القراءة الحداثية للقصص القرآني... مخاطر ومحاذيرالباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2024-05-30 08:59:31

د. محمود فرغلي

شاعر وناقد مصري

اختار الله سبحانه اللغة العربية ليبلغ من خلاله رسالته الخاتمة للناس، ومن ثم صرح القرآن الكريم غير مرة أنه بلسان عربي مبين؛ ولذلك جرتْ عليه مقتضيات اللسان العربي في خطاباته وتخاطبه، وترتب على ذلك فيما نحن بصدده أن القصص القرآني لغة تنطبق عليها لغة السرد في طبيعتها التمثيلية والتشخيصية لوقائع ما، منها ما يستوعبه البشر بحكم زمنيته ومنها ما يكون لا زمنيًا فلا يستوعبه، لكنه مؤمن به ومستيقن به نصًّا. ونظرًا لمحورية القصص في القرآن الكريم نجد أن القصةُ القرآنية " كانت إحدى المساحات التي شهدت الخلاف بين الدّرس التفسيري التقليدي والقراءة الحداثية للقرآن بل كان  هذا الخلاف الساحة الأهمّ التي حدث فيها انتقال الخطاب الحداثي من خطاب حداثي مجاور للإسلام/التقليد، إلى خطاب حداثي منخرط في قراءة القرآن، باعتبار قراءته تمثّل أساسَ العقل المعرفي التقليدي المراد تحديثه، بمعنى أنّ القصة القرآنية شكَّلت الساحة لنشأة ما بات يعرف بـالقراءة الحداثية للقرآن"1، ولا شك أن القصص القرآني على وجه الخصوص كان المدخل الرئيس للمستشرقين للغمز واللمز ودعاوى الاقتباس والانتحال، وفرى التكرار والأسطرة وإنكار خصوصية القصص القرآني  بالتركيز على الشبهات والمتشابهات، انطلاقًا من قراءة عقدية تغذيها الفكرة المسيطرة عن القرآن الكريم والرسول صلى الله عليه وسلم درج عليها كثير من المستشرقين أمثال روبين، وفيدرر وإبراهام جايجر وجاك بيرك ... إلخ

خصوصية القصص القرآني

إن القصص القرآني بنية وشخوصًا وزمانًا ومكانًا يخالف قصص البشر، لا في انفتاحه إلى عوالم ما قبل عالم الذر أو ما بعد الإنسان، وإنما أيضًا في الأداء السردي والتشكيل والتصوير وطريقة العرض وزوايا الرؤية، دون أن يجعله ذلك ينبو عن السياق القرآني في انسجامه وتماسكه، وهوية الخطاب تأتي من المتكلم به أو منتجه، إذ لكل خطاب هوية عالقة بصاحبه، ولهذا نجد أن" قياس القرآن من حيث هو لغة على غيره، وقياس غيره عليه باطل لا يصح في العلم اللساني، وعلم دراسات تحليل الخطاب وعلم الدرس الأسلوبي. والسبب لأن أصل هذا القياس مضيع لمبدأ خصائص التكوين اللساني للكلام ومعطل لهوية الخطاب ونوعه وجنسه، بالإضافة إلى كونه أعمى عن المميز الأسلوبي وحقائق التركيب فيه... وإذا كنا قد صنفنا لغة القرآن لغة الحقيقة الأولى فيمكننا الآن أن نصنف لغة الناس بأنها لغة الحقيقة الثانية وذلك تمييزًا للقرآن منها، وما كان هذا إلا لأن لغة الناس هي لغة البدائل ولغة التداول اليومي والمباشر"2.

وقد جاء القصص القرآني لكي يُعمل فيه المتلقي عقله وقلبه، ويتأمل بلاغة أدائه السردي وتنوع قصصه وتساوقها مع السور والآيات، ودرجات تشابهها واختلافها، وتنوع زوايا الرؤية. إن تنوع القصص على تشابه مضامينه في بعض القصص لا يستدعي ربطه بالواقع أو البحث في مرجعيته التاريخية بقدر ما يستدعي التفكير والتحليل والاستنتاج والفصل والوصل والمعايشة فيما يعرض من مشاهد مختلفة وأحداث، دون انفصال عن السياق القرآني في كليته أو السياق الخارجي المرتبط بالواقع وحركته؛ ونشير عهنا إلى أن السرد أكثر الخطابات القرآنية قابلية للترجمة دون كبير ضرر؛ فإنه عالمي، عابر للثقافات ومن ثم يمكن أن يسجل حضورًا قويًا ومهمًا للإسلام عقيدة ومعرفة وثقافة.

إن القرآن ليس كتابًا بشريًا، لتحكم عليه نظريات ومناهج بشرية محدودة، لها تعريفاتها الضيقة والمحددة للعلم، والقرآن في قصصه، كجل أسلوبه رغم عروبة لغته ينزع دائما للمخالفة، ومثاله البسيط أسلوب الحكيم في الرد على كثير من التساؤلات التي أثيرت إبان عهد الرسول الكريم، فلم يرد على السؤال بما هو مطلوب الإجابة عنه وعاد إلى البعد العملي والتأثيري الذي للمسؤول عنه، وهذا قد يعني أن القرآن ليس كتاب علم وضبط وتحديد، وإنما هو كتاب أخلاق ومثل عليا ومحاجة"3، ذلك أن الإجابة المنتظرة من شأنها فتح باب الجدل الذي لا يفضي إلى شيء، ونظير هذا نجده في القصص القرآني حيث يتعالى بالحادثة عن التاريخ، لتتحول إلى نموذج معرفي وإطار أخلاقي يرتبط بوعي الإنسان وتحولات هذا الوعي وزيفه في كثير من الأحيان، أو يقدم منظومته الأخلاقية والعقدية الخاصة به التي من شأنها ضبط الجانب العقدي والأخلاقي للإنسان لما للقصص من دور في بناء التقاليد الثقافية ونقلها وبناء القيم والمعتقدات التي تحدد هوية الإنسان.

اشتراطات القراءة الموصولة

في جامعاتنا العربية ومع تفجر نظرات السرد وجدنا عشرات الدراسات التي درست القصص القرآني وفق مفردات علم السرد بمختلف اتجاهاته، دون أن تضع يدها على جديد أو تبرز تفرّدًا جليًا، وما كان هذا إلا لعدم المناسبة، وخطورة قياس المحدود على الإلهي، إذ إن بلوغ القصد الإلهي لا يتاح لمنهج واحد دون سواه، كما إن فصل السرد القرآني عن القرآن الكريم فيه انتزاع له من سياقاته وتساوقه، والباحث لا يعترض على هذه المدارسة لمجرد الاعتراض، فهو يتوسل في بحثه الحالي بالعدة المعرفية والاصطلاحية منها ومن مناهج أخرى، فلا مناص من ذلك، ولكنه يرى ضرورة أن ذلك يتم في إطار:

• الإقرار بقدسية النص وإلهية مصدره، وما يترتب على ذلك من خصوصية لغوية تبدأ من الحرف ولا تنتهي عند السرد. فهوية القرآن هي خصائصه التي لا يشاركه فيها نص، ولا يقاربه فيها خطاب، وبدون هذا النمط من السردية لا تتوافر له تلك الفرادة، فالمقصد هو أن القصة القرآنية تفردت بتشكلها وفاعليتها داخل الخطاب وتساوقها معه شكلاً وموضوعًا وانفتاحها زمنًا لا نهائيًا في الأزلية والأبدية. 

• الإقرار بالمغايرة في السردية القرآنية انطلاقًا من مصدره، وتساوقه مع الطبيعة النصية للقرآن في كليته، فهو كتاب عقيدة وهدى وتشريع، وكل رسالة تتضمن مرسلاً ومرسلاً إليه، كل على شروطه، والقرآن الكريم بطبيعته لا يخلص لعملية الحكي المجرد، بل يتساوق مع النص ومن ثم يؤدي وظائف وأدوارًا أكثر من مجرد التسلية أو الإمتاع الفني.

• الإقرار بأسبقية المقاصد العقدية على الأشكال التعبيرية داخل النص، "ليست الآيات القرآنية مجرد أشكال تعبيرية، وإنما مضامين تبليغية وهي الأصل فيها، ويتصدر هذه المضامين المضمون العقدي"4  وهذه المقاصد هي التي توجه مختلف الخطابات، ومنها السرد الذي أخذ دلالاته من تلك المقاصد واكتنز بالقيم الجمالية والحجاجية لأجلها.

• الإقرار بالبعد الجمالي الملاصق للخطاب القرآني كله ودوره التأثيري الجاذب للنفوس تعرف الحضارة العربية بأنها حضارة نص، إذ إن مجمل العلوم والفنون التي كان للعرب فضل السبق فيها نبعت من القرآن الكريم، فهو "المكون الأكثر تجذرًا في الشخصية العربية من جهة ومن جهة أخرى المحفز الأكثر فاعلية لكل أداء جمالي"5.

• التحول من القراءة إلى التدبر، هذا المبدأ الرئيس في القرآن الكريم الذي يقدم معالم قراءته ومدارسته، وما ينجم من تأسيس العقلية القرآنية، التي" تصل الظواهر بالقيم وتصل الأحداث بالعبر، وأيضا كيف أنها ترتبط بالقلب ارتباطا خاصا، وأخيرا كيف أن القلب في القرآن ليس كما ساد الاعتقاد بذلك، ملكة جزئية تنحصر أفعالها في العواطف والمشاعر، وإنما ملكة جامعة هي مصدر كل الإدراكات الإنسانية في تداخلها وتكاملها"6.

وإجمالاً نقول إن القرآن نص متحرر من كل القيود المسبقة أو النمذجة على نحو ما نراه في النصوص والخطابات البشرية، وهو ما يربطه البعض بالصفة الإعجازية لكتاب لله ولقصصه والتي"تؤكد على تحرر تقنيات أدائه من أية شروط عليه فيكون قصصًا تداوليًا، أي اجتماعيًا، أو قصصيًا جماليًا، أي فنيًا، أو قصصًا إعجازيًا، أي قرآنيًا"7، فهو خطاب متفرد تتجلى فرداته نظمًا وأداء ومغايرة لكل نص سابق ولاحق.

 

الهوامش:

1 - طارق حجي، الإسرائيليات في الدرس الحداثي للقرآن، مركز تفسير للدراسات القرآنية

 https://tafsir.net/article

2 - منذر عياشي، القرآن من بناء النص إلى بناء العالم، دار نينوى، ط1 دمشق 2015، ص106

3 - عبدالله صولة، الحجاج في القرآن الكريم من خلال أهم خصائصه الأسلوبية، الحجاج في القرآن، دار الفارابي، ط2 بيروت 2007، ص468

4 - طه عبدالرحمن، روح الحداثة، المركز الثقافي العربي، ط1 بيروت 2006 ص199

5 - محمد فكري الجزار، البلاغة والسرد، الهيئة العامة لقصور الثقافة، القاهرة 2012، ص97

6 - طه عبدالرحمن، روح الحداثة، م س، ص201

7 - محمد فكري الجزار، المرجع السابق، ص108


عدد القراء: 1027

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-