العدد الحاليالعدد رقم 48ثقافات

الفكر العربي المعاصر وسؤال الهوية المرجعية إشكالية الدين والدولة أنموذجًا

مقدمـة

لقد ولد الفكر السياسي العربي المعاصر في مجمله من رحم الفلسفة السياسية الغربية التنويرية والمعاصرة، حيث واجه إشكاليات بناء المجال السياسي، وتأسيس الدولة الحديثة، والتفكير في التاريخ السياسي الإسلامي وأسس الشرعية السياسية ومفاهيم من قبيل: الديمقراطية والحرية والمواطنة وجدلية الدين والدولة إلخ، باستثمار المنجز الفكري السياسي الغربي وآليات وأطره التنظيرية. فهناك من المفكرين العرب من تأثر بالنسق الفكري الماركسي، لفهم السلطة والإيديولوجيا والصراع الطبقي وعلاقتها بالبنيات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، بالاستناد إلى ماركس وإنجلز وغرامشي، ونذكر منهم مهدي عامل وحسين مروة وسمير أمين وإلياس مرقص. وهناك من بدأ ماركسيًا ثم تأثر بعد ذلك بالنسق الفلسفي الليبرالي الغربي كعبد الله العروي وعزيز العظمة وبرهان غليون، مستعيرين مفاهيم الدولة المدنية والعقلانية والعلمانية والمواطنة، من فلسفة جون لوك وستيوارت ميل وتوكفيل وغيرهم. واتجاه نقدي حفر في بنيات السلطة في الفكر العربي الإسلامي بآليات فكرية غربية، كما نجد عند محمد عابد الجابري، ومحمد أركون وحسن حنفي، وطه عبد الرحمن، محاولين بناء فلسفة سياسية عربية أصيلة. وعلى العموم فالعودة إلى الماضي لاستقصاء أشكال تنظيم المجال السياسي هي السمة الغالبة على الفكر السياسي العربي المعاصر، ولعل الواقعة التي انتصبت أمام الباحثين في هذا الحقل الشائك، هي التعالق بين الديني والسياسي في الاجتماع العربي الإسلامي.

تعد العلاقة بين الدين والسياسة أو الدين والدولة، من الإشكالات التي حظيت بالكثير من الاهتمام من لدن المفكرين الغربيين منذ بدايات عصر التنوير الأوروبي، لكن الاهتمام بها بشكل مكثف من قبل المفكرين العرب مسألة حديثة العهد، تعود إلى بداية النهضة العربية، إبان المنتصف الثاني من القرن التاسع عشر، الشيء الذي يؤكد أن هذه القضية هي من مستلزمات الفكر النهضوي، أوروبيًا وعربيًا، رغم اختلاف السياق التاريخي والاجتماعي والثقافي للمجالين. لقد انسجم الدين والدولة داخل منظومة واحدة فتراتٍ تاريخية طويلة، مثلًا بين البوذية والكونفوشيوسية والدولة في آسيا، وبين الإسلام والدولة العربية قرونا طويلة، وبين المسيحية والإمبراطورية الرومانية في أوروبا، إذ غالبًا ما اجتمعت الصفة الدينية والسياسية في شخص واحد، (الزعيم، أو الامبراطور أو الملك)، في غياب أطر سياسية واضحة المعالم.

إن من دوافع طرح إشكالية العلاقة بين الدين والدولة في الفكر الفلسفي الغربي نشوء وعي باستثمار الرأسمال الديني من لدن السلطة الزمنية بغرض فرض السيطرة وتحقيق مكاسب متعددة، وقد برزت في أوروبا خلال القرون الوسطى تحولات على المستويات الاجتماعية والسياسية والثقافية، أبرزها الصراع بين البابا والإمبراطور حول السيادة، وهو صراع بين المؤسسة الدينية «الكنيسة» والدولة، الشيء الذي ولَّد حروبا دينية طويلة بين الكاثوليك والبروتستانت، حيث كانت الكنيسة تسيطر على السلطة السياسية وتتحكم فيها، وتُنَصِّب الملوك وتمنحهم المشروعية. وقد دفعت هذه المعطيات السياسية إلى ضرورة إيجاد حل للمسألة الدينية في الغرب عن طريق تفعيل مبدأ «ما لقيصر لقيصر، وما لله لله»، أي الفصل بين السلطة الروحية والسلطة الزمنية.

وبموازاة هذا المخاض التاريخي، بلور الفكر الفلسفي الأوروبي بشكل عام، والفلسفة السياسية على وجه الخصوص عند ميكيافيلي، وسبينوزا، ومونتيسكيو، وروسو، ولوك، وهوبز إلخ، بداية تمايز الإشكالية السياسية عن الإشكالية الثيولوجية نظريًا، وقد اختلفت تصورات المفكرين باختلاف منطلقاتهم الفكرية. أما على المستوى العملي، فقد ظهرت أنظمة سياسية تنحو النهج العلماني الذي يفصل بين النظم السياسية والشؤون الدينية الاعتقادية، واستطاعت السياسة بعد صراع مرير عبر محطات عصيبة أن تقتطع لنفسها حيزًا خاصًا بها، متمثلًا في كل الشؤون المرتبطة بدواليب الدولة وتسيير الشأن العام، واستطاع الفكر الأوروبي الحديث أن يُرجع الدين إلى مجاله الفردي الروحاني الخالص، وأن يَنْزع القداسة عن ممارسة الحكام والدولة، ويخضعها للمناقشة والنقد والمحاسبة والمسؤولية.

التنظيرات الفكرية الغربية فيما يخص علاقة الدين بالدولة، تُعد مصدرًا مرجعيًا للفكر السياسي في الغرب في العصرين الحديث والمعاصر، وعليها أقيمت القواعد وأنشئت الدساتير، وأُسِّس مفهوم الدولة المدنية، باعتباره نموذجًا ثوريًا، الشيء الذي أرسى قطيعة معرفية وفكرية ومفهومية مع منظومة من القيم والعقائد والأعراف، التي أسست في السابق بنيانًا عقائديًا جامدًا ومقدسًا للدولة. والنتيجة أنه بقدر ما كانت العلمانية في أوروبا المسيحية شرطًا لتكوين الدولة المركزية الوطنية، دولة المواطنين الأحرار والمتساوين، كان من الطبيعي أن تنمو هذه الروح العلمانية في الدولة، «وأصبحت رمزًا للنزاهة السياسية وحيادية الدولة»1. ولم يتوقف هذا الفصل عند حد التفريق بين مجال العمل الذي يختص به رجال الدين، ومجال العمل الذي يختص به رجال السياسة، منتجًا ما يسميه طه عبدالرحمن2 بـ«العلمنة الخاصة laïcisation»، بل تجاوز ذلك، فأصبح مبدأ عامَا يجري تطبيقه في مختلف مجالات النشاط داخل المجتمع، فأنتج «العلمنة العامةsécularisation »3، وصار يضاهي في وظيفته «مبدأ العقلنة».

إن الحضور البارز للدين في العصر المعاصر على الصعيدين الاجتماعي والسياسي، في الفضاءين الغربي والشرقي، دفع إلى نشوء نظرية «ما بعد العلمانية»، والتي وضع أسسها المفكر الألماني يورغن هابرماس، على أسس القبول بالتعددية الثقافية والتسامح وأخلاق التواصل والحوار، حيث يدعو هابرماس إلى إعطاء منزلة جديدة للدين، ليصبح مجتمع العلمانية أقرب إلى الظاهرة المركبة، التي تفترض وجود مسارين متكاملين وطرفين هما العلماني والديني. فمن مصلحة الدولة الحديثة مراعاة كل المصادر الثقافية التي تغدي التضامن بين الناس وتنمي وعيهم بالقيم النبيلة. وبذلك تؤلف النظرية ما بعد العلمانية، بين العلمانية والدين، في إطار التعددية الثقافية واحترام أخلاق التواصل والتسامح، ليلعب الدين دورًا أكبر في علمنة الدولة، بعد أن يقوم بتحديث ذاته، وترجمة العناصر العقلانية الموجودة بالقوة في دواخله، لخلق توافق بين التفكير الديني والتفكير العلمي، وبين الدين والسياسة من جهة أخرى.

في العالم الإسلامي شهدت العلاقة بين الدين والسياسة تماهيًا إلى أبعد الحدود، حيث لا يمكن تصور الفصل بينهما ولا حتى التفكير في ذلك، ففي أظلم عصور الانحطاط كانت الدولة تشعر أنها مدينة للدين، وكان الدين أوسع من الدولة وأسمى منها، يضمها إليه باعتبارها عنصرًا ضروريًا لحماية المجتمع المسلم، الشيء الذي ولَّد مركزية الدين في المجتمع الإسلامي، واستيعابه لكل النشاطات الروحية والزمنية. لم يكن في التاريخ الإسلامي إلا سلطة واحدة مستندة إلى معيار واحد هو معيار الشريعة، إذ ليس هناك مجال سياسي مستقل، له قوانينه الوضعية، وتشريعاته المدنية، عكس السياق الغربي المسيحي، حيث تواجدت سلطة زمنية تجسدت في الدولة وسلطة روحية تمثلت في الكنيسة.

لا شك أن قضية الدين والدولة لم تُطرح باعتبارها إشكالية فكرية إلا في العصر الحديث، لكن الاقتران بين الحقلين ليس أمرًا طارئًا في التاريخ العربي الإسلامي الحديث، لكون جذوره تمتد منذ مرحلة الخلافة الراشدة، وما تلاها من دول سلطانية تقليدية أقامت شرعيتها على الدين، إلى الجماعات المعارضة التي اتخذت شكل الفرق الكلامية أو الطرق الصوفية، وصولًا إلى حركات سلفية أنتجت دعوتها دول: كالمهدية والسنوسية. وفي المرحلة الاستعمارية، ظهرت الأحزاب الوطنية وحاولت استلهام الكثير من الرمزيات الدينية في خطابها التعبوي ضد الاحتلال الأجنبي، وبعد الاستقلال وَجَّهت هذه التيارات السياسية الدينية معارضتها صوب الدولة الناشئة، محاولة نزع الشرعية الدينية عنها، والدعوة إلى إقامة دولة إسلامية محكومة بالشريعة. ثم تجددت موضوعة الخلافة في الوعي الإسلامي في بدايات القرن الماضي مع محمد رشيد رضا، وميلاد فكرة الدولة الإسلامية مع حسن البنا والحاكمية مع سيد قطب وأتباعه، ونجاح الثورة الإيرانية، ثم ميلاد حركات دعوية سياسية سلفية معتدلة وجهادية تدعو إلى تطبيق الشريعة الإسلامية، وصولًا إلى تأسيس تنظيم «داعش» الداعي إلى إقامة الدولة الإسلامية في العراق والشام وسائر البلاد الإسلامية.

استمر عدم طرح العلاقة بين الدولة والدين في العالم العربي الإسلامي إلى حدود القرن التاسع عشر مع صدمة الحداثة، وانهيار الخلافة العثمانية في بداية القرن العشرين، لتبرز بذلك هذه الإشكالية متزامنة مع تفكيك بنيات المجتمع التقليدية، وانهيار الدولة المركزية، والغزو الاستعماري الأوروبي، وتصاعد الصراع بين دعاة التقليد وأنصار التحديث، بينما تزامن الجدل السياسي الفكري في الغرب مع مرحلة بناء الدولة. إن هذا السياق التاريخي مهم جدًا لفهم هذا النسق الفكري، ولهذا اكتسبت العلاقة بين الدين والدولة في الفكر العربي الحديث أبعادا مختلفة على مستوى التنظير والمنهج وطرق المقاربة.

يعتبر التفكير في ماهية العلاقة بين الدين والدولة، كما هي مجسدة في الخطاب العربي الحديث والمعاصر، مؤشرًا على وجود أزمة، فالمتأمل للتاريخ السياسي العربي الإسلامي يرى أن جل الدعوات لإعادة النظر في علاقة الدين بالدولة كانت تتم في أوقات الأزمات الخانقة، أضف إلى ذلك عاملي: «التكوين الأشوه لــ«الدولة الوطنية» في البلاد العربية، والتداخل الماهوي بين الديني والدنيوي في الذهنية العامة، ولدى النخب الإسلامية خاصة»4. وهذا ما يفسر ازدياد الاهتمام بهذه الإشكالية منذ سبعينيات القرن الماضي، وعودتها إلى الصدارة في الساحة الفكرية والسياسية العربية مع بروز ما سمي بــ«ثورات الربيع العربي»، وما نتج عنها من صعود القوى السياسية الإسلامية إلى حقل السلطة والحكم.

يمكن التمييز في المنظورات الفكرية العربية المعاصرة حول قضية الدين والدولة بين ثلاثة اتجاهات تستلهم مرجعياتها من الفلسفة السياسية الغربية. فهناك الاتجاه الماركسي الذي يعتبر الدين أداة لشرعنة السلطة وهيمنة الطبقة الحاكمة، بغض النظر عن اختلاف الأنساق الدينية والسياسية، وهو تصور يتخلل مختلف المنظورات النقدية لتلازم الدين والدولة في التاريخ الإسلامي. والاتجاه الليبرالي والعلماني الذي أعاد قراءة التاريخ السياسي الإسلامي بعيون علمانية ونرصده عند علي عبدالرزاق، وعبدالله العروي، ومحمد أركون والعزيز العظمة. والاتجاه الثالث حاول الخروج من التبعية المرجعية للفلسفة السياسية الغربية في منظورها لمسألة الدين والدولة، أو السياسة، كما نجد عند محمد عابد الجابري في نقده للعقل السياسي العربي، مع حضور واضح للمرجعية الهيغلية، وعند حسن حنفي في تحليله للتحول من العقيدة إلى الثورة، وطه عبدالرحمن الذي يعيد مصالحة الدين بالفعل السياسي، على شاكلة الفيلسوف المعاصر يورغن هابرماس في نظريته حول العقل التداولي والأخلاق العمومية التي تدعو إلى إدماج الروح الدينية الأخلاقية في النقاش العمومي.

بناء على ما سبق، سيكون مدار هذا البحث متمحورًا حول إشكالية رئيسة في الفكر السياسي الغربي، والفكر السياسي العربي المعاصر، وهي: العلاقة بين الدين والدولة، أو الدين والسياسة، وتنجذب إلى هذه الإشكالية جملة من القضايا الفرعية المتنوعة، وتنتج عن تفاعلاتها خطابات وأنظمة متعددة، مركزين على الخصوص على الخلفيات الفكرية الغربية التي استلهمها الفكر العربي الحديث والمعاصر، ومحاولات هذا الأخير البحث عن بناء هوية نقدية مرجعية أصيلة نابعة من رحم الخصوصية التداولية والتاريخية للمجال الإسلامي. هذا ما دفعنا إلى الرجوع خطوات إلى الخلف للحفر في طبقات فكرية غربية وعربية من أجل التأسيس النظري لهذه الثنائية الجدلية، الدين والدولة، التي تعد مركز كل القضايا المتعلقة بإشكالات الاجتماع السياسي، والاجتماع الديني، العربي والإسلامي.

 1 ـ أثر المرجعيات الغربية في الفكر السياسي العربي المعاصر

لا يمكن تناول ثنائية الدين والدولة في الفكر العربي المعاصر، دون الإشادة بالمجهود البحثي الذي بذله الدكتور محمد عابد الجابري في مؤلفاته المتعددة، وبالخصوص مشروعه القيم المرتكز على التفكيك والحفر في بنيات العقل العربي، وبالخصوص العقل السياسي العربي، محدداته وتجلياته5، المحددات ثلاثة وهي: العقيدة والغنيمة والقبيلة، والتجليات متعددة وتتمظهر عبر التاريخ العربي الإسلامي منذ الخلافة الراشدة إلى الآن، وندرج ضمنها ما نشهده في الوقت الحاضر من أنساق سياسية عربية تشتغل وفق المحددات السالفة ذاتها. لقد اعتمد الجابري في تفكيكه لبنية العقل العربي عامة والسياسي بشكل خاص، على أدوات منهجية تمتاح من الخلفية الأنثروبولوجية (كلود ليفي ستراوس) وأركيولوجيا المعرفة (ميشيل فوكو) في حفريات الجابري في التراث السياسي والديني الإسلامي، وتتبع كيفية تشكل السلطة في الخطاب الديني الإسلامي منذ المراحل الأولى للدولة الإسلامية. وهنا تحضر المرجعية الماركسية (ماركس، ألتوسير) التي تربط بين الدين كممارسة اجتماعية، والدين كإيديولوجيا لإنتاج السلطة، داعيًا إلى القطيعة البرهانية مع الإيديولوجيا الدينية السياسية، والفصل بين المرجعية الأخلاقية للدين والمرجعية العملية للدولة مستثمرا المنظور الكانطي النقدي.

وتحضر المرجعية الابستمولوجية المعرفية (غاستون باشلار) باستلهام مفهوم القطيعة الابستمولوجية كشرط أساس لتطور المجال السياسي، بالقطع مع العقل العرفاني «الصوفي والغيبي والسياسي» وإحياء العقل العلمي العقلاني البرهاني الذي يقوم على البرهان لا على النص -وعلى المصلحة لا على العصبية- ويمثله ابن رشد في التراث الإسلامي، واعتباره الخلط بين الدين والسياسة من العقبات الابستمولوجية الكأداء في تطور المجال السياسي العربي.  وتظهر المرجعية التاريخية – الهيغلية في قراءة الجابري لتطور الفكر الإسلامي من زاوية الجدل التاريخي بين النقل والعقل، مؤكدًا على ضرورة استعادة العقل البرهاني العلمي في المجال السياسي، الذي يعتبر الأساس الفلسفي للدولة المدنية الحديثة، والابتعاد عن اللاهوت السياسي، بمنطق العقلنة، وليس بأطروحة العولمة الغربية. فالإسلام في نظره لا يحتاج إلى علمنة، بل إلى عقلنة. والدولة لا تقوم على الوحي، بل على الاجتهاد البشري في ضوء القيم الإسلامية. والواقع أن العقلنة هي الطريق المعبدة إلى العولمة، فكلما اتسعت مظاهر العقلنة في البنيات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، تباعدت عن هذه الأخيرة كل الموجهات الدينية. وهو الطرح الذي أكده ماكس فيبر  والفكر الماركسي برمته، بمقتضى عجز الدين عن مغالبة إكراهات البنيات الاقتصادية والاجتماعية.

يقر الباحثون في الأنثروبولوجيا السياسية فيما يتعلق بثنائية الدين والدولة، أن المجتمعات الإنسانية لم تعرف خلال مرحلة طويلة من تاريخها أي تناقض أو تنازع بين السلطة الدينية والسلطة السياسية، فقد كان الكهنة في جميع الدول التي تعاقبت على بلاد الرافدين، باعتبارها من أقدم الحضارات، وكذلك في مصر الفرعونية وآسيا القديمة، جزءًا لا يتجزأ من جهاز الدولة، وقد «كانت الديانات عامة من أشياء الدولة والمُلْك ولوازمهما الطبيعية، وكان تقديس الملوك، ولا يزال أيضًا في مجتمعاتنا نفسها، عنصرًا جوهريًا من عناصر تكوين السلطة وإقامة الدولة»6، وتعتبر هذه العلاقة المتميزة بين السلطة والدين قديمًا شرطًا لا غنى عنه لتأسيس الاجتماع المدني ونمو الحضارة وتقدمها، وكانت العنصر الرئيس، بل الوحيد في إضفاء الشرعية على القوة القهرية التي كانت تقوم عليها الدولة، وهذه العلاقة تعد كذلك العنصر الحاسم لتوليد الاحترام والتقديس للقانون، حيث كان رجال السياسة والدين في خدمة المَلك، بتبجيله، وإضفاء القداسة على سلطته، و«كان الملوك يغيرون طقوس العبادة التي يشكلون مركزها، بل الآلهة المعبودة التي يمثلونها، ومن هنا لا نزال نقول بالعربية «الناس على دين ملوكها»، فلم يكن من الممكن تصور دولة أو جماعة ذات كيان مستقل، دون أن يكون لها دينها الخاص، فهو مقوم جوهري لها»7.

إن إشكالية الترابط ما بين الدين والسياسة، واقعة تاريخية عرفتها جميع المجتمعات الإنسانية منذ فجر التاريخ، وقد عملت الأنثروبولوجيا السياسية على رصد صور العلاقة بين الديني والسياسي منذ بداية تشكلها، والنتيجة تقضي بصعوبة الفصل التام بين الدين والسياسة، فقد تراوحت العلاقة بينهما ما بين هيمنة الدين على السياسة، وبين توظيف السياسي للديني طلبًا للمشروعية والسيطرة باسم المقدس، إنه «لا يمكن إنكار تداخل المقدس والسياسي، فحتى داخل المجتمعات الحديثة لم تكن السلطة فيها أبدا خالية من محتواها الديني الذي يبقى حاضرًا مختصرًا، ومكتومًا»8.

عمل المفكر محمد أركون في مشروعه الفكري حول نقد العقل الإسلامي عامة، ومعالجة قضية الدين والدولة خاصة، على توظيف الأدوات المنهجية الغربية المعاصرة، والإفادة من مختلف المرجعيات الفلسفية الغربية المعاصرة، كالأنثروبولوجيا، وفلسفة التاريخ، والتأويليات، واللسانيات. وتظهر الأنثروبولوجيا البنيوية لكلود ليفي ستراوس، في دراسة أركون النص القرآني من خلال الكشف عن بناه الثقافية والتاريخية المسهمة في تشكيل الوعي الإسلامي، والكشف كذلك عن اللامفكر فيه في الثقافة الإسلامية، كما استلهم مبادئ الأنثروبولوجيا الدينية وتاريخ الأديان في التعامل مع الإسلام كسائر الأديان، لا باعتباره ظاهرة استثنائية مغلقة.

اعتمد محمد أركون الهرمينوطيقا (فلسفة التأويل) عند بول ريكور وغادامير لإعادة قراءة النص القرآني في ضوء التاريخ واللغة والتجربة الإنسانية، بعيدًا عن القراءة اللاهوتية المغلقة، وعلى غرار الجابري يحضر التحليل الأركيولوجي للمعرفة (ميشيل فوكو) في مرجعيات أركون في تحليل البنية السلطوية للخطاب الديني، بالربط بين السلطة والمعرفة، ونقد السلطة الدينية، كما تبرز المرجعية التفكيكية لجاك دريدا عند أركون في اقتحامه للنصوص الإسلامية المقدسة، بتفكيكها والكشف عن التناقضات والمعاني الثاوية فيها، وتحرير التأويل من الاحتكار المذهبي المتحيز، أما فلسفة التاريخ والعقل النقدي، فيظهران في إعلاء أركون من أهمية العقل النقدي المفتوح، ضد اليقينيات الدوغمائية (كارل بوبر)، وأخذ عن هابرماس فكرة العقل التواصلي والمجال العمومي كفضاء للحوار بين الإيمان والعقل.

بين الطرح الأركوني والجابري لإشكالية الدين والدولة، تقارب ملحوظ، من حيث المقاربات المنهجية، والنتائج التحليلية، حيث يدعو أركون إلى علمنة نقدية، لا تستنسخ النموذج الغربي، بل تفتح المجال السياسي أمام الدين كمصدر للقيم الأخلاقية والروحية في الحياة العامة، لا كآلية لإنتاج السلطة السياسية. ويستبدل الجابري العلمنة بالعقلنة، باعتباره العلمانية إشكالية منقولة إلى ثقافتنا مرتبطة بالسياق الفكري والديني والسياسي الغربي، أما نحن فيمكن أن ننطلق في تطوير مجالنا السياسي من العقلنة التي دشنها ابن رشد وغيره من مفكرينا، والتي تجد لها جذورا في التراث الإسلامي.

لقد اهتم المفكر عبدالله العروي بدوره بالجدل بين الديني والسياسي في التراث والتاريخ الإسلاميين، بهدف إعادة بناء الوعي العربي الحديث على أسس عقلانية وتاريخية، ولن يتأتى ذلك إلا إذا فهم العرب التاريخ بعقل هيغلي، ونقدوا الدين والسياسة بعيون ماركسية كانطية، لذلك فقد امتاح عبدالله العروي أدواته النقدية بالدرجة الأولى من فلسفة التاريخ والعقل الجدلي عند هيغل، داعيًا إلى منهج التاريخانية، انطلاقًا من فهم كل ظاهرة في سياقها التاريخي وتطورها الزمني، واعتباره الحداثة مرحلة حتمية في مسار التاريخ البشري وليست اختيارًا فكريًا. وتظهر الجدلية التاريخية المادية الماركسية، في تحليل الخطابات العربية والإيديولوجيات الكامنة خلفها لخدمة المصالح الطبقية، وبناء النظم السياسية والدينية على أساس البنى الاقتصادية والاجتماعية، وبمقتضى ذلك يعتبر العروي الدين مكونًا تاريخيًا وثقافيًا لا يمكن تجاوزه، ينتمي إلى مرحلة ما قبل الدولة الحديثة، ولكنه لا يصلح كإطار مرجعي لبناء الدولة الحديثة.

بدوره اعتمد عبدالإله بلقزيز في مقاربة الدين والدولة على فلسفة الدولة والعقل التاريخي عند هيغل، باعتبار الدولة ليست مجرد جهاز سلطة، وإنما هي تجسيد للوعي والعقل التاريخيين، واستثمر أدوات التحليل الماركسي النقدي، لفهم العلاقة بين الدين والدولة والمجتمع، ودراسة الخطابات الإيديولوجية القومية والإسلامية والليبرالية والعلمانية العربية، واستفاد من ماكس فيبر وأنطونيو غرامشي ويورغن هابرماس وميشيل فوكو إلخ. وبناء على ما سبق نستنتج تشابه المرجعيات الفلسفية التي اعتمدها مفكري الفلسفة السياسية العربية المعاصرة، باستنادها في مجملها إلى المرجعيات الفكرية الغربية عمومًا، والفلسفة السياسية الغربية على وجه التخصيص.

2 -السياق التاريخي لإشكالية الدين والدولة في الفكر العربي المعاصر

لا يمكن الحديث عن إحدى قضايا الفكر العربي والإسلامي، وبخاصة السياسي منها، بمعزل عن التاريخ بعمقه ومدلولاته، وخصوصًا إشكالية العلاقة بين الدين والدولة، أو الدين والسياسة. فهناك من يعتبرها من الصادرات الفكرية التي جاءتنا من الغرب، ذلك أن «مشكلة العلاقة بين الدين والدولة كما نُقلت إلى المجال العربي لم يتم بعد تبيئتها تبيئة ملائمةً في الواقع العربي الفكري والحضاري، كي تصبح معبرة بالفعل عن همومه وتطلعاته، وليس عن هموم وتطلعات الواقع الأوربي الذي نقلت منه»9. يَعتبر محمد عابد الجابري في معرض معالجته لإشكالية الدين والدولة، أنها ثنائية مزيفة في الفكر العربي الحديث والمعاصر، لأنها «تخفي مشكلة أخرى حقيقية بصورة نسبية هي مشكلة الطائفية في بعض الأقطار العربية، وهذه المشكلة تعكس حقيقة نسبية فقط، لأنها لا تعم الوطن العربي كله، وإنما يراد منها أن تنوب عن حقيقة كلية، هي غياب الديمقراطية السياسية والاجتماعية في الوطن العربي من الخليج إلى المحيط»10. وبهذا التصور فسؤال: هل الإسلام دين ودولة ؟ لم يسبق أن طرح قط في الفكر الإسلامي منذ ظهور الإسلام حتى أواخر القرن التاسع عشر، بمضمون لا ينتمي إلى التراث الإسلامي، مضمون نهضوي يجد أصوله وفصوله في النموذج الحضاري الأوروبي.

ينتقد عبدالله العروي في مقدمة كتابه، مجمل تاريخ المغرب -الجزء الأول-، التوجه الشائع لدى المؤرخين، والمتمثل في التأريخ لمنطقة المغرب الأقصى قديمًا وحديثًا، انطلاقًا من تعاقب الحركات الدينية عليها، فيغمسون تاريخ المجتمع في تاريخ العقيدة، وبذلك يرتبط لديهم مصير كل دولة بنجاح أو فشل الدين. فتكون بذلك كل حركة سياسية في المغرب دينية في الأصل. «هل نأخذ بهذه الطريقة ونقول إن كل حركة سياسية في المغرب دينية في صلبها وجوهرها؟ هذا ما يدعيه المستعربون ومن ينحو نحوهم من المغاربة، رغم أن ابن خلدون الذي يعتمدون عليه في كثير من ادعاءاتهم يقول العكس، إذ يقرر في المقدمة أن الدعوة الدينية شرط نجاح فقط لا شرط ظهور ووجود. ساذج، في هذا المنظور، من يرى في النشاط السياسي، في الصراع على السلطة والنفوذ، واجهة الدعوة فقط. يجب أن نرى في كل حركة البعدين معًا: الديني والسياسي»11.

على غرار محمد عابد الجابري، يبرز عبدالله العروي بدوره، أهمية العقيدة في تحقيق المآرب السياسية عبر التاريخ السياسي للمغرب، قديمه وحديثه، منذ إدريس الأول إلى الآن. وهو أمر ينطبق على سائر الأقطار العربية الإسلامية، يقول بهذا الصدد: «لا نشكك إذن في أهمية وخطورة جانب العقيدة، لا يسعنا أن ننسى أن الاختيار في حقل المقالات الدينية كان آنذاك الوسيلة الوحيدة لتحقيق هدف سياسي. كانت هذه هي قاعدة اللعبة ولا يستطيع أحد أن ينفلت منها»12 لذلك يدعو العروي إلى تظافر جهود الباحثين لكتابة تاريخ المغرب الديني، من منظور نشأة وتطور هيكل وأدلوجة الدولة في المغرب، دون الاقتصار على مكون التصوف من حيث أشكاله ومغزاه الاجتماعي، كما راج عند أغلب الباحثين.

لقد طرحت قضية العلاقة بين الدين والدولة في الفكر السياسي العربي بشكل قوي إبان النهضة العربية في المنتصف الثاني من القرن التاسع عشر، وخاض فيها مفكرو النهضة كل حسب منظوره ومنطلقاته، وكانت من أبرز القضايا التي شغلت الفكر العربي الحديث ولا زالت تشغله، «بل إن الفصل في هذه القضية كان يقدم، ولا يزال، من طرف التيارات المعارضة كشرط أولي لنجاح النهضة»13، ويمكن التمييز في ذلك بين تيارين أو موقفين، موقف الفصل بين الدين والدولة، وموقف الوصل بينهما، ويختزل الموقفين تياران فكريان سياسيان وإيديولوجيان داخل الساحة الفكرية العربية.

لقد تراوحت الخطابات الفكرية والسياسية والدينية التي تناولت إشكالية الأطر المرجعية في بناء الدولة في المجتمعات العربية الإسلامية، بين الدعوة إلى القطيعة الجذرية مع التراث الديني، والانفصال الكلي عن الموروث التاريخي والثقافي والحضاري، مقابل التماهي مع التجربة الحداثية الغربية التي يجب أن يحتذى بها، وبين محاولات الوصل المطلق أو الاستماتة على فقه سياسي سلطاني تقليدي، بالإضافة إلى خط ثالث يبحث عن سبل التوفيق بين المنظومة السياسية الإسلامية ونسق الحداثة السياسية، والتكيف مع تجارب الأمم والإفادة منها.

تختلف ظروف نشأة إشكالية الدين والدولة في العالمين الغربي والعربي، فقد شهد المجال الأوروبي صراعًا حادًا بين الكنيسة والدولة، وحروبًا دينية طويلة بين الكاثوليك والبروتستانت، حيث كانت الكنيسة تسيطر على السلطة السياسية وتتحكم فيها، وتُنصب الملوك وتمنحهم المشروعية. وقد دفعت  هذه المعطيات السياسية إلى ضرورة إيجاد حل للمسألة الدينية في الغرب عن طريق تفعيل مبدأ «ما لقيصر لقيصر وما لله لله»، أي الفصل بين السلطة الروحية والسلطة الزمنية. وبموازاة هذا المخاض التاريخي، بلور الفكر الفلسفي الأوروبي بشكل عام، والفلسفة السياسية على وجه الخصوص (ميكيافيلي، اسبينوزا، مونتسكيو، روسو، لوك، هوبز…) في الغرب، بداية تمايز الإشكالية السياسية المؤسسية الحديثة، عن الإشكالية الثيولوجية الأخلاقية، وذلك على المستوى النظري، بموازاة ظهور أنظمة سياسية ومنظومات فكرية تنتقد «الحق الإلهي» في الحكم على المستوى العملي. وبهذا فإن آلية الفصل بين الدين والدولة في الغرب، جاءت بمثابة حل لهذه المعضلات والصراعات التاريخية السياسية في وجهها العقدي والإيديولوجي والسياسي.

أما في الفضاء العربي، فقد نشأت إشكالية الدين والدولة سياسيًا وفكريًا في الفكر النهضوي الحديث، في ظروف تفكك الدولة العثمانية وبداية الهيمنة الاستعمارية، ومحاولات تأسيس مشروع الدولة الوطنية، فالتفكير في هذه الأخيرة لم يكن مسألة نظرية بحتة كما كان الأمر عليه في الفكر النهضوي الأوروبي، أي أنه «فهم لم يبدأ بالتعرف على ما يتعلق بالدولة تعرفًا فكريًا مجردًا (…) بل إن هذه الأخيرة (الدولة) قد تجسدت في قوى ضاغطة على مجتمعاتهم، ثم مستعمرة لبلدانهم»14، فمواقف المفكرين الداعية في مجملها إلى اقتباس تنظيمات الدولة الحديثة (الدستور، الجيش، التعليم…) كان تحت تأثير ظرفية تاريخية معقدة، عنوانها الضغط الأجنبي من أجل فرض هذه التنظيمات لمصلحتها، ومن هنا ضرورة استحضار الآخر النموذج/العدو، والظرفية التاريخية في النظر إلى إشكاليات النهضة التي تتمحور كلها حول: الدولة، المجتمع، الدين.

لم يشهد الفضاء العربي بشكل مستفحل ظاهرة الصراع الديني أو الحروب الدينية، باستثناء الصراعات السياسية للقرون الأربعة الأولى في الإسلام، والمتمثلة في مشكل الفتنة وقتل الخلفاء والتي كانت تحت غطاء ديني. وبعد عصور من التدهور والانحطاط بين القرن العاشر الميلادي والقرن الثامن عشر على وجه التقريب، استيقظ الوطن العربي على الغزو الاستعماري. لقد طُرحت إشكالية الدين والدولة في القرن التاسع عشر مع جيل من المتنورين العرب، الذين بلوروا أفكارًا نهضوية تدعو إلى التوفيق بين العقل والنقل، وظهرت في أفكارهم نزعة تراثية وعقلانية وتحديثية مثلتها أفكار الطهطاوي، وجمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، والكواكبي إلخ. لكن ابتداء من النصف الثاني من القرن العشرين، دخل الوطن العربي في تحول تدريجي، وعادت الإشكالية تطرح في فكرنا المعاصر بشدة، خصوصًا مع  تنامي حركات الإسلام السياسي وتقديمها باعتبارها بديلًا سياسيًا عن التيارات الإيديولوجية الاشتراكية والليبرالية.

بناء على ما سبق، نميز بين منظورين في السياق الزمني الذي طُرحت فيه هذه الإشكالية، منظور يرى أنها إشكالية حديثة في الفكر العربي، انتقلت إليه من الفكر الأوروبي، والجابري ينتقد هذا النقل، باعتباره أن المشاكل من قبيل قضية الدين والدولة، «لا تقبل النقل من مجال إلى مجال إلا إذا كان في المجال المنقول إليه ما يجعل عملية النقل تلك مبررة نوعًا من التبرير»15، وسيظل المنقول في هذه الحالة شاذا، يثير المشاكل ويتسبب في الصدامات والنزاعات داخل المنقول إليه، إذا لم تتم تبيئته تبيئة تامة ملائمة وناجحة. وهناك منظور ثان يعتبر هذه العلاقة الشائكة بين الدين والدولة متجذرة في الثقافة العربية الإسلامية، قبل مثيلتها الغربية، كما يذهب إلى ذلك المفكر الأزهري علي عبدالرزاق16، ويتجلى ذلك في التاريخ العربي والإسلامي منذ مرحلة ما قبل الإسلام إلى المرحلة المحمدية إلى ما بعد وفاة الرسول، وبروز مشكلة الخلافة، والتي تتجلى في الخلاف الذي كان في «سقيفة بني ساعدة» بين المهاجرين من أهل مكة، والأنصار من أهل المدينة حول من يخلف النبي، وبدا من طريقة معالجته أنه مشكل سياسي محض، كما هو الأمر بالنسبة لحروب الردة.

إن التفكير في ماهية العلاقة بين الدين والدولة، كما هي مجسدة في الخطاب العربي الحديث والمعاصر، هي مؤشر على وجود أزمة، إذ «الملاحظ في الدعوات لإعادة النظر في علاقة الدين بالدولة في تاريخنا الفقهي والسياسي أنها كانت تتم في أوقات الأزمات الخانقة، وفي أوقات الأزمات بالذات تبرز أولويات وسياقات تجعل ما يسمى بالحل الديني والحالة الدينية أمرين شبه بديهيين»17. وما صعود هذه الإشكالية إلى مسرح الصراع السياسي والفكري إبان «الربيع العربي»، باعتباره أزمة سياسية، إلا مؤشرًا على صحة هذه الفكرة.

إن التفكير في علاقة الدين بالدولة في الفكر السياسي العربي بشقيه الحديث والمعاصر، نابع أساسًا من التفكير في بناء الدولة وتحديثها، وكانت بدايته الحقيقية في نهاية القرن التاسع عشر حين بدأ الوعي بالإشكالية العميقة: لماذا تقدم الغرب وتخلفنا نحن؟ فــ: «الوعي بالتأخر لم يتبلور في تيار فكري يطرح شروط النهضة ويدخل في جدال مع «الآخر» الغرب إلا في ثمانينيات القرن التاسع عشر، حينما أسس جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده جمعية العروة الوثقى»18، ويمكن تصنيف الفكر السياسي العربي الحديث حسب النموذج الإيديولوجي الذي تستند إليه إلى: خطاب قومي، خطاب سلفي، خطاب ليبرالي، أو خطاب ماركسي إلخ، لأن الخطاب العربي الحديث والمعاصر هو في الحقيقة «سجال مستمر بين اتجاهات لا تختلف في آفاقها الإيديولوجية فحسب، بل أيضًا تختلف في أطرها المرجعية»19. وبشكل عام يمكن أن نميز في الخطاب العربي الحديث والمعاصر بين خطاب  الأصالة، وخطاب المعاصرة، والخطاب التوفيقي، وأغلبها خطابات تستلهم مرجعياتها النظرية من الفكر السياسي الغربي.

3 – الفكر العربي المعاصر والبحث في تشكل المجال السياسي

إن الحديث عن الدولة في علاقتها بالدين يستدعي مفهوم «المجال السياسي»، وهو مفهوم مركزي في مشروع الدكتور محمد عابد الجابري حول «العقل السياسي العربي: محدداته وتجلياته»، وقد استعاره من الدراسات الاجتماعية المعاصرة، وبالخصوص السوسيولوجي الفرنسي برتراند بادي في كتابه «الدولتان: السلطة والمجتمع في الغرب وفي بلاد الإسلام». ويقارن فيه بين النموذج الأوروبي للدولة، والنموذج الإسلامي، فقد قامت الدولة في أوروبا نتيجة عملية تاريخية أسفرت عن ظهور مجال جديد في الحياة الاجتماعية هو مجال «السياسي»، أي خاص بالممارسة السياسية، وقد ظهر هذا المجال نتيجة الصراع بين «الأمير» والكنيسة خلال القرون الوسطى، ونتج عنه ظهور نظرية «التعاقد»، التي تقول إن سلطة الكنيسة من الله، وسلطة الأمير من الشعب، ويعمل لخدمته، ويمكن عزله في حالة الإخلال بواجباته تجاه الشعب والصالح العام. فشرعية السلطة نابعة من هذا التعاقد بين الأمير والشعب، وهكذا ظهر طرف ثالث في حلبة الصراع بين الأمير والكنيسة، هو الشعب. «لقد اقترن ظهور هذا المجال (السياسي) في أوروبا، بانتهاء الصراع بين الكنيسة و«الأمير» إلى القول: إن السلطة السياسية ليس مصدرها الكنيسة ولا الحق الإلهي المزعوم لــ«الأمير» وإنما مصدرها الشعب (العقد الاجتماعي، المصلحة العامة)»20.

تأسيسًا على ما سبق، فالجابري قد ركز في دراسته لبنية العقل العربي على المجال السياسي، مجال الصراع من أجل السلطة، محاولا إعادة بناء المراحل الأولى من تاريخ العقل السياسي في الحضارة العربية الإسلامية: مرحلة الدعوة، مرحلة الردة، مرحلة الفتنة. وقد استعار الجابري مصطلح هيجل الذي جعل مراحل فينومينولوجيا الروح «تاريخ ظهور العقل» ثلاثًا: مرحلة الوعي الذاتي، ومرحلة الوعي الموضوعي، ومرحلة الوعي المطلق.

إن العقل السياسي العربي قد «بدأ، بدوره، بمرحلة الوعي الذاتي خلال الدعوة المحمدية (التي بدأ فيها الوعي بالأنا الإسلامي)، ثم انتقل إلى مرحلة الوعي الموضوعي (قيام المجتمع السياسي الإسلامي ودخوله في صراعات خلال الردة والفتنة)، ليدخل بعد ذلك إلى مرحلة الوعي المطلق (التي أصبحت فيه السياسة تحاول تأسيس نفسها على الدين والفلسفة، وذلك من خلال مداخل ثلاثة: ميثولوجيا الإمامة وإيديولوجيا الجبر الأموية ثم الأيديولوجيا السلطانية والفلسفة السياسية وفقه الخلافة) (…) أما بعد ذلك فقد بقي هذا المسار يكرر نفسه في الوطن العربي، مع اختلافات جزئية لا تغير من اتجاهه ولا من طبيعة حركته، لأن المحددات التي صنعته والتي كانت تعيد صنعه بقيت هي هي: القبيلة، الغنيمة، العقيدة»21.

بالاعتماد على مقولات الجابري سنركز في مقالنا هذا على مُحَدِّد العقيدة/الدين في علاقته بالسياسة، رغم صعوبة عزله عن المحددين الآخرين –القبيلة والغنيمة-. الجدير بالذكر أن التداخل بين السياسي والديني في الدولة الإسلامية القديمة يتخذ صورا متعددة، وفقا لطبيعة الدولة، وتبعًا للسياق التاريخي والمناخ السياسي الذي نشأت فيه، وتبعا لذلك ميز المفكرون العرب بين أربعة وجوه من التفاعل بين المكونين، الديني والسياسي: دولة النبوة، ودولة الخلافة، والدولة الأموية، والدولة العباسية.

دولة النبوة22:

من الباحثين من يرجع الصراع السياسي باسم الدين إلى بداية الدعوة المحمدية، وهو صراع حول السيادة لكن تحت غطاء ديني دائمًا، بين أنصار التوحيد «التجديد» وأنصار القديم أو الموروث «عبادة الأصنام». إن فكرة التوحيد التي كان يبشر بها أنصار التوحيد «الحنفاء» والتي تربط كل أنواع السلطة بإله واحد غير مشخص، «كانت تنطوي في واقع الأمر على رفض كل سلطة مشخصة، ليس تلك التي تنسب إلى الأصنام فقط بل أيضًا، وهذا هو المضمون الإيديولوجي للدعوة، تلك التي كانت بيد أصنام من بني البشر أحياء، سادة قريش وزعماؤها»23. إن قدرة أنصار المشروع التوحيدي الجديد على تحطيم أصنام قريش، لهو تحطيم ضمني للعلاقة العضوية التي كانت قائمة بين السلطة الروحية التي كانت للأصنام والسلطة المادية التي كانت لحُماتها وسَدَنتِها.

لقد تحولت الدعوة المحمدية إلى دولة سياسية من منظور القبائل التي دخلت تحت سلطة الإسلام السياسية، وذلك وفق معايير «القبيلة والغنيمة والعقيدة»، والقبيلة تتجلى في سيادة قبيلة قريش بحكم انتماء الرسول، والعقيدة بحكم نبوته، والغنيمة، بحكم قدرة الدولة المحمدية على تجنيد الرجال والحصول على المال بالزكاة والغنائم، وكان ذلك بعد الهجرة إلى المدينة، ولذلك اعتبر إسلام القبائل في هذه المرحلة «إسلامًا سياسيًا، أي اعترافًا بزعامة دولة الرسول (صلى الله عليه وسلم). وكانت «الزكاة» في منظور هذه القبائل هي نفس «الإتاوة» التي كان العمل جاريًا بها قبل الإسلام، أي المقدار من المال الذي تأخذه قهرًا القبيلة المنتصرة من القبيلة المنهزمة»24.

سيرًا على نهج هذا التأويل الذي قدمه محمد عابد الجابري، نجد الكثير من الدراسات تؤكد على الطابع المدني لدولة المدينة، باعتبارها كيانًا سياسيًا قائمًا على رابطة مدنية وليس على عصبية دينية، وكثيرة هي الوقائع والأدلة التي تؤكد ذلك، وأهمها ما ورد في «الصحيفة»، التي هي بمثابة دستور مدني، وتعاقد سياسي مكتوب بين الرسول محمد ومختلف الطوائف والجماعات بالمدينة، وعلى رأسها المهاجرين والأنصار واليهود وعبدة الأوثان. وجاءت بنود هذه الصحيفة خالية من أي تمييز بين المسلمين وغير المسلمين، ليكون بذلك الولاء سياسيًا مدنيًا، أي ولاء للدولة لا للدين، وقد وضعت الصحيفة في السنة الأولى للهجرة عام 632م25. وقد أسهمت الشخصية الكاريزمية للرسول (صلى الله عليه وسلم) في تأسيس دولة المدينة، بما تمتعت به من قدرة على تدبير الشؤون السياسية، بأدوات سياسية أساسها تدبير المصلحة: كالتفاوض والحرب وعقد التحالفات والمساومة وتقديم التنازلات، وغيرها من الاستراتيجيات السياسية التي كثيرًا ما يتم إضفاء رداء أخلاقي وديني عليها، لإكسابها المزيد من الشرعية، وكلها معلومات تاريخية وثقها كتاب السيرة النبوية، كما نجد عند ابن هشام.  وقد درسها الباحث هشام جعيط26 من زاوية تداخل الديني والسياسي فيها، مبينا أن الكثير من أفعال الرسول السياسية تنطلق من منطق سياسي صرف. كما تناول الباحث عبدالإله بلقزيز27 مختلف الأدوات السياسية التي وظفها الرسول لاجتياز مخاض ولادة دولة المدينة.

يعتبر محمد أركون «تجربة مكة والمدينة» تجربة علمانية تأسيسية في التاريخ الإسلامي، والتي انطوت على معطيات من نوع ديني، ومعطيات من نوع دنيوي خاصة بالرسول صلى الله عليه وسلم، وهي تصرفات شخصية قيادية سوف تتخذ فيما بعد قيمة مثالية أنموذجية. وبعد وفاة الرسول ستطرح مشكلة استمرارية هذه التجربة، وإعادة إنتاج النموذج، وهذا الإشكال النظري لم يُحل أبدًا في تاريخ الإسلام بالشكل المشروع ومن وجهة نظر ثيولوجية. ومن أجل الوصول إلى ممارسة علمانية للإسلام، ينبغي-حسب أركون- القيام بمراجعة نقدية لتاريخ الإسلام وللتراث الإسلامي، وهذا الأمر يتطلب عملًا ضخمًا على نحو ما قام به الغرب من مئات الأعمال النقدية في هذا المجال، من أمثال أعمال ماركس ونيتشة، وإذا ما تم النظر إلى التاريخ بكليته من هذا المنظور «فإنه يصبح ممكنا تعبيد الطريق وتمهيده نحو ممارسة علمانية للإسلام (…) ويمكن للعلمنة عندئذ (لكن متى؟) أن تنتشر في المجتمعات التي اتخذت الإسلام دينا»28. إن الخلط بين الزمني والروحي، بين الديني والدنيوي ليس راجعًا إلى الإسلام كإسلام، أو إلى طبيعته الجوهرية والأزلية «ذلك أن الإسلام كالمسيحية، كلاهما يشتغل بالطريقة نفسها. وإنما هو عائد إلى أن المجتمعات «الإسلامية». لم تعرف أن توَلِّد حتى الآن فكرًا نقديًا كبيرًا تجاه تراثها الخاص كما فعل الغرب»29.

الدولة الراشدية:

هي دولة الخلفاء الراشدين، إنها الدولة الوارثة للشرعية السياسية والدينية بعد الرسول، والبعد السياسي كان حاضرًا في أول فعل سياسي بعد وفاة النبي، وأثناء مبايعة الخليفة أبي بكر في «سقيفة بني ساعدة»، فقد «أبدى الصحابة فهمًا عميقًا لطبيعة «الدولة» المراد تثبيت دعائمها، فتحدثوا صراحة عن خلافة السلطة السياسية للرسول أو «سلطان محمد» على حد قولهم»30. وقد ترك النبي الناس دون أن يوصي لأحد من بعده، إذ لم يكن يعامل الناس كشيخ قبيلة ولا ملك، وقد رفض هذا اللقب مرارًا، وليس أبًا يورث كما ورد في الأحاديث، فضلًا عن كون التقاليد القبلية العربية التي لم تكن تورِث الرئاسة، فهي منصب يستحقه الفرد لنفسه، بخصاله وكفاءته.

ما يؤكد البعد السياسي في الدولة الراشدية هو حرب الردة، التي كانت «حربًا سياسية شبه خارجية تمثل حلقة في سلسلة تكوين الدولة. ولم يكن علماء الكلام أو الفقه ـ آنذاك ـ يقومون بالدور الذي سيؤديانه لاحقًا في إنشاء منظومة القوانين المنسوبة للشريعة، فترتب على ذلك ضعف التسلط الطبيعي للدولة؛ لعدم اكتمال جهازها، كما أن التسلط الديني كان ضعيفًا أيضًا؛ لعدم اكتمال المنظومة الفقهية ـ الكلامية لذا ما ظهر الاستبداد القمعي، رغم حضور الدين وارتباطه بالسلطة على نحو ما»31. إن مظهر الردة هو التحرر من الزكاة/ الإتاوة، لكنها تخفي تمردًا على السيادة السياسية، وهو الأمر الذي أعَدَّ له أبو بكر العدة لمجابهته بلا هوادة، ورفض كل الحلول التوافقية والوسطية، رفض ذلك لأنه «كان يعرف أن التنازل عن الزكاة معناه إلغاء علاقة «السيادة»، وبعبارة معاصرة: «التنازل عن جزء من الوطن». لقد كان يدرك، وهو الخبير في شؤون القبائل، أن كل شيء في المجتمع القبلي يتوقف على ميزان القوى، وأن إظهار القوة في هذا المجتمع كان شيئًا ضروريًا للاحتفاظ بكيان الدولة»32، وعلى غرار القبيلة والعقيدة كان للغنيمة دور كبير في الأحداث السياسية التي شهدها عصر الخلفاء الراشدين، ويمثل هذا العصر في المخيال الديني والتاريخي للعرب والمسلمين، أفرادًا وجماعات إسلامية سياسية، المَثَل الأعلى و«المدينة الفاضلة»33. وهذا ما نجده مثلًا في تمثيلات جماعات الإسلام السياسي للعصر الراشدي في مختلف أقطار العالم الإسلامي المعاصر.

إن مسألة خلافة النبي (صلى الله عليه وسلم) قد تم الحسم فيها بمنطق «القبيلة»34، رغم أن الدعوة المحمدية عملت على تجاوز هذا المنطق، وإحلال منطق الأمة محلها. إن وزن المهاجرين زمن أبي بكر كان أقوى من وزن الأنصار، ومع خلافة عمر ابن الخطاب خرجت الدولة من دائرة الأنصار نهائيًا، وأصبحت الدولة دولة قريش بدون منازع. «إن الصراع خلال عملية «الشورى» لاختيار من يخلف عمر بن الخطاب كان، على مستوى «القبيلة»، بين بني هاشم ممثلين في علي بن أبي طالب، وبني أمية ممثلين في عثمان بن عفان»35. وكانت الغلبة لبني أمية ذوي الأغلبية العددية والنفوذ السياسي والإداري داخل الدولة36. الذي تشكل زمن الرسول، حيث أصبحت بنية دولة الدعوة-النبوة بنية قرشية الطابع، «ذلك لأن الطريقة التي تم بها فتح مكة قد جعل أهلها قريشًا، بمن في ذلك زعماؤها وكبراؤها و«حكومتها»، (…) وبما أن العدد والعدة، أي القوة المادية في «دولة» قريش بمكة قبل الإسلام كانت لبني أمية وبني مخزوم، ثم لبني أمية خاصة بعد غزوة بدر، فإن دولة الدعوة المحمدية قد تحولت بسرعة، عقب فتح مكة، إلى دولة قريش المسلمة، بزعامة غير معلنة لبني أمية»37.

دولة المُلك الأموي والعباسي:

وهي النموذج الكامل لــ«الدولة السياسية»، وقد تحول موقع الدين في علاقته بالسلطة، من غاية سامية، إلى أداة من أدوات إضفاء الشرعية على السلطة. وبدت الدولة الأموية أكثر دينية من الدولة الراشدة، على مستوى المظهر، وليس على مستوى المضمون. «إنه انقلاب داخل معادلة دين ـ دولة، انقلاب أسهم في تأميم الدين وتوظيفه لخدمة الدولة»38، على نحو ما حصل في الفكر السياسي الفارسي، وتحديدًا مع المملكة الساسانية. «يقول أردشير بن بابك (مؤسس الدولة الساسانية): الدين والملك توأمان لا قوام لأحدهما إلا بصاحبه؛ لأن الدين أسٌّ والملك حارس، ولابد للملك من أسه ولابد للأس من حارسه؛ لأن ما لا حارس له ضائع، وما لا أس له مهدوم»39.

لقد أولت الدولة الأموية عناية بالغة لتثبيت الصلة بين الدين والسياسة، باعتبارهما أساس الحكم والتمكين والملك. إن تأميم الدين باعتباره مؤسسة، وتوظيفه باعتباره آلية، يمَكِّن الحاكم من رد الأطماع عن ملكه. والإيديولوجية الدينية التي وظفها الأمويون منذ معاوية، هي الإيديولوجية الجبرية، والتي تعتبر حكمهم في منزلة المشيئة الإلهية، والقدر المحتوم. وقد كانت هذه الإيديولوجية محط صراع فكري سياسي وديني بين الدولة الأموية والفرق الكلامية، وخصوصًا حركة المعتزلة التنويرية، التي مهدت نظريًا لقيام الثورة العباسية. ففي أخذه البيعة لابنه اليزيد استعمل معاوية إيديولوجية القضاء والقدر في قوله «إن أمر يزيد قضاء وقدر وليس للعباد الخيرة مـن أمرهم»40، وقد كرس معاوية هذه الإيديولوجيا الجبرية لتبرير سلطته في كثير من الأحاديث التي يدعي أنه رواها عن النبي، من ذلك قوله: «والله ما حملني على الخلافة إلا قول رسول الله (صلى الله عليه وسلم): إن مَلَكْت فأحسن»41، وجاء ذلك في أقوال كثيرة لبني أمية لتثبيت حكمهم وإضفاء الشرعية الدينية عليه باسم القضاء والقدر، وهذا التوظيف السياسي للدين باعتماد الإيديولوجيا الجبرية، سيعزز الشرعية القرشية «القبيلة»، دون إغفال أهمية العامل الاقتصادي «الغنيمة» في تثبيت السلطة وشرعنتها، علاوة على قوة الجيش وشدة البطش بالمنافسين. يقول ابن خلدون في هذا الصدد «الملك إنما يحصل بالتغلب، والتغلب إنما يكون بالعصبية (…) وسره أن القلوب إذا تداعت إلى أهواء الباطل والميل إلى الدنيا حصل التنافس وفشا الخلاف، وإذا انصرفت إلى الحق ورفضت الدنيا والباطل وأقبلت على الله اتحدت وجهتها؛ فذهب التنافس، وقل الخلاف، وحسن التعاون والتعاضد، واتسع نطاق الكلمة لذلك، فعظمت الدولة»42.

لقد استطاعت الدولة السلطانية الأموية منذ معاوية انتزاع اعتراف بها من قِبل الفقهاء، لا استنادا إلى نص ديني أو تجربة سابقة، ولكن لأنها نجحت بالقوة والغلبة في الحفاظ على الجماعة، وعلى وحدة أمة مزقتها الحروب الداخلية الأهلية. لقد «كانت الفتنة، التي هي أشد من القتل، امتحانًا مصيريًا للجماعة والأمة أعاد إنتاج فكرة الدولة في الوعي الجماعي»43. لقد انبرى فقهاء السياسة الشرعية44  إلى شرعنة «إمارة الغلبة والاستيلاء»، من منطق مقاصدي، باعتبار أن سلاطينها ينهضون بما نهض به الخلفاء قبلهم من منع الفتنة، وحفظ وحدة الأمة، والدفاع عن دار الإسلام وحمايتها من الخطر الخارجي. بذلك يؤكد الفقهاء على أولوية المشروعية السياسية، على المشروعية الدينية، و«لا بأس من التمسك ببعض الرسوم والطقوس الدينية، ولو من باب رمزي، لأداء تلك الوظائف السياسية ولإسباغ قدر ما من المسحة الدينية عليها حماية لصورة الخلافة في أعين المسلمين، وبلغتنا: من أجل تصفيح الوظيفة السياسية للدولة بدروع أيديولوجية»45.

لقد تحولت الدولة في العصر العباسي من دولة الدعوة والخلافة، إلى الدولة/الإمبراطورية السلطانية، تستند في بنيتها السياسية إلى الأدبيات السلطانية الفارسية، بحكم فتح بلاد فارس، واختلاط الفرس بالعرب، وتبوؤ الفرس مكانة بارزة في الدولة العباسية على الصعيد السياسي والاجتماعي والعلمي. وفي وصفه لسياسة العباسيين يقول ابن طباطبا «إن هذه الدولة ساست العالم سياسة ممزوجة بالدين والملك»46، وقد اتبعت الدولة العباسية المسار ذاته الذي سلكته الدولة الأموية، إذ كان اعتمادها على العصبيات القبلية في تدبيرها لأمور الرعية، ثم العصبيات الدينية والمذهبية، وأسهمت الدولة العباسية في تأجيج الصراع الديني والمذهبي والطائفي، بتوظيفها السياسي للدين، وجعله سلاحًا فعالًا ضد الخصوم المعارضين من الفرق المناوئة، مثلما فعل الخليفة المنصور حين قرب الفقهاء ورجال الدين وتبنى مذهب السنة، وقرب المأمون العلويين وتبنى في الوقت نفسه مذهب الاعتزال، واستبعد الخلفاء العباسيون كل الأجنحة المتطرفة في الدعوة كالإسماعيلية والقرامطة وكذلك المعتزلة، بعد أن استنفذت الدولة أغراضها من مؤازرتهم، حيث إن «القرون الأولى في الإسلام شهدت ضغط الفقهاء والعامة عربًا وغير عرب لصبغ الإدارة والنظام السياسي بصبغة إسلامية»47، لقد ضمن العباسيون الشرعية الدينية باحتضان الفقهاء، خصوصًا أصحاب المذاهب، مالك وأبو حنيفة وغيرهما، فعرضوا على بعضهم القضاء، وكانت لبعضهم مواقف جريئة من بعض الأحداث السياسية، مما عرضهم للسجن والتعذيب، إلا أن أغلبهم أظهر الود والبيعة للخلفاء العباسيين خوفًا وطمعًا.

خاتمة

نستنتج مما سبق، أن جدلية الدين والدولة تعد من الإشكالات النظرية التي تختزل التطور المفهومي للصراع السياسي والإيديولوجي في الثقافة العربية والإسلامية، إنها علاقة تتداخل في طرحها السياسة بالفكر، والسياسة بالإيديولوجيا، والتراث بالحداثة، والإسلام بالغرب، والماضي بالحاضر، والتاريخ بالمقدس …إلخ ، باعتبارها مرجعيات يتأسس كل موقف عليها. وتبين أن موضوع العلاقة بين الدين والدولة في الفكر الإسلامي العربي الحديث والمعاصر، قد استأثر باهتمام المفكرين والباحثين في التاريخ وفي الفكر السياسي على وجه الخصوص، واختلف منظور كل واحد منهم، لكن القاسم المشترك بين أغلبهم يكمن في كونهم طرحوا هذه الإشكالية، ليس من زاوية الفكر السياسي المعاصر فقط، بل راحوا يُنَقبون في التراث عن أشكال التعالق بين الدين والدولة، على شاكلة حفريات معرفية معتمدين أطرًا مرجعية وأدوات منهجية تمتاح من الأنثروبولوجية وأركيولوجيا المعرفة عند ميشيل فوكو. بتتبع كيفية تشكل السلطة في التاريخ الديني والسياسي الإسلامي، وتفكيك المعادلة التي تربط بين  الدين كممارسة اجتماعية، والدين كإيديولوجيا لإنتاج السلطة، باعتماد المرجعية الفلسفية الماركسية.

لقد أقدم المفكرون العرب في خضم بحثهم في إشكالية الدين والدولة بالقيام بحفريات في الطبقات الرسوبية المتباينة، داخل حقل التاريخ، متتبعين تنوع وتباين الخطابات حول الإشكالية المدروسة تبعًا للفترات التاريخية الإسلامية، من البعثة النبوية إلى العصر الراهن، وهي ليست عملية تأريخية صرفة، بقدر ما هي محاولة لسبر أغوار الظاهرة الخطابية المدروسة، لمعرفة جذورها وجذعها وأغصانها وفروعها، وهي عملية حفرية ضرورية، لأن معرفة تجليات الدين في النسق السياسي المعاصر، واستثمار إمكاناته الرمزية في عملية الشرعنة، يندرج ضمن عملية تراكمية، بنيت على طبقات معرفية عتيقة، تتداخل في تشكلها أبعاد تاريخية واجتماعية ونفسية وسياسية واقتصادية.

صحيح أن الفكر السياسي العربي المعاصر اعتمد في مجمله على المرجعية الغربية، في مطارحة مختلف الإشكالات السياسية العربية، القديمة والحديثة، وفي مقدمتها إشكالية الدين والدولة، لكن هناك أنساق فكرية، وإن توسلت بأدوات الفكر الغربي لتفكيك هذه الإشكالية، فقد نحتت مسارًا نقديًا متحررًا من سلطة المرجعية الغربية، بحكم الفارق بين الديانتين: الإسلام والمسيحية، والفضائين: العربي والغربي، على مختلف الأصعدة التاريخية والاجتماعية والسياسية والثقافية إلخ. وتتموقع أطروحة الدكتور محمد عابد الجابري في مقدمة هذه المقاربات الأصيلة والتأصيلية، ويتبين ذلك في دعوته لتجاوز براديغم العلمنة، باعتبارها قالبا مستوردا، واقتراح بديل حضاري متجذر في التراث الإسلامي وهو «العقلنة»، بهدف تأسيس مجال سياسي يقوم على البرهان والمصلحة المستلهمة من المقاصد والفكر الرشدي العقلاني (نسبة إلى ابن رشد) والتراث الاعتزالي. كما نجد أطروحة طه عبد الرحمن في مشروعه «الائتماني»، الذي كان رهانه الأول التحرر من التبعية العمياء للمرجعية الغربية، عبر نقد «العلمنة الشاملة» واقتراح حداثة إسلامية تتخذ الدين والأخلاق ناظمًا للممارسة السياسية لا عائقًا لها.

 

الهوامش:

ـ برهان غليون، نقد السياسة الدولة والدين، المركز الثقافي العربي، الطبعة الرابعة، بيروت،  2007، ص: 357.

ـ طه عبد الرحمن، روح الدين من ضيق العلمانية إلى سعة الائتمانية، المركز الثقافي العربي، الطبعة الثانية، الدار البيضاء، 2012، ص: 202 ـ 203.

ـ المرجع نفسه، ص: 203.

ـ عبدالإله بلقزيز، الدولة والدين في الاجتماع العربي الإسلامي، منتدى المعارف، الطبعة الأولى، بيروت، 2015، ص: 11.

ـ محمد عابد الجابري مؤمن بمقولة الإسلام دين ودنيا، لكن في كتابه (العقل السياسي العربي) تناول فقط الجانب المتعلق بالدنيا، وحاول تقديم نوع من الفهم للدنيا كما مرت في الإسلام، وكما عاشها المسلمون وكما تعاملوا معها. إنه كتاب يُعنى كما يصرح بذلك في كتابه (الحداثة والتراث) بــ(تأريخ للممارسة السياسية والفكر السياسي في الإسلام). انظر الفصل الرابع عشر من كتابه الحداثة والتراث، دراسات ومناقشات، مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة الأولى، بيروت، 1991، ص: 337.

ـ برهان غليون، نقد السياسة، الدولة والدين، المركز الثقافي العربي، الطبعة الرابعة، بيروت،  2007، ص: 23.

ـ نفسه، ص: 24.

ـ محمد لكموش، الدين والسياسة في المغرب، دار أفريقيا الشرق، الطبعة الأولى، 2013، ص: 8.

ـ محمد عابد الجابري، الدين والدولة وتطبيق الشريعة، مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة الأولى، بيروت، 1996، ص: 59.

ـ المرجع نفسه، ص: 107.

ـ عبد الله العروي، مجمل تاريخ المغرب، المغرب في عهد الوحدة والسطوة، الجزء الأول، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، الطبعة الثانية، 2000، ص: 8 ـ 9.

ـ المرجع نفسه، ص: 9

ـ محمد عابد الجابري، الخطاب العربي المعاصر، مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة الخامسة، بيروت، 1994، ص: 67.

ـ علي أمليل، الإصلاحية العربية والدولة الوطنية، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى، 1985، ص: 88.

ـ محمد عابد الجابري، الدين والدولة وتطبيق الشريعة، المرجع السابق، ص: 59.

ـ على عبدالرزاق، الإسلام وأصول الحكم، بحث في الخلافة والحكومة في الإسلام، مطبعة مصر، القاهرة، الطبعة الثالثة، 1925، ص:22

ـ رضوان السيد، الدين والدنيا والدين والدولة في الإسلام المعاصر، مجلة التسامح، العدد 19، صيف 2007، ص: 11.

ـ محمد عابد الجابري، إشكاليات الفكر العربي المعاصر، مركز دراسات الوحدة العربي، الطبعة الثانية، بيروت، 1990، ص: 129.

ـ محمد عابد الجابري، الخطاب العربي المعاصر، المرجع السابق، ص: 12.

ـ محمد عابد الجابري، العقل السياسي العربي، محدداته وتجلياته، مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة الرابعة، بيروت، 2000، ص:20.

ـ نفسه، ص: 364 ـ 365.

ـ لا يُقصد هنا المفهوم الحديث للدولة، لأنها ما تزال في بدايات تشكلها، لذلك سميت عند الكثيرين دولة الرسول، دولة المدينة إلخ.

ـ محمد عابد الجابري، إشكاليات الفكر العربي المعاصر، مركز دراسات الوحدة العربي، الطبعة الثانية، بيروت، 1990، ص: 22.

ـ محمد عابد الجابري، العقل السياسي العربي، مرجع سابق، ص: 165ـ 166.

ـ تضمنت هذه الصحيفة التي هي بمثابة دستور للمدينة المستقلة اثنين وخمسين بندًا، خمسة وعشرون منها خاصة بأمور المسلمين، وسبعة وعشرون مرتبطة بالعلاقة بين المسلمين وأصحاب الأديان الأخرى، لاسيما اليهود وعبدة الأوثان. وقد دوّن هذا الدستور بشكل يسمح لأصحاب الأديان الأخرى بالعيش مع المسلمين بحرية. المزيد حول تحليل بنود الصحيفة المدنية عند المستشرق. كونستانس جيورجيو، نظرة جديدة في سيرة رسول الله، تعريب محمد التونجي، الدار العربية للموسوعات، الطبعة الأولى، 1983م، ص: 190 فما فوق.

ـ هشام جعيط، الفتنة، جدلية الدين والسياسة في الإسلام المبكر، ترجمة خليل أحمد خليل، دار الطليعة، الطبعة الرابعة، بيروت، 2000.

ـ عبدالإله بلقزيز، الإسلام والسياسة، دور الحركة الإسلامية في صوغ المجال السياسي، المركز الثقافي العربي، الطبعة الأولى، بيروت، 2001، ص: 36 فما فوق.

ـ محمد أركون، تاريخية الفكر العربي الإسلامي، ترجمة هاشم صالح، مركز الإنماء القومي، الطبعة الثانية، 1996، ص: 295.

ـ نفسه، ص: 295.

ـ محمد عابد الجابري، العقل السياسي العربي، مرجع سابق، ص: 138.

ـ عبدالجواد ياسين، السلطة في الإسلام، نقد النظرية السياسية، المركز الثقافي العربي، بيروت، 2009، ص: 108.

ـ محمد عابد الجابري، العقل السياسي العربي، المرجع السابق، ص: 166 ـ 167.

ـ المرجع نفسه، ص: 171.

ـ نفسه، ص: 141.

ـ نفسه، ص: 145.

ـ يستند الجابري فيما توصل إليه من نتائج حول الخلافة الراشدية إلى تقي الدين المقريزي، وهو الذي طرح المسألة طرحًا تاريخيًا موضوعيًا في كتابه: المقريزي تقي الدين أحمد بن علي، النزاع والتخاصم فيما بين بني أمية وبني هاشم، طبعة لندن، 1888، ص: 2.

ـ محمد عابد الجابري، العقل السياسي العربي، المرجع السابق، ص: 150.

ـ العياشي أدراوي، الديني والسياسي في الفكر الإسلامي، حدود الاتصال والانفصال، مجلة الأزمنة الحديثة، مطبعة المعارف الجديدة، العدد «مزدوج» 6 ـ7 صيف ـ خريف 2013، ص: 33.

ـ رضوان السيد، جوانب من الدراسات الإسلامية الحديثة، نشر الفنك، الدار البيضاء، 2000، ص: 58.

ـ ابن قتيبة الدينوري، الإمامة والسياسة، تحقيق طه محمد الزيني، مؤسسة الحلبي وشركاؤه للنشر والتوزيع، القاهرة، 1967، ج 1، ص: 183 ـ 191.

ـ الحافظ ابن كثير، البداية والنهاية، مكتبة المعارف، تحقيق جماعة من الدارسين، بيروت، 1990، ج8، ص: 126.

ـ عبد الرحمن بن خلدون، المقدمة، دار الفكر، بيروت، 2004، ص: 171 ـ 172.

ـ عبدالإله بلقزيز، الدولة والمجتمع، جدليات التوحيد والانقسام في الاجتماع العربي المعاصر، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، الطبعة الأولى، بيروت، 2008. ص: 104.

ـ من أهم فقهاء السياسة الشرعية في هذا الباب: أبو الحسن على بن محمد بن حبيب الماوردي، الأحكام السلطانية والولايات الدينية، دار الكتب العلمية، بيروت، 1985.

ـ عبدالإله بلقزيز، الدولة والمجتمع، جدليات التوحيد والانقسام في الاجتماع العربي المعاصر، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، الطبعة الأولى، بيروت، 2008. ص: 105.

ـ محمد بن علي بن طباطبا، الفخري في الآداب السلطانية، دار بيروت، د . ط، 1966، ص: 115.

ـ فاروق عمر فوزي، العباسيون الأوائل، طبعة جامعة بغداد، 1973، ص: 2/79.

لائحة المصادر والمراجع

ـ القرآن الكريم.

ـ ابن خلدون عبد الرحمان، المقدمة، دار الفكر، بيروت، 2004.

ـ ابن طباطبا محمد بن علي، الفخري في الآداب السلطانية، دار بيروت، د.ط،  1966.

ـ ابن كثير الحافظ، البداية والنهاية، مكتبة المعارف، تحقيق جماعة من الدارسين، ج8، بيروت، 1990.

ـ أدراوي العياشي، الديني والسياسي في الفكر الإسلامي، حدود الاتصال والانفصال، مجلة الأزمنة الحديثة، مطبعة المعارف الجديدة، العدد «مزدوج» 6 ـ7 صيف ـ خريف 2013.

ـ أركون محمد، تاريخية الفكر العربي الإسلامي، ترجمة هاشم صالح، مركز الإنماء القومي، الطبعة الثانية، 1996.

ـ الجابري محمد عابد، إشكاليات الفكر العربي المعاصر، مركز دراسات الوحدة العربي، الطبعة الثانية، بيروت، 1990.

ـ الجابري محمد عابد، الحداثة والتراث، دراسات ومناقشات، مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة الأولى، بيروت، 1991.

ـ الجابري محمد عابد، الخطاب العربي المعاصر، مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة الخامسة، بيروت، 1994.

ـ الجابري محمد عابد، العقل السياسي العربي، محدداته وتجلياته، مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة الرابعة، بيروت، 2000.

ـ الدينوري ابن قتيبة، الإمامة والسياسة، تحقيق طه محمد الزيني، مؤسسة الحلبي وشركاؤه للنشر والتوزيع، ج 1، القاهرة، 1967،.

ـ السيد رضوان، الدين والدنيا والدين والدولة في الإسلام المعاصر، مجلة التسامح، العدد 19، صيف 2007.

ـ السيد رضوان، جوانب من الدراسات الإسلامية الحديثة، نشر الفنك، الدار البيضاء، 2000.

ـ العروي عبدالله، مجمل تاريخ المغرب، المغرب في عهد الوحدة والسطوة، الجزء الأول، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، الطبعة الثانية، 2000.

ـ الماوردي أبو الحسن على بن محمد بن حبيب، الأحكام السلطانية والولايات الدينية، دار الكتب العلمية، بيروت، 1985.

ـ المقريزي تقي الدين أحمد بن علي، النزاع والتخاصم فيما بين بني أمية وبني هاشم، طبعة لندن، 1888.

ـ أمليل علي، الإصلاحية العربية والدولة الوطنية، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى، 1985.

ـ بلقزيز عبد الإله، الإسلام والسياسة، دور الحركة الإسلامية في صوغ المجال السياسي، المركز الثقافي العربي، الطبعة الأولى، بيروت، 2001، ص: 36 فما فوق.

ـ بلقزيز عبدالإله، الدولة والدين في الاجتماع العربي الإسلامي، منتدى المعارف، الطبعة الأولى، بيروت، 2015.

ـ بلقزيز عبدالإله، الدولة والمجتمع، جدليات التوحيد والانقسام في الاجتماع العربي المعاصر، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، الطبعة الأولى، بيروت، 2008.

ـ جعيط هشام، الفتنة، جدلية الدين والسياسة في الإسلام المبكر، ترجمة خليل أحمد خليل، دار الطليعة، الطبعة الرابعة، بيروت، 2000.

ـ جيورجيو كونستانس، نظرة جديدة في سيرة رسول الله، تعريب محمد التونجي، الدار العربية للموسوعات، الطبعة الأولى، 1983.

ـ عبد الرحمان طه، روح الدين من ضيق العلمانية إلى سعة الائتمانية، المركز الثقافي العربي، الطبعة الثانية، الدار البيضاء، 2012.

ـ عبد الرزاق على، الإسلام وأصول الحكم، بحث في الخلافة والحكومة في الإسلام، مطبعة مصر، القاهرة، الطبعة الثالثة، 1925.

ـ غليون برهان، نقد السياسة الدولة والدين، المركز الثقافي العربي، الطبعة الرابعة، بيروت، 2007.

ـ فوزي فاروق عمر، العباسيون الأوائل، طبعة جامعة بغداد، 1973.

ـ لكموش محمد، الدين والسياسة في المغرب، دار أفريقيا الشرق، الطبعة الأولى، 2013.

ـ ياسين عبد الجواد، السلطة في الإسلام، نقد النظرية السياسية، المركز الثقافي العربي، بيروت، 2009.

ـ الجابري محمد عابد، الدين والدولة وتطبيق الشريعة، مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة الأولى، بيروت، 1996، ص: 59.

Facebook
X
WhatsApp
Threads
Telegram

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى