العدد الحاليالأدب والنقدالعدد رقم 48

من التعددية المنهجية إلى وحدة الحقيقة: دراسة مقارنة بين البينية والتكامل المعرفي

الملخص

تتناول هذه الدراسة المقارنة إشكاليةَ تجزؤ المعرفة في العصر الحديث من منظورين متكاملين: منظور «البينية» (Interdisciplinarity) بوصفها استجابةً منهجية من داخل الأكاديميا الغربية، ومنظور «التكامل المعرفي» (Knowledge Integration) بوصفه مشروعًا إبستمولوجيًا نشأ في رحاب الفكر الإسلامي المعاصر. وتنطلق الدراسة من فرضية محورية مفادها أن البينية أداة (Tool) والتكامل المعرفي رؤية (Vision)؛ فالأولى تُصلح الإجراء البحثي دون أن تُساءل أسسه الوجودية، والثاني يُعيد بناء المنظومة المعرفية برمّتها انطلاقًا من مبدأ التوحيد وما يستتبعه من وحدة الحقيقة. وقد اعتمدت الدراسة المنهجَ التحليلي المقارن، مستعرضةً نماذج من إدغار موران وجولي تومبسون كلاين في جانب البينية، ومن الفاروقي والعطاس وطه جابر العلواني في جانب التكامل المعرفي. وتنتهي الدراسة إلى أن البينية يمكن أن تكون أداةً في خدمة مشروع التكامل المعرفي دون الذوبان في مرجعياته العلمانية، وذلك عبر استثمار آلياتها الإجرائية ضمن إطار توحيدي يُوجّه عملية التكامل ويُقيّم نتائجها.

الكلمات المفتاحية: البينية؛ التكامل المعرفي؛ أسلمة المعرفة؛ التوحيد؛ الإبستمولوجيا الإسلامية؛ نزع التغريب؛ القراءتان

أولًا: المقدمة

لم تعرف الحضارة الإنسانية في تاريخها الطويل تراكمًا معرفيًا بالحجم الذي تشهده اليوم، ولم تعرف في الوقت ذاته هذا القدر من التشتت والضياع أمام أسئلتها الكبرى. فالمعرفة تتضاعف بوتيرة أسرع من قدرة العقل على استيعابها، والتخصصات تتكاثر بصورة تجعل كل عالم غريبًا عن حقل زميله المجاور، حتى غدت الجامعة الحديثة مجمّعًا من الجزر المعرفية المتقاطعة في الجغرافيا المتنافرة في الروح. وقد وصف إدغار موران هذه الحال وصفًا بليغًا حين أطلق على ظاهرة التخصص الأعمى اسم «عمى المعرفة»، إذ ينتج نظام التعليم والبحث الغربي متخصصين يعرفون كل شيء عن شيء واحد، ولا يعرفون شيئًا عن الكل الذي ينتمي إليه ذلك الشيء.

من هذه الأزمة بالذات نبتت فكرة البينية – Interdisciplinarity- كاستجابة عملية من داخل المنظومة الأكاديمية الغربية ذاتها، تسعى إلى ردم الهوّة بين الحقول المعرفية وتوليف مناهجها في مواجهة المشكلات المعقدة. وقد احتلت هذه الفكرة في العقود الأخيرة مكانةً محوريةً في سياسات البحث العلمي وفلسفة التعليم العالي، وأسهمت إسهامات جليلة في مجالات عديدة: فالعلوم المعرفية لم تنشأ إلا من لقاء الفلسفة وعلم الأعصاب واللسانيات وعلم النفس، وعلوم البيئة لم تنضج إلا من تشابك الأحياء، والكيمياء، والاقتصاد والجغرافيا.

غير أن المتأمل في مشروع البينية بعين ناقدة يلحظ أن ثمة سقفًا إبستمولوجيًا لا تستطيع أن تتجاوزه مهما علت وتوسعت؛ فهي تُعيد تنظيم العلاقات بين الحقول المعرفية وتُحسّن التواصل بينها، لكنها تفعل ذلك داخل منظومة افتراضات وجودية ومعرفية لا تُساءَل أبدًا. وقد أشار هلاق إلى هذا البُعد حين لاحظ أن العلوم الاجتماعية الحديثة، بكل تنوعها المنهجي، تظل في نهاية المطاف أسيرةَ الإطار الأنطولوجي الذي أنتجته الحداثة الغربية.

وفي مقابل هذا المسار الغربي، نشأ في قلب الفكر الإسلامي المعاصر مشروع مغاير في طبيعته ومنطلقاته وغاياته، عُرف بـ«التكامل المعرفي»، وهو لا يسعى إلى إصلاح العلاقة الأفقية بين الحقول المعرفية كما تفعل البينية، بل يسعى إلى شيء أكثر جذرية وأعمق أثرًا: إعادة بناء الأساس الأنطولوجي والإبستمولوجي للمعرفة الإنسانية انطلاقًا من مبدأ التوحيد، أي من اليقين بأن وحدة الخالق تستلزم وحدة الحقيقة، وأن هذه الأخيرة هي المبدأ المنظِّم لكل فعل معرفي حقيقي. وبذلك يرتقي التكامل المعرفي من مستوى المنهج إلى مستوى الرؤية.

من هذا التباين الجوهري تنبثق الفرضية المركزية لهذه الدراسة: إن البينية والتكامل المعرفي لا يمثلان مجرد أسلوبين مختلفين للإجابة عن السؤال ذاته، بل هما ينطلقان من تصوّرين مختلفين لطبيعة المشكلة ذاتها، ولطبيعة الإنسان العارف، وللغاية من المعرفة: البينية تنطلق من أزمة منهجية فتلتمس حلًا منهجيًا، والتكامل المعرفي ينطلق من أزمة وجودية فيلتمس حلًا وجوديًا. البينية أداةٌ والتكامل المعرفي رؤية؛ والأداةُ قد تخدم رؤى متعددة، أما الرؤية فهي التي تُعطي الأداةَ معناها وتُحدد وجهتها وتُقيّم نتائجها.

ولذلك تسعى هذه الدراسة إلى نقل هذه المقارنة من مستوى المقابلة السطحية إلى مستوى التحليل الإبستمولوجي العميق عبر مسار ثلاثي: استيعاب كل مفهوم من الداخل بكل تعقيداته، والمقارنة على مستويات متعددة منهجيًا وقيميًا وغائيًا، والوصول إلى تقييم نقدي لكلا المشروعين يرسم أفقًا لعلاقة إبستمولوجية ممكنة بينهما.

ثانيًا: البينية – من أزمة التخصص إلى حدود الإصلاح الداخلي

لفهم البينية فهمًا حقيقيًا لا يكتفي بتعريفها الاصطلاحي، لا بد من العودة إلى اللحظة التاريخية التي أفرزتها، لأن المفاهيم الكبرى لا تُولد في فراغ، بل تنبثق من رحم أزمات حقيقية تستدعيها وتمنحها شرعيتها. وأزمة البينية الأم هي أزمة التخصص الأكاديمي المفرط، تلك الظاهرة التي رافقت صعود الجامعة الحديثة منذ نموذجها الهمبولتي في برلين مطلع القرن التاسع عشر، حين قامت فلسفة المؤسسة الجامعية على مبدأ التخصص العميق والاستقلالية الصارمة للحقول المعرفية بوصف ذلك ضمانًا للدقة والموضوعية وعمق البحث. وقد كان لهذا المبدأ مبرراته القوية في سياقه التاريخي؛ إذ أتاح تقدمًا علميًا هائلًا في شتى العلوم التجريبية، حين تعمّق كل باحث في مجاله حتى وصل إلى أعماق لا يمكن بلوغها لو ظل عقله مشتتًا بين حقول متعددة.

لكن هذا النجاح التخصصي المتراكم أفرز بالتدريج أزمةً من جنس مغاير: أزمة التواصل والتكامل. وقد جسّد موران هذه المفارقة أبلغ تجسيد حين لاحظ أن النظام التعليمي الغربي يُنتج عقولًا تعرف كيف تفصل لكنها لا تعرف كيف تصل، وتُحسن تحليل الجزء لكنها تعجز عن استيعاب الكل.  وما كان هذا النقد ترفًا فكريًا، بل كانت له ترجمة واقعية ملموسة: إذ وجد الباحثون أنفسهم في مواجهة مشكلات كبرى كالفقر والمرض والعنف والبيئة، لا تعترف بحدود التخصصات ولا تستجيب لمنهج أحادي، فكانت البينية الإجابة.

والبينية في جوهرها ليست مفهومًا واحدًا متجانسًا، بل هي طيف من الممارسات والمستويات. فالتعددية – Multidisciplinarity- هي أدنى درجات هذا الطيف، وتعني توظيف تخصصات متعددة في دراسة موضوع واحد دون أن تتحاور هذه التخصصات فعليًا. أما البينية بمعناها الدقيق فتتجاوز التجاور إلى التفاعل: تتحاور المناهج، وتُعير الحقولُ بعضها مفاهيمها، ويُفضي هذا التفاعل إلى تحوّل حقيقي في كيفية معالجة الإشكالية. وقد وصفت كلاين هذا المستوى بأنه «عملية الإجابة عن سؤال أو حل مشكلة تتجاوز بطبيعتها ما يستطيع تخصص واحد استيعابه، وذلك من خلال التوليف النقدي بين المنظورات والمناهج المستمدة من حقول مختلفة.»  أما العابرة للتخصصات – Transdisciplinarity- فهي الأرقى والأكثر طموحًا، وتسعى إلى بناء إطار معرفي شامل يتجاوز الحقول الجزئية ليُنتج منظورًا جديدًا لا يُختزل في أي منها، على النحو الذي تمثّله نظرية التعقيد عند موران.

وتمتلك البينية أدواتٍ إجرائية دقيقة طوّرها الباحثون بصبر وعناية على مدى عقود. فقد رسم ريبكو مسارًا منهجيًا يبدأ بتحديد «نقاط التقاطع» بين الحقول، وينتقل إلى رصد «التعارضات الكامنة» في الافتراضات المنهجية، ثم إلى بناء «المفاهيم الجسر» – Bridging Concepts- التي تُتيح التواصل الحقيقي بين لغات الحقول المختلفة، وصولًا إلى التوليف النقدي الذي ينتج معرفةً جديدة لا تكون مجرد مجموع مدخلاتها.

بيد أنه حين يُمضي المرء وقتًا كافيًا في التأمل النقدي في هذا المشروع، تبدأ حدوده الحقيقية في الظهور. وذلك لأن البينية – في كل مستوياتها ومدارسها – تُمارس نشاطها داخل سقف إبستمولوجي محدد مسبقًا لم تضعه هي: السقف الذي أرسته الحداثة الغربية قائمًا على جملة من الافتراضات الكبرى التي صارت بديهيات أكاديمية لا تُناقَش، وأول هذه الافتراضات أن المعرفة الإنسانية مقصورة على ما يمكن التحقق منه تجريبيًا أو استنتاجه منطقيًا. والثاني أن الحياد القيمي شرط من شروط الموضوعية. والثالث أن تجزئة العالم إلى طبيعي واجتماعي وإنساني وديني تجزئة منهجية مقبولة. وهذه الافتراضات ليست محل نقاش داخل البينية لأنها تسبقها وتُؤسسها؛ فالبينية تبحث في كيفية الجمع بين العلوم لا في مشروعية الافتراضات التي تقوم عليها. وهذا لا ينفي قيمتها الحقيقية ولا يُسقط إسهاماتها الجليلة، لكنه يُحدد طبيعتها بدقة: إنها أداة بالغة الكفاءة في حدود مرجعيتها، عاجزة بالضرورة عن تجاوز تلك الحدود بقوتها الذاتية.

ثالثًا: التكامل المعرفي – من وحدة الخالق إلى وحدة الحقيقة

إذا كانت البينية قد نشأت استجابةً لأزمة منهجية تجلّت في تشتت الحقول المعرفية وتنافر لغاتها، فإن التكامل المعرفي قد نشأ استجابةً لأزمة من طبيعة مغايرة جذريًا: أزمة الإنسان المسلم الذي وجد نفسه في مطلع القرن العشرين يعيش في عالمين متوازيين لا يلتقيان. وقد وصف الفاروقي هذه الحال بـ«الثنائية» التي فُرضت على الفكر الإسلامي بفعل الاستعمار وما أعقبه من تحديث مُستورد: ثنائية بين نظام تعليم ديني تقليدي منفصل عن الواقع المعاصر، ونظام تعليم حديث منفصل عن الجذور الحضارية ومنزوع الروح والغاية.

والمفتاح الذي يُميّز التكامل المعرفي عن كل مشاريع الإصلاح الأخرى هو أنه لا ينطلق من المشكلة التربوية أو المؤسسية، بل ينطلق من مبدأ كوني سابق لكل ذلك: مبدأ التوحيد. فإذا كان الخالق واحدًا فالحقيقة واحدة، وإذا كانت الحقيقة واحدة فلا يجوز أن تكون المعرفة بها مشطورة بين قطاعات متنافرة. وقد صاغ الفاروقي هذا الاستخلاص حين قرر أن مبدأ التوحيد يستلزم ثلاث وحدات كبرى: وحدة الله، ووحدة الخلق، ووحدة الحقيقة؛ وهذه الأخيرة تعني عمليًا استحالة التناقض الجوهري بين ما يكشفه الوحي وما يُدركه العقل السليم، لأن كليهما يصدر عن المصدر ذاته.

وقد تحمّل هذا المبدأ النظري عبء التحوّل إلى برنامج عملي على يد الفاروقي، حين طرح مشروع أسلمة المعرفة في بيانه التأسيسي عام 1982، ورسم له مسارًا يبدأ بالإحاطة الكاملة بالتراث الإسلامي في كل حقل معرفي، ثم الإحاطة بالتراث الغربي الحديث في الحقل ذاته، ثم تحديد نقاط التوتر بين الإطارين، ثم البحث عن صيغ توليفية تحتكم في التحكيم النهائي إلى المرجعية القرآنية والمقاصد الإسلامية الكبرى. وقد بدا هذا البرنامج في طرحه الأول طموحًا واعدًا، واستقطب حماسًا واسعًا في أوساط المثقفين المسلمين، وأسفر عن تأسيس المعهد العالمي للفكر الإسلامي الذي احتضن المشروع وأنتج تحت مظلته عشرات الدراسات والمناهج.

غير أن المشروع واجه نقدًا داخليًا جديًا من أبرز المنتسبين إلى الحقل الإسلامي ذاته. فقد رأى فضل الرحمن أن المشروع الفاروقي يقوم على افتراض إشكالي مفاده أن التراث الإسلامي كتلة واحدة متجانسة وأن العلوم الغربية منظومة متسقة داخليًا، في حين أن كليهما يزخر بتوترات داخلية ومناقشات معلّقة لم تُحسم بعد.  وهو نقد يُصيب حقيقة منهجية واضحة، وإن كان لا يُسقط المشروع في كليّته، بل يدعو إلى تعميقه وتدقيقه.

وفي مسار موازٍ يختلف اختلافًا أكثر جذرية، بنى سيد نقيب العطاس مشروعه الذي آثر أن يُسميه «نزع الطابع الغربي» بدلًا من أسلمة المعرفة. فبينما يرى الفاروقي أن المعرفة الغربية يمكن إعادة تأطيرها إسلاميًا، يرى العطاس أن المشكلة أعمق من أن تُعالج بإعادة التأطير، لأن المفاهيم التي تشتغل بها العلوم الاجتماعية الغربية محملة في صميمها بافتراضات وجودية تعود إلى تاريخ فكري خاص بالحضارة الغربية، وهذه الافتراضات تسكن في عروق المصطلحات لا في ظاهرها.

ويذهب العطاس إلى أن الخطوة الأولى في مشروع التكامل المعرفي الحقيقي لا يمكن أن تكون توليفًا بين التراث الإسلامي والمعرفة الغربية، بل يجب أن تكون «أسلمة العقل» ذاته أولًا: تحريره من الافتراضات الغريبة التي تسلّلت إليه عبر التعليم الحديث وأعادت هيكلة طريقة تفكيره.  وهذا التمييز بين أسلمة المحتوى وأسلمة العقل أحد أعمق المساهمات النظرية في هذا الحقل، وإن بقي رهينًا بسؤال منهجي معلّق: كيف يُمكن عمليًا تحقيق هذه الأسلمة العقلية دون الانزلاق إلى عزلة فكرية مغلقة؟

وفي هذه المساحة بين الفاروقي والعطاس يشتغل طه جابر العلواني بأفق تكاملي يسعى إلى تجاوز ثنائية الأسلمة ونزع الغربية، مقترحًا ما آثر أن يُسميه «الجمع بين القراءتين»: قراءة الوحي وقراءة الكون. وهذا الإطار ينطوي في عمقه على رؤية إبستمولوجية ناضجة؛ فالعلواني ينطلق من أن القرآن الكريم يدعو في غير آية إلى النظر العقلي والتجريبي في الكون المخلوق بوصفه كتابًا مفتوحًا يُكمل الكتاب المكتوب لا يناقضه. ومن ثمّ فإن العلوم التجريبية والإنسانية في منهجيتها الصافية ليست في تناقض مع المرجعية القرآنية، بل هي ممارسة لما دعا إليه القرآن من التدبر في الآفاق. الإشكال ليس في المنهج التجريبي، بل فيما يُلصَق به من افتراضات فلسفية ليست من صميمه.

وبهذا يفتح العلواني مسارًا ثالثًا: مسار يُقرّ بمشروعية المنهج التجريبي وثمار العلوم الحديثة، لكنه يُعيد هذه الثمار إلى سياقها الوجودي الصحيح ضمن إطار الرؤية التوحيدية التي تمنحها معناها الأعمق وتُحررها من الاختزال المادي. إنه لا يضع الوحي في مواجهة العقل ولا يُلغي أحدهما لصالح الآخر، بل يُؤسس بينهما علاقة تكامل حقيقية: الوحي يُوجّه العقل ويرسم غاياته الكبرى، والعقل يقرأ الكون ويُقدّم مادته الخامة لتُعاد قراءتها في ضوء تلك الغايات.

وتبقى في هذا المشروع الثري مشكلة منهجية حقيقية لا يُخدم الفكر بإخفائها: وهي مشكلة الانتقال من المستوى المبدئي إلى المستوى الإجرائي. فالقول بأن الوحي والعقل متكاملان حقيقة مبدئية راسخة، لكن ترجمتها إلى مناهج بحثية قابلة للتطبيق في علم الاجتماع والاقتصاد والنفس والسياسة تحتاج إلى جهد تفصيلي ضخم لم يكتمل بعد. وقد أشار شبار إلى هذه الفجوة بوضوح حين لاحظ أن مشاريع التكامل المعرفي أنجزت ما هو جيد في مستوى الرؤية وما هو منقوص في مستوى الآلية.

رابعًا: التحليل المقارن – ثلاثة مستويات وسؤال واحد

حين تُقارن بين مشروعين فكريين كبيرين كالبينية والتكامل المعرفي، فإن أخطر ما قد يُعرّض المقارنةَ للزلل هو اختزالها في مستوى واحد. إن الفارق الحقيقي بين المشروعين يكمن في أعمق من المحتوى والمؤسسات: يكمن في البنية الداخلية للسؤال المعرفي، في الافتراضات التي يحملها كل مشروع عن طبيعة العالم وطبيعة الإنسان العارف وطبيعة الغاية من المعرفة. ولذلك تقترح هذه الدراسة أن تجري المقارنة على ثلاثة مستويات متداخلة: المستوى المنهجي، والمستوى القيمي، والمستوى الغائي.

على المستوى المنهجي، يبدو الفارق بين المشروعين وكأنه فارق في درجة الطموح لا في نوعه: البينية تُدير حوارًا أفقيًا بين الحقول المعرفية المتجاورة، والتكامل المعرفي يُدير حوارًا رأسيًا بين مستويات وجودية متباينة. والحوار الأفقي في البينية يجري بين حقول تشترك في قبول السقف الإبستمولوجي الحداثي: المنهجية التجريبية والحياد القيمي وإقصاء الغيب. أما الحوار الرأسي في التكامل المعرفي فهو يجري بين مستويين لا يشتركان في هذه الافتراضات: الوحي الذي يُقدّم حقائق تتجاوز طاقة التجربة الحسية، والعقل الذي يعمل في ميدانه التجريبي والاستنتاجي. وهذا يعني أن التكامل المعرفي لا يُضيف طرفًا جديدًا إلى حوار البينية، بل يُعيد صياغة طبيعة الحوار ذاتها، مما يجعله مشروعًا من نوع مختلف لا مجرد بينية موسّعة.

وعلى المستوى القيمي تبلغ المفارقة بين المشروعين ذروتها وأشدّ تجلياتها وضوحًا. فالبينية تحمل ادعاء الحياد القيمي وريثةً للوضعية المنطقية التي رأت أن العلم يصف ولا يحكم. غير أن هذا الادعاء قد كشفت زيفه موجات متعاقبة من النقد نبعت من قلب الأكاديميا الغربية ذاتها: فهابرماس أثبت أن العلم الوضعي يحمل مصالح خفية ويخدم سياقات سلطوية محددة دون أن يُعلن عن ذلك، وساندرا هاردنج من موقع إبستمولوجيا النوع الاجتماعي بيّنت أن ادعاء الحياد هو نفسه موقف قيمي يُخفي انحيازات الذكورة والمركزية الغربية، ودراسات ما بعد الاستعمار كشفت الصلة العضوية بين إنتاج المعرفة الأكاديمية الغربية والمشروع الاستعماري في سياقه التاريخي. وهذا يعني أن البينية تحمل قيمًا ومصالح وانحيازات مضمَّنة في بنيتها المنهجية وإن كانت تؤثر ألا تُسمّيها.

في مقابل هذا الادعاء المخفي للحياد، يتبنى التكامل المعرفي موقفًا أكثر صراحةً وأعمق أمانةً إبستمولوجية: إنه يُقرّ صراحةً بأن المعرفة لا تنفصل عن الرؤية الكونية التي تُنتجها وتُوجّهها، وأن الوحي الإلهي ليس مرجعًا عاطفيًا خاصًا، بل هو معيار معرفي موضوعي بمعنى دقيق: موضوعي لأنه ليس من صنع الإنسان ولا مشروطًا بمصالحه ولا محدودًا بأفق معرفته. وقد صاغ المسيري هذا الموقف حين تحدث عن الوحي بوصفه «ضابطًا موضوعيًا» يُحرّر العقل من الانزلاق نحو الاختزال المادي أو الذاتية المفرطة.

أما على المستوى الغائي، وهو المستوى الذي يكشف عن الروح العميقة لكل مشروع، فالمفارقة لا تقل حدةً. فالبينية في غايتها الكبرى تسعى إلى إنتاج معرفة وظيفية قادرة على حل المشكلات، ومعيار نجاحها هو الفعالية. وهذا معيار مشروع في موضعه لكنه يفتقر إلى ما يُرسّخه: فالفعالية بلا اتجاه قد تكون فعالية في خدمة الهيمنة بقدر ما تكون فعالية في خدمة التحرر، وحل المشكلات في غياب سؤال «لصالح من؟» قد يعني إعادة إنتاجها في صور أكثر تطورًا. أما التكامل المعرفي فيحمل في بنيته الداخلية جوابًا عن سؤال الغاية: المعرفة ليست غايتها الفعالية في ذاتها، بل غايتها تمكين الإنسان من أداء مهمة الاستخلاف التي كُلّف بها، وهي مهمة تجمع بين عمارة الأرض ورعاية العدل وصون الكرامة الإنسانية والتوجه بكل ذلك نحو غاية تتجاوز الزمن المحدود. وحين تكون هذه الغاية حاضرةً في صلب المشروع المعرفي، تتحول كل أداة منهجية وكل نتيجة بحثية إلى جزء من منظومة ذات معنى لا مجرد قطعة في آلة تعمل دون أن تعرف إلى أين تسير.

خامسًا: نقد النماذج التطبيقية – بين وعود المشروعين وحدودهما

لا تكتمل صورة المقارنة إذا بقيت في المستوى النظري المجرد دون أن تُختبر في مواجهة الممارسة الفعلية؛ فالمشاريع الفكرية الكبرى لا تُعرف حقيقتها إلا حين تُوزن بما أنتجته في الواقع لا بما وعدت به في البيانات والأطروحات. وحين نُخضع البينية والتكامل المعرفي لهذا الاختبار التطبيقي، تظهر لكل منهما منجزاتٌ حقيقية وإشكاليات حقيقية بالقدر ذاته.

على صعيد البينية، تُعدّ العلوم المعرفية أبرز نموذج تطبيقي ناجح، لأنها لم تنشأ من منطلق أيديولوجي أو بيان نظري، بل نشأت من حاجة عملية ملحّة: كان العقل الإنساني موزعًا في دراسته بين فلاسفة لا يجيدون التجربة وعلماء أعصاب لا يجيدون الفلسفة ولغويين لا يعرفون الكثير عن الآخرين، فكانت النتيجة أن كل مجموعة تُمسك بجزء من الفيل دون أن يكون لأحد تصور كامل للحيوان. وحين فُتحت الحدود وتحاورت هذه التخصصات فعليًا، أسفر ذلك عن ثورة حقيقية في فهم الإدراك، والذاكرة، واللغة، والعواطف. وهذا النموذج يُثبت أن البينية ليست مجرد فكرة جميلة، بل قوة تحويلية حقيقية حين تعمل في موضعها الصحيح مع مشكلات تتجاوز طاقة التخصص المفرد.

لكن النموذج نفسه يكشف عن الحد الذي تقف عنده البينية. فالعلوم المعرفية، بكل ما أنجزته في فهم الدماغ والعقل، تجد نفسها صامتةً أمام السؤال الأعمق: ما العلاقة بين العقل والوعي والروح؟ ولماذا ينهض الإنسان صباح كل يوم ويسعى ويُحب ويُضحّي؟ وما المعنى الذي يجعل حياته تستحق أن تُعاش؟ هذه الأسئلة لا تقع خارج دائرة المعرفة، بل هي في صميم الحاجة الإنسانية، لكنها تقع خارج دائرة ما يستطيع المنهج التجريبي وحده الإجابة عنه. وحين تحاول العلوم المعرفية الاقتراب منها فإنها إما أن تختزلها في مصطلحاتها الخاصة وتُفقدها بُعدها الأصيل، وإما أن تُحيل إلى الفلسفة المحجوزة في الإطار الحداثي ذاته.

وعلى الضفة الأخرى، حين ننظر في النماذج التطبيقية لمشروع التكامل المعرفي، تبرز الجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا نموذجًا مؤسسيًا بارزًا حاولت أن تُجسّد مبادئ المشروع في بنيتها الأكاديمية. ويُحسب للتجربة الماليزية أنها أثبتت إمكانية إنشاء مؤسسة أكاديمية جامعة لا تضطر إلى الاختيار بين التأصيل الإسلامي والتميز الأكاديمي المعاصر. غير أن النقد الأمين يستوجب الإشارة إلى أن التكامل في كثير من مساراتها بقي تكاملًا هيكليًا: جمعت أقسامًا متجاورة تحت سقف واحد وأضافت مقررات إسلامية إلى مناهج علمانية، لكنها لم تُفلح في كل الأحيان في إنجاز التكامل الحقيقي الذي يُعيد صياغة الأسئلة البحثية ذاتها انطلاقًا من الرؤية التوحيدية.

والأكثر دلالةً ربما هو ما أشار إليه راغب من أن المحاولات الجادة لبناء «علم اجتماع إسلامي» متكامل، رغم ثرائها المفاهيمي، اصطدمت بعقبة منهجية عويصة: كيف يمكن تحويل مفاهيم كـ«الفطرة» و«التكافل» و«العمران» و«الاستخلاف» من مفاهيم فلسفية كبرى إلى أدوات تحليلية قابلة للاشتغال في دراسة الظواهر الاجتماعية المعاصرة بكل تعقيدها؟ والمُلاحَظ أن البينية تمتلك في هذا الجانب تراثًا إجرائيًا متراكمًا ومختبَرًا في بناء مفاهيم الجسر وآليات التوليف، هو بالضبط ما يحتاجه التكامل المعرفي في مستواه التطبيقي دون أن يحتاج إلى قبول مرجعياته الفلسفية.

سادسًا: الخاتمة – نحو علاقة إبستمولوجية جديدة

حين يصل بحث مقارن إلى خاتمته، فإنه يقف دائمًا أمام خيار: إما أن يُجمّل ويُوفّق ويُوهم بأن الخلاصة أكثر يُسرًا مما أظهره تفصيل البحث، وإما أن يكون أمينًا لما توصّل إليه ويقول ما يراه حقًا وإن كان أقل إرضاءً. وهذه الدراسة تختار المسار الثاني.

البينية والتكامل المعرفي ليسا مشروعين متنافسين يمكن الاختيار بينهما، ولا هما وجهان لحقيقة واحدة يمكن تجميعهما بسهولة. إنهما مشروعان يختلفان في جوهرهما: يختلفان في طبيعة الأزمة التي يواجهانها، وفي تصوّرهما للإنسان العارف، وفي الغاية التي يرسمانها للمعرفة. ومن ثمّ فإن أي محاولة للتوفيق السريع بينهما ستُفضي إلى تشويه كلٍّ منهما: إما أن تُسطّح التكامل المعرفي بإنزاله إلى مجرد بينية بلغة إسلامية، وإما أن تُثقّل البينية بأعباء وجودية لا تدّعيها ولا تحتملها.

غير أن الاختلاف في الجوهر لا يعني استحالة التعاون في الوظيفة. وهذا التمييز هو جوهر ما تنتهي إليه هذه الدراسة: يمكن للبينية أن تُؤدّي وظيفة حقيقية في خدمة مشروع التكامل المعرفي دون أن يتبنّى التكامل مرجعياتها الفلسفية ودون أن تُلزَم البينية بتجاوز سقفها الإبستمولوجي. يمرّ هذا المسار عبر تمييز دقيق بين مستوى الأداة ومستوى الرؤية: التكامل المعرفي يمتلك الرؤية لكنه يفتقر في مرحلته الراهنة إلى الأدوات المنهجية الكافية لترجمة تلك الرؤية إلى ممارسة بحثية تفصيلية. والبينية بالمقابل تمتلك تراكمًا إجرائيًا ثريًا لكنها تفتقر إلى الرؤية التي تمنح هذه الأدوات معناها وتُحدد وجهتها. والعلاقة الصحية بين المشروعين هي إذن علاقة استثمار لا ذوبان: التكامل المعرفي يستثمر أدوات البينية الإجرائية ضمن إطاره الرؤيوي التوحيدي الذي يُعطيها وجهتها، دون أن يستورد معها الافتراضات الفلسفية التي تحملها في سياقها الغربي.

وثمة ما هو أعمق من هذه الخلاصة الإجرائية. فالمشروعان معًا، رغم اختلافهما، يشتركان في تشخيص أزمة واحدة: أن المعرفة المجزّأة لا تكفي للإجابة عن الأسئلة الكبرى التي يطرحها الوجود الإنساني. والبشرية اليوم تحتاج إلى مشاريع معرفية تجمع بين الدقة الإجرائية والعمق الرؤيوي، بين الصرامة المنهجية والحضور الأخلاقي. البينية أنجزت شطرًا كبيرًا من الأول وبقيت قاصرةً في الثاني، والتكامل المعرفي رسم بوضوح معالم الثاني وبقي منقوصًا في الأول. وهذا القصور المتبادل ليس دعوةً إلى الاستسلام، بل هو بالضبط ما يجعل الحوار بينهما ضرورةً فكرية حقيقية لا مجرد ترفٍ أكاديمي.

وفي المحصلة، فإن مشروع التكامل المعرفي في أفقه الأرحب ليس خطابًا داخليًا يُخاطب به المسلمون بعضهم البعض، بل هو إسهام في النقاش الإنساني الكوني حول السؤال الذي يقلق الفكر الجاد في كل مكان: كيف تكون المعرفة كليّةً دون أن تكون قسرية، وتعدديةً دون أن تكون عدمية، ودقيقةً دون أن تكون مُجزِّئة، وغائيةً دون أن تكون أيديولوجية؟ وهذا سؤال ليس للإسلاميين وحدهم ولا للغربيين وحدهم، بل هو سؤال الإنسان حين يُفكّر في نفسه بجدية تليق بحجم وجوده.

 

قائمة المصادر والمراجع:

أولًا: المصادر والمراجع العربية

  1. العلواني، طه جابر. الجمع بين القراءتين: قراءة الوحي وقراءة الكون. هيرندن، فيرجينيا: المعهد العالمي للفكر الإسلامي، 2006.
  2. العطاس، سيد محمد نقيب. الإسلام والعلمانية. ترجمة خير الشعار. بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2007.
  3. المسيري، عبدالوهاب. دراسات معرفية في الحداثة الغربية. القاهرة: مكتبة الشروق الدولية، 2002.
  4. موران، إدغار. المنهج: إنسانية الإنسانية. ترجمة: هناء صبحي. أبوظبي: كلمة ودار توبقال، 2002.
  5. أمزيان، محمد. منهجية البحث العلمي في العلوم الاجتماعية: بين الفلسفة الوضعية والمنظور الإسلامي. هيرندن: المعهد العالمي للفكر الإسلامي، 1994.
  6. شبار، سعيد. المصطلح والمنهج: في قضايا التراث والفكر الإسلامي. بيروت: مركز نماء للبحوث والدراسات، 2015.
  7. صالح، أماني. «التكامل المعرفي: المفهوم، المنهج، والآفاق». حولية أمة في عصر. القاهرة: المعهد العالمي للفكر الإسلامي، 2010، ص 45-89.

Secondly: English References

1 – Al-Attas, Syed Muhammad Naquib. Islam and Secularism. Kuala Lumpur: ISTAC, 1993.

2 – Al-Faruqi, Ismaʿil Raji. Islamization of Knowledge: General Principles and Workplan. Herndon, VA: International Institute of Islamic Thought, 1982.

3 – Hallaq, Wael B. The Impossible State: Islam, Politics, and Modernity’s Moral Predicament. New York: Columbia University Press, 2013.

4 – Klein, Julie Thompson. Interdisciplinarity: History, Theory, and Practice. Detroit: Wayne State University Press, 1990.

5 – Morin, Edgar. Seven Complex Lessons in Education for the Future. Paris: UNESCO, 2001.

6 – Ragab, Ibrahim A. ‘Islamic Perspectives on Theory Building in the Social Sciences.’ The American Journal of Islamic Social Sciences 10, no. 1 (1993): 40–58.

7 – Rahman, Fazlur. ‘Islamization of Knowledge: A Response.’ American Journal of Islamic Social Sciences 5, no. 1 (1988): 3–11.

8 – Repko, Allen F. Interdisciplinary Research: Process and Theory. Thousand Oaks, CA: Sage Publications, 2008.

9 – Stenberg, Leif. The Islamization of Science: Four Muslim Positions Developing an Islamic Modernity. Lund: Religionshistoriska Avdelningen, 1996.

الهوامش:

– Edgar Morin, Seven Complex Lessons in Education for the Future (Paris: UNESCO, 2001), 1–5.

–  Wael B. Hallaq, The Impossible State: Islam, Politics, and Modernity’s Moral Predicament (New York: Columbia University Press, 2013), 37.

–  Morin, Seven Complex Lessons, 5.

– Julie Thompson Klein, Interdisciplinarity: History, Theory, and Practice (Detroit: Wayne State University Press, 1990), 55.

– Allen F. Repko, Interdisciplinary Research: Process and Theory (Thousand Oaks: Sage Publications, 2008), 102.

– Ismaʿil Raji Al-Faruqi, Islamization of Knowledge: General Principles and Workplan (Herndon, VA: IIIT, 1982), 2. Al-Faruqi, Islamization of Knowledge, 16.

– Fazlur Rahman, ‘Islamization of Knowledge: A Response,’ American Journal of Islamic Social Sciences 5, no. 1 (1988): 7.

 – Syed Muhammad Naquib Al-Attas, Islam and Secularism (Kuala Lumpur: ISTAC, 1993), 43.

 – Al-Attas, Islam and Secularism, 133.

– طه جابر العلواني، الجمع بين القراءتين: قراءة الوحي وقراءة الكون (هيرندن: المعهد العالمي للفكر الإسلامي، 2006)، ص 48.

– العلواني، الجمع بين القراءتين، ص 89.

– سعيد شبار، المصطلح والمنهج: في قضايا التراث والفكر الإسلامي (بيروت: مركز نماء، 2015)، ص 112.

– عبد الوهاب المسيري، دراسات معرفية في الحداثة الغربية (القاهرة: مكتبة الشروق الدولية، 2002)، ص 88.

– Ibrahim A. Ragab, ‘Islamic Perspectives on Theory Building in the Social Sciences,’ American Journal of Islamic Social Sciences 10, no. 1 (1993): 52.

Facebook
X
WhatsApp
Threads
Telegram

أ. د. محمد مكاكي

عميد كلية الآداب والفنون - جامعة خميس مليانة - الجزائر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى