
فكـرة الهـويـة
كل الحضارات الإنسانية عندما تصل أوج قوتها العلمية والعسكرية والثقافية أيضًا، تبدو فارضة لقيمها، وحتى لا تحرج العالم بما يعتبر فرضًا لنموذجها المسيطر، تدعي كونية قيمها، وأحكامها وعلومها، وبذلك تخلق توافقًا ثقافيًا وحضاريًا مع الحضارات القريبة منها، جغرافيا أو تاريخيًا أو حتى عرقيًا، لخلق توازنات اقتصادية وتجارية، كشرط للقبول بما تفرضه كأنه علم لا يعترف بالاختلافات والتمايزات، أي كوني، والقبول به انخراط في بوتقة العصر وانتماء للزمن الحاضر، المعتبر معاصرة وحداثة، أي العولمة بلغة العصر، من هنا صارت الرأسمالية نظامًا عالميًا للإنتاج، لا يمكن القبول بغيره، ومعاملاته التجارية، بمثابة مكاسب إنسانية ساهمت فيها كل الشعوب، كما هو حال العلوم الطبيعية والطب والفلك، وكأن العالم اكتسب هوية واحدة ينبغي الدفاع عنها تجاه الرافضين والمتحاملين على التعدد والخصوصية الحضارية بكل أبعادها، الثقافية والدينية وحتى العرقية، مما دفع بالكثير من الدول، إلى الوقوع في مشاكل لا حصر لها في التعامل مع باقي الحضارات المختلفة عنها، تاريخًا وحضارة، فانبعثت مسألة الهويات، أدت للكثير من الصراعات، والمواجهات بين الدول العظمى التي احتمت بثقافاتها القديمة ضد الاجتياحات الثقافية المضادة، فظهرت أصوليات عنيفة، مرتكزة للديني أو العرقي أو حتى التاريخي، في صيغته التأمري، كما هو الشأن في العديد من الدول العربية والإسلامية.
فهل استطاعت العولمة إقناع العالم بضرورتها؟ وهل هي فعلًا إقصاء للهويات أم فرض لهوية واحدة يراد لها أن تحكم العالم باسم الكونية؟ ألا توجد حلول للحد من المواجهات التي انبعثت مع العولمة الموقظة للهويات الجريحة؟
1 – الهوية:
هي الخصائص المشتركة والثابتة في السمات العامة للشعوب والحضارات، والتي تنطبق على الشخوص المنتمين لهذه الحضارة أو تلك، في سياق التمايزات التي تعرفها الأمم والشعوب، فليست كل مكونات الهوية مقبولة من طرف كل مكونات المجتمع أو الحضارة، بل هناك تماهيات واختلافات بين الثقافات المكونة للحضارة الواحدة، لكن رغم ذلك، هناك متغيرات تعرفها الهوية، بما تكتسبه من معارف وقيم تدمجها الحضارة في ذاتها كمكون من مكوناتها، لتصير منها، منصهرة مع قيمها، وحافزة على القبول بنتائج الانصهارات العامة التي تعيشها الحضارات الإنسانية في تاريخها العميق، المتأثر بالعديد من التحولات التاريخية، التي تعرفها الإنسانية في تاريخها كما سبقت الإشارة، لكن المثير أن الهوية أكثر تعقيدًا من محاولات حصرها في الديني أو العرقي أو حتى الخبرات العامة لمجموعة تدعي تمثيل الكل، وما هي إلا جزء من العالم يتفاعل مع باقي المكونات الأخرى، أو سبق له أن كان فاعلًا في أخرى يعتقد أنه بعيد عنها أو في منأى عن التأثيرات التي تعرفها الهويات الأخرى.
2 – الهويات:
هذه الحقيقة تتهرب الأمم منها، معتقدة أن كل حضارة لها هوية واحدة، خاصة بها، مشتركة مع كل أفراد المجموعة التي تنتمي لهذه الحضارة أو تلك، لكن الحقيقة غير ذلك، فهناك هويات في كل الثقافات والحضارات البشرية، غير أن العميق منها يظل خفيًّا محجوبًا عن الأخرى في انتظار شروط الظهور، أو الانكشاف العام، ليظهر جليًا في اختلافاته عن الباقي رافضًا في مجاورته لما يعتقد أنه شبيه به في المتداول اليومي، إن ما ينعش الهويات ويحفظ بقاءها ووجودها الفعال، ليس تماهي الثقافات مع بعضها، بل تمايزاتها داخل الحضارة الواحدة، وفي سياق تفاعلي الغاية منه الاعتراف المتبادل بالوجود المزدوج للكينونة الساعية لاكتساب وجودها مع وليس بجوار أو خلف الغير، الهويات وجود إنساني يغتني بذاته وبغيره في سياق تفاعلات غير مقصية أو متناسية لهويات أخرى متشابهة أو حتى مغايرة أو مصارعة لغيرها في سياق التكامل التعددي المعترف والزاخر بما ينعش وجود الناس مختلفين عن بعضهم وليس متشابهين بتعسف وعنف يراتب ويقصي ويلغي طمعا في وحدة جازمة وحاسمة.
3 – عولمة الهوية:
لا يمكن للعولمة أن تفرض هوية واحدة، ظنا منها أن الباقي سوف يقبل بها ويدافع عنها، فقط لأنها قوية ومقبولة عقلانيًا، فحتى العقلانية عقلانيات، وإلا لما انتقدت العقلانية الأوروبية نفسها، ونظر إليها من مشروع مغاير لم يكتمل بعد لكنه حاضر، فالغرب ليس كيانًا منسجمًا كما الشرق، هناك تفاوتات في التاريخ والقيم المدافع عنها، بطرق مختلفة، ليس في درجة تسامحها، بل حتى في كيفيات تصريفها والقبول بها، فهناك صراعات خفية في التاريخ الأوروبي لا زالت حاضرة في السلوكيات العامة لدى القادة الأوروبيين، لكنهم اكتسبوا طرقًا دبلوماسية لإخفائها والعمل على كبح ميولها العدوانية واللاعقلانية، لكن يمكن للعالم تأسيس قيم مشتركة كونية، بما تحمله من عدالة ومساواة بين الشعوب والحضارات والديانات، ولن يتأتى ذلك بدون تصفية كل مآسي الإنسانية الماسة بالعدالة الدولية والحضارة الإنسانية، بمنع تدويل العنف والظلم، المسلط على أعناق العديد من الشعوب التي لا زالت ترزح تحت نير الاستعمار مثلًا، والحد من فرض الهيمنة على الحضارات المفتقدة للتكنولوجية، بالضغط عليها لتظل تحت سقف استهلاك التقنية بدون تخطي مرتبة الإنتاج المراد احتكارها من طرف الدول القوية، وغيرها من الإجراءات التي تجعل الشعوب تنظر للعالم نظرة أكثر تسامحًا وقبولًا بالكوني كقيم وأحكام وحتى سلوكيات عامة فردية وجماعية.
4 – صراع الهويات:
يمكن لهذه الصراعات أن تحدث في ظل التعايش بين المكونات الثقافية وحتى الحضارية، بعيدًا عن الحروب والعداوات التي تخرب وتخزن مآسي، بتذكرها تشتعل النزوعات الرافضة للغير وتبدأ موجة التحامل الفكري عليه تمهيدًا لمواجهته جسديًا وعسكريًا، وقد بدأ العالم يدرك من خلال القوى العالمية، أن الحروب لا يمكنها القضاء على ما يعتبر احتجاجًا عنيفًا على العولمة وبعض مظاهرها المقصية اجتماعيًا واقتصاديًا للكثير من الفئات حتى داخل المجتمعات الصناعية نفسها، بما فرضته من تفاوتات بين البشر كفئات تحتاج للرعاية، بما تنتجه من ثروات لا يمكن القبول بصرفها لضمان الهيمنة على شعوب أخرى، أو دفعها لدول تراكم بها أسلحة لمهاجمة من تحتل أرضهم بالقوة كما هو حال إسرائيل التي تمدها الولايات المتحدة الأمريكية، بفائض خيرات الإنسان الأمريكي، الذي في حاجة لتلك الأموال أكثر من الإسرائيليين، وقد بدأ المواطن الأمريكي يدرك العبء الموضوع على كتفه من طرف الساسة الذين اعتبروا حماية إسرائيل واجبًا مقدسًا، أكثر من المواطنين الأمريكيين المفتقدين للشغل والمسكن، وهي مفارقة انتبه لها الأمريكي وبدأ يتحرك تجاهها رغم قوة اللوبي الإسرائيلي وتجربته في مواجهة مثل هذه الحركات.
خلاصات:
ليست الهوية رفضًا تراجيديًا للهوية حتى عندما تتخذ شكل الدفاع عن خصوصية، فالكوني لشدة معقوليته لا يمكن فرضه، لأن وتيرة انتشاره، لا يتحكم فيها الساسة، المعروفون باستعجالية خطاهم، فالثقافة تحقق كونيتها في صمت وبوتيرة مستقرة، بعيدًا عن ضجيج الحروب وصرخات الانتصارات الهويات المنتشية بربح معارك تحجب احتفاء الشباب بالكوني، حرية وديمقراطية ومعرفة.
رهاب الهوية:
يسعى الإنسان لأن يكون ما يريده كذات عاقلة وحرة، لكنه أيضًا محب لنفسه وله عواطف، وهي ما تجعل منه ميالًا للغير ومُعتدًا بذاته داخل جماعة يتقاسم مع أفرادها أفراحهم وأحزانهم وطموحهم.
ولأنه كذلك، فهو يضحي ببعض ميولاته الفردية أو يحققها من خلال قبول الجماعة بها والاعتراف له بما حققه، بل الافتخار به في مواجهة جماعات أخرى، منافسة أو حليفة، وهي تفعل ذلك دعمًا له منتظرة إخلاصه وتضحيته بأنانيته عندما تحتاجه للدفاع عنها وعن قيمها ومعتقدها ووجودها عندما يتهددها ما تخشاه وتهابه، وتراكم الجماعة خبراتها في مواجهة أفرادها كما أعدائها، فتبدع وسائل لإدماج أفرادها من خلال قيمها ومثلها ومعتقداتها، وبذلك يتعرفون على أنفسهم من خلالها ويذوبون فيها إلى حد، يجعلهم حامون لها ومحميون بها في الوقت ذاته. وهذه الأشكال من التلاحم بين الأفراد، لا تحدث بدون سلطة مرجعية، تختلف شدتها باختلاف قيمها وتاريخا وتجاربها.
لكن الجماعة أو المجتمع، تظهر تماهي أفرادها معها، كحصيلة لاقتناع وقبول طوعي بما زرعته فيهم، تربية وتنشئة وحتى عنفًا، لتصير الحرية حاضرة بغيابها، أو التقليل من حدة الإكراه الممارس على الأفراد بأشكال مختلفة ومتفاوتة، فالعارف بأسرارها يعامل بلين سرعان ما يتحول إلى قسوة، إن هدد التلاحم أو رفضه حماية لحريته واختياره خارج ثقافة الجماعة، التي تصير لها سلطة القوة المباشرة، إن وصل التمرد عليها حد الفعل والدعوة العلنية لتغيير ثوابتها، وقبل أن تصل لهذه المرحلة، ماذا تفعل سلطها وكيف تتصرف تجنبا لتلاشي روابطها؟؟
1 – لحمة القداسة:
طبيعة المقدس، هي قدرته على الدوام بعمقه في التاريخ الفعلي أو الأسطوري، إنه شحنة انفعالية معوضة للضعف والخوف، ومحفزة على تصوير الموت كأنه حياة، فتغدو وضعيات الألم لذة، لا تهزمها العقوبات التي يمارسها الأعداء والخصوم، وتتغذى حتى بنقصها ليصير تميزًا وخصوصية قاهرة للتحولات، رفضًا وعنفًا مهما كانت ضرورتها.
فلا غرابة أن يكون العرقي أو الديني حاضرًا في هذه اللحمة، بحكم انغلاق كلي نافر من الغير ومنفر منه، فتتقوى به لحمة الجماعة وتجد مبررات التحايل على الكل باسمه، معرفة وتاريخًا ووهمًا وحتى جهلًا وتجاهلًا.
حتى عندما كثر أفراد الجماعة واتسعت رقعتهم الجغرافية، فصاروا أمة والمكان غدا وطنًا، حفظت آليات الحفظ، أو أخمدت فاعليتها بفعل قيم المواطنة والتعدد الديني واللغوي والثقافي، كمشروع بديل للوحدة القابلة بالاختلاف والداعية إليه في المجتمعات المعاصرة والأكثر تمدنًا، باسم العولمة والإيديولوجيا الأممية والكونية العالمية، لكنها جمرة تحتجب باللغة أو اللون أو العرق أو المعتقد، فالمبالغة في الدعوة للتعدد، تخفي تميزًا يتأهل به القوي ليسود على الغير، ويكون ممثلًا للإنسانية، بعلومه أو اقتصاده أو لغته أو تاريخه وكتابته الدالة عليه، عندما كان غيره يتواصل شفاهيًا.
فحرية الاقتصاد والتدبير المالي الحر، مقدسة، والانصياع لقانون السوق له قداسته كضرورة مطلقة، لها حراسها وخزنتها، منتشرون في كل مكان ومحرضون بالإعلام والسياسة على ضرورة حضورهم أمام الكل وفي كل الأمكنة، وبشروطهم ورؤيتهم للعالم والطبيعة وحتى الكون.
وهم يتقاربون مع خصومهم بما يجمعهم، ويحاربون أعداءهم حتى لا يتشبهوا بهم أو يقلدوهم بنجاح، فتظل جماعتهم لها قداسة مختلفة عن تأليه المقدس أو خدمته، بل بتحويله إلى خادم لهم، من خلال إخضاع الخاضعين له، إيمانًا أو خوفًا أو تعويضًا.
2 – لحمة التاريخ:
إنه تاريخ الجماعة بما عرفه من وقائع، ترسخت بها قيم ومعارف، حول الذات والغير، لكن الجماعة فيها جموع أخرى، أرقاها المؤسسة الحاكمة والأسر المساهمة في صنعها، فالمحاربة ثم المفكرة تدينًا أو مدنية.
التاريخ هنا ليس مجرد صناعة للأحداث التي عاشتها الجماعة، بل هو أيضًا صانع لما ينبغي أن تكونه الجماعات الأخرى، المنافسة أو الخاضعة والقابلة بوضعها التراتبي، فلحمة الاجتماع تتقوى حتى بالتمايز الكامن فيها أو المعلن، ليمارس كل فرد ما هو مفروض عليه وفق الجماعة التي يعيش داخلها، حتى لا يشعر بقهر الجماعات الأخرى له، إنها هندسة اجتماعية واعية بلا وعيها الدفين في خبرات القدماء فيها، قبائل وأسر وطبقات اجتماعية أو فئات عارفة ومنخرطة في تحديد الهوية العامة والمشتركة، باستحضار المختلف حوله أو طمسه حسب الحاجة واللحظة التي تعيشها الجماعات والمجتمعات البشرية.
بهذا الشكل، يسلم الكل بالتاريخ كحقيقة، منظور إليها من موقع هوية تحفظ ذاتها وتنمي الاعتزاز بها تجاه كل الهويات المختلفة عنها، بما فيها المتفوقة عليها أو التي دونها، خبرة وعلمًا وحتى قدمًا وتاريخًا.
فالتاريخ يصهر هويات في هوية واحدة توافقًا بعد أن كان قهرًا وقوة، لتظهر القواسم المشتركة أعراقًا أو حتى ديانات، يتراجع حضورها بدرجة تمدن المجتمعات والحضارات، ليتم تشييد المشترك بتاريخ هذه الصراعات نفسها، ويحمى بالقوانين والقيم والأخلاق العامة، حماية للحضارة ضد التعصب والرفض والتحريض سواء كان تخوينًا أو تكفيرًا.
3 – لحمة المصالح:
المصالح الفردية متعارضة، لكنها تصير تكثيفًا لما هو جمعي، فيطلق عليها البعض، جماعات ضاغطة، تفرض نفسها كحامية لما به تنتفع وتحافظ على سطوتها وسلطتها، المراد لها أن تظل اقتصادية ومحمية بما هو سياسي وحتى قانوني، فتشكل لنفسها تكتلًا تحتمي به وتقيم من خلاله تحالفات مع منافسين، تتعايش معهم كلما كان الصراع معهم مضرًا بمصالحها، مع إمكانية التضحية بمن معها في حالات الضعف أو التردد أو تسريب بعض أسرارها للخصوم والمنافسين.
إنها آلية حديثة، أثبتت فعاليتها بتطور الرأسمال وامتداداته الدولية وتجديد أشكال عمله وتفاوضه مع غيره، داخل الأوطان وحتى خارجها، لكن هل لها هوية خاصة أم انصهرت في هوية كونية، سميت أحيانًا بالعولمة أم أنها حاملة لهويتها المشتركة وطنيًا وقوميًا؟
من هنا يبدأ رهابها وخوفها الهستيري الذي تعيش به تمزقًا بين الكوني والقومي، ذلك الصراع الذي يظهر اقتصاديًا بين الانصياع لقوانين السوق العالمي، والحمائية الوطنية التي تحصن بها مصالحها، في حالة العجز عن خوض التنافسية العالمية العابرة للحدود، أما ثقافيًا، فهي منبهرة بالحديث لكنها في الوقت ذاته، متمسكة بقيم هويتها التي تذكر بها كلما واتتها الفرصة للتعريف بذاتها أو التعرف عليها من خلال تلميعها بالمعاصر والحديث، فهذا الرهاب، لا تعيشه وحدها، بل حتى النخبة المتعلمة والمثقفة والمصنفة حداثية، لكن رهابها لا يتجلى اقتصادًا، بل ثقافة وسياسة أن كانت ممارسة لها، فقد تأهلت بعلمها لاكتشاف معطيات جديدة في تاريخ التراث، وهي النخب التي لا تعيش في مجتمعات قطعت مع تراثها اللا عقلاني، إذ ما تزال بحكم واقعها أو تاريخها سجينة تصورات قديمة عن تاريخ تراث مقدس، يرهبها ثباته وعجزها عن حمل معول التفتيت للتقويم بالنقد، ولذلك تعود للمحافظة كلما كلت وتعبت أو تخوفت من الأسئلة الحرجة المطروحة حاليًا حول المقدس وتاريخه المفتقد لما هو مادي، من وثائق وآثار دالة على ما دون وسجل في تاريخ هذه المجتمعات، الحديثة في انتقالها من التقليد الشفاهي إلى الكتابة.
فهي تصارع ثقافة الاستشراق كغيرة على تراثها، فكيف تقبل بحقائقه العلمية وتستفيد منها في حياتها، ولكنها في مجال مناهجه في العلوم الإنسانية وخاصة مباحثها في التراث العربي الإسلامي مثلًا، تتوجس منها بعد أن كانت مبشرة بفتوحاتها منهجيًا ومعرفيًا.
إنه رهاب آخر اتخذ شكلًا ثقافيًا، فهذا الرهاب ليس فقط خوفًا مزعومًا عن التراث وثقافة الوحي التقليدية، بل هو تمويه للخوف من هذا التراث نفسه، خصوصًا عندما صار معبرًا بعنف عن أطروحاته الداعشية والإخوانية، وربما امتد لنزعات متطرفة يمينية حتى في المجتمعات الأكثر تقدمًا وانفتاحًا.
خلاصات:
يمضي العالم للتصالح مع تعدد الهويات بأحادية قطبية، فهو بذلك، يمارس حماية مصالحه بدون أن يمتد إيمانه بالتعدد من الثقافات إلى الأقطاب، إنه يطالب بهويات مختلفة ثقافيًا وحضاريًا، لكنها خاضعة لنموذجه الثقافي والحضاري، وهذا ما يجعل الهوية في غيره، تشكل رهابًا ممتدًا وخفيًا في الوقت نفسه.



