
البنية السردية في رواية عقدة ستالين
الكتاب: عقدة ستالين
المؤلف: عبدالوهاب عيساوي
الناشر: مسكيلياني للنشر والتوزيع
تاريخ النشر: 2024
مقدمة:
تعتبر الرواية إحدى الأجناس الأدبية التي اهتم بها الباحثون بالدراسة والنقد، لأنها أخذت مكانة مهمة بين الفنون الأدبية الأخرى، وعرفت تطورًا كبيرًا وانتشارًا واسعًا نتيجة امتلاكها مقومات التأثير في المجتمع. والرواية من أهم الفنون النثرية الحديثة والمعاصرة التي ساهمت في بناء العمل الفني. فقد اخترنا موضوع البنية السردية لرواية عقدة ستالين لعبدالوهاب عيساوي، ينبع من قناعة بأن الشكل السردي في هذه الرواية ليس مجرد وعاء للأحداث، بل هو بنية دالة تكشف أبعاد نفسية وفكرية عميقة.
رواية عقدة ستالين لعبدالوهاب عيساوي من الأعمال الروائية الجريئة التي تمزج بين الهم النفسي والاجتماعي، وتغوص في الذات المهزومة تحت وطأة الفقد، القمع، الهوية المتشظية، فقد كتبها عبدالوهاب عيساوي بأسلوب يميل إلى الاعتراف المؤلم.
تحكي الرواية قصة البطل عامر، الشاب الذي يعاني من اضطراب داخلي وقلق وجودي عميق، تدور أحداث الرواية بين الواقع والخيال، ويغوص فيها السارد في أعماق الذات، محاولًا فهم علاقته بالآخرين وبالمكان وبنفسه التي تنهار بصمت، من خلال العودة إلى الماضي لاسترجاع تفاصيل الجرح، ومحاولة تجاوزه أو التعايش معه.
عتبة الغلاف:
يشكل الغلاف الخارجي لأي عمل روائي عتبة أولى للقراءة.
من خلال غلاف رواية عقدة ستالين يظهر لنا شخص مشتت أو ربما توحي الصورة إلى الاغتراب عن الذات، أو تكون ملامح الوجه على حالة الانكسار الداخلي والانفصال بين البطل وجسده.
عتبة العنوان:
العنوان جاء مركب من كلمتين؛ عقدة: وهي كلمة ذات حمولة نفسية تحيل إلى اللاشعور، المكبوت، أو اضطراب داخلي.
ستالين: وهو شخصية تاريخية سياسية معروفة في الاتحاد السوفياتي، وهو رمز للقمع، التسلط، القسوة، فهو منظومة قمعية مسيطرة متكاملة.
عنوان يزاوج بين ألم الذات وجبروت السلطة.
بنية الشخصيات في رواية عقدة ستالين:
تعد الشخصية في الرواية مكونًا من مكونات النص السردي، فهي مكونا أساسيًا لكونها الوحيدة التي يعتمد عليها الكاتب لنقل أفكاره ومواقفه وابراز توجهه.
الشخصيات الرئيسية:
الراوي:
الراوي هو المتحدث وقد تمثل في شخصية «عامر»، وهو شخصية رئيسية احتلت حيزًا كبيرا في الرواية من بدايتها إلى نهايتها، فعامر ليس بطل تقليدي، بل هو شخصية مأزومة، تمثل نموذجًا للذات المنكسرة في ظل سلطة الجسد والمجتمع والذاكرة.
وظيفته في النص راوي داخلي، يسرد حكايته بصيغة المتكلم، مما يجعل القارئ قريبًا من وعيه وتوتراته النفسية، فهو يعيش في صراع داخلي دائم.
يقول في النص: «لا يعرف الطبيب أنني أصبحت وحيدًا»1.
ويقول أيضًا: «اجتاحني شعور غريب، رغبة معقدة لم أفهمها، غصة ملأت قلبي، أول مرة أنتبه لذلك الفراغ، أوشكت أن أصرخ عاليا، احتقن وجهي، امتلأت غيناي بالدموع، وشرعت أبكي»2.
فعامر شخصية معقدة، وهو مرآة لواقع نفسي واجتماعي مختل، يعيش فيه الإنسان مأزق الخذلان، وهشاشته في مواجهة الجسد، المجتمع، السلطة.
الشخصيات الثانوية:
شخصية الأم:
تمثل الأم الضاوية نموذج الأم الريفية التقليدية، فهي الحنونة، القلقة، فهي السلطة الاجتماعية المحافظة، التي تمارس رقابة على الذكر والأنثى على حد سواء.
ما جاء في النص: «بعد سنوات، حدثتنا أمي عن الصباح الذي تلا ليلة صباغة الصوف كأنه يوم أسطوري. باتت ليلة كاملة تخلط مواد الصباغة؛ قشور الرمان المطحونة، الحناء، ومواد أخرى، إلى أن تشكل أماها لون جديد، جمعت الخيوط في قدر معدنية كبيرة، صبت عليها الماء والصبغة، ووضعتها على نار هادئة. انتظرت إلى أن غلى الماء وامتصت خيوط الصوف اللون…»3.
شخصية الأب:
فهو نموذج السلطة الذكورية التقليدية، فصمته لا يترجم دعمًا، بل يفسر كنوع من الرفض أو الخذلان.
ما جاء في النص: «لم يتوقف أبي عن انتعال الأحذية العسكرية رغم اصابته بالزهايمر، حتى حين بترت رجله بسببها، لم يقتنع، تكلم طويلًا عن المكتوب، وعيناه تطالعان الأفق حينًا، ثم ينظر إلى رجله المقطوعة…كومت معها الأحذية العسكرية التي كان يحتفظ بها، فصب عليها البنزين بنفسه وأحرقها، وجلس أمام النار مادًا رجله المقطوعة إلى أن صارت رمادًا، ثم مات بعد أيام قليلة»4.
شخصية الزهرة:
تمثل شخصية الزهرة كرمز للجمال، والأنثى المقموعة فهي تعيش تحت سطوة المجتمع والتقاليد، فهي عنصرًا رمزيًا قويًا في السرد، لأنها تسلط الضوء على التوازي بين معاناة الذكور والإناث داخل نفس المنظومة الاجتماعية المغلقة.
ما جاء في النص: «تفكر الزهرة بطريقة واضحة ومباشرة، ليس مثلي، لا أستطيع أن ألزم الحياد، تعرف ما تريد، حددت أهدافها مسبقًا، وتحدت الجميع لتحققها»5.
شخصية الخال عمر:
ينتمي إلى الجيل المحافظ، يتصف بنوع من الهدوء، يمثل نموذجًا كثير التكرار في المجتمعات المغلقة، لكنه يخشى الاعتراف والبوح، فقد يعاني من الحب ومن فقد حبيبته.
ما جاء في النص: «لم أعرف لخالي عمر بيتا، مثلما تقول الضاوية: ‘مرفود على الألواح، من بيت إلى بيت، ومن قرية إلى قرية’. يختفي أياما ثم يعود، كل مرة في حال جديدة، قد يغادر في اليوم الموالي، وقد يبقى أيامًا…»6.
شخصية الكلب ستالين:
الكلب ستالين ليس كلبًا عاديًا في السرد، بل يحمل رمزًا ثقيلًا تاريخيًا، ويؤدي وظيفة رمزية وفكرية نفسية مركبة، فهو الأنيس الوحيد لعامر في عزلته المدنية والقلق النفسي، فكلاهما يعيشان على الهامش، جسديًا ونفسيًا، وهكذا يصبح ستالين صورة عاكسة لحالة البطل لا مجرد كلب.
ما جاء في النص: «طالعت وجهي على شاشة الكاميرا…فرأيت ستالين عللا الشاشة، وجهت كل الكاميرات نحوه. وقف، وانتفض في مكانه ثم سار خطوات نحو المنصة، ولم يوقفه أحد أو يعترض طريقه. هممت بالوقوف ثم تراجعت بإشارة من الحراس. توقعت الكارثة ويدي على قلبي، ولكن ستالين كان أكثر ثقة مني، ارتقى الدرجات تحت نظرات الجميع، واقترب أكثر من الكولونيل الذي ربت على رأسه، ثم بإشارة منه حملت الوسادة إليه، ووضعت عند قدميه»7.
شخصية صونيا:
هي زوجة عامر ارتبط بها ضمن إطار داخلي، لأنه أنقذ كلبها ستالين من الغرق، فهي تجسد جانبًا من الصراع النفسي السلطوي داخل علاقته مع المرأة والمجتمع.
ما جاء في النص: «بعد سنوات من زواجي بصونيا، اكتشفت أنها تروقني، فتنني شيء في قسوتها وعنفها، ظل حبيسًا داخلي، ولم أستطع التعبير عنه، أو ربما تحول رضى ورغبة متواصلة في تلبية طلباتها التي تتجدد كل يوم، وخاصة بعد زواجنا»8.
البنية الزمانية في رواية عقدة ستالين:
يعد عنصر الزمن من العناصر الفاعلة في الرواية، ولهذا فلابد من تحديده وتبيان مدى مساهمته في تشكيل بنية النص السردي.
من المفارقات الزمنية في الرواية نجد:
الاسترجاع:
يعرفه جيرالد برنس: «مفارقة زمنية تعيدنا إلى الماضي بالنسبة للحظة الراهنة، وهو استعادة لواقعة أو وقائع حدثت قبل اللحظة الراهنة التي يتوقف فيها القص الزمني لمساق الأحداث ليدع النطاق لعملية الاسترجاع»9.
استرجاع خارجي: ويقصد به العودة إلى أحداث وقعت قبل بداية زمن الرواية أو ما قبل اللحظة التي ينطلق منها السارد.
وتمثل هذا في النص: «أحب ستالين، وبفضل علاقتي الطيبة به، دام زواجي بصونيا أربعة أعوام. نعم أربعة أعوام كاملة، لقد مر على عيد زواجنا ثلاثة أيام قضيتها راقدًا بالمستشفى…»10.
استرجاع داخلي: ويقصد به استعادة أحداث ماضية لاحقة لزمن بدأ الحاضر السردي وتقع في محيطه ونتيجة لتزامن الأحداث يلجأ الراوي إلى التغطية المتناوبة حيث يترك شخصيته ويصاحب أخرى لتغطية حركتها.
وتمثل هذا في النص: «خيرة غريبة مثلي عن العاصمة، لكنها أكثر جرأة، تمنيت لو التقيتها قبل سنوات، لكنا صديقين حقيقيين. لم أفهم سبب تعاطفها معي، كان في المستشفى كثير من المرضى، وآثرت العناية بي أكثر، ربما لأن جرحي كان غائرًا مثلما قالت…»11.
الهوامش:
- عبدالوهاب عيساوي، عقدة ستالين، منشورات مسكلياني، ط1، 2025، تونس، ص19
- المرجع نفسه، ص 26
- المرجع نفسه، ص 33_34
- المرجع نفسه، ص59
- المرجع نفسه، ص95
- المرجع نفسه، ص107
- المرجع نفسه، ص165_166
- المرجع نفسه، ص154
- علي المايغي، القصة القصيرة المعاصرة في الخليج العربي، مؤسسة الانتشار العربي، بيروت، ط1، ص51
- عبدالوهاب عيساوي، عقدة ستالين، ص07
- المرجع نفسه، ص19
- مها حسن القصراوي، الزمن في الرواية العربية، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، لبنان، ط1، 2004، ص 211
- عبدالوهاب عيساوي، عقدة ستالين، ص 39
- غاستور باشلار، جمالية المكان: تر-غالب هلسا، المؤسسة الجامعة للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، لبنان، ط2، 199، ص 31
- عبدالوهاب عيساوي، عقدة ستالين، ص 18
- المرجع نفسه، ص43
- المرجع نفسه، ص 45
- المرجع نفسه، ص 18_19
- المرجع نفسه، ص 104
- المرجع نفسه، ص37
- المرجع نفسه، 13_14
- المرجع نفسه، ص151



