المدرسة والتكنولوجيا الرقميةالباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2024-05-30 17:18:35

عبد السلام اليوسفي

المغرب

أجرت الحوار: فيرونيك سولي (Véronique Soulé)

ترجمة : عبد السلام اليوسفي

على سبيل التقديم:  

 يطرح الاستخدام المتنامي للتكنولوجيا الرقمية العديد من التحديات على المدرسة اليوم؛ بدءًا بالتحديات البيداغوجية والديداكتيكية التي تفرضها الاستفادة من هذه التكنولوجيا في العملية التعليمية-التعلمية، ومرورًا بالتحديات العملياتية فيما يتصل بالربط بالشبكة وتوفير العتاد المعلومياتي في المدراس، وانتهاء بالتحديات الاجتماعية والمالية فيما يخص المساواة في الوصول إلى هذه التكنولوجيات والكلفة المادية الواجب توفيرها لذلك. وفي خضم هذه التحولات المتسارعة التي تقع المدرسة في قلبها اليوم، تعيش فرنسا، أسوة ببقية بلدان العالم، مخاض نقاش محتدم حول استخدام التكنولوجيا الرقمية. وتجسد ذلك من خلال مناقشات عمومية وإصدار كتب في الموضوع. ومن بين تلك الإصدارات نذكر على سبيل المثال كتاب: "الطوفان الرقمي"  لإيمانويل دافيدينكوف (Emmanuel Davidenkoff)، مدير مجلة الطالب (l’Etudiant)، الذي يقدم صورة متشائمة لواقع المدرسة الفرنسية التي يعتبرها متخلفة جدًا عن ركب المدارس في الدول التي واكبت النمو المتسارع لهذه التكنولوجيا، مما سيجعلها في رأيه عرضة لرجة عميقة ستهد أركانها بالكامل. ولم يتخلف الفيلسوف الفرنسي الذائع الصيت مارسيل غوشي (Marcel Gauchet) عن المشاركة في هذا النقاش أسوة بمشاركاته القيمة في كل النقاشات التي تطرح بصدد مواضيع تطرأ في المجال السياسي والاجتماعي والثقافي في فرنسا. يقر هذا الفيلسوف في هذا الحوار أن التكنولوجيا الرقمية تقلب مجال التعليم رأسا على عقب. لكن على النقيض مما نسمع في الغالب عن ان هذه التكنولوجيا ستلغي دور المدرس في العملية التعليمية – التعلمية، أو ستسحب منه بعض الأدوار على الأقل، يتوقع هذا الفيلسوف أن تثمن هذه التكنولوجيا هذا الدور وتسبغ عليه قيمة، بل ستصبح المجتمعات في أمس الحاجة إلى مدارس ومدرسين أكثر من أي وقت مضى، كما ورد في ثنايا هذا الحوار الغني والمفيد.    

النص المترجم: 

س/ هل يمكن اليوم مواصلة التدريس كما الأمس؟

بالتأكيد، لا. على خلاف مما يقال في الغالب، فإن المدرسة مؤسسة تحتفظ في داخلها بعامل تغيير يتمثل في التلاميذ. إن أسطورة المدرسة التي تعمل بمنأى عن المجتمع مثل معبد أو ثكنة، هي محض خيال. وهذا لم يحصل أبدًا. إن المدرسين، الذين هم ليسوا غلفًا ومجردين من الشعور، يتأقلمون مع أحوال التلاميذ ومؤثرات المجتمع الذي ينتمون إليه.

 وبغض النظر عن التوجيهات التي تأتيهم من الأعلى، فهم الذين يتواجدون في موقع القيادة. فكل مدرس يبحث عن سبل اكتشاف ثقافة التلاميذ من أجل إثرائها، والتأثير فيها، والاستناد إليها لتمكينهم من مكتسبات من طبيعة أخرى. ويجب ألا يغيب عن أذهاننا أن أساس التدريس هو الحوار. وهو حوار من نوع خاص جدًا، لأنه ليس اعتباطيًا، ويجب أن يقود إلى وجهة ما دائمًا. وعلى العموم، فإن التغيير التقني قوي إلى درجة أنه يؤثر في الأداء الاجتماعي في كل يوم. ومن الحتمي أن يؤثر أيضًا على المدرسة ويحولها بشكل عميق جدًا.

س/ وعلى هذا كيف ندرس؟

سيكون من باب الادعاء واللاجدوى الزعم أننا نعرف بالضبط ما سيكون عليه التفاعل بين المدرسين وتلاميذ الغد. لكن يمكن إبداء بعض الملاحظات. ثمة فكرة يتكرر ورودها دائمًا، وخاصة لدى المؤيدين الأكثر حماسة للتعليم الرقمي، وهي أن التلاميذ اليوم يوجدون في وضع يسمح لهم بتحدي عمل المدرس. ويضيف هؤلاء المتحمسون: هذه المرة، تم إنزال المدرس من عليائه لأن التلاميذ يمكن لهم التحقق على الفور مما يقوله.

س/ هل تتفقون مع هذا الر أي؟

أعترف أن هذا صحيح. لكن لا أرى بتاتا في هذا الرأي تحديًا لمكانة الأستاذ الذي يفترض أنه كلي القدرة والمعرفة. أعتقد أن الأمر على خلاف ذلك تمامًا. بالنسبة للمدرسين الجيدين، يبدو لي أن التكنولوجيا الرقمية طريقة ممتازة لإثارة روح الفضول والنقد لدى التلاميذ. كما أنها تدفعهم إلى البحث والتنقيب أكثر. في الغالب، هي فرصة أيضًا لتصحيح الترهات أو حتى الفداحات الواردة في نشرة من نشرات موسوعة الويكيبيديا (Wikipédia).

تنبئنا هذه الحقيقة بأمر جوهري وهو أن لا أحد يمكن له ادعاء المعرفة. فلا يوجد في أي مكان من العالم شخص يحوز المعرفة المطلقة. وبالتالي تتاح للمدرس الفرصة كي يشرح لتلامذته أن هناك العديد من الروايات لنفس الحقيقة، وأن المعرفة هي مواجهة عدم اليقين وليس الاستظهار الغبي. وهذا درس يبدو لي إيجابيا للغاية.

س/ أليس الأمر مع ذلك أكثر صعوبة؟

التغيير الكبير الذي طرأ هو أن التلاميذ أصبحوا يأخذون بزمام المبادرة أكثر فأكثر. ففي اتصالهم بمجموعة من المصادر المتنوعة، يبادرون بطرح الأسئلة. وتصبح هذه الأسئلة مميزة في أثناء سير الدروس -"قرأت هذا، أستاذي، ما رأيكم؟ "هل يبدو لكم الأمر طبيعيًا؟" الخ. من الواضح أن ليس من السهل إدارة هذه الأسئلة، لأن على المدرس أن يتعامل مع جماعة أكثر غليانًا وفوضوية أيضًا. وبالتالي يصبح فن التدريس هو فن الإجابة الصعب عن أسئلة لم يخطط لها سلفًا، تتصل أحيانا بالدرس، وأحيانًا لا تتصل به، أو تكون بعيدة عنه.

وحينئذ يجد المدرسون أنفسهم في وضع يتطلب منهم ضبط الفوضى السائدة. فتقع على عاتقهم مسؤولية إضفاء قدر من التماسك على ما يتم تقديمه على أنه خليط من الأسئلة التي يمكن أن تذهب بعيدًا جدًا لتلامس النظريات العلمية الرائجة والشائعات التي تنشرها الشبكات الاجتماعية.  ويلزمهم ذلك أن يبينوا للتلاميذ مدى الحاجة إلى مفاتيح للسيطرة على مجال ينفلت عن نطاق السيطرة.

نحن في حاجة إلى المدرسين أكثر من أي وقت مضى. إن الوهم الأول الذي يعترضنا منذ البداية هو التعلم الذاتي (l’autodidaxie) المعمم: لا داعي إلى أن نزعج أنفسنا مع أشخاص يريدون أن يضعوننا في مسار مخطط له سلفًا، ليتعلم من يشاء وكيف ومتى يشاء... لكن هذا ليس سوى الظاهر، ظاهر جذاب بالتأكيد. في الواقع، كل هذا يعزز الحاجة إلى الوساطة. إن اتصال الأطفال، الذين غالبًا ما يكونون أحداثًا، بمصادر معلومات هائلة، يقوي الحاجة إلى مدرسين ومحاورين يأخذون أسئلتهم على محمل الجد، ويكونون قادرين في مجال تخصصهم على إرشادهم إلى طريقة التحكم في هذه المعلومات. يكفي أن يكون المرء أبًا أو جدًا ليعلم ذلك من التجربة. تقول للأطفال الذين يطرحون عليك الأسئلة: "اذهبوا وابحثوا في الشبكة". في بعض الأحيان يعثرون على ضالتهم عندما يكون السؤال محددًا جدًا. ولكن إذا كان السؤال سؤال الفهم، فإنهم يعودون من بحثهم محبطين. إن الإنترنت، من وجهة النظر هذه، وسيلة محبطة، حيث نكتشف بسرعة حدود ما يمكننا التحكم فيه.

إن ما نفتقر إليه هي الأدوات المنطقية، والمعارف الأساسية التي تسمح لنا بالربط بين هذه المعلومات وتحويلها إلى شيء نستطيع استيعابه. وهكذا يتعزز المعنى الصميم للمدرسة باعتبارها مؤسسة الثقة التي يمكن للمرء أن يطلب منها إجابات عن أسئلة من طبيعة معرفية. وباستثناء الأوساط المحظوظة، فإن محيط المدرسة لا يتوفر على الوسائل الضرورية لذلك.

س/ أنتم لا توافقون الرأي أولئك الذين يتوقعون أننا سوف نتعلم بشكل ذاتي بفضل شبكة الإنترنيت على الخصوص؟

سيؤدي العصر الرقمي إلى زيادة كبيرة في مستوى متطلبات مجتمعاتنا من التعليم. الكل يريد الوصول إلى أكبر قدر ممكن من المعارف في دائرة اهتمامه.  إنها الطبيعة البشرية. ولكن في الوقت نفسه، نحن عاجزون. إن وراء المعرفة التي يمكن اكتسابها بهذه الطريقة، توجد قواعد أساسية مثل قواعد الرياضيات على سبيل المثال في كل ما يخص مجال العلوم. وليس من السهل أن نتعلم هذه القواعد لوحدنا أمام شاشة الحاسوب…

س/ ما رأيكم في "بيداغوجيا الفصل المقلوب" الرائجة اليوم، التي يكتشف فيها التلميذ الدرس على شبكة الإنترنيت، ثم يشرح الأستاذ ما استغلق عليه فهمه لاحقا في الفصل الدراسي؟

هذه هي الصورة المثالية لطالب في جامعة ستانفورد [واحدة من أشهر الجامعات الأمريكية، الموجودة في وادي السيليكون، ملاحظة المترجم]. يدرس الطالب في البيت درس البرمجة ثم يأتي إلى الفصل ليستوضح المدرس ما استعصى عليه التحكم فيه. يتعلق الأمر هنا بحالة استثنائية جدًا. وهذا يفترض وجود طالب مكتسب لكل المعارف الأساسية، وقابل بالانخراط في اللعبة. يثق في الأستاذ الذي قدم له مسبقًا الدرس الذي يستطيع إكماله من خلال مراجعة مصادر أخرى. وحتى في هذه الحالة، لا ينبغي أن نبخس قدر إسهام الأستاذ: تصبح الإيضاحات التي يقدمها الأستاذ، في المرحلة الثانية، حاسمة من أجل تحصيل الفهم. لكن عندما ننزل إلى المستويات الدنيا من التعليم، يكون الأمر أكثر صعوبة. لا يمكن الركون إلى حقيقة أن التلاميذ سيكون لديهم ما يكفي من التركيز والوسائل لاستثمار المستندات التي زودهم بها المدرس. في الواقع، ليس هذا بالأمر الهين، فهم بحاجة إلى من يؤطرهم بشكل جيد.

س/ هل تغير التلاميذ نحو الأفضل أم الأسوأ؟

أولاً، تعاني المدرسة اليوم من مشكل الانتباه لدى التلاميذ. من ناحية، يعرفون أشياء أكثر من ذي قبل بشكل واضح. ومن ناحية أخرى، ماذا تعني كلمة "معرفة" في حالتهم؟ لقد شاهدوا كما هائلاً من المعلومات المتفرقة تمر أمام أنظارهم، وسمعوا عن بوزون هيغز  (boson de Higgs)، ويتمتعون بانفتاح لا يصدق على العالم الخارجي، فهم سافروا ورأوا الكثير من الأشياء ... ولكنهم مثلنا، تائهون في بحر من المعلومات غير المتجانسة.

س/ هل يمكن الاستغناء عن المدرسة اليوم؟

لم تعد المدرسة تبعث على الحلم، إذ فقدت السحر الذي كانت تتمتع به في مجتمع يتشكل في أغلبه من أفراد أميين. لكن ما زالت تتمتع بقيمة مضافة: في هذا البحر اللجي من المعلومات، تعد المدرسة المكان الذي يمكن العثور فيه على الشيفرة، وطرح جميع الأسئلة، وتقديم الإطار لتنظيم كل تلك المعلومات. حقًا، تضطلع المدرسة بوظيفة فريدة في المجتمع.

س/ تكتبون أنه يجب على المدرسة ألا تساير التغيرات مهما كلفها الأمر. هل سيحكم عليها أن تتأخر عن الركب؟

يجب على المدرسة أن تضبط العلاقة مع الواقع المحيط بها وتجعل التلاميذ يتحكمون فيه. في مواجهة التغيرات ليس مطلوبًا من المدرسة أن تتسرع، بل عليها أن تتوخى الحيطة التي تليق بمؤسسة دورها هو الحفاظ على استمرارية الماضي. لسنا أبناء الأمس القريب. هناك مخزون هائل من معارف الماضي. تجسر المدرسة الهوة بين الجديد الذي يطرأ باستمرار والمعارف أو المكتسبات التي نرثها عن الماضي. فعلى سبيل المثال يظل تاريخ وفاة الإسكندر الأكبر هو نفسه باستمرار. وعلاوة على ذلك، فهي مؤسسة جماهيرية تنهض على المساواة. وبالتالي لا يجب عليها أن تركز على ما يحدث في الأماكن المتقدمة من المجتمع. يجب عليها أن تسهر على أن يكون جميع التلاميذ متساوين تقريبًا على أساس من توافق جماعي. من الضروري أن يطلع الآباء على ما نقوم به في المدرسة وأن يتمتع الجميع بفرص متساوية قدر الإمكان. وهكذا فمن الطبيعي أن يتسم إيقاع المدرسة بالبطء. وهذا ما يفسر أن المدرسة، بحكم طبيعتها، تنتمي إلى الحرس الخلفي للمجتمع في حين يجب عليها أن تكون أفرادا من الطليعة.

س/ هل تكون المعرفة الرقمية وهما كبيرًا؟

إن المجتمع الذي يوفر للناس إمكانية الوصول الحر إلى المعرفة هو حلم جميل، لكنه غير واقعي وكاذب. إنه وهم القدرة المطلقة للفرد؛ سنكون جميعًا رجالاً أو نساء عصاميين (self made men ou women) ولن ندين بأي شيء لأحد ... وهنا نجد الوهم الكبير لمجتمعاتنا الذي يمكن للتكنولوجيا أن تجعله حقيقة تقريبًا. بيد أنه كلما زادت هذه المعلومات، زادت الحاجة إلى التحكم فيها. وكلما كانت هناك حاجة إلى التحكم فيها، كانت المدرسة ضرورية. خلاف ذلك، فأنتم أحياء أموات (zombie) برأس مليء بالصور.

الهوامش:

Emmanuel Davidenkoff, Le tsunami numérique. Education. Tout va changer ! Etes-vous prets ?, Stock

بوزون هيغز (بالإنجليزية: Higgs boson). جسيم أولي يُظن أنه المسؤول عن اكتساب المادة لكتلتها. للمزيد من الاطلاع:

https://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%A8%D9%88%D8%B2%D9%88%D9%86_%D9%87%D9%8A%D8%BA%D8%B2

المصدر:

https://www.marcelgauchet.fr/blog/?p=2533


عدد القراء: 1187

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-