العدد الحاليالعدد رقم 47ثقافات

هيرمينوطيقا النص الديني في صلب الصراع السياسي

علم الكلام هو أحد الحقول المعرفية التي دار فيها الجدل بين الديني والسياسي، بما يتضمنه من تجاذب وتظافر وصراع بين العوامل الاجتماعية، والمذهبية، والثقافية، والشخصية. ففي ظاهر خطاب الفرق الكلامية تطفو المواضيع العقائدية على السطح، لكن في الجوهر كانت شرعنة العقائد السياسية هي الغاية الثاوية في الجدل الكلامي، في سياق الصراع حول السلطة، والسعي إلى بناء الشرعية السياسية من داخل الدين، بالوضع والتأويل؛ أي صناعة النص المشرعِن، وتأويل النص الديني لصالح المصلحة السياسية، الرسمية والمعارِضة. إن المسألة السياسية هي التي دشنت التفكير الكلامي في سؤال: (من هو الخليفة الشرعي؟). ليمتد الجدل الكلامي بعد ذلك إلى موضوعات قد تبدو في ظاهرها نظرية، لكنها عملية ومصلحية وسياسية في الأصل. بناء عليه فالفكر الكلامي بمختلف توجهاته يحقق وظيفة إيديولوجية، بحيث يندرج ضمن عملية التبرير الإيديولوجي للموقف السياسي، المساند أو المعارض، من داخل الدين.

مقدمة

يصبو هذا المقال إلى رصد موجز لكيفية تحول الدين/العقيدة إلى أداة لممارسة السياسة، وكيف استُخدم «العقل الكلامي» لشرعنة الأنظمة أو الثورة عليها، وكيف كان التنافس بين أطراف الصراع السياسي في العصرين الأموي والعباسي حول وضع الأحاديث واحتكار تأويل النص الديني وتوظيفه السياسي. إن الهدف من دراسة مدونة علم الكلام بكل أنساقها وأحزابها، لا يقتصر على فهم الماضي، وخصوصًا طور الكلام السياسي الذي امتد منذ ظهور الصراع السياسي زمن الفتنة الكبرى. بل يرنو إلى فهم الحاضر والمستقبل كذلك، لأن المسألة السياسية عندنا، ظلت حبيسة عقل سياسي موشوم بالتراث الديني، ويعد الفكر الكلامي جزءًا مهمًا منه.

إن انصهار السياسي والديني زمن الصراع بين الفرق الكلامية والأنظمة السياسية القائمة في العصرين الأموي والعباسي، ظل محفورًا في الذاكرة الجماعية، وفي اللاشعور السياسي الجمعي، وقادرًا على التأثير في الذهنية الإسلامية، والانفلات من الضبط، بوعي أو بغير وعي، كلما صعدت إلى مسرح النقاش مسألة الشرعية السياسية في بلداننا الإسلامية. لقد استطاعت الأطروحات السياسية الكلامية أن تتعايش مع متغيرات التاريخ والاجتماع السياسي في شمال إفريقيا والشرق الأوسط، وأن تضمن لنفسها الوجود بالقوة وبالفعل في عملية التأسيس الإيديولوجي لجماعات وأحزاب وأنظمة سياسية، تستند إلى براديغمات كلامية في صناعة الشرعية والمشروعية السياسية.

الكلام السياسي والنص الديني بين الإيديولوجيا الجبرية والإيديولوجيات المضادة

لقد شهدت الدولة الأموية حرية في التفكير والتعبير، وامتدت هذه الأخيرة إلى شرعية الحكم الأموي نفسه، وكانت موضوعًا للكلام السياسي، وتعتبر فترة الحكم الأموي عصر ازدهار الفرق الكلامية بامتياز، فهذه الفرق هي التي وضعت الخلافة على مائدة التفكير والتمحيص واختبار شرعية سيادتها، فظهرت فرق معارضة لشرعية الحكم الأموي نقلًا وعقلًا، مما اضطر الخلفاء الأمويين وولاتهم وأنصارهم إلى الدفاع عنها «بـ « كلام» مضاد، فربطوا القوة والغلبة اللتين انتزعوا بهما السلطة بإرادة الله وسابق علمه، أي بقضائه وقدره، ناشرين بذلك إيديولوجيا جبرية اتخذوا منها غطاء لسلوكهم، مما فسح المجال، في إطار «الليبرالية» الموروثة من «سياسة معاوية»، لقيام إيديولوجيا مضادة نشرتها حركة تنويرية حقيقية، تستحق هذا الاسم فعلًا»1. وهي حركة معارضة ذابت فيها الأواصر القبلية، وباتت تتحرك باسم «العقيدة»، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهي الحركة الشيعية. وكذلك الأمر بالنسبة للخوارج الذين رفعوا شعار «لا حكم إلا لله» بمضمونه السياسي، فصار الصراع سياسيا بغطاء ديني. وهناك جماعة المعتزلة التي اعتزل أفرادها الفتنة زمن عثمان، ووقفوا موقفًا محايدًا في الصراع بين علي وخصومه. مستندين إلى أحاديث كثيرة تلتقي جميعها في حث الناس على اعتزال الصراع. ومنهم المرجئة، الذين اعتزلوا الفتنة ووقفوا موقف الحياد، وأرجأوا أمرها إلى الله حتى يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه مختلفين.

إن الفرق الكلامية هي في العمق أحزاب سياسية تمارس السياسة في الدين، خصوصا في العصر الأموي، لذا لا يمكن فهم أفكار الفرق الكلامية باعتبارها أحزابًا سياسية، إلا بمقارنتها بأفكار الخصوم السياسيين، وخصوصًا الدولة الأموية نفسها، وقد تبنت الدولة الأموية الإيديولوجيا الجبرية لتبرير أفعالها وتثبيت مشروعيتها، وهذا ما يفسر انكباب الفرق الكلامية في هذه الفترة على قضية الجبر والاختيار (الإنسان مسير أم مخير). إن عرض إيديولوجيا الدولة الأموية شرط ضروري للوقوف على المضمون السياسي لمقالات أصحاب الفرق في هذا العصر، فقد عمد معاوية إلى تبرير خروجه لقتال علي بأن ذلك قضاء الله وقدره، وهي الإيديولوجيا نفسها التي سيكرسها ولاته والخلفاء الأمويون من بعده، فعندما توفي معاوية خطب ابنه يزيد فقال: «الحمد لله الذي ما شاء صنع، من شاء أعطى، ومن شاء منع، ومن شاء خفض، ومن شاء رفع.. إلخ»2. من الطبيعي أن يعمد الأمويون إلى توظيف الحديث النبوي لشرعنة حكمهم، وهي أحاديث كثيرة منحولة ومنسوبة إلى عائشة وابن عمر وأبي هريرة، جمعها الجابري في «العقل السياسي العربي»3، ومن هذه الأحاديث أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: «الأمناء ثلاثة جبريل وأنا ومعاوية»، وحديث آخر «اللهم علم معاوية الكتاب ومكن له في البلاد وقه من العذاب»، واستعمل الأمويون الفقهاء لتوثيق هذه الأحاديث ونشرها.

في مقابل هذه الأحاديث نجد أخرى تنسفها نسفًا، فكل ما ترويه السلطة يحارب برواية مناقضة، بالرجوع إلى السند نفسه، من ذلك حديث يروى عن عبدالله بن مسعود قال فيه: «قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه» وفي لفظ آخر عن عبد الله بن عمر قال: «إذا رأيتم معاوية يطلب الإمارة فاضربوه بالسيف» إلخ. هذا الصراع في اختلاق الأحاديث ونسبتها إلى الرسول (صلى الله عليه وسلم) نابع من وعي بقوة المشروعية الدينية في دعم وتثبيت السلطة السياسية، فالحديث «عندما يروى ويذاع في الناس تكون له سلطة، وواضعو هذا الصنف أو ذاك من الأحاديث إنما كانوا يريدون توظيف هذه السلطة في وقتهم. إنها الحرب السياسية الإيديولوجية بواسطة الحديث (…) إذا أضفنا إلى «حرب الحديث» هذه، إيديولوجيا الجبر الأموية وميثولوجية الإمامة، أدركنا كم كانت الحاجة إلى صوت العقل، إلى منطقه وأنواره»4. اختلاق المقدس من خلال اختلاق الأحاديث من أجل السياسة، بمعناها الوضيع الذي يجعل الغاية تبرر الوسيلة، لن يؤدي إلى نتيجة سوى الإبقاء على الوضع الراهن كما هو عليه، أي التراشق بالأحاديث والمرويات والأخبار، والحل ستقوده حركة تنويرية حقيقية في هذا العصر، كان لها الفضل الكبير في تهييء المناخ الفكري والإيديولوجي لقيام الدولة العباسية، ونسف إيديولوجية الأمويين بالعقل والمنطق وهي الحركة الاعتزالية.

الأحاديث التي طعنت في حكم معاوية ظهرت في أوساط «أهل السنة والجماعة»، أما الخوارج فقد كانوا ثوريين راديكاليين وعمليين، يوظفون مفاهيم دينية لتبرير موقفهم السياسي «الخروج والتكفير»، وبالغوا في ربط موقفهم السياسي بالدين، وجعلوا من «التحكيم»، وهو عملية سياسية في الأصل، سلوكًا مخالفا للدين بحجة أن «لا حكم إلا لله» فكفَّروا عليًّا ومعاوية، وكل من شارك في التحكيم أو رضي به، أو سكت عنه، أو لم ينضم إلى الخوارج، «لقد تعالى الخوارج بالسياسة فحكموا عليها بالدين، فكان لابد من تسييس المتعالي للخروج من المأزق الذي أرادوا وضع الناس فيه. ولم تكن إيديولوجيا «التكفير» هي وحدها التي تفرض تسييس المتعالي باللجوء إلى العقل، بل لقد كانت إيديولوجيا الجبر الأموية وميثولوجيا الإمامة تفرضان هذا النوع من تحكيم العقل، بهدف تعرية المضامين السياسية التي يراد تكريسها من وراء التعالي بالسياسة إلى مستوى الدين»5. والحركة التنويرية العقلانية المعارضة التي ستشكل تيارا رابعًا بين الجبرية الأموية والتكفيرية الخوارجية وميثولوجيا الإمامة الشيعية، سيستهلها الحسن البصري وواصِل بن عطاء والجهم بن صفوان وغيلان الدمشقي وغيرهم. وأما الحسن البصري، فهو الذي حاجج الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان ونسف إيديولوجية الجبر الأموي، ليؤكد أن أعمال الناس والحكام جزء منهم، وليست قدرا وحتما عليهم، بل هي نابعة من اختيارهم وإرادتهم ومسؤولون عنها، وهنا تكتسب هذه الأفكار العقلانية أهميتها السياسية في نسفها لأسس الإيديولوجية الجبرية الأموية، وتكتسي أهميتها كذلك من ناحية عقلنة الأحكام الدينية، فكيف يأمر الله الناس بعبادته ثم يجبرهم على فعل المعاصي؟

لقد لعبت مجمل الفرق التي صنفتها كتب «الملل والنحل» تحت أسماء «القدرية» و«الجهمية» و«المعتزلة» دورا بارزا في تطوير الفكر السياسي والديني في العصر الأموي. وواجهوا إيديولوجيا الجبر الأموية، وإيديولوجيا التكفير الخوارجية، وميثولوجيا الإمامة الشيعية. إن رجال حركة التنوير هذه «هم الممهدون الحقيقيون للثورة العباسية. لقد عملوا على اختراق «القبيلة»، باستقطاب الناس في فرق وأحزاب وراء أطروحات تناهض أطروحات الجبر والتكفير وتبشر بالشورى والمساواة إلخ، فنشروا بذلك إيديولوجيا تنويرية عقلانية تؤكد الحرية والاختيار والمسؤولية والجزاء»6 لقد كان التوظيف السياسي للدين في هذه المرحلة من تاريخ العقل السياسي العربي مكثفًا، فكل خلق أو تأويل لنص ديني لا يمكن أن ينظر إليه إلا من زاوية إيديولوجية سياسية، لا دينية.

الإيديولوجيا السلطانية وتأسيس السياسة الشرعية

لقد بدأ التأسيس الفعلي للسياسة الشرعية7، باعتبارها فرعا من فروع الفقه الإسلامي من داخل الحديث النبوي، لأن القرآن لم يتعرض لشكل الدولة ولا لمسائل الحكم والسياسة، فكان الْتماس الشرعية السياسية ينطلق من الحديث النبوي أو المنسوب إلى النبي، ولا يتم التمييز هنا في الأحاديث بين صحيحها وحسنها وضعيفها وموضوعها، لأن هذا التصنيف يهم المختصين، وقد يتأثر بالمواقف السياسية وليس فقط بقواعد «الجرح والتعديل»، وهي مسألة متشابكة تحتاج إلى بحث ودراسة. أما «رجال السياسة والدعاة والخطباء والوعاظ والقصاص فهم يروجون للحديث بسند وبغير سند، والمهم عندهم هو توظيفه في أغراضهم السياسية. ومن هنا كان الحديث الموضوع لا يقل تأثيرًا عن الحديث الصحيح، بل ربما كان الأول أكثر تأثيرًا لأن واضعه بصوغه بالشكل الذي يخدم قضيته مباشرة، هذا فضلًا عن توظيف ما صح سنده من الحديث توظيفًا يخرج به عن نطاق دلالته الأصلية، عن مجال «أسباب نزوله»، إلى نطاق آخر ومجال آخر، وذلك من خلال التعميم والتأويل والمماثلة إلخ»8.

النتيجة ذاتها وصل إليها محمد أركون في دراسته لأشكال التمفصل بين السيادة الروحية العليا والسلطة السياسية في الإسلام، حيث «أصبح الخليفة في المفهوم السني، ثم بشكل أكثر الإمام في المفهوم الشيعي، يمثلان حضورًا مقدسًا ويجسدان السيادة العليا والسلطة السياسية في آن معًا. وذلك لأن كليهما يسهران على التطبيق الصارم للشريعة التي قُدِّست هي الأخرى بدورها، وخُلعت عليها صبغة التعالي من قِبل الفقهاء، وبمعونة علم خاص طالما تم الاهتمام به بدءًا من الشافعي هو: علم أصول الفقه»9.  . لقد نشطت دوائر الاجتهاد والتأويل وأنتجت أدبيات كثيرة توظف الدين لشرعنة السلطة السياسية، وهي دوائر ومؤسسات بالمفهوم الحديث، ستظل مستمرة في الاشتغال على النحو ذاته لتحقيق الهدف نفسه، مادام التعالي بالسلطة دينيا، مرغوب فيه في العقل السياسي الجمعي، وفي اللاشعور الاجتماعي في المجتمعات العربية الإسلامية.

يَعتبر الجابري أن فقه السياسة محكوم بثلاثة ثوابت: ضرورة وجود الإمام، ولزوم الطاعة له ما لم يأمر بمعصية، واعتبار نظام الحكم بعد الخلفاء الراشدين مُلكًا دنيويًا. فإذا اعتمدنا وفقط الأحاديث التي تعالج المسألة السياسية في عموميتها، وبدون أي تحزب واضح لهذه الجهة أو تلك،  فوجود الإمام وطاعته ضروري لقيام الدين والدولة معًا، ومن هذه الأحاديث التي تدعو إلى طاعة الإمام وعدم الخروج عن الجماعة، ما يرويه البخاري عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه قال: «من كره من أميره شيئًا فليصبر، فإنه من خرج عن السلطان شبرا مات ميتة جاهلية»، وفي صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنه سيكون هنات وهنات، فمن أراد أن يفرق أمر هذه الأمة وهي جميع فاضربوه بالسيف كائنًا من كان»، وفيه أيضًا عن النبي أنه قال: (سيكون أمراء تعرفون وتنكرون، فمن عرف برئ ومن أنكر سلم، ولكن من رضي وتابع. قالوا أفلا ننابذهم؟ قال: لا، ما صلوا». وفيه أيضًا أنه قال: (من ولي عليه والٍ فرآه يأتي شيئًا من معصية الله فلينكر ما يأتي من معصية الله ولا ينزعن يدًا من طاعة). إن هذا النوع من الأحاديث يعكس في مجموعه «نزوع الضمير الإسلامي، والسني منه خاصة، إلى قبول «الأمير» كيفما كان- شريطة أن يُظهر الإسلام – حفاظا على «الدولة»، لأنه بدون «الدولة» لا يستقيم الدين، فكثير من الفرائض والأحكام يتوقف أداؤها وتنفيذها على وجود الإمام (صلاة الجمعة، الحج، الحدود، حماية الثغور، الجهاد إلخ)»10.

من النماذج التي يُضرب بها المثال في كتابات فقه السياسة أو الآداب السلطانية، مؤلفات أبي الحسن الماوردي وخصوصًا كتابه (الأحكام السلطانية والولايات الدينية)11. يقصد بالأحكام السلطانية ما يطلق عليه اليوم «القانون الإداري»، ومواضيعه تتمحور حول الوزارة والإمارة على الأقاليم وعلى تنظيم الجيش إلخ، أما «الولايات الدينية» فموضوعها ولاية القضاء والمظالم، وغير ذلك من الموضوعات التي ورد فيها نص شرعي. وقد خصص الماوردي الباب الأول من كتابه لــ«عقد الإمامة»، وحدد الشروط الواجب توفرها في الإمام وقد حصرها في سبعة وهي: العدالة، والعلم، وسلامة الحواس، وسلامة الأعضاء، والرأي المفضي إلى سياسة الرعية والشجاعة والنسب القرشي. ويُرجع الباحثون دور الماوردي في هذا المجال في تخليص فقه الإمامة من إطاره الأصلي وهو «علم الكلام»، المتسم بالطابع السجالي، الذي يتجلى في رد أهل السنة على المخالفين، والشيعة الرافضة منهم، وصياغته في قالب فقهي مما أكسبه طابع «التشريع». إن ما بقي ثابتا في الفكر السياسي السني هو الإيديولوجيا السلطانية، لقد انتهت سجالات المتكلمين وتكييفات الفقهاء إلى «الاعتراف بشرعية الأمر الواقع: «من اشتدت وطأته وجبت طاعته». وهل تقرر الإيديولوجيا السلطانية نتيجة أخرى غير هذه؟ وإذن لم يعرف الفكر الإسلامي، في الميدان السياسي، إلا ميثولوجيا الإمامة والإيديولوجيا السلطانية. وإذا كان أهل السنة قد تجندوا للرد على الأولى تكريسًا للأمر الواقع، فإنه لم يوجد بعد من يرد على الثانية لا في شكلها القديم ولا في شكلها المعاصر. إن نقد العقل السياسي العربي يجب أن يبدأ من هنا : من نقد الميثولوجيا (السياسية) ورفض مبدأ «الأمر الواقع»»12.

إثبات شرعية خلافة أبي بكر وعمر وعثمان من جهة (ضدا على رفض الشيعة)، والتماس درجة ما من الشرعية لمن جاء بعد الخلفاء الراشدين، من الملوك والحكام الذين حكموا البلاد الإسلامية كلها أو بعض أقاليمها، هما الموضوعان اللذان يتناولهما فقه السياسة13، معناه أنه ليست هناك نظرية إسلامية في تنظيم الحكم في مجمل ما كتبه المتكلمون والفقهاء، لغياب نصوص قرآنية أو أحاديث تشرع لمختلف المسائل السياسية التي تنتظم وفقها الدولة. إن «النظرية الإسلامية في الحكم – إذا كان لابد من استعمال هذا التعبير- هي نظرية هذا المسلم أو هذه الجماعة من المسلمين في هذا العصر أو ذاك، في هذا البلد أو ذاك، لدى هذه الفرقة أو تلك.  وإذا حدث أن أجمع علماء المسلمين على نظرية في الحكم ووافق عليها المسلمون جميعهم فحينئذ ستصبح هذه النظرية نظرية إسلامية بالفعل، لأن إجماع الأمة مصدر للتشريع في الإسلام. وهذا لم يحدث بعد»14.

إن هذا الصراع المعقد بين الفرق زمن الأمويين والعباسيين سيبقى موشوما في الذاكرة الإسلامية، لما خلفته من أدبيات تصهر السياسي بالديني، و«الشيء الذي ينبغي أن نحتفظ به في ذاكرتنا هنا هو أن الأدبيات اللاهوتية والدينية للفئات المتصارعة قد أنجزت عملًا ضخمًا من التقديس والتعالي من خلال تلك الصراعات الحامية التي دارت بينها. فالصراعات الأكثر دنيوية (أي الأبعد ما تكون عن الدين)، والصراعات الأكثر عنفًا ومادية قد رُبطت برهانات دينية من أجل الإبقاء على فكرة الاستمرارية والإخلاص وخط الأرثوذكسية (أي الاستقامة) السائر على هدي النموذج التدشيني الأكبر والمفترض أنه محدد في القرآن وعمل النبي»15. النتيجة العملية التي ينبغي استنباطها من هذه الصراعات الطويلة والمعقدة بين الفرق السياسية في صدر الإسلام، هي قدرتها على التأثير في الذهنية العربية الإسلامية وتخزين كل هذه الأدبيات السياسية الدينية في اللاشعور السياسي الجمعي، لتشكل بنية عميقة ستطفو إلى السطح كلما نشب صراع حول السلطة في البلاد العربية الإسلامية.

هيرمينوطيقا النص الديني والصراع السياسي16  

يتبين مما سبق أن امتلاك النص الديني كان ديدن السلطة السياسية والمعارضة معًا، وكانت حرب الأحاديث حربا إيديولوجية، يهدف كل طرف إلى حيازة الشرعية السياسية وتثبيت دعائم الحكم من طرف السلطة الأموية، عبر امتلاك لسان النبي (صلى الله عليه وسلم). لقد تحول الحديث من نص ديني إلى سلاح سياسي لمواجهة الخصوم، يمتلك قوة رمزية مؤثرة لا تقل أهمية عن القوة المادية، بحيث تجعل الطاعة السياسية واجبًا دينيًا. فللنص الديني، بغض النظر عن درجة صحته، سلطة على حسم الصراع الميداني لصالح هذا الطرف أو ذاك.

من جهة أخرى كان الصراع على أشده في حقل تأويل النص الديني، بحيث كان كل طرف يسحب النص صوب غاياته السياسية عبر آلية التأويل الذاتي للنص الديني، الذي هو في بنيته حمال أوجه، بحيث عمدت السلطة الأموية إلى تحويل النص من سياقه العقدي إلى سياق تبريري لشرعنة الوضع القائم، كتأويل الآيات التي تتحدث عن مشيئة الله تأويلًا سياسيًا جبريًا، أما المعتزلة، اعتمادًا على منهجهم التأويلي العقلاني، فقد اعتبروا أن كل نص يوهم بالظلم أو الجبر يتم تأويله ليوافق «أصل العدل»، والهدف من هذا الخط التأويلي العقلاني هو نزع الشرعية الدينية عن الظلم السياسي الأموي. إن اختيار المعتزلة للمنهج العقلي كان ضرورة سياسية لكسر احتكار السلطة الأموية لتأويل النصوص الدينية الجبرية. وذهبت بعض الفرق الكلامية كالشيعة والإسماعيلية إلى أن للنص باطنًا لا يعلمه إلا الإمام، وهي آلية تأويلية تهدف إلى حصر «السلطة المعرفية» (وبالتالي السياسية) في سلالة آل البيت، مما يجعل النص أداة حصرية للشرعية.

أسفرت الفتنة الكبرى عام 661م عن ولادة فروع مختلفة للإسلام، وكانت السلطة محط الصراع، ويميز فيها أركون بين ثلاث اتجاهات. الاتجاه الأساس هو الاتجاه السني الذي يجمع اليوم الغالبية العظمى من المسلمين، دعي هذا الاتجاه بهذا الاسم ـ حسب أركون ـ لأنه يدعي احتكار «الأرثوذكسية»، أي السنة التي تعني التراث «الحق» للنبي. وتنطوي هذه التسمية على تغليب السنة وتفضيلهم على غيرهم، وقد أطلق السنة هذه التسمية على أنفسهم من أجل إبعاد خصومهم وتسفيههم مسبقا، والشيء نفسه يقال عن الشيعة، وهم أتباع وأنصار علي الذين رفضوا الإجماع، والشيعة تُعامل السنة بالطريقة نفسها، حيث يعتبرون أنفسهم أهل العِصْمة والعدالة. الاتجاه الثالث يمثله الخوارج، وهم عند السنة أولئك الذين خرجوا عن الأمة وتركوا الجماعة، والمعنى الأصلي للكلمة هو فعلًا الخروج، لكن ليس الخروج عن الأمة، وإنما الخروج إلى ساحة القتال للجهاد في سبيل الله.

لقد اتجهت كل الفرق المتصارعة على الحكم في زمن الفتنة الكبرى، إلى تأويل آيات القرآن تأويلًا موافقًا لنظريتها السياسية في السلطة متجاهلة بذلك لحقيقة السكوت القرآني «الحاسم فيما يتعلق بهذه القضية (…) على أن الشيعة في الحقيقة، كانوا هم الأكثر تأويلًا لآيات القرآن في شأن الإمامة، كما كانوا الأسبق في استخدام التأويل. ومن بعدهم ـ وكرد فعل في الغالب ـ بدأ السنيون في تعاطي التأويل وتوظيفه في الرد على الشيعة ثم في تأسيس ما صار يعرف بنظرية الخلافة»17، وتجسد هذا الأمر في الصراع العلوي/الأموي، الذي دار بين الخليفة الرابع علي بن أبي طالب وبين معاوية بن أبي سفيان في موقعة «صفين»، حين رفع أنصار معاوية المصاحف للاحتكام إليها في حسم هذا الصراع السياسي، وقد «كان عمرو بن العاص هو صاحب هذا التكتيك، وكان واثقًا من نتيجته في بلبلة عقول أتباع علي واختلافهم، وكانت الحيلة موجهة بنفس القدر لجنود معاوية، تزييفًا لوعيهم، بإقناعهم أن قوادهم يخوضون حربًا دينية مقدسة، وذلك إخفاء للأطماع والمصالح الدنيوية الطبقية المباشرة، وقد أثمرت هذه الحيلة الأيديولوجية نتائجها في تحويل الوعي بالصراع من مجال الصراع الاجتماعي السياسي إلى مجال الصراع حول إدراك معنى النصوص الدينية، وحول تأويلها. منذ تلك اللحظة التاريخية والمسلمون يخوضون صراعاتهم الاجتماعية والسياسية باسم الدين وتحت مظلة النصوص»18.

هذه النتيجة التي خلص إليها  نصر حامد أبو زيد هي المؤطرة للسياق السياسي العربي الحديث والمعاصر بكليته، بل إنها البنية الحاكمة في العقل السياسي العربي منذ مبايعة الخليفة الأول أبو بكر الصديق في «سقيفة بني ساعدة» إلى الآن، ولعل الصراع الراهن داخل الدول الإسلامية حول المرجعية الدينية، باعتبارها إيديولوجيا الشرعية السياسية، خير دليل أن العقل العربي ظل مشدودًا إلى الصهر بين السلطتين، سلطة النص الديني، والسلطة السياسية الحاكمة، ويؤدي التوحيد بين السلطتين ـ حسب نصر حامد أبو زيد ـ «إلى نتائج خطيرة على مستوى آليات العقل العربي المسلم في إنتاج المعرفة، حيث أصبحت النصوص الدينية الإطار المرجعي الأول والأخير بالنسبة لكل القوى الاجتماعية والسياسية»19. وبات تأويل النصوص الدينية رهينًا بالسلطة السياسية، تأييدًا ومعارضة، تبريرًا وتأميمًا للنصوص الدينية، وأدلجة للخطاب السياسي للسلطة.

جوهر الجدل بين الديني والسياسي تكمن في التأويل السياسي للدين، والأزمة المترتبة عن هذه العلاقة «إنما هي من فعل السياسة لا من فعل الدين»20، على أن التشديد على سياسية مسألة الدين والدولة، أو على جوهرها السياسي، إنما هو تشديد على ماهيتها فحسب، «أما النظر إليها والتفكير في تشابك خيوطها، فلا يمكن أن يكون بعقل سياسي وإنما بعقل نظري»21. إن الدين عبارة عن نصوص صامتة بين دفتين، والمؤولون هم من يُنطقون هذه النصوص، وكثيرًا ما يجري المؤول حاكمًا كان أو معارضًا، تأويله وفق أغراض سياسية لا علاقة للدين بها، حتى وإن استخدم في ذلك مفردات الدين، «إن النص الإسلامي الأول» القرآني والحديثي «والحال كذلك، لا يقف ساكنًا أو محايدًا حيال قارئه، المتحدر من وضعيات اجتماعية مشخصة معاصرة له أو لاحقة عليه، يتلقف ما يصدر إليه منها تلقُّف متلق أعزل، والموقف نفسه نواجهه على صعيد العلاقة بين ذلك النص وقارئه المعاصر له»22.

إن النصوص ليست ناطقة بذاتها، وإنما هي محمولة على معاني يقررها المؤولون، ونظرًا لاختلاف المصالح الاجتماعية والسياسية والمرجعيات الفكرية والأوضاع التاريخية والنفسية التي تؤسس لفعل القراءة والتأويل، فإن الاختلاف واقع بين الأفراد والجماعات في فهم وتلقي النص الواحد، فينتج عن ذلك مذاهب وفرق وأحزاب، وهو ما حدث في التاريخ الإنساني عامة، والتاريخ السياسي والديني والثقافي العربي الإسلامي. فــ«إذا كانت الحقيقة في كلام الله ورسالاته واحدة، فكيف يعقل أن يذهب فيها المتلقون كل مذهب وأن يتأولوها بطرق متناقضة تحمل بعضهم على تفسيق أو تكفير البعض، فيتمخض التناقض والتباين في التأويل عن صراعات عنيفة، وبالتالي عن فتن ومحن مأساوية (كمحنة القول بتخيير الإنسان ومحنة خلق القرآن ومحن الصوفية ومحنة الأشاعرة، إلخ )»23.  ونتيجة ذلك أن كل فرقة أو مذهب يقدم قراءته للنص بوصفها حقيقة هذا النص وجوهره، في سعيه إلى احتكار السلطة باعتبارها الهدف والمبتغى.

نكون إزاء عملية التأويل أمام بنيتين، بنية النص، وبنية القارئ، فالنص كما قلنا يطرح إمكانيات التأويل بفعل طبيعته اللغوية وسياقاته المتغيرة، والقارئ يؤول النص بناء على مرجعياته المعرفية والإيديولوجية، وبذلك تكون بنية القارئ بمثابة «وضعية مفتوحة باتجاه ذاك (المقروء) ضمن الحدود المشخصة، التي يتحرك فيها القارئ، ويستثيرها هو، ويحرِّض عليها، في الحقول السياسية والسوسيو- ثقافية والاقتصادية وغيرها»24 . وبذلك نكون أمام جدلية القارئ والمقروء، أو مواجهة بينهما بتعبير الباحث طيب تيزيني. لقد تشكلت وجوه التأويل في تاريخ الإسلام الإيديولوجي حول جدلية الصراع بين الظاهر والباطن. فأهل الظاهر يأخذون بظاهر النص، أما الباطنية أو دعاة العقل فـــ«يجمعون على أن القرائن النصية أو السمعية لا تفيد اليقين ولا يمكن للاستدلال أن يقوم مكتفيا بها. وهكذا يقدِم هؤلاء على تقييدها بالدلائل التي يرون أنها عقلية. ويذهب أولئك إلى تغييبها في تصاعدات التأويل الباطني ومطالبه»25. إن التأويل أو الاجتهاد في علاقته بالنص المقدس «تعبير عن تسرب الإنسان في الشريعة النصية وعن انخراطه الذاتي النشيط في «المُنَزَّل». ولذا فإن عرض أنماط الاجتهاد ودرجاته القياسية هو عرض لتاريخ ذلك التسرب نفسه وذلك الانخراط»26 . ولم يقتصر التأويل على طبقة الفقهاء، بل شمل كل من المتكلمين والمتصوفة، وأضحى «كل تفسير للقرآن مفارق هو في نفس الوقت عند مؤلفيه نوع من الاختيار السياسي، غالبًا ما يفرز مشروعًا للاستيلاء على السلطة»27.

ينتج عن تعدد تأويلات النص الديني ظاهرة ضربت بجذورها في التاريخ الإسلامي في الماضي والحاضر، وهي ظاهرة التمذهب. إنها ظاهرة تاريخية تعم تاريخ الأديان كافة، فقد كانت بداية الأديان التوحيدية خالية من التمذهب، وتتموقع كل ديانة في مواجهة الآخر المختلف عقديًا، فلا يختلف أتباع الديانة الواحدة على نصها، ولا ينقسمون في فهمه، لكن هذا النص لا يبقى معزولًا، وإنما يتعرض لتعدد التأويلات وتناقضها أحيانًا مع مرور الوقت وباختلاف المكان والزمان، واختلاف الظروف الاجتماعية والسياسية التي يتم فيها تلقيه وتأويله. وبالتالي يتم الانتقال من التوحد إلى التمذهب فيتم بذلك «الانتقال من النص الديني إلى الجماعة، الانتقال من الجماعة الدينية إلى الجماعة السياسية، الانتقال من السلطة العليا (الإلهية) للدين إلى السلطة البشرية (الفقهية، الإكليروسية السياسية) للدين، الانتقال من النص الديني أو من الرأي إلى المُؤَسسة (= مأسسة الدين)»28.

إن الأديان التوحيدية لم تتأسس على عقيدة توحيد الإله فحسب، بل خاطبت أتباعها برسالة رامت توحيدهم، وتوحيد فهمهم للتعليم الديني، ونبذ الفرقة والشقاق والاختلاف، لكن الواقع التاريخي يقول غير ذلك، فقد تفرق أتباع الدين الواحد إلى فرق وشيع يُخَطِّئ بعضها بعضًا، متصارعة على مِلْكية النص وتمثيله واحتكار معناه. إن الدين ليس نصًّا صامتًا، وإنما هو حصيلة ذلك التأويل الذي لا يكون فيه النص إلا عنصرًا من عناصر أخرى تتدخل في تشكيل «شبكة التأويل»29، فهو إذا نسق يتشكل من النص والجماعة والتأويل، في سياق زماني ومكاني ومعرفي وسياسي إلخ. إن النص الديني خاضع للتاريخ، ومن هنا تنشأ ظاهرة التمذهب باعتبارها ظاهرة تاريخية، أسهمت في بروزها في التاريخ الإسلامي عدة عوامل منها: السياسية، والاجتماعية، والثقافية، والجغرافية، والمعرفية، والعوامل الخارجية.

لقد استطاع الكلام السياسي تحويل قضايا الحكم والسياسة من مجال النخبة الحاكمة إلى الشأن العام، لكن خوض المعارك السياسية من داخل الدين، ووضع القضايا السياسية في إطار عقدي حوَّل السياسة إلى عقيدة دينية، تسوغ العنف والتكفير والاستبداد، بالتعالي بالشأن السياسي إلى مستوى القداسة، وبسبب «تديين السياسة» «تحول التاريخ السياسي للمسلمين إلى تاريخ ديني، ونُظر إلى الأحداث السياسية الكبرى على أنها لحظات دينية مكتنزة بالمشاعر والمعاني الروحية الجياشة، واكتسب الفاعلون السياسيون صورة الرموز الدينية الملهمة»30. ولاشك أن الواقع السياسي العربي الراهن مازال يعيد إنتاج الفكرة ذاتها، بصيغ متنوعة، ولعها أس معضلات الاجتماع السياسي العربي، حين يتم إلباس الشأن السياسي بالمقولات الدينية لتكريس الأمر الواقع، أو منازعة الشرعية السياسية بدفوعات دينية.

خاتمة

من الشائع أن الفرق الإسلامية مثل الخوارج، والشيعة، والمرجئة، والعثمانية، والجبرية، والقدرية، والمعتزلة، والأشاعرة، والماتريدية، وما تفرع عنها من فرق، إنما اختلفت في مسائل عَقَدية كالكفر، والإيمان، والقدر، والإرادة، والاستطاعة … إلخ. والحق أن الجدل فيها كان سياسيًا في المقام الأول، وإن هو عبر عن نفسه بمفردات دينية أو كلامية، فــ«عندما نقول الدين، نقول السياسة، لأن الدين في الوطن العربي ـ الإسلامي ملابس للسياسة، وليس هناك فارق فاصل بين الاثنين، أي أن ممارسة السياسة في الدين كانت تتم بواسطة الفلسفة في أحيان كثيرة، وكذلك في الوقت الحاضر، إذ نجد أن السياسة هي التي تهاجم الفلسفة وتعرقل تقدمها ولربما كانت هي التي ستدفع بها غدا إلى الأمام»31.

لقد تصارعت الفرق الكلامية على السلطة، واستغلت المقولات الدينية لشرعنة موقفها السياسي، وتكرر ما حدث في فجر الإسلام، وقاد إلى الفتنة والانقسام، منذ بدء نشوء حركات الإسلام السياسي في عشرينيات القرن الماضي، والتي عملت بدورها على توظيف الدين في مشروعها السياسي، معلنة عن رغبتها في إقامة الدولة على أساس الشريعة والدين، متصارعة مع سلطات وقوى سياسية تحتوي الدين وتوظفه لصالحها، أو ضد قوى علمانية تحاول إبعاد الدين من المجال السياسي، والنتيجة هي تكوين أحزاب وجماعات طائفية ومذهبية تكرس الانقسام، وتؤجج الصراع السياسي، وكثيرا ما  تحول هذا الصراع من المستوى الخطابي إلى مستوى العنف المادي تحت غطاء ديني.

 

الهوامش:

1 ـ محمد عابد الجابري، العقل السياسي العربي، محدداته وتجلياته، مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة الرابعة، بيروت، 2000، ص: 238.

2 ـ أحمد بن محمد بن عبد ربه الأندلسي، العقد الفريد، تحقيق محمد سعيد العربان، المكتبة التجارية الكبرى، القاهرة، 1953، ص: 153.

3 ـ محمد عابد الجابري، العقل السياسي العربي، المرجع السابق، ص: 303.

4 ـ محمد عابد الجابري، العقل السياسي العربي، ص: 304.

5 ـ نفسه، ص: 306.

6 ـ نفسه، ص: 328.

7 ـ يطلق عليها أيضًا: فقه السياسة أو الآداب السلطانية.

8 ـ محمد عابد الجابري، العقل السياسي العربي، المرجع السابق، ص: 357.

9 ـ محمد أركون، الفكر الإسلامي: نقد واجتهاد، المرجع السابق، ص: 135.

10 ـ محمد عابد الجابري، العقل السياسي العربي، المرجع السابق، ص: 357.

11 ـ الماوردي، الأحكام السلطانية والولايات الدينية، دار الكتب العلمية، بيروت، 1985.

12 ـ محمد عابد الجابري، العقل السياسي العربي، المرجع السابق، ص : 362.

13 ـ نفسه، ص: 359.

14 ـ نفسه، ص: 359.

15 ـ محمد أركون، الفكر الإسلامي: نقد واجتهاد، ترجمة وتعليق هاشم صالح، لافوميك المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، 1993، ص: 135.

16ـ المزيد حول صراع التأويلات السياسية للنص، مقالنا ” جدل الدين والدولة بين التنزيل والتأويل “، مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث، الرابط:

https://www.mominoun.com/index.php?/articles

/جدلية-الدين-والسياسة-بين-التنزيل-والتأويل-8687

17 ـ ياسين عبدالجواد، السلطة في الإسلام: العقل الفقهي السلفي بين النص والتاريخ، المركز الثقافي العربي، الطبعة الثالثة، الدار البيضاء ـ بيروت، 2008، ص: 201.

18 ـ نصر حامد أبو زيد، الخطاب والتأويل، المركز الثقافي العربي، الطبعة الثالثة، الدار البيضاء بيروت، 2008، ص: 130.

19 ـ المرجع نفسه، ص: 131.

20 ـ زكريا إبراهيم، هيغل أو المثالية المطلقة، مكتبة مصر للمطبوعات، سلسلة عبقريات فلسفية، الطبعة الأولى، القاهرة، 1998، ص: 20.

21 ـ زكريا إبراهيم، هيغل أو المثالية المطلقة، ص: 23.

22 ـ طيب تيزيني، النص القرآني أمام إشكالية البنية والقراءة، دار الينابيع، د. ط، دمشق، 1997، ص: 40.

23 ـ بنسالم حميش، التشكلات الأيديولوجية في الإسلام، الاجتهادات والتاريخ، تقديم ماكسيم رودنسون ومحمد عزيز الحبابي، دار المنتخب العربي للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، الطبعة الأولى، 1993، ص: 12.

24 ـ طيب تيزيني، النص القرآني أمام إشكالية البنية والقراءة، المرجع السابق، ص: 41.

25 ـ بنسالم حميش، التشكلات الأيديولوجية في الإسلام، مرجع سابق، ص: 14.

26 ـ نفسه ص: 15.

27 ـ نفسه، ص: 17.

28 ـ عبد الإله بلقزيز، الدولة والدين في الاجتماع العربي الاسلامي، منتدى المعارف، الطبعة الأولى، بيروت، 2015، ص: 129.

29 ـ انظر: عبد الإله بلقزيز، الإسلام والسياسة: دور الحركة الإسلامية في صوغ المجال السياسي، المركز الثقافي العربي، الطبعة الثانية، بيروت، الدار البيضاء، 2008.

30 ـ محمد بوهلال، جدل السياسة والدين والمعرفة، جداول للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، نونبر 2011، بيروت، لبنان، ص: 283.

31 ـ محمد عابد الجابري، التراث والحداثة، دراسات ومناقشات، مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة الأولى، بيروت، 1991، ص : 245.

Facebook
X
WhatsApp
Threads
Telegram

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى