم هذا الكيان استنادًا لأساطير خزعبلية ادّعى فيها أن الأرض موعودة له! ولله سبحانه الحكمة من قبل ومن بعد.

تفكيك الأكاذيب الصهيونية والنموذج المادي

«أرض بلا شعب، لشعب بلا أرض»

هو شعار الصهيونية الذي باتت اليوم تحرص على إخفائه، ويعني أن فلسطين هي أرض لا سكان فيها، وأنها هي أرض اليهود الذين لا أرض لهم! انظر كيف كانت نظرتهم لأرض فلسطين وشعبها الطيب منذ البداية، «أرض بلا شعب» وكأنهم هواء، لا وجود لهم، أو لا أهمية لوجودهم!

وكلما قرأت عن منشأ الصهيونية ازددت احتقارًا وبغضًا لها، تخيل أنه عندما كان عبدالوهاب المسيري طالبًا جامعيًا شابًا، أي في ستينيات القرن الماضي، لم تكن الصهيونية معروفة عالميًا إلا أنها بضع عصابات متفرقة ويمكن للعرب التخلص منها في أي وقت وبكل الطرق! وكان بني صهيون يؤكدون للجميع أنهم لا يريدون الاستيلاء على فلسطين لا سمح الله، بل هدفهم فقط إنشاء وطن بديل لليهود بعد الشتات الذي أصابهم! أقرأ هذا وأتذكر وزيرهم يتفاخر منذ مدة قصيرة بالغرف التي سيتم إعدام الشباب الفلسطيني فيها! وأتذكر المجازر التي لم تبرد دماؤها بعد وأتذكر الشتات الحقيقي الذي أصاب إخوتنا في فلسطين، رباه أين وصلنا وكيف وصلنا إلى هذه النقطة!!

ومن الطريف أنك كنت إذا أردت أن تتحدث عنها بسوء فيجب ألا تذكر اسمها صراحة بل تقول الدولة «المزعومة»، ذكرني الأمر بفولدمورت الساحر الشرير في هاري بوتر، «الشخص الذي لا يجب ذكر اسمه» كما كان السحرة المذعورون يهمسون، فالخوف منه حتى بعد أن سقط واختفى كان يمنعهم من ذكر اسمه صراحة، ثم يأتي دمبلدور ساحر الحق والقوة ويعلم هاري أنه لا بد أن ينطق باسمه بداية إذا أراد مجرد التفكير في هزيمته، وأن الأساطير التي تُحاك حول الطغاة هي ما يشجع طغيانهم!

نفي الأسطورة وحتمية تفكيك الكيان

«لهذا، وبرغم إحساسي الغامر بخطورة الغزوة الصهيونية (بحُسبانها تعبيرًا أخيرًا وحادًّا عن الغزوة الحضارية والعسكرية الغربية)، وبرغم إيماني العميق بضرورة التصدي لها، فقد عرفت منذ البداية أيضًا أن اليهود ليسوا عباقرة أو شياطين، وإنما بشر يمكن الحديث معهم، ويمكن إراقة دمهم، وأن عوامل القوة والضعف والحياة والموت كامنة في هذا الكيان الضخم، وأنه من الممكن التحدث عن لحظة سقوطه، ومن الممكن أيضًا مناقشة الآليات التي تؤدي إلى ذلك».

ويتحدث المسيري باستفاضة كيف أن الصهيونية هي كيان شأنه شأن كل الكيانات الأخرى التي تنشأ وتحاول أن تبني حضارة لنفسها، بمعنى أنها ليست شيئًا خارقًا عن المعتاد، وأن الشطط في إثبات شرها الخالص أو تصويرها وكأنها أحد الأبالسة لهو شيء يخدم الصهيونية ويقدم لها الدعاية بالمجان ويجعلها ماردًا مخيفًا في أعين العرب! بل إن كل محاولات التهديد التي وصلته كانت في نظره غير متفردة بل وسيلة تستخدمها أي دولة ضد من يعاديها، وهو منظور جديد بالنسبة لي تمامًا، الأساطير مجددًا التي تُبنى حول الأعداء تجعل منهم شيئًا خارقًا يصعب المساس به، في حين أنك لو نظرت إليه على حقيقته: أناس يحاولون إنشاء دولة على أرض ليست لهم وعلى حساب أهل هذه الأرض، فأنت وقتها فقط تستطيع تقييم الموقف بحكمة.

«ولكن الأدهى والأمر، أن هذا النموذج لا يفيد كثيرًا من الناحية العملية. فابتداءً يرى أصحابه أن الصهيونية، ومن ثم عداءنا لإسرائيل، مصدره هو نزعة اليهود الشيطانية. واستنادًا إلى هذه الرؤية المخيفة، قد ينجح نموذج المؤامرة في مراحله الأولى في تخويف الجماهير وتوليد العداء للعدو الصهيوني، بل وفي تجنيدها ضده.

وَلكنه بعد قليل سيجابه الحقيقة المرة وهي أن الناس قد يصدقون ما يبشر به هو نفسه، وهو أن اليهود شياطين، قوة لا تقهر (مثل جيش الدفاع الإسرائيلي). وأنهم يحكمون العالم، وأن أيديهم الخفية موجودة حقًا في كل مكان، ومن ذا الذي يريد التصدي لقوة هائلة مثل هذه تشبه القضاء والقدر، وتحكم العالم بأسره وتمتد أيديها الخفية لكل مكان؟

إن مثل هذه الرؤية تحول اليهود إلى عباقرة وشياطين، أي قوة عجائبية. فأما إن كانوا شياطين فنحن لا نملك إلا الاستعاذة بالله أو الفرار أو الاستسلام، وأما إن كانوا شعبًا من العباقرة، يدهم الخفية متحكمة في العالم بأسره، فبطبيعة الحال لا قِبَل لنا بالحرب ضدهم، فهذا، يقينًا، فوق طاقة البشر، أليس كذلك؟ وبذا يكون نموذج العداء لليهود تعبيرًا عن فكر السلبية والاستسلام والهزيمة الذي يخرج بعدونا من سياق ما هو إنساني وتاريخي وزمني، ويجعل منه كائنًا يضرب بجذوره في أسباب مفارقة للتاريخ والفعل التاريخي، ويقذف بنا في خندق مظلم.

ويخيل لي أن إدمان بعض العرب لهذا النموذج هو محاولة غير واعية منهم لأن يستعيدوا شيئًا من التوازن النفسي أمام عدو استولى على أرضنا ثم ألحق بنا الهزائم. ونحن ننسب له قوة خارقة، حتى يتم تسويغ الهزيمة، لأنه لو كان عاديًا يمكن إلحاق الهزيمة به، سيظهر ضعفنا وهواننا أمام أنفسنا».

وفي إحدى محاضراته، صرخ أحدهم: «إن حربنا ضد اليهود إلى قيام الساعة»، فانتظر المسيري أن يهدأ تصفيق القاعة ليُعقّب بهدوء: «إِن هذا القول يعني أن قيام دولة إسرائيل جزء من مخطط إلهي، وأن انتصاراتها علينا (أمر مكتوب) علينا تقبله إلى أن تحين الساعة!».

وفي مناسبة أخرى ذكر أحدهم أمامه أن اليهود قتلة الأنبياء، فقال المسيري نعم لكن الصهاينة اليوم لم يقتلو أي نبي لسبب واحد بسيط هو أنه لا يوجد أنبياء اليوم!

ما أراد المسيري بشدة أن يوصله هو أن اعتبار قيام إسرائيل جزءًا من مخطط كبير ومن مؤامرة أكبر، وأن أصابع اليهود تلعب في الخفاء على كل الحبال، وأنها امتداد لليهودية القديمة الضاربة في التاريخ، هو أمر في الواقع يدعو للاستسلام! في المقابل يجب أن ننظر إلى الصهيونية على حقيقتها: وهي أنها حركة إمبريالية غربية نشأت في القرن التاسع عشر في أحضان الحضارة الغربية لتنفيذ مصالحها في الشرق، ولولا دعمها لأصبحت الصهيونية مجرد شعارات، وعلى هذا الأساس يمكن تمحيص الخطط الصهيونية ودراستها وتفكيكها ومن ثم إعداد مخطط مناهض لها.

ظاهرة التنصيص والمواجهة الفكرية

كما تحدث عن ظاهرة التنصيص، أي أخذ كل ادعاءات اليهود والتعامل معها على أنها حقائق! «وقد استشرى مرض النصوصية وانتقل من اقتباس العهد القديم إلى اقتباس أي تصريح صهيوني وتصديقه والإشارة إليه بشكل يَعُدِّه جزءًا من المخطط القديم ومن الواقع الذي يتشكل في الحاضر، دون أي محاولة لتجاوز هذه الادعاءات بالدراسة والتأمل. فعلى سبيل المثال، حينما صرح أحد الصهاينة عام 1983 بأنه سيتم توطين مليون يهودي في الضفة الغربية قبل نهاية القرن الحالي، ارتجف الجميع واقتبسوا هذا القول بموضوعية متلقية بلهاء، دون أن يخضعوه للاختبار، ودون أن يسألوا بعض الأسئلة البدهية: من أين سيأتي هذا الصهيوني بكل هؤلاء المستوطنين؟ وبحلول عام 1988 كان عدد المستوطنين لا يزال لا يتجاوز 130 ألفًا، وأدلى المسؤول الصهيوني نفسه بتصريح مليوني آخر، ومرة أخرى ارتجف الجميع واقتبسوا أقواله ببغائية مذهلة. ولعل هجرة اليهود السوفيت من أهم الشواهد على ظاهر القضية. إذ كانت الصحف العربية تقتبس (توقعات) الصهاينة بهجرة الملايين، وكأنها حقائق، في الوقت الذي كان عدد يهود الاتحاد السوفيتي لا يتجاوز مليونًا ونصف المليون! والمطلوب هو أن نخضع مقولات الصهاينة للتمحيص والتساؤل».

ولم تكن الموسوعة هي السلاح الوحيد الذي استخدمه المسيري ضد الصهيونية، بل كان يخوض حربًا معهم أسماها حربًا فكرية هادئة، لكنها كانت تسبب لهم ألمًا شديدًا، لأنها تنخس بإصبعها جروحًا متقيحة في الجدار الصهيوني، مثل أنه كان يحاضر في أمريكا ويقول: «كنت أشير إلى علمنة يهود الولايات المتحدة وانصرافهم عن الشعائر اليهودية، فقلت أنه إذا أتى أحد حاخامات اليهود من القرن التاسع عشر معنا، فإنه سيجد فيّ أنا المسلم صفات يهودية أكثر مما يجد فيهم! فأنا على الأقل مؤمن بالله وباليوم الآخر وهو الأمر الذي لا ينطبق على غالبية يهود أمريكا الساحقة».

ويقول في اجتماع آخر: «وبدلًا من أن أتحدث في الاجتماع من منظور إسلامي، تحدثت من منظور مسيحي / يهودي أخلاقي، وأخبرتهم بأن الوصايا العشر لا تسمح بقيام إسرائيل، فقد اغتصبت الأرض وطردت سكانها، وقد شعر رجل الدين اليهودي بحرج شديد إذ فوّتُ عليه الفرصة تمامًا لترديد الديباجات الصهيونية المعتادة، وقد تعاطف معي رجل الدين المسيحي».

أسطورة بيع الأرض والتشابه النازي الصهيوني

ويتحدث المسيري عن مسألة «الفلسطيني باع أرضه» وكيف أنها إشاعات من تدبير الصهاينة، وكيف أنه لم يصدقها قط نظرًا لأنه يعرف أن الفلاح لا يبيع أرضه أبدًا ولا يخرج منها إلا مجبرًا مضطرًا، وأسرح وأنا أتذكر عدد المرات التي سمعت فيها هذه العبارة، كان الغيظ والغضب يحتدمان في صدري فور سماعها، كنت متأكدة أنها أكاذيب ويذهلني أن أسمع إنسانًا بالغًا عاقلًا يرددها حقيقة! اليوم بعد كل هذه المجازر نعرف جميعًا ما يحدث للفلسطيني الذي يمتلك ذراعًا من أرض فلسطين، وأسأل نفسي أكانت لزامًا كل هذه الدماء حتى نصدق أخيرًا؟!

كما أنه يشير إلى مدى التشابه الكبير بين النازية والصهيونية، هتلر الذي اتخذته الصهيونية غطاء لها ومبررًا لأفعالها ما هو في الواقع إلا الفكر ذاته الذي تتبعه الصهيونية وبكل حذافيره! فكما آمن هتلر بتفوق العرق الآري ومن ثم احتقر كل الأعراق الأخرى واستحلّ دماءها، فهذا بالضبط ما تفعله الصهيونية باعتبار تفوق اليهود وحق دولتهم في البقاء الذي لا يمكن بحال أن تقف في وجهه أية أعراق أخرى! كما تحدث عن أنه كيف في الحضارتين هناك عقلانية في الوسائل والإجراءات ولا عقلانية في الهدف، وهو تشابه بدأ يظهر بشدة مؤخرًا بين رواد مواقع التواصل الاجتماعي، وكأن العالم فجأة تنبه له وذهل من المفارقة! وبالطبع عرض في حديثه للإشارة إلى المذابح التي تزعم الصهيونية أن هتلر أقامها في حق اليهود، بينما كل المصادر التاريخية تؤكد أن الاضطهاد كان موجهًا للمجر والروس وفئات كثيرة ممن رأتهم الدولة النازية أعداء لها، ولم تقتصر الإبادة قط على اليهود فقط، وهذا بالطبع ينافي كل ادعاءاتهم التي أصابونا بالصداع بسببها.

أطفال الحجارة وبذور الفناء الداخلي

«أطفال الحجارة»

«إن كل ما ينغص على المستوطنين حياتهم هو في نهاية الأمر إحباط للمخطط الصهيوني»

في طفولة المسيري في دمنهور، اعتاد الأطفال إلقاء الحجارة على جنود الإنجليز، لم يكن الحجر ليؤذيهم بأي حال من الأحوال، ولكن مجرد محاولة إزعاجهم كانت جديرة بالمخاطرة، كما أن الحجر سلاح محلي، لا يُستورد من الخارج ولا يتطلب تدريبًا، «إن هدموا بيتك فسينهار حجارة، خذ الحجارة وقاتل من جديد»، هكذا عاش أطفال فلسطين لعشرات السنوات حقيقة، والمذهل أن المسيري أخذ يرصد الاجتماعات التي أقيمت عند المجتمع الصهيوني، والجرائد التي كتبت، والمقالات التي رُصدت فقط من أجل هذه الحجارة، كم سببت لهم إزعاجًا وضيقًا بل وخوفًا! هكذا يخبرك المسيري بكل منطقية وبدون غضبات كبرى أو انفعال كيف أن الصهيونية عدو يمكن قهره إذا أراد العرب.

ومن الطرق التي فاجأتني بشدة والتي تحدث عنها المسيري كأحد أساليب الصهيونية في «تنويم» العرب هي إغراقهم في وسائل الرفاهية من خلال الأسواق والبنوك والسلع الاستهلاكية، وهو نفس الأسلوب الذي تتبعه لإرضاء المستوطنين داخلها وإغرائهم بالسكنى فيها، حتى أطلق عليهم المفكرون لقب «مستوطنو التكييفات أو مستوطنو سوبر لوكس»!، مما يعني أن الصهيونية تحمل بذور فنائها بداخلها، وكيف أن العصابات الصهيونية القديمة كانت تدفع الدم والمال، أما اليوم فالمستوطن لا يرغب بأكثر من عيشة هنية مترفة، وأي شيء ينغص عيشته تلك يجعله راغبًا على الفور في الهجرة، من هنا كانت الحجارة، ومن هنا كانت الانتفاضة.

وأكد المسيري على النظرة الإسلامية لليهود: «وأخيرًا أشرت إِلى أن التاريخ الإسلامي قد عامل أعضاء الجماعات اليهودية من خلال مفهوم أهل الذمة هذا، وأن تاريخ المسلمين لم يشهد عمليات هجوم أو إبادة أو طرد لليهود، وأن هناك أعدادًا كبيرة من اليهود دخلت الإسلام وحسن إسلامها وانصهرت في صفوف المسلمين».

التقاطع والافتراق: وقفة مع المنهج والمسيري

في كل السِّير التي كنت أقرؤها كنت أجدني قريبة جدًا من راويها، أكاد أشعر بكلماته تتنفس من خلال رئتي، أكاد أشعر به أبًا أو جدًا جلس وإياي لساعات يحكي وأنا منصتة مأخوذة، لكن عبدالوهاب المسيري لم أشعر باقترابه هكذا خلال قراءتي له، بل بالعكس كانت هناك العديد من المتناقضات بيننا، فأنا أكره الفلسفة وأحب الإيجاز المفيد والاختصار غير المخل، فما يستغرق ساعات لتحليله يمكن إدراكه بكلمة، وهو ما أجده في أحاديث المصطفى صلوات الله وسلامه عليه، يقول في كلمة ما يملأ عشرات الصفحات، لكن في حديثه عن فلسطين وجدتني مع المسيري قلبًا وقالبًا، هو أنا وأنا هو، نفس الإيمان بالحجارة وبصغار الانتفاضات، غير أنه هو -جزاه الله عني وعن العرب أجمعين خيرًا- أخذ على عاتقه هذه المهمة بحق واضطلع بها خير اضطلاع.

كل الكتب العظيمة سيمتها الصبر، وهذا الكتاب لا يختلف في شيء عنهم، إن مهارة المفكر والباحث عبدالوهاب المسيري تكمن في قدرته الفائقة على تحليل الموضوعات وتفكيكها بل وتفتيتها ما استطاع إلى ذلك سبيلًا، فيأتي ببذرتها الأولى ثم يتتبعها نموًا في عملية تشريحية بطيئة لا يقدر على مثلها إلا جراح ذهني بارع متقد الفكر، وهو هنا يمارس هذه العملية الجراحية لكن على ذهنه هو وذكرياته هو وتفكيره هو، كيف تكوّن وكيف نبت وكيف تبرعم حتى صار هذه الشجرة السامقة، «البذور والجذور والثمر»، بصبر وبطء وهدوء شديد وكل الوقت اللازم الذي يتطلبه للكتابة في هذا الموضوع الشائك الملتوي.

Facebook
X
WhatsApp
Threads
Telegram

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى