العدد الحاليالعدد رقم 48ثقافات

الكلام الذي حيّر الإنسان! من تجربة الفرعون إلى تجربة الإلكترون

يروي هيرودوت، أبو التاريخ، أن فرعون مصر بسماتيك الأول أراد أن يحسم سؤالًا أرّق الملوك: أي شعوب الأرض أقدم؟ وأي لغة نطق بها البشر أولًا؟ فأجرى في القرن السابع قبل الميلاد ما يمكن عدّه أقدم تجربة لسانية موثقة في التاريخ: انتزع طفلين رضيعين وسلّمهما إلى راعٍ في عزلة تامة، وأمره ألّا ينطق أمامهما بكلمة واحدة، منتظرًا الكلمة الأولى التي ستخرج من فم البشرية البكر. وبعد عامين، مدّ الطفلان أيديهما إلى الراعي صائحَين: «بيكوس!». كلمة بلغت الفرعون، فأمر أتباعه للبحث عنها، فإذا هي كلمة «الخبز» في لغة الفريجيين بآسيا الصغرى، فسلّم، على مضض، بأن الفريجيين أقدم من المصريين!

هذه قصة مروية شهيرة، وثمة قصص، بل مآسٍ أخرى تُروى عن ملوك أعادوا التجربة بعده بقرون، منهم الإمبراطور فريدريك الثاني الذي يُقال إن أطفاله المعزولين ماتوا جميعًا قبل أن ينطقوا بكلمة؛ وكأنما الرسالة تقول: «الإنسان، حين تُحبس عنه اللغة، يموت». قد نستغرب اليوم من منهج بسماتيك، لكن الأغرب من منهجه هو الهوس نفسه، نعم الهوس: ملكٌ يملك الأهرام والجيوش والذهب، ولا يقضّ مضجعه إلا سؤال: من أين جاء الكلام؟ هذا الهوس بالذات، لا الأهرام، هو موضوع مقالتنا؛ فما من ظاهرة أشغلت الإنسان كما أشغلته اللغة كثيرًا، هذا المحيط اللغوي الذي نسبح فيه كما تسبح الأسماك في المياه، أقرب إلينا من أن نراه، وأعقد علينا من أن نحيط به، كيف هذا؟!

لقد مرت قرون متوالية منذ هذه التجارب البدائية، مرت قرون وكلما ظن البشر أنهم أمسكوا بلغز اللغة من وجه، أفلت منهم من وجه آخر، وكل إفلاتة أنجبت مدرسة لسانية مستقلة: فثمة من قال اللغة نسبٌ وأنساب، وثمة من قال أنها نظام، وثمة من قال إنها غريزة في الدماغ، وآخرون قالوا بأنها سلوك ومجتمع، وبعضهم انتهى إلى أنها فعل ينجز الأشياء، ثم جاء عصرنا فنطقت الآلة وأعادت اللغز إلى نقطة الصفر. هذه المقالة هي حكاية ذلك الهوس الطويل، من قصر الفرعون إلى حواسيب اليوم، مرورًا بقاضٍ في كلكتا، وأستاذ مات قبل أن يكتب كتابه، ومفتش حرائق، ورجل تظاهر بالصمم في متاجر نيويورك، وشيخ تسعيني يهاجم الآلة، فهيا بنا إلى التفاصيل.

هوس الأصل: من أين جاء الكلام؟

إن أول وجوه اللغز الذي أشغل الإنسان سؤال بسماتيك نفسه: من أين جاءت اللغة؟ وقد احتدم هذا السؤال في حضارتنا العربية احتدامًا مبكرًا ومدهشًا: أهي «توقيف» من الله الذي علّم آدمَ الأسماء كلها، أم «اصطلاح» تواضع وتواطأ عليه البشر؟ وقف ابن جني (المتوفى 392هـ) في «الخصائص» أمام هذه المسألة وقفة الحائر، يقلّب الحجج ويعترف بجاذبية الرأيين، ثم صاغ للغة، أيًّا كان أصلها، تعريفًا مذهلًا: «أما حدُّها فإنها أصواتٌ يعبِّر بها كل قوم عن أغراضهم»؛ ففي سطر واحد حشد الطبيعة الصوتية للغة (= أصوات)، ووظيفتها التعبيرية (= يعبَّر بها)، وطابعها الاجتماعي المواضعي (= كل قوم)، وغائيتها العملية (= عن أغراضهم)، وهي الوجوه الأربعة التي سيتوزعها العلماء من بعده قرونًا، كلٌّ يتوّج وجهًا ويقيم عليه مذهبًا. وقبله كان الخليل بن أحمد (المتوفى نحو 170هـ)، فقد استقرى كلام العرب استقراءً كاملًا حصر به أبنية ألفاظها وأوزان شعرها، فألّف تلميذه سيبويه (المتوفى نحو 180هـ) «الكتاب» الذي وصف نظام العربية وصفًا شاملًا من أفواه فصحاء البادية، فكان عملهما، بلغة العصر، (1) «مدونةً ميدانية» و(2) «نحوًا وصفيًّا» قبل أن تعرف أوروبا المصطلحَين بألف عام.

أما أوروبا فقد جاءها جوابها عن سؤال الأصل من حيث لا تحتسب: من قاعة محكمة في الهند. ففي الثاني من فبراير عام 1786م، وقف القاضي الإنجليزي وليم جونز (1746-1794م)، وكان مستشرقًا يجيد لغات كثيرة، خطيبًا في الجمعية الآسيوية بكلكتا، شرق الهند، ليلقي الجملة التي يؤرَّخ بها ميلاد اللسانيات الحديثة، قائلًا: إن السنسكريتية، لغة الهند المقدسة، تشبه اليونانية واللاتينية في جذور أفعالها وصيغ قواعدها شبهًا أقوى من أن يكون وليد مصادفة، حتى ليقطع الفاحص بأنها «انحدرت جميعًا من أصل مشترك واحد، ربما لم يعد له وجود». من هذه الملاحظة اشتعل هوس القرن التاسع عشر كله: علماء يقارنون اللغات ويرسمون لها شجرة أنسابٍ كأنساب القبائل، ويعيدون بناء «الأم» الهندوأوروبية المندثرة كما يعيد عالم الأحافير بناء الديناصور من عظامه، حتى أعلن «النحاة الجدد» في لايبزغ أن التغيرات الصوتية تجري وفق «قوانين لا تعرف الاستثناء»، فصارت دراسة اللغة علمًا يضاهي علوم الطبيعة. لكنه ظل علمًا مسكونًا بهوس واحد: الماضي والماضي فقط، ومن أين جاءت الكلمات؟ وكيف تبدلت الأصوات عبر القرون؟ حتى جاء الرجل الذي التفت إلى الحاضر وأعاد إليه اعتباره، فغيّر كل شيء وهو ميت! إنه سوسير.

كتابٌ لم يكتبه صاحبه: اللغة نظامًا

في فبراير عام 1913م، مات أستاذ اللسانيات بجامعة جنيف فرديناند دو سوسير (1857-1913م) دون أن يترك الكتاب الذي سيقلب علوم الإنسان كلها، ولسبب بسيط: أنه لم يكتب ذلك الكتاب بنفسه. كان سوسير قد ألقى بين عامي 1907 و1911م ثلاث دورات في «اللسانيات العامة» على عدد من الطلاب لا يتجاوزون أصابع الأيدي، ثم مات وفي أدراجه شذرات لا كتاب. فقام اثنان من زملائه، شارل بالي وألبير سيشهاي، بما يشبه المعجزة: جمعا دفاتر الطلاب، وقابلا مدوّناتهم بعضها ببعض، وألّفا من ركامها كتابًا نُشر عام 1916م باسم الأستاذ الميت: «دروس في اللسانيات العامة». هكذا وُلد أشهر كتاب في تاريخ اللسانيات وهو كتابٌ لم يكتبه مؤلفه، ولم يقرأه، ولم يجز نشره حتى؛ حتى إن جملته الختامية الأشهر، القائلة إن موضوع اللسانيات الحقيقي والوحيد هو «اللغة مدروسةً في ذاتها ولذاتها»، يرجّح المحققون أنها من صياغة المحرِّرَين لا من كلام سوسير نفسه!

وأما مضمون الدرس الذي حفظته الدفاتر فانقلابٌ كامل في وجهة الهوس عند سوسير، قائلًا: كفانا انشغالًا بماضي اللغة، فاللاعب الذي يجلس إلى رقعة شطرنج في منتصف مباراة لا يحتاج لكي يلعب أن يعرف تاريخ النقلات السابقة؛ يكفيه أن يفهم النظام القائم أمامه الآن: قيمة كل قطعة بعلاقتها بسائر القطع. وهكذا اللغة: نظامٌ قائم في لحظته، قيمة كل عنصر فيه من علاقاته بغيره لا من تاريخه ولا من ذاته. وبهذا الانقلاب، شقّ سوسير ثنائياته التي صارت أبجدية القرن العشرين: اللسان والكلام (النظام الاجتماعي الكامن المشترك، مقابل استعمالات الأفراد له)، والدال والمدلول (العلامة اتحادُ صورة صوتية وتصور ذهني، والعلاقة بينهما اعتباطية: فليس في أصوات «ش-ج-ر» شيءٌ من الشجر). ولم يقف مفعول الدفاتر عند اللغة: فحين قرأ الأنثروبولوجيون والنقاد كتاب سوسير، أدركوا أن كل شيء إنساني (من القرابة إلى الموضة إلى الحكايات) هو «نظام علامات» يمكن درسه بالعدسة نفسها، فخرجت من دفاتر طلاب جنيف علومٌ لم تخطر لصاحب المحاضرات على بال. وهكذا أجاب القرنُ عن وجهٍ من اللغز، «اللغة هي نظام»، بينما بقيت جوانب اللغة الأخرى بلا جواب.

مفتش الحرائق: هل تفكر بلسانك؟

استمر الحال على ما سبق حتى أخذ الهوس الأميركي طريقًا آخر: الميدان. لقد أدرك فرانز بواس (1858-1942م) وتلميذه إدوارد سابير (1884-1939م) أن لغات الهنود الأصليين تحتضر بموت متكلميها، فهبَّا وهبَّ معهما الدارسون يجوبون المحميات بدفاتر التدوين، يوثقون لغاتٍ لا كتابة لها ولا نحاة، لغاتٍ صدمتهم بأنظمة لا تشبه شيئًا مما ألفوه في أوروبا، وبلغ المذهب ذروته في كتاب ليونارد بلومفيلد (1887-1949م) «اللغة، 1933» الذي صار إنجيل المرحلة: اجمع المدونة، وقطّع السلسلة الكلامية، وصنّف الوحدات بتوزيعها، كما يصنف الكيميائي عناصره، ولا تفتش في ذهنٍ لا سبيل إلى رصده. مع ذلك، فقد جاءت أعجب ثمار هذا الميدان من خارج الجامعة كلها: من بنجامين لي وورف (1897-1941م)، الذي لم يكن أستاذًا أصلًا، بل مفتش حرائق في شركة تأمين بولاية كونيتيكت. لقد لاحظ وورف أثناء تحقيقاته أن العمال يتصرفون بحذر بالغ حول براميل البنزين الممتلئة، ثم يرمون أعقاب سجائرهم بجوار البراميل «الفارغة» فتنفجر؛ لأن كلمة «الفارغة» توحي للعمال بالخلو من الخطر، بينما البراميل «الفارغة» أخطر ما تكون لامتلائها بالأبخرة القابلة للاشتعال! من ملاحظات كهذه، ثم من دراسته لغةَ الهوبي على يد سابير، صاغ وورف الفرضية التي عُرفت بـ«فرضية سابير-وورف» وفتحت من اللغز بابًا مرعبًا: لغتُك تشكّل إدراكك، وحدود معجمك قد تكون حدود انتباهك؛ فلعل الإنسان لا يتكلم لغته فحسب، بل يسكنها ويرى العالم من نوافذها. فتأمل حال التطور، مفتش تأمين يشعل واحدة من أكثر فرضيات القرن إثارة للجدل. فاللغز، كما ترى، لا يشترط في المهووسين به شهادات، بل عينًا تلاحظ وعقلًا يحلل. فالملاحظة والتدوين، ثم التنميط والتحليل، كانتا هي بداية انطلاقة علم اللسانيات في أفضل حالاته.

طفلٌ يتكلم فيحيّر العلماء: اللغة غريزةً

بعد ذلك، جاء الوجه الذي كان أقرب الوجوه وأخفاها: إنه الطفل. إنَّ كل طفل على وجه الأرض ينجز في سنواته الثلاث الأولى معجزةً نمرّ بها بلا دهشة: يبدع، من كلامٍ مسموع فقير مشوش متقطع، نظامًا نحويًّا كاملًا لم يعلّمه إياه أحد. في عام 1957م، التقط شابٌّ في التاسعة والعشرين من عمره اسمه نعوم تشومسكي (1928م-) هذه الملاحظة الغريبة ووثّقها في كُتيّب نحيل عنوانه «البنى التركيبية». كتاب جاء ليقصم ظهر المدرسة الميدانية كلها. لقد كانت حجة تشومسكي تبدأ من جملة اخترعها صارت أشهر جملة في تاريخ اللسانيات: «تنام الأفكارُ الخضراءُ عديمةُ اللونِ غاضبة» (Colorless green ideas sleep furiously)؛ جملة لم يقلها أحد قط، ولا معنى لها إطلاقًا، ومع ذلك يحكم كل متكلم للإنجليزية – وحتى العربية – فورًا بأنها سليمة نحويًّا، بخلاف عكسها المبعثر. فمن أين جاء هذا الحكم، والجملة لم ترد في أي مدونة ولم «يتعلمها» أحد بالتكرار؟ الجواب عند تشومسكي: من ملَكةٍ فطرية، ونحوٍ كامن في الدماغ يولّد من قواعد محدودة جملًا لا نهائية. إن اللغة عند تشومسكي ليست عادة مكتسبة، بل أقرب إلى عضو ينمو، كالقلب والجناح، و«فقر المثير» الذي ينشأ عنه كلام الطفل لا يفسره إلا استعدادٌ كلّي مشترك بين البشر سماه «النحو الكلي». ثم مضى تشومسكي في مشروعه مجهزًا برأي آخر على المعسكر القديم في مراجعته الشهيرة عام 1959م لكتاب عالم النفس السلوكي الأكبر ب. ف. سكينر «السلوك اللفظي»، مراجعةٍ يؤرَّخ بها موتُ السلوكية في دراسة اللغة: فالطفل ليس حمامة تُدرَّب على النقر بالتعزيز، بل مبدعٌ صغير يقول ما لم يسمعه قط. وهكذا انقلب الهوس انقلابته الكبرى: من الميدان إلى الدماغ، ومن تنوع اللغات إلى وحدتها العميقة، وسُمّيت القصة في كتب التاريخ «الثورة التشومسكية» وكأنما هي ثورة على ساسة اللغة القدماء.

لسانُك يفضحك: اللغة مجتمعًا وفعلًا

لكن الثورات تُنتج ثوراتها المضادة، فقد رأى منشقّون ومنقلبون على تشومسكي أن «المتكلم المثالي في مجتمع متجانس» الذي افترضه تشومسكي كائنٌ خرافي لا يمشي في الأسواق، وأن في اللغز وجهًا يعرفه كل الناس ويتجاهله العلماء. نعم، لسانك يفضحك ويكشفك، بل ويفضح ويكشف مدينتك وطبقتك وجيلك قبل أن تكمل جملتك الأولى. يُعد وليم لابوف (1927-2024م) أشهر من حوّل هذه البديهة إلى علم. ففي عام 1962م، أراد لابوف أن يثبت أن نطق النيويوركيين لصوت الراء ليس فوضى فردية بل نظام اجتماعي محكوم بالطبقة، فابتكر أظرف تجربة في تاريخ العلوم الاجتماعية: دخل ثلاثة متاجر كبرى تمثل ثلاث طبقات، «ساكس» الفاخر و«مايسيز» الأوسط و«كلاين» الشعبي، وسأل الباعة عن بضاعة يعرف سلفًا أنها في الطابق الرابع، لا لشيء إلا ليسمعهم ينطقون «دور رابع» (fourth floor)، بما فيها من راءين، فإذا تظاهر بأنه لم يسمع أعادوها بعناية أشد، فسجّل النطق العفوي والمتأنّي معًا، وخرج في ساعات بقانون صارم: كلما علت طبقة المتجر ظهرت الراء، وكلما تأنّى المتكلم تسلّق نحو نطق الوجهاء. بعبارة أخرى، مدرسة كاملة، هي اللسانيات الاجتماعية، وُلدت من رجل يتظاهر بالصمم عن طابق يعرفه.

وفي السنوات نفسها، كان فيلسوف أكسفوردي رقيق الصوت اسمه ج. ل. أوستن (1911-1960م) يلقي محاضرات هارفارد التي ستُنشر بعد موته بعنوان ملتف: «كيف ننجز الأشياء بالكلمات، 1962»، هادمًا فيها وهمًا عمره قرون، يقول فيه: أن وظيفة الجمل وصفُ العالم وصفًا يحتمل الصدق والكذب. فجملة «زوّجتُك ابنتي» لا تصف تزويجًا، بل تُنشئه، و«أعدك» لا تخبر عن وعد بل تصنعه. باختصار، الكلامُ فعلٌ، وبالكلمات نعقد الأنكحة ونعلن الحروب ونطلق الوعود ونجرح ونداوي المرضى. فاكتمل للغز وجهاه الأخيران: اللغة مجتمع، واللغة فعل، واستوت وجوه ابن جني الأربعة: الأصوات، والتعبير، والقوم، والأغراض.

«ما شاء الله»: لغز في داخل في ثلاث كلمات

إن شئت أن ترى قرونَ الهوس هذه كلها مجموعةً أمام عينيك، فلا تحتاج أن تقرأ قصيدةً ولا كتابًا، بل تكفيك عبارة قصيرة نقولها نحن العرب كل يوم: «ما شاء الله!». إنها عبارة تُقال عند رؤية طفل بدين أو نعمة ظاهرة. ضع هذه العبارة تحت عدسات المدارس الأربع السابقة وانظر كيف «تتغير» العبارة نفسها. تلميذ سوسير سيحللها نظامَ علاماتٍ وقيمًا خلافية: قيمتها من موقعها في شبكة عبارات التعجب والتبريك، تُفهم بما تعارضه لا بمجموع كلماتها. وتلميذ تشومسكي سيسأل مباشرة عن بنيتها العجيبة: أين فعلها المضمر؟ وكيف يشتق الذهن العربي هذا التركيب ويعرف صوابه من خطئه دون أن يعلَّمه أحدٌ قاعدته؟ وتلميذ لابوف سيسأل: من يقولها لمن؟ ولماذا يقولها الكبار أكثر من المراهقين، وتزداد في مواضع ومقامات وتغيب في أخرى، وكيف تتوزع بينها وبين «تبارك الله» و«الله يحفظه» توزعًا تحكمه المنطقة والجيل؟ وتلميذ أوستن سيضع يده على جوهرها الذي تعمى عنه المعاجم، فيقول لنا: إن قائلها لا «يصف» مشيئة الله ولا يخبر عنها، بل ينجز فعلًا: فعل تبريكٍ ودرءٍ للعين والحسد، حتى إن تركها في مقامها يُعَدّ في عرفنا فعلًا مضادًّا يستوجب العتاب: «قلها، قل ما شاء الله!» لتُنجز فعل الحماية. عبارةٌ من ثلاث كلمات، وقرونٌ من الهوس ترى فيها أربعة كائنات: نظامًا، وغريزةً، وهويةً اجتماعية، وفعلًا. فأي ظاهرة في الوجود تحتمل كل هذا؟ وبعد كل هذا، ألا تستحق هذه الظاهرة أن تبقى لغزًا يشد الإنسان؟

الآلة تتكلم: والحيرة تكتمل

ثم جاء عصرنا ليضيف إلى القصة فصلها الذي لم يخطر لبسماتيك ولا لسوسير على بال: نطقت الآلة. اقتحمت النماذجُ اللغوية الحاسوبية الضخمة الميدان، فإذا هي تُنتج كلامًا سويًّا مقنعًا دون «نحو كلي» معلن ولا مجتمع ولا قصد، حتى أعلن أنصارها أن نجاحها «يدحض مقاربة تشومسكي للغة» من أساسها، ليردّ الشيخ التسعيني تشومسكي بأنها لا تفهم شيئًا مما تقول؛ فانفجرت في اللسانيات معركةُ وجودٍ حقيقية: هل تعلُّمُ الآلة للغة من مليارات الجمل يهدم فرضية «فقر المثير»، أم يثبتها إثباتًا ساطعًا لأن الطفل يبلغ في ثلاث سنين، وبفتاتٍ من المدخلات، ما لا تبلغه الآلة بمكتبات البشرية كلها؟

إنها الدورة تكتمل، لمن تأمل: فالإنسان الذي حيّرته لغتُه سبعة وعشرين قرنًا صنع أخيرًا آلةً تتكلم، فلم تحلّ له اللغز، بل ضاعفته. لقد كنا نسأل «كيف يتكلم الإنسان؟» فصرنا نسأل الآن «وهل هذا الذي تفعله الآلة كلام؟». لقد قام بسماتيك قديمًا بعزل طفليه لينتزع من الصمت سرَّ اللغة، وها نحن نعيد الدورة من جديد ونخطط أن نعزل نماذجنا في مراكز البيانات منتظرين منها «بيكوس» جديدة، والسر باقٍ حيث كان.

بقي أن نقول بأن هذا الهوس المتوارث ليس ترفًا معرفيًّا، بل هو الإنسان يسائل جوهره؛ فاللغة أقرب ما فينا إلينا، بها نفكر ونحب ونعد ونكذب وندعو ونصلي، ومع ذلك لا نعرف على وجه اليقين من أين جاءت، ولا كيف يبتكرها دماغ الطفل، ولا أين ينتهي فيها النظام ويبدأ الفعل. ولعل ابن جني، الحائر المنصف بين التوقيف والاصطلاح، كان أصدق أهل هذه القصة جميعًا حين وسع صدره للحيرة ولم يدّعِ الحسم؛ فالأمم تتفاخر بمن حلّ الألغاز، وينبغي أن تتفاخر أيضًا بمن أحسنوا الوقوف أمامها. وأما نحن، أبناء اللسان الذي أنتج فيه سيبويه «الكتابَ» والخليلُ «العروضَ» وابنُ جني «الخصائص»، فإن في تراثنا من عدّة هذا اللغز ما يؤهلنا ألّا نكون في فصوله القادمة قرّاءً فقط، بل أن نصبح كتّابًا جديدًا، مع شرط عدم المبالغة في الظفر بالسبق؛ فاللغز لا يشترط في المهووسين به إلا ما اشترطه دائمًا: عينًا ترى النمط، وقلبًا لا يهدأ أمام سؤال مفتوح!

Facebook
X
WhatsApp
Threads
Telegram

أ. د. متعب القرني

أكاديمي ومترجم سعودي - جامعة الملك خالد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى