
الرحلات والمعرفة
من الآثار العظيمة التي تقرأ في كل وقت، لما فيها من المتعة، والمعرفة، وجمال المغامرة، ما كتبه الرحالة الأوروبيون عن بلاد الشرق، في القرون الماضية، خاصة في القرن الثامن عشر والتاسع عشر، وسعيهم لاكتشاف غوامض لم تكن معروفة، ووضعهم بعد ذلك لخرائط بعضها دقيق جدًا، توضح مسارات التجارة، والزراعة والسفر والعودة، والكثير من العادات الاجتماعية، واختلاف الثقافات هنا وهناك.
ولعل الرحالة السويسري لويس بوركهارت، الذي اضطلع برحلات كثيرة وعظيمة إلى الشرق، من أولئك الذين ينبغي دراستهم،
وقراءتهم بتأن، وبوركهات المولود في سويسرا، الذي حصل على علومه الأولية هناك، ثم سافر إلى إنكلترا باحثًا عن فرصة عمل، حيث تقدم بطلب للجمعية الأفريقية، للوصول إلى منابع نهر النيجر، وقبل طلبه، لم يذهب مباشرة إلى هناك، ولكنه ذهب بعد أن درس أحوال تلك المناطق وطرق الحياة فيها، وذهب إلى حلب في سوريا، درس اللغة العربية وأتقنها، ودرس الفقه، وعرف كثيرًا من محتواه، وتخفى في شكل تاجر هندي مسلم، باسم: إبراهيم بن عبد الله، حيث بات جاهزًا للقيام برحلته، التي بدأت من إنكلترا.
لقد ترك بوركهارت مخطوطات كثيرة للبلاد التي زارها في مغامرته، ومنها سوريا والحجاز، وبلاد النوبة، والسودان، وقد عثرت مؤخرًا على كتابه عن السودان الذي عددته كنزًا ينبغي لكل كاتب، أو باحث في تاريخ تلك المنطقة اقتناءه، لما فيه من معلومات، لا يمكن العثور عليها بسهولة، حتى في الكتب التي هيأ كتّابها أنفسهم لدراسة تلك المناطق مباشرة، كما هو الحال في كتب علماء التاريخ، ذلك ببساطة أنها معلومات عميقة، وكثيفة وليست منتقاة بعناية لتجميل وجه، أو التحيز لحدث ضد حدث آخر.
لكن ما الغرض حقيقة من القيام بمغامرة مثل هذه لشخص وحيد، قد يضيع فيها؟
بمعنى هل من الضرورة أن يقوم أحد بمثل هذه المغامرة؟، والحياة في أوروبا في ذلك الوقت، وإلى الآن، تبدو رغدة، وسهلة إذا ما قورنت بالمشاق التي يمكن أن يتعرض لها مسافر شاب، بلا سند حقيقي سوى قوة إرادته؟
أعتقد أن المسألة ليست عادية، فلن يقوم أي شخص بعمل شاق، ما لم يكن ثمة عشق لهذا العمل، سيكون الغرض في
الغالب، كما ذكرت في حالة بوركهارت، هو البحث عن منابع نهر النيجر، ولدى آخرين، البحث عن منابع النيل، أو التأكد من صحة المنابع المذكورة، وستكون دائمًا ثمة توسعة في المغامرة تأتي من احتكاك المغامر بالمجتمعات المحلية التي يصادفها في طريقه، سيتعرف على العادات والتقاليد، سيصف شكل البيوت التي يسكنها الناس، نوع الأكل الذي يأكلونه،، وطريقة الزراعة التي يتبعون، ونوع الغلال التي يزرعونها، أيضًا عادات الزواج والطلاق، وشكل الزينة المعتمدة لدى النساء، وأيضا أشكال النساء أنفسهن، ومعايير الجمال والأخلاق.
سيكون ثمة التحاق بالتجار في القوافل، وبالتالي سيكون هناك وصف دقيق لمسار الرحلات، وبالتالي إضافة للجغرافيا معلومات وخرائط لم تكن موجودة من قبل.
في رحلة بوركهارت للسودان، مرّ تقريبًا بمعظم أقاليم السودان، وتعرف إلى كثير من الناس، وشارك في الأكل والشرب والرقص والطقوس، والاحتفاء في الأعراس، والعزاء في الموت، ووصف كل ذلك، وكان من المناطق التي وصفها بدقة، منطقة التاكا، وهي منطقة جبال ساحرة، ما زلنا نتغنى بها إلى الآن، ونحن نتغنى بمدينة كسلا التي تتاخمها في شرق السودان، الخضرة نفسها موجودة حتى الآن، المروج الساحرة حتى الآن، وفيضان نهر القاش الموسمي، الموصوف في مخطوطه، ما زال هو الفيضان، العنيف الشرس أحيانًا، والطيب البسيط أحيانًا أخرى، أما وصفه للتجارة فأظنه أحاط بكل شيء، من تجارة الرقيق، الذين يؤتى بهم من أفريقيًا، ويمر بتلك المناطق، إلى تجارة القطن والسمسم، وكونه متخفيًا في شكل تاجر هندي مسلم، أتاح له التقاط كل ذلك.
كما قلت، ليس لويس بوركهارت وحده من قام برحلات شاقة كهذه إلى بلاد الشرق، هناك عشرات الرحالة الغربيين، قاموا
بهذه الرحلات ووثقوها في كتب مهمة وملهمة، وتوجد سلسلة كتب في دولة الإمارات، تهتم بهذه المغامرات، وتنشرها، وحسبما أذكر، كان يشرف عليها ويحررها الشاعر نوري الجراح، وفيها كتب رحلات شيقة إلى الهند، ذلك المنبع الضخم للغرابة في كل الأزمان. أيضًا أذكر مرة قرأت كتابًا منها لرحالة ألماني، علق في حروب في الشرق، ونفذ منها.
وقد استوحيت من هذه الكتابات، أو الرحلات، نصوصًا أعتبرها من النصوص الموحية التي كتبتها فعلًا، ليس لجمالها، ولكن لما فيها من المعلومات التي اكتسبتها، وأعدت ضخها في كتابات روائية، وكثيرون لا يعرفون أن نصي: «أرض السودان- الحلو والمر»، كنت قد استوحيته من مغامرة مماثلة، قام بها شاب إنكليزي إلى أرض السودان في القرن الثامن عشر، هنا أخذت إطار رحلته وبنيت رحلة موازية، يمكن أن تحدث بالفعل، أو لعلها حدثت فعلًا.
كتب الرحلات ممتعة فعلًا، ولعلها روايات حقيقية، لكن لم يقصد منها أن تكون روايات، خاصة أن الأسلوب الذي تكتب به، هو أسلوب مباشر وعملي، وليس تحقيقات في اللغة، بتلك الكتابة الأدبية المطلوبة في الروايات. وإلى أن أكمل مخطوطات لويس بوركهارت، سأظل متشوقًا لذلك الإبداع في المغامرة.



