
المدارس التاريخية عند المسلمين
يرجع الفضل إلى الإسلام ونظامه الاجتماعي في أن افتتح العرب القسم الأكبر من قارة أسيا، وجزر البحر المتوسط، والشمال الأفريقي والأندلس، وأسسوا حضارة عظيمة أسهمت اسهامات كُبرى في حياة ونهضة الكثير من الأمم والشعوب، وشكلّت فصلاً مهمًا من فصول الحضارة الإنسانية، وكان لهم الفضل في انتعاش الروح العلمية والفلسفية في أوروبا، ومن ثم تأسيس نهضتها الحديثة. فلقد استعانت أوروبا بإنتاج علماء وفلاسفة النهضة الإسلامية، ونقلت مصنفاتهم إلى اللغات اللاتينية والأسبانية والفرنسية والإنجليزية، والألمانية، والروسية، والمجرية. واستطاعت أن تنهض بعد أن غمرها العرب بثروتهم الفكرية والعلمية.
وأضحت الحضارة الإسلامية تشغل مكانًا مرموقًا بين حضارات العالم، لما قدمته للإنسانية من علوم أفادت منها، وكانت بمثابة الأساس القوي المتين، الذي قامت عليه الحضارة الغربية الحديثة، ففي مجال الجغرافيا، كان للعلماء المسلمون الأثر الأبرز في نهوض علم الجغرافيا، إذ أدت الفتوح الإسلامية إلى زيادة اهتمام الخلفاء بهذا العلم؛ لمعرفة حدود خلافتهم ومدنها وقراها، والطرق والمسالك المؤدية إليها، وذلك لتسهيل الاتصال والبريد بين عاصمة الخلافة المركزية وبقية أرجاءها، وأدى ذلك إلى التوسع في البحوث الجغرافية، فنشط التأليف الجغرافي المعتمد على الدراسات الميدانية، فبرز عددٌ من الجغرافيين العرب، الذين أثروا في الحضارة الإنسانية.
وترك الجغرافيون المسلمون الكثير من الكتب التي تصف البلدان والمسالك والممالك، منها كتاب اليعقوبي (ت. 284هـ/ 897م) (البلدان)، وكتاب (المسالك والممالك)، لابن خرداذبة (205هـ/ 820- 280هـ/ 912م)، والذي عُد أول مُصنف عربي في الجغرافيا الوصفية، ولهذا فقد أثر في الجغرافيين اللاحقين عليه، وامتد تأثيره حتى العصر الحديث، ولهذا لقب (أبو الجغرافية العربية).
أما كتاب (المسالك والممالك)، للأصطخري (ت. 346هـ/ 957م)، الجغرافي الرحالة الكبير، فقد امتاز بخرائطه، التي أفرد فيها لكل إقليم خريطة على حده، ومن ثم كان رائد علوم الأرض والجغرافيا. وجاء كتاب (المسالك والممالك) للرحالة المغامر ابن حوقل (ت.331هـ/ 943م)، ليُعد من المؤلفات الجغرافية العربية، التي أفادت منها الإنسانية جمعاء. أما أول معجم جغرافي عربي مرتب بحسب حروف الهجاء فهو معجم (ما استعجم من أسماء البلاد والمواضع)، لأبو عبيد الله البكري (404-487هـ/ 1014-1094م)، والكتاب فريد لا يُمكن مقارنته بمؤلفات أخرى، ويُمثل مرجعًا أساسيًا لعلم الجغرافيا، وهو ما جعل المؤرخين يُعدُّونه أكبر جغرافي أنجبته الأندلس.
وامتاز كتاب الإدريسي (493هـ/ 1099-559هـ/ 1166م)، العالم الجغرافي في القرن السادس الهجري/ الثاني عشر الميلادي، من مدينة سبتة بالأندلس، (نزهة المشتاق في اختراق الآفاق)؛ بشموله لجميع أقاليم العالم، وبما احتواه من خرائط كثيرة ودقيقة، موضحة للأماكن التي يتحدث عنها، ليستخرج منه أحد العلماء الغربيون خريطة جامعة للعالم كما رسمه الإدريسي، كما وضع الإدريسي نموذجًا للكرة الأرضية من الفضة، ورسم عليه جميع البلدان المعروفة في ذلك العصر.
ويُعدُّ كتاب (رحلة ابن جبير) (540-614هـ/ 1145-1217م) من أهم مصادر الجغرافيا العربية، وامتدت أهميته وتأثيره إلى الأجيال اللاحقة، كما امتد تأثيره إلى علماء الغرب المحدثين. ووضع ياقوت الحموي (574-626هـ/ 1178-1229م) (معجم البلدان)، الذي يُعدُّ خلاصة وافية للجغرافيا الفلكية والوصفية واللغوية، وهو موسوعة تاريخية واجتماعية وأدبية، إذ لم يقتصر على العالم الإسلامي؛ بل اهتم بكل جهات العالم المعروف في عصره، ولذلك صار معجم البلدان مصدرًا أساسيًا؛ ما زال يعتمد عليه الباحثون حتى الوقت الحالي، وترك باقي علماء الجغرافيا المسلمين إنجازات كبيرة عملت على تطور علم الجغرافيا العربي، ومهدت إلى ميلاد علم الجغرافيا الحديث، وتركت تأثيرها في المدارس التاريخية عند المسلمين.

اتخذت الكتابة التاريخية عند المسلمين صورًا عدة، تُعبر في مجملها عن عناية المسلمين بعلم التاريخ، ويُمكن اعتبار كل لون من هذه الألوان الكتابية مدرسة تاريخية متميز. وأقدم مدرسة عرفها المسلمون في الكتابة التاريخية هي المدرسة الإخبارية، التي جمعت قصص العرب، وأخبار مغازي الرسول (صلى الله عليه وسلم)، والفتوحات الإسلامية، ثم خضعت الكتابة التاريخية لنسق حولي، يورد الأخبار والوقائع التاريخية المتعلقة بكل سنة، ثم يختتم بترجمات لوفيات السنة، ككتابات الطبري(224-310هـ/ 839- 923م)، وابن الجوزي (510-597هـ/ 1116- 1200م)، وابن الأثير (555-639هــ/ 1160- 1232م)، والذهبي (ت. 748هـ/ 1349م)، إلا أنه على يدي مؤرخين مسلمين آخرين تطورت الكتابة التاريخية؛ لتغطي تاريخ الوجود البشري، وتاريخ الأمم القديمة؛ قبل الإسلام، وذلك على أيادي اليعقوبي (ت. 284هـ/ 897م)، والمسعودي (ت. 346هـ/958م)، والمقدسي (ت. 390هـ/ 1000م)، ثم برز مؤرخون يؤرخون لتاريخ الأمم، إلا أن تدويناتهم التاريخية اقتصرت على التاريخ السياسي، للكيانات التي ظهرت على مسرح التاريخ، كابن حيان (101-199هـ/ 721-815م)، وابن حماد (548-628هـ/ 1153م- 1231م)، والسيوطي (849-911هـ/ 1445-1505م).
وعرفت الكتابة التاريخية عند المسلمين كذلك التأريخ وفق تاريخ البلدان، ويمثل هذه المدرسة ابن تغري بردي (813-874هـ/ 1410-1470م) في (النجوم الزاهرة)، والسيوطي في (حسن المحاضرة)، والهمداني (ت. 334هـ/ 945م) في (الإكليل)، والسهمي (302-427هـ/951-1036م) في (تاريخ جُرجان)، وابن عذاري (ت. 695هـ/ 1295م) في (البيان المُغرب)، وغيرهم. وكذلك التأريخ وفق تاريخ المدن، ويمثل هذه المدرسة الخطيب البغدادي (392-463هـ/ 1002-1071م) في (تاريخ بغداد)، والأزدي (ت. 334هـ/ 946م) في (تاريخ الموصل)، وابن عساكر (499-571هـ/ 1105-1176م) في (تاريخ دمشق)، وابن العديم (588-660هـ/ 1192-1262م) في (بُغية الطلب)، وغيرهم. كما ظهرت مدرسة تبحث في فضائل بلاد الإسلام، ويمثلها الواقدي (130-207هـ/ 747-823م) في (فضائل الشام)، المقدسي في (فضائل بيت المقدس)، ابن تيمية (661-728هـ/ 1263-1328م) في (مناقب الشام وأهله)، السيوطي في (إتحاف الأخصا بفضائل المسجد الأقصى)، وغيرهم.
بالإضافة لذلك ظهرت مدرسة المذكرات، التي تُسجل أبرز الأحداث الجارية، في شكل مذكرات يومية انطباعية، وتمثل هذه المدرسة مذكرات الأمير عبدالله بن بلقين (469-483هـ/ 1077-1090م)، والنكت العصرية لعمارة اليمني (515-569هـ/ 1121-1174م)، والاعتبار لأسامة بن منقذ (488 – 584هـ/ 1095-1188م)، والبرق الشامي للعماد الأصفهاني (519-597هـ/ 1125-1201م)، وغيرهم.
وعرف العرب والمسلمون لونًا من الأدب التاريخي؛ يُعرّف بحياة الأشخاص، يتمثل في مدرسة التراجم والسير، ويمثل هذه المدرسة سيرة الرسول (صلى الله عليه وسلم) لابن إسحاق (85-151هـ/ 703-768م)، وما كتبه ابن خلدون (732-808هـ/ 1332 – 1406م) بعنوان (التعريف بابن خلدون)، والسيوطي في (التحدث بنعمة الله). ويمكن تصنيف التراجم عند المسلمين إلى تراجم عامة على اختلاف الأصول والصناعات، وتراجم على البلدان، تُعرّف بأعلام كل بلد على حدة، وتراجم لعلماء كل قرن، وتراجم على الطبقات؛ يرتب فيها الرجال حسب العلم الذي تخصصوا فيه، ويمثلها طبقات القراء لابن الجوزي، وطبقات المفسرين للسيوطي، وطبقات الشافعية الكبرى للسبكي (ت. 771هـ/1370م)، وطبقات الحنابلة لابن أبي يعلي (451-526هـ/ 1059 – 1131م)، وطبقات المعتزلة للقاضي عبدالجبار (359-415هـ/ 969 – 1025م)، والطبقات الكبرى للشعراني (898-973هـ/ 1493 – 1566م)، وطبقات فحول الشعراء لابن سلام الجمحي (138-230هـ/ 756-845م).
وتُمثل مدرسة الرحلات شكلًا من الكتابة التاريخية الجغرافية، وقوامها وصف المسالك والدروب، والممالك والعادات والتقاليد والشعوب، وهي تسجيل لملاحظات شخصية وانطباعات ذاتية. ويُجمع الباحثون على أن الرحلة العربية مرت بأطوار متعددة، حتى بلغت أوج ازدهارها، إذ كان معظم رحالة القرن الثالث الهجري/ التاسع الميلادي، من اللغويين، أبرزهم اللغوي والمؤرخ هشام الكلبي (110-210هـ/ 728 – 821م)، وسليمان التاجر (ت. 237هـ/851م)، وحظي اليعقوبي، بقدر كبير من الاحترام لدى الباحثين لأمانته العلمية ودقته، وابتعاده عن الغرائب والعجائب. أما ابن خردذابة (ت. 272هـ/ 885م) فقد تناول بالتعريف الطرق والمسالك بين بغداد والمدن الإسلامية الأخرى.
أما القرن الرابع الهجري/العاشر الميلادي، فقد أُطلق عليه «عصر الرحلة الذهبي»، لأن عدد الرحالة في هذا القرن بلغ حدًا كبيرًا حتى أن أُسس أدب الرحلة وضعت فيه، إذ ظهر رحالة كبار منهم المسعودي، ابن حوقل، المقدسي (ت. 390هـ/ 1000م)، قدامة بن جعفر (ت. 320هـ/ 932م)، الهمداني، الأصطخري، البلخي (ت. 322هـ/ 934م)، وابن فضلان (ت. 309هـ/ 921م).
وتفتتح القرن الخامس الهجري/الحادي عشر الميلادي رحلات مهمة قام بها الطبيب البغدادي ابن بطلان (ت. 458هـ/ 1064م)، وعندما تتقدم سنوات هذا القرن نحو منتصفه، يشهد أدب الرحلة افتتاح صفحة جديدة في هذا الكتاب الفريد، حيث يحتلها بعض رحالة وجغرافيي المغرب الإسلامي، إذ دخلوا هذا العالم على استحياء، بعد أن كان قاصرًا على رحالة المشرق، ومنهم أحمد بن عمر العذري (393-478هـ/ 1003-1085م)، الذي ارتحل إلى الشرق، وعاش في مكة تسعة أعوام، وترك كتابًا سماه (نظام المرجان في المسالك والممالك) إلى أن نصل إلى أبي عبيد عبد الله البكري، أكبر رحالة الأندلس في هذا القرن.
ويكاد القرن السادس الهجري/الثاني عشر الميلادي يُنافس القرن الرابع الهجري/العاشر الميلادي في حجم الإنجاز الكبير على صعيد أدب الرحلة، فإذا كان الرابع قد تميز بعدد الرحالة الكبير، فقد تميز السادس بقوة هؤلاء الرحالة، وأهمية المؤلفات التي تركوها، والمناهج التي اتبعوها في جمع المادة، وتدوين المشاهدات، بما يُعدُّ نقلة حضارية كبرى. ومن أشهر رحالة هذا القرن الإدريسي، وأبو بكر العربي (ت. 542هـ/ 1148م)، أول من استخدم لفظ رحلة في عنوان مؤلف، حيث وضع كتابًا بعنوان (ترتيب الرحلة للترغيب في الملة)، وناصر خسرو (ت. 542هـ/1060م)، وأسامة بن منقذ (488-584هـ/ 1095-1188م).
أما أهم انجازات رحالة القرن السابع الهجري/الثالث عشر الميلادي، فهو كتاب (معجم البلدان) لياقوت الحموي؛ بفضل ما يتضمنه من معارف جغرافية، وأدبية، وتاريخية وفولكلورية. بعد ذلك يُطالعنا الرحالة الأندلسي ابن سعيد (610-685هـ/ 1214-1286م)، الذي حط الرحال بعد تجوال في بلاد الشرق لأكثر من ربع قرن، وترك عددٍ من المؤلفات عن أسفاره. ونصل مع نهاية القرن إلى رحالة له سمات خاصة، هو ابن جبير، الذي اكتملت على يديه ملامح أساسية لأدب الرحلة العربي، ولم تتوقف رحلات البغدادي (ت. 629هـ/ 1232م) إلا بوفاته، ومن الرحالة الذين طافوا أنحاء الشرق الإسلامي، وكان مُغرمًا بالأسفار، علي الهروي (ت.611هـ/ 1215م).
وشهد القرن الثامن الهجري/الرابع عشر الميلادي ظهور أبي الفدا (ت. 732هـ/ 1331م)، الذي أُغرم بالرحلة والتاريخ والجغرافيا، ثم القزويني (ت. 672 هـ/ 1273هـ)، على أن كل ما أثمره هذا القرن يتضاءل كثيرًا إزاء ظهور الرحالة ابن بطوطة (ت. 770هـ/ 1369م)، آخر رحالة على المستوى العالمي؛ إذ عشق الرحلة والسفر، وظل حوالي 28 عامًا في أسفار متصلة ورحلات متعاقبة. أما آخر الرحلات المهمة؛ فهي رحلات العالم والسياسي والمؤرخ عبدالرحمن ابن خلدون، التي تضمنها كتابه (التعريف بابن خلدون ورحلته شرقًا وغربًا).
وتقلصت وانحصرت الرحلات نسبيًا خلال القرنين التاسع والعاشر الهجريين/الخامس عشر والسادس عشر الميلاديين، وتحوم في الأفق الضبابي رحلات عبد الباسط بن خليل الظاهري المصري، والحسن بن الوزان، المشهور باسم ليون الأفريقي، ورحلة أبي البقاء البلوي وأحمد المقري، وغيرهم، وترجع أسباب هذا الاندثار التدريجي إلى المشكلات السياسية والاقتصادية، التي لحقت بالعالم العربي، والنكوص الثقافي والحضاري والتدهور الإنساني بشكل عام، وزوال دولة الإسلام من الأندلس، وسقوط كل دولة تحت عبء مشكلاتها الداخلية.



