العدد الحاليالعدد رقم 48ثقافات

جلجامش بين البرية والمدينة: الإنسان والطبيعة في اللوح الأوّل من الملحمة

مقدمة:

تُعَدّ ملحمة جلجامش من أقدم النصوص الأدبية التي وصلت إلينا من حضارات الشرق الأدنى القديم، وقد خرجت أشهر ألواحها إلى الدرس الحديث بعد اكتشافها في نينوى في القرن التاسع عشر، ثم توالت قراءاتها وترجماتها إلى لغات عديدة، حتى صارت واحدة من النصوص المؤسسة في تاريخ الأدب العالمي. غير أن قيمة هذه الملحمة لا تعود إلى قِدمها وحده، بل إلى قدرتها المدهشة على أن تجعل الإنسان، منذ آلاف السنين، يواجه أسئلته الأساسية: ما معنى القوة؟ ما حدود السلطة؟ كيف يخرج الإنسان من الطبيعة إلى الحضارة؟ وماذا يخسر في هذا العبور؟

ولا تحاول هذه الدراسة الإحاطة بالملحمة كلها، بل تركز على اللوح الأول في ترجمته العربية المعتمدة هنا؛ لأن هذا اللوح، على قصره النسبي، يضع منذ البداية البنية العميقة للنص كله: مدينة مزدهرة لكنها مضطربة، وملك استثنائي لكنه خطِر، وكائن بريّ يُخلق خارج الأسوار ليعيد التوازن، ثم قطيعة أولى مع الطبيعة تفتح الطريق إلى العالم المدني. واللوح الأول، بهذا المعنى، ليس مجرد مقدمة للأحداث، بل نص مكتمل الدلالة، يختصر منذ البداية توتر الملحمة بين البرية والمدينة، وبين القوة والحدّ، وبين الإنسان والطبيعة.

وتتجلى فرادة هذا العالم منذ السطر الأول تقريبًا. فجلجامش لا يُقدَّم ملكًا عاديًا، بل كائنًا مركبًا: «إلهٌ في ثلثيه، وإنسانٌ في ثلثه». وهذه الصيغة ليست لمسة أسطورية عابرة، بل مفتاح الشخصية كلها؛ فهو أعلى من البشر في القوة والطموح، لكنه يظل، في النهاية، أسير مصيرهم. ومن هنا تنبع دراميته: إنّه قريب من مقام الآلهة بما يكفي ليطمع في تجاوز الحدود، وبشري بما يكفي ليُصدم بها. ولهذا أيضًا يبدو في اللوح الأول مجيدًا وخطِرًا في آن: بانيًا للأسوار، ومصدرًا للاضطراب داخلها.

وقد أفادت دراسات حديثة في توضيح هذا الأفق. فقد بيّن تزفي أبوش في دراسته “The Development and Meaning of the Epic of Gilgamesh: An Interpretive Essay” أن البنية الأولى للملحمة تقوم على ضغط طاقة جلجامش الاستثنائية على جماعته، ثم على خلق أنكيدو بوصفه قوةً موازية تعيد توجيه هذا الفيض. كما لفت ويليام إمبسون في دراسته “Reading the Epic of Gilgamesh” إلى أن العلاقة بين الإنسان المتحضّر والطبيعة البرية تقع في جذر القصة كلها. ومن هذه الزاوية، يتيح لنا اللوح الأول أن نقرأ سؤال الطبيعة لا بوصفه سؤالًا خارجيًا، بل بوصفه سؤالًا عن تكوين الإنسان نفسه، وعن المسافة التي أخذت تتسع بينه وبين عالمه الأول.

ومن هنا ينطلق هذا المقال من فرضية واضحة: إن اللوح الأول يصوغ العلاقة بين الإنسان والطبيعة بوصفها علاقة معقدة، لا انسجامًا بريئًا ولا هيمنة تامة. فالطبيعة فيه أصلٌ أول، وقوةٌ موازنة، ومجالٌ تُفهم من خلاله المدينة نفسها. ولهذا ستتوزع القراءة على ثلاث لحظات مترابطة: مجد جلجامش وخلل المدينة، ثم أنكيدو في البرية بوصفه صورة الإنسان قبل القطيعة، ثم المرأة بوصفها وسيطًا في الانتقال من الطبيعة إلى الوعي والمدينة.

أولًا: مجد جلجامش وخلل المدينة

يفتتح اللوح الأول الملحمة بصوتٍ احتفاليّ عالٍ، كأنه يريد منذ السطور الأولى أن يرفع جلجامش إلى مقامٍ يتجاوز الملوك العاديين. فهو «الذي رأى كل شيء»، و«عرف الأرض كلها»، و«نفذ إلى الأسرار»، ثم عاد من رحلته البعيدة ونقش أعماله على لوح. وهذه الأوصاف لا تمجّد القوة العسكرية وحدها، بل تبني صورة بطلٍ اجتمعت فيه الرؤية والخبرة والكتابة معًا. فجلجامش لا يُقدَّم هنا رجلَ فعلٍ فقط، بل رجلَ معرفة أيضًا؛ رأى العالم، وعبر المحنة، ثم حوّل تجربته إلى أثر مكتوب. ومن ثمّ، فإن الملحمة لا تبدأ من السيف، بل من الذاكرة: من البطل الذي لا يكتفي بأن يفعل، بل يترك ما فعله قابلًا للقراءة والتأويل والبقاء.

ولا تنفصل هذه الصورة عن أوروك. فبعد تمجيد جلجامش، ينتقل النص مباشرة إلى الأسوار، والأساسات، والطوب المحروق، ومعبد إيانا، ويدعو القارئ إلى أن يتأمل البناء نفسه كما لو كان شاهدًا حيًّا على عظمة الملك. المدينة هنا ليست مجرد مسرح للأحداث، بل امتدادٌ ماديّ لشخصية جلجامش. فهو يُعرَّف من خلال ما شيّد، كما يُعرَّف من خلال ما رأى وعرف. ولهذا يمكن القول إن اللوح الأول يربط بين الملك والعمران ربطًا وثيقًا: جلجامش ليس فقط حاكم أوروك، بل هو، منذ البداية، جزء من صورتها الرمزية، والمدينة في المقابل تحمل بصمته بوصفه بانيًا ومؤسسًا. غير أنّ قوة هذا المطلع تكمن في أنه لا يترك هذا المديح يستقر في أفقه المشرق. فالنص، بعد أن يرفع جلجامش إلى مقام الاستثناء، يبدأ في كشف الوجه الآخر لهذه العظمة. فهو لا يكتفي بالقول إن جلجامش قويّ أو متميّز، بل يصفه بأنه «إلهٌ في ثلثيه، وإنسانٌ في ثلثه»، ثم يشبّهه بالثور الوحشي الذي يرفع رأسه في أوروك ويُظهر شدته. وهذه الصياغة شديدة الدلالة؛ لأنها تجعل العظمة نفسها موضع توتر. فجلجامش ليس إلهًا كاملًا يستقر في مقامه، ولا إنسانًا عاديًا يقبل حدوده، بل كائن مركّب، فيه فائضٌ من القوة يدفعه إلى تجاوز المألوف. ولهذا فإن طاقته لا تظهر منذ البداية بوصفها نعمة صافية، بل بوصفها قوةً تنزع إلى الإفراط. ومن هنا ينتقل اللوح الأول، بحركة سردية بديعة، من التمجيد إلى الشكوى. فما كان قبل قليلٍ مادةً للإعجاب، يصير فجأة سببًا للخوف. ففتيان أوروك «يرتجفون» من جلجامش، والجماعة تقول إنه «لا يترك ابنًا لأبيه» ولا «فتاةً لأمها»، ولو كانت مخطوبة. والمهم في هذه الشكوى أنها لا تتحدث عن استبداد سياسي عام بصيغة مجرّدة، بل تلامس العلاقات الأساسية التي يقوم عليها المجتمع: الأب والابن، الأم والبنت، والخطبة والزواج. أي إن خلل جلجامش لا يقتصر على المجال السياسي، بل يتسلل إلى صميم الحياة الاجتماعية نفسها. فالملك الذي بُدئ بتقديمه بوصفه صانع النظام العمراني، يظهر هنا بوصفه مهدِّدًا للنظام الإنساني.

وهنا تبلغ المفارقة ذروتها: أوروك، التي ظهرت في الافتتاحية بوصفها مدينة الأسوار المتينة والبناء الراسخ، تكشف أن اضطرابها الحقيقي لا يأتي من خارجها، بل من داخلها، من قلب السلطة ذاتها. وهذا ما يمنح اللوح الأول عمقه الحقيقي. فالمشكلة ليست في عدوّ خارجي يهدد المدينة، بل في بطلها نفسه. والملحمة، من هذه الزاوية، لا تبدأ من مغامرة في البرية، بل من أزمة مدينة: أزمة ناجمة عن فائض القوة حين ينفلت من الحدّ الذي يجعله صالحًا للحياة المشتركة.

ومن هنا تكتسب قراءة تزفي أبوش أهميتها. ففي دراسته The Development and Meaning of the Epic of Gilgamesh: An Interpretive Essay يلفت إلى أن البنية الأولى للملحمة تقوم على ضغط طاقة جلجامش الاستثنائية على جماعته، وأن خلق أنكيدو يأتي بوصفه استجابة لهذا الخلل، لا بوصفه مجرد إضافة إلى الحكاية. وبذلك لا تكون المشكلة في وجود القوة نفسها، بل في غياب ما يحدّها ويعيد توجيهها. فالنص لا يسأل: هل القوة خير أم شر؟ بل يسأل سؤالًا أدقّ: متى تتحول العظمة إلى عبء؟ ومتى ينقلب البطل من حامٍ للمدينة إلى سبب لاختلالها؟

ولهذا يأتي جواب الآلهة على نحو بالغ الدلالة. فهي لا تعاقب جلجامش مباشرة، ولا تنتزع منه قوته، بل تطلب من الآلهة أرورو أن تخلق له ندًّا. وهذا الاختيار السردي شديد العمق؛ لأنه يعني أن الخلل لا يُعالج هنا بإلغاء القوة، بل بمواجهتها بقوة أخرى تفرض عليها حدًّا. فأنكيدو لا يُخلق ليكون تابعًا، بل ليكون مقابلًا، وليعيد إلى العالم البشري شيئًا من التوازن الذي فقده. ومن هذه اللحظة تبدأ الحركة الثانية في اللوح الأول: لم تعد المدينة وحدها في المشهد، بل دخلت البرية بوصفها مصدرًا لما سيصحّح المدينة نفسها. وهنا تتضح إحدى أجمل أفكار النص: الحضارة، حين تختلّ من داخلها، لا يأتي علاجها من مزيدٍ من القوة المدنية، بل من الخارج الذي كانت تظنّ نفسها منفصلة عنه.

وبذلك لا يكون هذا الجزء من اللوح الأول مجرد مدخل لشخصية جلجامش، بل تأسيسًا دقيقًا للمشكلة التي سيبني عليها النص كله لاحقًا: قوةٌ عظيمة، لكنها غير متوازنة؛ مدينةٌ مزدهرة، لكنها مضطربة؛ وبطلٌ مجيد، لكنه في الوقت نفسه سبب الحاجة إلى آخر يحدّه. ومن هنا يمكن القول إن الملحمة لا تبدأ بتمجيد البطل فقط، بل تبدأ أيضًا بوضع البطولة نفسها موضع مساءلة.

ثانيًا: أنكيدو في البرية، أو صورة الإنسان قبل القطيعة

إذا كان جلجامش قد ظهر في بداية اللوح الأول بوصفه ابن أوروك، مدينة الأسوار والطوب المحروق والمعابد، فإن أنكيدو يظهر، منذ لحظة خلقه، بوصفه ابن فضاء آخر لا تحدّه الأسوار ولا تنظّمه المدينة. فالإلهة أرورو لا تخلقه في قلب العالم المدني، بل تأخذ قبضة من الطين وتضعها في الخارج، في البرية المفتوحة، ثم يتشكل هناك كائنٌ كثيف الشعر، غريب عن المدن والبلدان، لا يعرف قومًا ولا مجتمعًا، ويعيش مع الغزلان والقطعان، ويرد الماء معها كما ترده. ولا تبدو هذه العناصر وصفًا غريبًا أو عجائبيًا فحسب، بل تبني، منذ البداية، صورة إنسان لم يستقر بعدُ داخل النظام البشري المنظم، إنسان ما يزال قريبًا من الأرض والطين والحيوان والماء، أي من العالم الطبيعي الذي ستنفصل عنه المدينة لاحقًا.

ومن هنا لا ينبغي أن نقرأ أنكيدو بوصفه «وحشيًا» بالمعنى السطحي الذي يجعل منه مجرد نقيض للإنسان المدني. فاللوح الأول لا يقدمه ككائن ناقص ينتظر أن «يُستكمل» بالحضارة، بل يقدمه بوصفه طورًا آخر من أطوار الإنسان. إنه لا يقف خارج الإنسانية، بل يقف قبل أحد أشكالها التاريخية، قبل أن يصبح الإنسان كائنًا مدينيًا، محكومًا باللغة والمؤسسة والقانون. ولهذا فوجوده بين الغزلان والقطعان لا يعني فقط قربه من الحيوان، بل يعني أيضًا أنه لم يدخل بعدُ في ذلك العالم الذي تُحدَّد فيه الهوية من خلال النسب والمدينة والعمل والعلاقات الاجتماعية الثابتة. إنّه، بهذا المعنى، صورة للإنسان وهو ما يزال متصلًا بالطبيعة اتصالًا عضويًا، لا بوصفها بيئة خارجية، بل بوصفها أفق وجوده الأول. ويظهر هذا الاتصال على نحو أبلغ حين نتأمل أفعال أنكيدو نفسها. فهو لا يقترب من الحيوانات ليصطادها، ولا يعاملها ككائنات أدنى منه، بل يتحرك داخل عالمها كأنه جزء منه. إنّه يشرب معها، ويرد الماء معها، ويرعى معها. أي إن علاقته بها ليست علاقة مراقبة أو تملك أو استعمال، بل علاقة مشاركة. وهنا بالذات تتجلى فرادة الشخصية: أنكيدو لا يواجه الطبيعة من خارجها، كما سيفعل الإنسان المديني لاحقًا، بل يعيش داخلها من غير أن يفصل بين نفسه وبينها فاصلًا حاسمًا. ولذلك لا يكون «الإنسان» هنا نقيضًا للطبيعة، بل أحد تجلياتها الممكنة قبل أن تفرض المدينة حدودها ومفاهيمها ومؤسساتها. وتزداد هذه الصورة كثافة حين يدخل الصياد إلى المشهد. فالصياد لا يخاف أنكيدو لأنه مفترس للبشر، ولا لأنه يهدد العمران مباشرة، بل لأنه يُعطّل فعله هو: يملأ الحفر التي حفرها، ويفكّ الشراك، ويمنع الحيوان من الوقوع في المصيدة. وهذه التفاصيل على بساطتها شديدة الدلالة؛ لأنّها تجعل أنكيدو، من غير أن يعلن ذلك أو يقصده نظريًا، منحازًا إلى عالم الحيوان ضد أدوات السيطرة البشرية. إنه لا يسكن البرية فقط، بل يحمي توازنها الضمني من تدخل الإنسان الصائد. ومن هنا لا تعود البرية مجرد مسرح لوجوده، بل تصبح عالمًا ما يزال بمنأى عن منطق التملك والضبط. ولذلك يمكن القول إن أنكيدو، في هذه المرحلة، لا يمثل الطبيعة فقط، بل يمثل أيضًا مقاومة أولى لوجه من وجوه الحضارة، هو وجه السيطرة غير المحدودة على الكائنات الأخرى. وهنا تكتسب ملاحظة ويليام إمبسون، في دراسته Reading the Epic of Gilgamesh، قيمتها الخاصة. فهو يرى أن العلاقة بين الإنسان المتحضّر والطبيعة البرية ليست عنصرًا ثانويًا في الملحمة، بل تقع «في جذر القصة كلها». وهذه الإشارة تبدو نافذة جدًا في قراءة اللوح الأول، لأن أنكيدو لا يأتي إلى النص بوصفه شخصية مساعدة فحسب، بل بوصفه التمثيل الأكثر صفاءً لهذه العلاقة قبل أن تُعقّدها المدينة. إن حضوره يذكّر القارئ بأن الإنسان، في أصل المتخيل الملحمي، لم يكن مدينيًا منذ البداية، بل خرج من عالم آخر، أقرب إلى الحيوان والماء والعشب، عالم لم تُرسَم فيه بعدُ الحدود الحادة بين «الإنساني» و«الطبيعي». ولهذا السبب بالذات تحمل أوصاف أنكيدو بعدًا شعريًا يتجاوز الوظيفة السردية. فشعره لا يوصف بوصفه دليلًا على الخشونة فقط، بل تُشبّه خصلاته بـحقل سنابل. وهذه الصورة لا تمرّ عابرًا؛ لأنها تجعل جسده نفسه قريبًا من النبات، من النموّ، من الأرض. وكأنّ النص يريد أن يرسخ في ذهن القارئ أن أنكيدو ليس مجرد رجل يعيش في البرية، بل كائن ما تزال الطبيعة منقوشة على هيئته. ومن هنا يمكن القول إن الملحمة، من خلاله، تستحضر صورة إنسان لم تُنتزع مادته الوجودية بعدُ من العالم الطبيعي، بل ما تزال متصلة به على مستوى الجسد كما على مستوى العيش. غير أنّ اللوح الأول لا يترك هذا العالم الأول في سكينته. فحين يذهب الصياد إلى جلجامش ويخبره بأمر أنكيدو، تبدأ المدينة في التفكير في كيفية انتزاع هذا الكائن من موضعه. وهذه نقطة دقيقة جدًا في بنية النص؛ لأن الطبيعة لا تبادر هنا إلى مغادرة عالمها، بل الحضارة هي التي تبادر إلى وضع الخطة التي ستفصلها عن كائنها. إن البرية لا ترسل أنكيدو إلى أوروك بإرادتها، ولا أنكيدو يقرّر من تلقاء نفسه أن يترك عالم الحيوانات، بل المدينة – عبر جلجامش – هي التي تبدأ تدبير القطيعة المقبلة. وهذه الملاحظة مهمّة لأنها تكشف أن الانتقال من الطبيعة إلى الحضارة لا يُقدَّم بوصفه تطورًا تلقائيًا أو طبيعيًا، بل بوصفه فعلًا تدبّره المدينة حين تشعر بالحاجة إلى استدعاء الخارج وإدخاله في منطقها.

وفي هذا السياق يبدو أنكيدو، قبل تحوله، أكثر من شخصية سردية: إنه ذكرى إنسانية داخل النص، ذكرى لمرحلة لم يكن الإنسان فيها قد دخل بعدُ في العالم الذي تحدّده الأسوار والسلطة والنظام الاجتماعي المغلق. ولهذا فإن قيمة هذا المحور لا تكمن في كونه يصف «بداية» أنكيدو فقط، بل في كونه يكشف أن الملحمة تتذكر، منذ لحظتها الأولى، أن الإنسان لم يولد داخل المدينة، بل خرج إليها من مكان آخر. وهذا المكان الآخر ليس مجرد فضاء جغرافي، بل حقيقة رمزية: الطبيعة بوصفها الأصل الذي سيبتعد عنه الإنسان شيئًا فشيئًا، من غير أن يستطيع محوه تمامًا من ذاكرته أو من تكوينه. ومن هنا تنبع جاذبية أنكيدو الكبرى: إنه ليس كائن البرية فحسب، بل صورة الإنسان قبل أن يكتمل انفصاله عن عالمه الأول.

ثالثًا: المرأة والقطيعة، أو كيف يبدأ الدخول في الحضارة

إذا كان أنكيدو، في القسم السابق، قد ظهر بوصفه كائنًا لا يزال ملتصقًا بعالم البرية، فإن التحوّل الحاسم في مصيره لا يأتي عبر صدام عنيف، ولا عبر أسرٍ مباشر، بل عبر المرأة. وهذه من أكثر لحظات اللوح الأول دلالة؛ لأن الملحمة لا تجعل القطيعة الأولى بين الإنسان والطبيعة نتيجة قوةٍ غاشمة وحدها، بل نتيجة إغواءٍ وتحوّلٍ داخلي. فجلجامش، ما إن يسمع من الصياد خبر هذا الكائن الذي يفكّ الشِّراك ويمنع الحيوان من السقوط في المصيدة، حتى لا يقترح قتاله أو مطاردته، بل يأمر بإرسال المرأة إليه لتغويه. ومن هنا لا تدخل المرأة القصة مصادفة، بل تدخلها بأمر من جلجامش، بوصفها الأداة التي ستنجح حيث قد يفشل العنف المباشر: لا في قتل أنكيدو، بل في تغييره.

وهذا التفصيل شديد الأهمية من الناحية الأدبية. فالمدينة، ممثلةً في جلجامش، لا تهاجم البرية من خارجها فقط، بل تعمل على تفكيك رابطتها من الداخل. إن الغاية ليست انتزاع أنكيدو من موضعه بالقوة وحدها، بل قطع الصلة التي تجعله واحدًا من نسيج عالم الحيوانات. ولهذا يمكن القول إن المرأة تمثّل، في هذا الموضع، لحظة دقيقة من لحظات انتقال الإنسان: إنّها الوسيط الذي يجعل القطيعة مع الطبيعة تمرّ عبر الجسد والرغبة قبل أن تمرّ عبر الكلام والمدينة.

وحين يقع اللقاء، لا يقدّمه النص في صورة حادثة عابرة، بل يمدّه على نحو لافت: «ستة أيام وسبع ليال». وهذا الامتداد الزمني ليس تفصيلًا زخرفيًا، بل جزء من معنى المشهد نفسه؛ لأن ما يحدث هنا ليس مجرّد لذة عابرة، بل عبور من حال إلى حال. إنّ أنكيدو لا يخرج من عالمه الأول بخطوة واحدة خاطفة، بل يمرّ بتجربة طويلة بما يكفي لتفكك روابطه السابقة وتفتح داخله إمكانًا جديدًا. ولهذا تبدو القطيعة، منذ لحظتها الأولى، لا بوصفها حدثًا خارجيًا فقط، بل بوصفها تحوّلًا في الكائن نفسه.

ثم تأتي النتيجة الأولى لهذه التجربة، وهي نتيجة بليغة وقاسية في آن. فحين يحاول أنكيدو أن يعود إلى قطيعه، تهرب منه الغزلان، وتبتعد عنه الحيوانات البرية، ويعجز جسده عن اللحاق بها كما كان من قبل. هنا لا يحتاج النص إلى تعليق طويل؛ فالحيوانات نفسها تعلن القطيعة. لقد صار أنكيدو آخر بالنسبة إليها. لم يعد جزءًا من عالمها كما كان، ولم تعد تعترف فيه بذلك الكائن الذي كان يشاركها الماء والعشب والحركة. وهذه من أجمل لحظات اللوح الأول وأشدّها إيلامًا، لأنها تُظهر أن الخروج من الطبيعة لا يتمّ من غير أثر، وأن القطيعة لا تُفهم فقط بقرار الإنسان، بل بانكسار العلاقة التي كانت تربطه بالعالم الطبيعي من حوله. لكن الملحمة لا تجعل هذا الانفصال خسارةً محضة. فهي تضيف مباشرة أن أنكيدو، بعد أن ضعفت ركبتاه وعجز عن الجري كما كان، «نضج» و«صار يفهم». وهنا تتشكّل واحدة من أعمق مفارقات النص: الوعي لا يأتي من غير خسارة. فأنكيدو يربح الفهم، لكنه يفقد اندماجه الأول؛ يربح العقل، لكنه لا يعود قادرًا على الرجوع إلى عالمه القديم كما كان. ومن هنا لا يكون الدخول في الحضارة ربحًا صافيًا، بل انتقالًا مشوبًا بالفقد. وهذه الفكرة هي التي تمنح اللوح الأول عمقه الوجودي: الإنسان لا يخرج من الطبيعة من غير ثمن، والثمن هو أن يصبح وعيه الجديد مقرونًا دائمًا بذكرى شيء فقده. وفي هذا الموضع تبدو ملاحظة تزفي أبوش حاسمة فعلًا. ففي دراسته Ishtar’s Proposal and Gilgamesh’s Refusal يلفت إلى أن أنكيدو، بعد تحوله، حاول أولًا أن يعود إلى الحيوانات، لكنه أدرك سريعًا أن ذلك لم يعد ممكنًا، فقبل هويته الجديدة. وهذه الملاحظة تفتح النص على معنى بالغ الأهمية: العبور من الطبيعة إلى الوعي ليس حركةً قابلة للتراجع. فمن يعبر الحدّ لا يستعيد موضعه الأول كما كان، حتى لو ظلّ يحمل أثره في جسده وذاكرته. وهكذا لا تعود القطيعة مجرد فصل بين عالمين، بل تصبح استحالة العودة إلى الحالة الأولى.

غير أنّ المرأة لا تمنح أنكيدو الجسد وحده، بل تمنحه أيضًا لغة جديدة للنظر إلى نفسه. فهي تقول له: «أنت جميل، وتشبه الإله، فلماذا تركض مع الحيوانات؟» ثم تدعوه إلى أوروك، إلى المعبد، إلى جلجامش. وهذه الكلمات ليست ثانوية في بنية المشهد؛ لأنها تنقل أنكيدو من مستوى العيش الغريزي إلى مستوى التصوّر. لم يعد كائنًا يوجد في البرية فقط، بل صار كائنًا يستطيع أن يرى نفسه إمكانًا آخر. لقد أصبح قادرًا على أن يتخيّل نفسه خارج موضعه الأول. ومن هنا لا تكون المرأة مجرد أداة إغواء، بل وسيطًا حضاريًا حقيقيًا: تنقل أنكيدو من الماء والعشب والقطيع إلى الخبز والشراب والكلام والطريق.

وهذا ما شدد عليه أبوش أيضًا في دراسته The Development and Meaning of the Epic of Gilgamesh: An Interpretive Essay، حين رأى أن وظيفة المرأة في هذا الموضع هي «تأنيس» أنكيدو، أي إدخاله في العالم البشري المنظم. والمقصود هنا ليس فقط أنها تخرجه من البرية، بل أنها تهيّئه للدخول في نظامٍ آخر من العلاقات: نظام المدينة، والصداقة، والخصومة، والكلام، والهوية الاجتماعية. وبذلك يصبح الجسد في هذا المشهد مدخلًا إلى الوعي، لا نهايةً له.

والأجمل من ذلك أن أنكيدو لا يدخل هذا العالم الجديد بوصفه ضحيةً سلبية أو كائنًا مسلوب الإرادة. فبعد أن يستمع إلى كلام المرأة، لا يُسحب إلى أوروك من غير اختيار، بل يوافق، بل يتحمس، ويعلن أنه سيذهب إلى جلجامش، وسيصارعه، وسيُغيّر مجرى الأمور في المدينة. وهذه اللحظة شديدة الأهمية؛ لأنها تبيّن أن الحضارة لا تمتصّ أنكيدو امتصاصًا كاملًا، بل إنّه يدخلها ومعه طاقته الأصلية. لقد انفصل عن الحيوانات، لكنه لم يفقد شدته؛ تحوّل، لكنه لم يتلاشَ. ومن هنا تنبع فرادته: إنّه لا يصبح رجل مدينة عاديًا، بل يظلّ يحمل في دخوله إلى أوروك أثر البرية التي خرج منها، ولذلك يغدو جسرًا بين عالمين.

وهكذا لا يصوغ اللوح الأول الحضارة بوصفها انتصارًا بسيطًا للمدينة على الطبيعة، بل بوصفها تحوّلًا معقّدًا، يربح فيه الإنسان شيئًا ويخسر شيئًا آخر. يربح الوعي، والكلام، والطريق إلى العالم البشري المنظم، لكنه يخسر انتماءه الأول إلى عالم الحيوان والماء والعشب. ولذلك فإن القطيعة هنا ليست حدثًا اجتماعيًا فقط، بل تجربة داخلية عميقة. والملحمة، من خلال أنكيدو، لا تروي فقط كيف يدخل الكائن البري إلى المدينة، بل كيف يبدأ الإنسان نفسه في الابتعاد عن عالمه الأول ليدخل في عالمٍ أكثر وعيًا، لكنه أيضًا أكثر ألمًا وتعقيدًا.

خاتمة:

يكشف اللوح الأول من ملحمة جلجامش أنه ليس مجرد بداية تمهيدية لحكاية أطول، بل بناءٌ فكري وأدبي مكتمل في ذاته. ففيه تظهر أوروك أولًا بوصفها مدينة الأسوار والعمران، ثم تظهر، في الوقت نفسه، مدينةً مهددة من داخلها بسبب فائض قوة جلجامش. ومن ثمّ يأتي أنكيدو من البرية، لا بوصفه إضافةً سردية فحسب، بل بوصفه جوابًا على هذا الخلل. وبعد ذلك تتدخل المرأة لتدشّن القطيعة التي تنقل هذا الكائن من عالم الحيوانات إلى عالم الوعي والمدينة. وبهذا لا تصوغ الملحمة العلاقة بين الإنسان والطبيعة بوصفها صراعًا مباشرًا فحسب، بل بوصفها مسارًا من الانتماء، ثم الفصل، ثم إعادة التشكّل.

ومن هنا تتضح قيمة هذا اللوح اليوم أيضًا. فهو يقدّم، في صورة شعرية مكثفة، واحدةً من أقدم التأملات الأدبية في سؤال الإنسان: كيف يدخل الحضارة؟ وماذا يربح؟ وماذا يخسر؟ فالحضارة، كما يبدو في هذا النص، لا تُبنى من غير أسوار وكلمات ونظام فقط، بل من غير قطيعة أيضًا. غير أنّ هذه القطيعة لا تمحو الأصل تمامًا؛ إذ يبقى أثر البرية حيًّا في الجسد، وفي الذاكرة، وفي التوتر الذي يلازم الإنسان بعد أن يبتعد عن عالمه الأول. ومن خلال أنكيدو تحديدًا، يذكّرنا اللوح الأول بأن المدينة ليست نقيض الطبيعة نقيضًا كاملًا، بل نتيجة خروج مؤلم منها، خروج لا ينجح في محوها من الإنسان محوًا تامًا.

ولهذا تبقى ملحمة جلجامش، حتى في لوحها الأول وحده، نصًا حديثًا على نحو مدهش. فهي لا تسأل فقط كيف بنى الإنسان مدينته، بل أيضًا ماذا خسر وهو يفعل ذلك. وفي هذا السؤال تحديدًا تكمن فرادة النص وقيمته المستمرة: أنه يجعل نشأة الحضارة نفسها موضع تأمل، لا من زاوية الإنجاز وحده، بل من زاوية ما انطوت عليه من فقد، ومن مسافة بدأت تتسع بين الإنسان وعالمه الأول.

 

المراجع:

  • Abusch, Tzvi. “The Development and Meaning of the Epic of Gilgamesh: An Interpretive Essay.” Journal of the American Oriental Society, vol. 121, no. 4, 2001.
  • Abusch, Tzvi. “Ishtar’s Proposal and Gilgamesh’s Refusal: An Interpretation of the Gilgamesh Epic, Tablet 6, Lines 1–79.” History of Religions, vol. 26, no. 2, 1986.
  • Empson, William. “Reading the Epic of Gilgamesh.” The Journal of General Education, vol. 27, no. 4, 1976.
Facebook
X
WhatsApp
Threads
Telegram

د. عبد الرحمن السريحي

مدرس وباحث يمني في جامعة استراسبورغ - فرنسا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى