العدد الحاليالعدد رقم 47ثقافات

دراسة حول تجربة الترجمة بين السرد التاريخي باللغة الفرنسية وترجمته إلى اللغة العربية

مقدّمة عامّة:

إن ترجمة الأعمال التاريخية خصوصًا تلك المرتبطة بتاريخ شمال إفريقيا خلال الحقبة الكولونيالية، تشكّلُ مجالًا بالغ الحساسية في الدراسات المقارنة، فالنصّ الأصلي لا يحمل فقط مضمونًا معرفيًّا، بل يعكس كذلك رؤية ثقافية وأيديولوجية، ترتبط بالسياق السياسي والفكري لتلك الحقبة، وبناءً على ذلك فإن ترجمة كتاب المؤرخ الأكاديمي لويس لاكروا الذي يحمل عنوان: تاريخ نوميديا وموريطانيا منذ العصور القديم إلى غية مجيء الوندال على إفريقيا، تعتبر تجربة مزدوجة، فهي  تجربة في الترجمة من جهة، وتجربة في الأدب المقارن من جهة أخرى.

كنموذج إليكم الفقرة الموالية، التي جاءت في الصفحة 62 من الكتاب، في شكلها الأصلي باللغة الفرنسية:

DISCOURS DE SOPHONISBE A MASSINISSA Au moment où il entrait Constantine

On trouve sur l’emplacement de cette ville de nombreuses ruines Antiques, un arc de triomphe tel qu’on en voit à Rome, un édifice de marbre construit près d’une fontaine d’une eau très-froide. Hors de l’enceinte de Constantine, Shaw a vu plusieurs cippes couverts d’inscriptions funéraires. Au dedans de la ville sont plusieurs débris de constructions romaines, un palais, un amphithéâtre ; enfin le pont du Rummel, ouvrage romain d’une architecture remarquable. Les voyageurs Shaw et Poiret ont pensé que la ville moderne n’est pas aussi étendue que le fut l’ancienne Cirta.

Sous le vestibule du palais, Sophonisbe, fille d’Asdrubal, épouse de Syphax, se présente à lui. Elle distingua facilement le roi de sa suite, à l’éclat de ses armes et à la richesse de tout son vêtement militaire, et, s’étant prosternée à ses pieds, elle lui parla ainsi : « Les dieux, votre courage et votre fortune vous ont rendu maître absolu de mon sort. Mais s’il est permis à une captive d’implorer en suppliant celui qui est l’arbitre de sa vie et de sa mort, si vous m’accordez la faveur d’embrasser vos genoux et cette main victorieuse, je vous conjure, par la majesté royale dont nous étions encore tout à l’heure environnés, par le nom de Numide qui vous est commun avec Syphax, par les divinités de ce palais que je prie de regarder votre arrivée plus favorablement qu’elles n’ont vu son triste départ; je vous conjure de m’accorder cette grâce, que vous décidiez vous-même de mon sort, quelles que soient vos dispositions à l’égard de votre prisonnière, et de ne point souffrir que je tombe sous la superbe et cruelle domination d’aucun Romain. Quand je n’aurais été que la femme de Syphax, j’aurais toujours préféré la foi d’un prince numide, né dans l’Afrique comme moi, à celle d’un étranger. Mais vous comprenez ce qu’une Carthaginoise, ce que la fille d’Asdrubal doit redouter des Romains. S’il n’y a que la mort qui puisse me soustraire à leur puissance, je vous prie et je vous conjure de me la donner«.

والتي جاءت ترجمتها باللغة العربية كالآتي:

خطاب صفنبعل (Sophonisbe) إلى ماسينيسا لحظة دخوله قسنطينة

نجدُ موقع هذه المدينة عُثر على العديد من الآثار القديمة، وقوس نصرٍ يُشبه ما يُشاهَدُ في روما، ومبنى رخاميّ شُيّد قرب نافورة ماء شديدة البرودة. خارج أسوار قسنطينة رأى السيد شاو عدة معابد رومانية مغطاة بنقوش جنائزية. داخل المدينة توجد بقايا عدة مبانٍ رومانية، وقصر، ومسرح؛ وأخيرًا جسر روميل، الذي هو تحفة معمارية رومانية رائعة. لقد اعتقد الرحالة شاو وبواريه أن المدينة الحديثة لم تكن بضخامة مدينة سيرتا القديمة.

في اللحظة التي دخل فيها ماسينيسا إلى ردهة القصر تقدمت إليه صفنبعل ابنة صدربعل جيسكو وهي زوجة صيفاقس، حيث ميّزها بكل سهولة الملك من بين حاشيته عن طريق فخامة لباسها العسكري، أين انفجرت دموعها وانحنت عند قدميه، وقالت له: «لقد جعلَتْك الآلهة، شجاعتك وحظك تتحكم في مصيري بصفقة مطلقة، ولكن إذا كان مسموحًا لأسيرة أن تتوسل بكل ذلك الرجاء الذي يتمثل في الحكم على حياتها وموتها، وإذا منحتني نعمة تقبيل رجليك وهذه اليد المنتصرة فإنني أتوسل إليك من خلال جلالة الملك التي كنا وما زلنا محاطين بها، وبالاسم النوميدي الذي هو مشترك بينك وبين صيفاقس، وبآلهة هذا القصر الذين أتوسل إليهم أن ينظروا إلى وصولك بشكل أفضل مما رأوا رحيل صيفاقس الحزين، أتوسل إليك أن تمنحني هذه المزية وأن تقرر بنفسك مصيري، ومهما كانت تصرفاتك تجاه سجينتك ألا أعاني من خضوعي للسيطرة الهائلة والقاسية لأي روماني. حتى لو لم أكن زوجة صيفاقس كنت سأفضل دائمًا وعن إيمان أمير نوميدي مولود في إفريقيا على الذي هو أجنبي. لكنك تفهم ما تخشاه امرأة قرطاجية، وما يجب أن تخشاه ابنة صدربعل جيسكو من الرومان، وإذا كانت المنية وحدها من ستبعدني عن سلطتهم فإني أتوسل إليك وأطلب منك منحها لي».

التعليق:

إن هذه الفقرة تختصرُ إشكالية الاستعلاء والأحكام المسبقة في السرد التاريخي الفرنسي، لكنها تبقى تجربة رائعة، حيث تكشف عن توتّر بين القيمة العلمية للنص ومحتواه الإيدليوجي، فمنذ القرن التاسع عشر المدرسة التاريخية الفرنسية كتبت سرديات كثيرة حول البلاد البربرية، وهي التسمية التي كانت متداولة في الكتابات الفرنسية لمناطق شمال إفريقيا، تلك السرديات التي اتّسمت بنزعة مركزية أوروبية، حيث نظر الكثير من المؤرخين الفرنسيين إلى تاريخ المنطقة باعتباره هامشيًّا، أو تابعًا للمراكز المتوسطية الكبرى (روما – قرطاج – أوروبا).

إن طبيعة خطاب الاستعلائية لدى المؤلف تبدو واضحة في التقليل من التنظيمات السياسية للنوميديين والموريين، وتصويرهم كقبائل متناثرة، كل هذا من أجل تبرير الحضور الفرنسي على أراضي الجزائر، وهذا المناخ الفكري يفسر السبب وراء ملاحظة الاستعلاء والأحكام المسبقة التي ذكرتُها، التي وردت في الفقرة أعلاه، كإسقاط ثقافي عندما تقرأ الأحداث التاريخية القديمة بعيون فرنسية معاصرة، فإن ذلك يكشف عن هوّة بين التاريخ القديم ووظيفته الحديثة.

إن الترجمة التاريخية بوصفها ممارسة في مجال الأدب المقارن، بالنسبة لي لم أتعامل مع النص بوصفه مادة لغوية فقط، بل بوصفه خطابًا يجب إعادة تكييفه داخل ثقافة أخرى، التي هي العربية، مع الاحتفاظ بكل سماته الأصلية، فبين الترجمة، والأمانة، والمساءلة وجدتُ نفسي أماما سؤالين متضادين، هل أترجم النص كما هو بكل أحكامه وآرائه المسبقة؟، أم أعيد صياغته بشكل آخر حتى لا أعيد إنتاج الخطاب الكولونيالي في اللغة العربية؟، وهنا سلكتُ طريق الأمانة، لكن وسط حضور تفسير ضمني، من خلال الهوامش والتعليقات التي تصوّب أو تنبّه القارئ، مستخدما التعريب الذي يراعي نقل المصطلحات التاريخية بما يناسب الحقل العربي، مثل أسماء الشعوب، الممالك وغيرها، تاركا التمحيص والمقارنة للمختصين في التاريخ.

إن تجربتي في ترجمة كتاب تاريخ نوميديا وموريطانيا منذ العصور القديمة إلى غاية مجيء الوندال إلى إفريقيا، للأكاديمي لويس لاكروا، تندرج في إطار الأدب المقارن، فهي تكشف اختلاف المنظور الثقافي للكاتب، واختلاف الخطاب التاريخي، وهذا مقارنة بين السرد الفرنسي والسرد العربي، لكنها تبقى تجربة رائعة رغم أحكامها المسبقة؟

لقد أردتُ إحياء نصّ تاريخي مهم عن منطقة مغيّبة في كثير من المراجع، وكشف السرديات الكولونيالية بدل تمريرها دون وعي، من أجل تطوير أدوات تحليل الخطاب التاريخي لدى الباحث العربي، وإثراء الدراسات المقارنة بعملٍ يجمع بين عدّة معطيات، وكل هذا يجعل الترجمة ليست مجرّد نقل من لغة لأخرى، بل إسهامًا معرفيًّا.

خاتمة

من خلال هذه الدراسة حول هذه الفقرة من كتاب تاريخ نوميديا وموريطانيا للويس لاكروا وترجمتي، فهي تُعبّرُ بدقة عن العلاقة المعقدة بين النص الأصلي باللغة الفرنسية والنص المترجم إلى اللغة العربية، وهذا ما يمنحها منهجًا في تفكيك الخطاب، مما يمنح مثالاً حيًّا على كيفية تعاملي كمترجم مع نصّ تاريخي يُظهرُ توجهًا استعلائيًا، مع الحفاظ على قيمته العلمية.

 

الهوامش:

كتاب تاريخ نوميديا وموريطانيا منذ العصور القديمة إلى غاية مجيء الوندال إلى إفريقيا، لويس لاكروا، ترجمة عبدالمالك رفاس، دار فهرنهايت سنة 2024م نمُوذجًا

Facebook
X
WhatsApp
Threads
Telegram

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى