العدد الحاليالعدد رقم 48ثقافات

أنتَ تعرفُ هذا: الروائيُّ المُهمل وأكبر مؤامرةٍ في التاريخ

لم يشرع الروائيّ تشستر هايمز (1909–1984) في الكتابة جادًّا إلّا بعد أن أمضى في سجن ولاية أوهايو ما يزيد على عام. فقد صار من مُحبّي داشيل هاميت بعد أن قرأ في زنزانته نسخةً مُسلسَلةً من «الصقر المالطيّ». وكان العالم في الخارج يتلوّى في قبضة الكساد الكبير، بينما كان هايمز، وهو مقامرٌ نَهِم، يملك – ويا للمفارقة – من المال ما ينفقه كيف شاء، أكثر ممّا كان ليملكه لو كان طليقًا. فاشترى آلةً كاتبةً من السوق السوداء للسجناء، ومضى يقتات على ما يقرؤه من قصصٍ قصيرةٍ في «بلاك ماسك» و«كوزموبوليتان» و«ساترداي إيفنينغ بوست»، ويكتب قصصًا مماثلةً من عنده.

لم يكن هاميت وريموند تشاندلر وجيمس م. كين هم مَن ابتكروا أدب الجريمة والتحرّي الذي راج في تلك الحقبة، غير أنّ حساسيّتهم الحداثية وعنايتهم الدقيقة بالأسلوب جسرتا الهوّة بين الأدب الجماهيريّ والفنّ الرفيع. وإذا كان كلّ هذا تقريبًا ينطبق على تشستر هايمز أيضًا، فإنّ غياب اسمه المتكرّر عن قائمة هؤلاء المُمهِّدين للرواية السوداء يغدو أمرًا لافتًا على نحوٍ خاصّ. ولفهم موقع هايمز المُلتبس داخل مُدوّنة الرواية الخشنة، ينبغي أن نطرح جانبًا أوجه الشبه الكثيرة بين هؤلاء الكتّاب، وأن نُبرز اختلافًا واحدًا: أنّ تشستر هايمز كان أسود.

وهكذا، فبينما يُذكَر هاميت وتشاندلر وكين بوصفهم كتّابًا قدّموا تحليلًا أصيلًا للمجتمع الأمريكيّ، بل للحداثة نفسها، يُكتَب عن هايمز في الأغلب الأعمّ بوصفه كاتبًا كانت نظرته موجّهةً إلى الداخل قبل كلّ شيء. ففي مقالٍ يمثّل هذا التيّار خير تمثيل، يصف توماس تشاترتون ويليامز هايمز بأنّه «مهووسٌ بالكلفة النفسية لكون المرء “أسود”». وحتى في سيرته الممتازة الصادرة حديثًا عن هايمز، يختار لورنس جاكسون – الكاتب الغزير والأكاديميّ – أن يقرأه بوصفه روائيًّا كانت موهبته «تكمن في نهاية المطاف في تصويره الباطنيّ لحياة السود».

غير أنّ أعمال هايمز كانت معنيّةً على الدوام بشيءٍ آخر. فقد ذهب المُنظِّر فريدريك جيمسون مؤخّرًا إلى أنّ الجزء الأكبر من الأدب الأمريكيّ الحديث مشوبٌ بضربٍ من الوفاء لـ«وهمٍ ذهنيٍّ مُجرَّد» عن الولايات المتحدة: وهم الوحدة العضويّة لشعبها، وحُرمة حرّياتها، وحكمة دستورها. ولم تكن الرواية البوليسية على طريقة تشاندلر، كما يرى، قادرةً على تصوير أمريكا كاملةً في عالمٍ أصغر، كما يعيشها الأمريكيون فعلًا – مُتفكِّكةً وفاسدةً وخاضعةً لحكم «القوّة العارية والمال» – سوى الرواية البوليسية على طريقة تشاندلر، كما يرى.

هذا التوتّر بالذات – بين أمريكا المثاليّة وأمريكا المُعاشة – هو ما كان هايمز يحاول هو الآخر أن يصوغه. وقد استطاع أن يفعل ذلك بقدرٍ أقلّ كثيرًا من التجريد. ففي المحصّلة، رأى هايمز أنّ أساطير أمريكا في عالمها الأكبر ستظلّ تغتصبها الأيديولوجيا التي تحكم التجربة الصغرى لكون المرء أمريكيًّا بالفعل. وتلك الأيديولوجيا هي عقيدة تفوّق البِيض.

 

 

hedgehog review

Facebook
X
WhatsApp
Threads
Telegram

المحرر الأدبي

مجلة فكر الثقافية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى