
قراءة في السيرة الذاتية «حياتي» للكاتب والمفكر أحمد أمين
قد تظن حين تقرأ سيرة ذاتية لأحدهم أنك واجدٌ تدوين لحياته، لمواقفه طفولته وشبابه حتى شيخوخته، لكن لا، ما ستجده أكثر من ذلك بكثير.. إنها تدوين لحقبة تاريخيّة بكل ما فيها وأدق تفاصيلها وأصغر حكاياتها، تدوينٌ للحارة والأزقة وللبيت وللأب وللساسة الذين حكموا وقتها وانعكست في شعوبهم آثارهم، إنها حديث مستفيض عن التعليم ومشاقّ الدراسة والمهنة التي امتُهنت والأسر التي تكونت وتعاقب الأجيال تترا يخلف بعضها بعضًا.
هكذا يسير بنا المفكر والكاتب أحمد أمين رويدًا رويدًا وخطوة بخطوة في ظلال مصر القاهرية قبل أكثر من نصف قرن من الزمان، حين طُرد أباه وعمه من أرض الفلاحة وانطلقا يشقّان طريقًا لهما يبسًا في أحد أفقر أحياء القاهرة، «ولو أن الضرائب الباهظة لم تُفرض على أسرة أبي ولو أنهما مكثا حتى اليوم في أرضهما، لقُدر لي أن أكبر مزارعًا أزرع وأحرث، غير أنها أقدار الله التي انتزعتني من الريف وهيأت نشأة لي في المدن».
وأنت تقرأ لا تستطيع إلا أن تفكر أن ما أضعف الإنسان، كيف يستحيل في بضع ثوان إلى حفنة أوراق، وإذا ما تقادم الزمان
ومضى عهده والعهد الذي يليه وعقودًا بين ذلك كثيرًا فَني أثره ونُسي ذكره وامّحى وجوده الذي كان بكل ما له وكل ما عليه، فإذا كان من المحظوظين الذين وُفقوا لترك بضعة كلمات وراءهم، شيئًا من الذكريات، أفكاره التي جالت ذات يوم ذهنه، رؤاه التي طواها قلبه، مواقفه التي انطبعت على صفحة روحه، كان هذا هو كل ما يبقى منه، من بعد الصوت والصخب من بعد الذكريات والحنين من بعد المكابدة والأشواق والأوجاع من بعد الرفقة والزوج والولد من بعدهم جميعًا لا يبقى منه سوى نثارات أحرف!
كلما استرسلت في قراءة أيام أحمد أمين في شبابه الأول زاد عجبي! وفكرت أن هكذا لابد وأني يقضي المرء خيرة سنواته وأحدث أيام عمره الغض الطري ليستفيد وينتفع بها في خريف حياته، مذاكرة وجد واجتهاد وغوص في دقائق العلوم واستزادة من شتى أنواع المعارف ونظام مدرسة صادم شاق لا يعرف الهزل ولا التراخي أو الكسل، أسماء كتب ما قرأت منها سطرًا يقرؤها هو بتمعن وتأني في أوقات فراغه الشحيحة، وينال عن صبره ذاك من مدرسة القضاء مكافأة مجزية يتبحبح بها في حياته كما يقول أحمد أمين، حتى اجتماعات الشباب والتمام شملهم لا يخلو من مناقشات جادة في الدين والأدب وسياسة البلد.
وفي كتابته يتجلى منهاج منظم واضح سلس لا لبس فيه ولا إشكال اتَبعه المفكر أحمد أمين، كان قارئًا لبحر من العلوم ومجيدًا لألفاظٍ عربية قحة قد يستصعبها قارئ عادي مثلي، غير أنه وكأنه قد أصر على اللغة السهلة والسرد المسترسل العذب بلا تقعر ولا لحن، هكذا جاءت مذكراته رحمه الله قريبة إلى القلب وهي مع ذلك تزيد إلى لغتك، فإذا ما ذكرت الطرفة ضحكت أو الحادثة الحزينة بكيت أو القصة المؤثرة تأثرت أو القصة المسلية أنست بها.
وإن مما أعجب به وأنا أرى أحمد أمين يتحدث عن بنيه وبناته وتربيتهم وسلوكهم وصحتهم ومرضهم، هو أنهم جميعًا اليوم تحت الثرى! سبق الأب ولحق الأبناء، كانت دومًا هذه النقطة محل تفكيري، تشغل حيزًا كبيرًا من تأملاتي، كيف أن ما نجنيه من مال حقًا إلى تراب! وما نحمله في بطوننا ونلفظه إلى الدنيا بإذن الله أيضًا إلى تراب كما كنا نحن وكما سبقنا أهلونا!
ولا أملك وأنا أرى أحمد أمين وقد درَس في الأزهر وفي مدرسة القضاء التي كانت قد أنشئت حديثًا ووضعت عليها رقابة صارمة ونظام دراسي عادل صارم وكان يقوم بالتدريس نخبة من العلماء والمفكرين الذي هم حجة في مجالهم والاختبار كان شاقًا مجهدًا، ثم تخرج بتفوق ثم عمل قاضيًا ثم عُين مدرّسًا وهو العمل الأحب إلى قلبه ومكث في التدريس بضع سنين، ويتعلم عن اختيار منه اللغة الإنجليزية ليتوسع في أبحاثه وقراءاته ويرى الدنيا بعينين بدلًا من عين واحدة كما قال، وهو إلى ذلك كان يجتمع بأساتذته يناقش معهم كل المسائل الدنيوية والفقهية وحال البلاد والعباد وله مع ثلة من صحبه مختلفي الفكر والاتجاه والثقافات منهم من يجيد الإنجليزية ومنهم من يجيد الفرنسية جلسات على المقاهي والنوادي فتدور بهم حلقات من البلاغة والفكر السائد في أوروبا آنذاك ،وأنشئت لجنة كان أحمد أمين رئيسها تطبع الكتب النافعة وتؤلف فيها مجلدات من العلوم الشرعية وغير الشرعية، وكل هذا تأتى له قبل أن يبلغ التاسعة والعشرين من عمره، لهذا وأنا اليوم أناهز عامي الحادي والثلاثين لم أملك إلا النظر ورائي والتساؤل عما فعلت في حياتي حتى اليوم وفيم قدمت عمري وأين أنفقت سنواتي العشرينية كلها؟!!
وكانت تقوم بالتدريس لأحمد أمين سيدة إنجليزية شغوفة بالحياة والجمال وتنسيق الأزهار، وراعها ما رأته من وقار وثقل وهيبة في الكاتب المفكر وهو ما جاوز السابعة والعشرين من عمره، فكانت تقوم بتوبيخه إذما دخل ولم يلحظ باقة الأزهار الجديدة في مزهريتها «ألا تلاحظ الأزهار؟ ألا ترى الفن؟» وكانت تردد على مسمعه دومًا «تذكر أنك شاب! لا زلتَ شابًا»، هذه الجملة التي زاحمنا بها الغرب اليوم وما انفكوا يرددونها علينا حتى نخرتْ في قلوبنا وصار الواحد لا همّ له وهو في زهرة عمره إلا التلذذ بالدنيا على قدر استطاعته والانغماس فيها واكتراع متاعها حتى التخمة! غير أن هذي المقولة وإن صلحت لهم هم الذين ليس لديهم سوى الدنيا وليس ينتظرون بعدها آخرة وقيامة وحسابًا وعذابًا أو رحمة، فهي قطعًا لا تصلح لنا، فالدنيا عندنا محض عبور، لا تزن عند خالقنا جناح بعوضة ومن ثم ينبغي العمل فيها والاستزادة من منافعها منذ الصغر ولا بأس بأن نأخذ نصيبنا منها أيضًا لكن في اعتدال وتأدب، اليوم أين ينفق الشباب العشريني وقته؟ فيم مجالس اجتماعه وتآلفه؟!!، على أن ما أحمده لأحمد أمين أنه قد أخذ الجانب الإيجابي الجيد في جملتها فالتحق بنواد رياضية وصار يقوم بنزهات مع صحبه إلى الجبال والواحات.
ويتحدث أحمد أمين في كتابه عن حبه للمقالة فإذا به كأنه يصف شعوري ذاته تجاهها، فإني لم أعد قادرة على التعبير عن فكرة أو تدوين خاطرة أو تسجيل تعقيب على شيء قرأتُه دونها، وكل ما يطيب لي الحديث عنه فبِها وكل ما يعنّ لي من خواطر فبِها وكل ذكرى قديمة تستجلب تأملًا أو مقارنة بين زمنيْن عشتهما أو حنينٍ ما فبِها، حتى لقد تحولت المقالة إلى ما يشبه إدمان القهوة والكيف! ومما أعجب له أنها كانت أقل موضوعات التعبير تفضيلًا عندي في صغري، ولو رأتْني معلمة العربية التي كانت تجتهد دومًا لتشرح لي فنون المقالة دون جدوى لعجبتْ! ومما حملني على محبة المقالة والإخلاص في محبتي تلك هو أنني تخلصتُ من القولبة الجامدة التي وُضعت فيها المقالة أثناء دراستي، وهي أنها لابد وأن تتكون من مقدمة ووسط يشرح المشكلة فخاتمة يُطرح فيها حلولًا للمشكلة، وفي العموم فإن كل شيء وكل فرع في العربية أحبه قُولب بهذه الطريقة لفظتْه نفسي وعافه قلمي، لهذا حين أكتب القصة أخلص للقصة وحدها، لا تهمني نفسية البطل ولا عقدته ولا حلّها! ولهذا حين أكتب مراجعة أو قراءة في نص أو رواية لا ألتزم بما كن تقوله معلماتي من وجوب شرح للعاطفة واللغة المستخدمة والأساليب والدوافع! بل أقوم بكل ذلك بما يشبه الفوضى وأتحدث عنها ضمنيًا في تسجيلي لانطباعات النصوص في روحي وأثرها عليّ، وأعود لأبحث عن تاريخ كاتبها فأفهم أكثر عن دوافعه وطريقه الذي يركن إليه في كتابته، وموجز الحديث أنني قد نفذت كل شروحات معلماتي وتعاليمهن دون أن أكون قد نفذت شيئًا منها!
«أما في المقالات الأدبية فلستُ صالحًا لكتابتها في كل وقت، بل لابد أن تهيج عواطفي بعض الهياج، وتهتز نفسي بعض الاهتزاز، وأنسجم مع الموضوع كل انسجام، فإذا لم تتيسر لي كل هذه الظروف كنتُ كمن ينحت من صخر»!
هنا أيضًا أجدني أوافقه وأتمثل خطوه، ولهذا حين أُرجئ تسجيل بعض الخواطر التي لا تجيء إلا قبيل النوم في عتمة غرفتي ليلًا أجدها وقد ذابت كالدخان في ضوء الصباح! وحين أريد أن أكتب مراجعة عن رواية ما فلابد أن يكون ذلك فور انتهائي منها، فالأفكار التي كانت قد ولّدتها في تكون طازجة نضرة حينها، والشخصيات التي عشت معها أصواتها تُمسي شديدة الصخب في أذني عندها، مملوءة نفسي بعواطفهم واجتراحاتهم وأمانيهم ومخاوفهم، فإذا ما انتظرتُ بضعة أيام تسرّب كل ذلك مني، ومهما اجتهدت لأستحضر شيئًا منه مجددًا لا أكون حينذاك إلا كمالئ كفيه بالماء!
ويمكن عن قرب في هذه المذكرات أن تفحص حياة هذا الإنسان التي أنفقها في جمع العلوم والاستزادة من كل ما هو نافع، وترافقه في شبابه ونضجه وصحته كما ترافقه في هرمه وذبوله وضعفه، ويصيب المرض عينه فيكون المصاب عليه جللًا، ذلك لأنه اعتاد ألا تمضي سويعات إلا وقضاها في قراءة أو كتابة، ويصف أوجاعه وتصبره وجزعه معًا بكلمات هي أبلغ ما تكون، فهي إلى فصاحتها جزلة مختصرة لا تطيل ولا تطنب في ألفاظ أو كلمات لا داعي لها،ويختم الكاتب والمفكر والأديب أحمد أمين مذكراته هذه بمقالة يصف فيها صديق له وهو يقصد بها نفسه، ويذهلني كيف يوافقني في أمور كثيرة من شخصه، مع ضآلة حجمي إلى جواره ومع فصاحته وعلمه وعديد المناصب التي اشتغل فيها وعمل ونفع بها، ولكني لا أستطيع إلا أن جدني في كلماته! ثم يطوف على كل ذكرياته جائلًا في ضبابيتها مذ كان طفلًا يغذ السير قبيل الفجر إلى الأزهر وحتى صار مدرّسًا في كلية الآداب رجلًا عالمًا، ومذ كان يبكي حين ركوبه القطار صبيًا مرتحلًا إلى طنطا وحتى ركوبه الطائرة مبتهجًا مغتبطًا في رحلة إلى لندن، ويقارن بين هذا وذاك وبين شتى الطرق التي سلكها والتي كان ليسلكها فعدل عنها وكيف أثر كهذا كله في تكوينه ورؤاه وفكره.
وراعني وآلمني ما ذكره من أنه كان خيرًا في شبابه منه في شيخوخته «ومن أجل هذا كنت في شبابي خيرًا مني في شيخوختي وفي أول عهدي أكثر مني تفاؤلًا في آخر عهدي، لكم تمسكت في شبابي بالمبدأ وإن ضرّني، وبنيت آمالًا واسعة على ما أستطيعه من إصلاح وما أحقق من أعمال، ثم رأيت كثيرًا من هذه الآمال يتبخر، وما أنوي من أعمال يتعثر، وها أنذا في شيخوختي قد أقبل ما كنت أرفض، وأتنازل عن بعض ما كنت ألتزم» فهذه نقطة لطالما أثارت وساوسي وشككت بها، كيف نكون عندما نكبر؟ هل نثبت أم نتراجع هل نستمر أم نتوقف هل ننتصر أم تردّنا الهزائم حزانى! نندب العمر الذي مضى والآمال التي ما صارت ولا تحققت.



