العدد الحاليالعدد رقم 47ترجمات

غاستون باشلار: الجدلية الديناميكية للتأمُّل الشَّارد عند ستيفان مالارميه

غاستون باشلار: الجدلية الديناميكية للتأمُّل الشَّارد عند ستيفان مالارميه*

ترجمة: د. سعيد بوخليط

ستقدِّم قصيدة ستيفان مالارميه ألغازًا لانهائية، لكل فيلسوف توخَّى تبنِّي مهمة تحليل الخيال الأدبي بتحديده المواد الشعرية للصور وكذا معطيات الإلهام المختلفة. فقد رفض، هذا الشاعر الاستثنائي، جلَّ الإغراءات الأولية للجوهر المتواري خلف الكلمات؛ وصمد بخصوص التمرُّن على قوى الاعتقاد الشعري.

يلزم على الشعر في تصور مالارميه، تشكيل قطيعة حيال مختلف عاداتنا، لاسيما الشعرية. يتضمن لغزًا لا نستوعبه جيدًا إذا اكتفينا بتقييمه من وجهة نظر الأفكار: بالتالي، يمكننا القول، بأنَّ مالارميه غامض.

لا تعبِّر تيمة أبدعها مالارميه عن لغز فكري؛ بل تجسِّد معجزة للحركة. يتحتَّم على القارئ، أن يتهيَّأ ديناميكيًا قصد تمكُّنه من استلهام إيحاء فعَّال، ويكسب تجربة جديدة بخصوص حيثيات أكبر الحركيات: حركية المتخيَّل.

توضِّح لعبة النقائض عند فيكتور هيغو مانوية أخلاقية بسيطة للغاية. أما جدلية التعارضات لدى أوغست دو فيليبي دو ليل أدم، نظن معها الشاعر هيغيليا، فإنَّها تسود أفكاره وكذا صيغه.

بالنسبة إلى مالارميه، يهيمن الجدل على الحركات؛ وينتعش عند نواة الحركات نفسها المستوحاة. دائمًا، بين طيات نصوصه، ترتدُّ الحركة الشعرية إلى ذاتها. لا يوجد اندفاع دون احتجاز، ولا احتجاز دون تطلُّع. جراء ذلك، يتجه ظنُّ القارئ السطحي- القارئ الفاتر- نحو إمكانية حيرة الشاعر: الوضع غير ذلك، إنه يختبر اهتزازًا.

لكن، ليس أبدًا الاهتزاز الفوضوي من يحدث دويَّا لكل مباهج الأرض، ولا يتأتى قط نتيجة زخمه، الانفعال الأخلاقي أو الشغف. يسعى مالارميه صوب العثور على إيقاع أكثر عمقًا وحرية خلال الوقت نفسه، اهتزاز وجودي.

داخل روح الشاعر، فالوجود نفسه من أصبح ينمو ويتضاءل، ينفتح وينغلق، ينحدر ويصعد، الانحدار عميقًا كي يعيش بهدوء اندفاعًا، ثم وفق خبرة بسيطة لا يدين بفضل معين إلى قوى الأرض.

يمكننا جعل ثنائية الحركات المدهشة ملموسة، عندما نتفحَّص ديناميكيًا مقاطع شعرية غير مألوفة من قصيدة مالارميه المعنونة بـ ”انبعاث”:

ثم أتهاوى حانقًا، منهكًا، من أريج الأشجار.

وأشقُّ بوجهي هوَّة لحلمي،

أقضمُ أرضًا ساخنة حيث ينمو الأرجوان،

أترقب حين التصدُّع، ارتفاع سأمي..

ثلاثة مقاطع شعرية ونصف مشحونة بالحركة قصد البحث، في الأسفل، عن باعث سأم أخيرًا دون عِلَلٍ محتملة! تبلوِرُ تصميمًا طفيفًا بخصوص هذا الطريق نحو الهاوية.

يلزمنا، أولًا إفساح المجال أمام نضوب ظواهر توتُّرنا بغية اكتشاف الظاهرة الأكثر عمقا لسأمنا. ثم أيضًا استساغة حركة إرهاقنا، وكذا الاشتغال على مصيرنا المرتبط بالثِّقل الأرضي بحيث أحدِثُ بملء الفم ثُقْبًا جوفيًا لأحلامنا.

بعد هذا السقوط الطويل، البطيء، المسهِبِ، المضني، الماهر تمامًا، نشعر في خضم ذلك باستقراء الحركة المعاكِسة. هكذا، يتصاعد السأم، ويصعد بنا. ينكشف أمامنا سأم اكتسى جدلية ديناميكية.

ترى السيدة ديبوريا أميليا كيرك آيش(1)، من خلال دراسة مفعمة بالألمعية، لتلك المقاطع الشعرية الأربع تعارضًا بين “أفكار” التصدُّع أو الارتقاء. يتعلق الأمر لديها، ببنائين متوازيين، الأول ”تعزِّزه مصطلحات من قبيل أتهاوى، أشقُّ، هوَّة، أرض، التصدُّع؛ بينما الثاني، الذي تبنَّى وجهة مغايرة، كما الشأن مع كلمات: حلم، تنمو، ارتفاع، فقد تبدَّى بكيفية   أقل استعراضا”.

كي ترصد فعلًا السيدة آيش توازي الأفكار المتباينة، تعقَّبت بهذا الخصوص نفس الحكم المسبق المعتاد، الذي يدرج آليًا الحلم لصالح الارتفاع. كما لو تنعدم أحلام مرتبطة بأحلام حيوات تحت- أرضية، أحلام تخترق! بحيث تغافلت عن أحد مقاطع مالارميه الشعرية الأكثر أرضية واستلهاما لشعرية بودلير:

وأحفرُ خندقًا بوجهي لصالح حُلمي.

غير مبالية بالصورة الديناميكية، لذلك لم تمنح مجالًا ضمن موازاتها لأفكار صورة القَضْم. صورة، امتلكت فقط مادة واحدة: العنصر الأرضي للأشياء، صورة تستند على حركة أولية دون غيرها: الانحدار. بغض النظر عن حالة الخَبَلِ، فالكائن الذي يعضُّ ينحني إراديًا بوجهه نحو الأرض، متوخِّيًا موضع فريسته ”يقضم الأرض الساخنة” مثلما يفعل حلم مالارميه، وضع يعكس في الوقت ذاته اكتشافًا لأنطولوجيا العضِّ الديناميكية وكذا الأنطولوجيا الأرضية للفريسة.

لا يلزم هنا السعي غاية النمو قصد اختبار، حسب اعتقادي، إدراك دروس انتحاء مكاني للخيال. ليس بديهيا انتصاب جلِّ ماهو بصدد النمو، وإن تعلق الأمر بزهرة الأرجوان شهر أبريل. أيضًا، عندما نستوعب بأنَّ فصل الربيع لدى مالارميه يعكس أولًا حنينًا إلى تجلٍّ لحيثيات فصل شتاء، وفق المعنى الخالص للوصف، ينتابنا نزوع صوب الحلم بامتلاك هذا الاندفاع الكامن دائما في عمق الأرض، حياة عند الجذر.

لم يتمكَّن بعد الزمان من النمو. لذلك، ينبغي الانتظار ثم الانتظار داخل الهوَّة، وبشكل أفضل الانتظار في خضم التبدُّد. تستمر الحركة الأولية للشاعر غاية آخر الوقفة الشعرية للمقطع الرابع. تحليل الحركات ملهم، بينما تحليل الأفكار مضلِّل.

يعثر الكائن العميق، ضمن الانتظار على كنهه، وسكينة جوهره.

يمثِّل لدى مالارميه استحضار جوهر الكائن من خلال الوعي الشعري، سأمًا رصينًا، حقَّقَ تخلُّصًا من الأسى والتوتر، ”سأم ثمين”. سيتجلى هذا السأم، وفق جوهرية صِدْقه، مثل حقيقة ديناميكية، وكذا تبلور وعي عذب يطفو مرتفعًا فوق محاولات عالم مرهق.

هكذا، استطعنا بفضل الشاعر أن نعيش صحبته الجدلية الديناميكية للثِّقل والسأم؛ يقدِّم لنا الثِّقل والسأم باعتبارهما تباينات ديناميكية، تعارضات تناولتها المقاربة النفسية البسيطة للعواطف كمترادفات.

تُذْكي القصيدة ديناميكيا حساسيتنا. القصيدة، مؤثِّرة برقَّة أكثر من الأخلاق، تميِّزها نعومة فطنة تفوق الذكاء الأكثر حدسًا، تحملنا وجهة النَّواة المركزية حيث يتبادل الثِّقل والسأم قيمتهما الديناميكية، وتضع الكائن بين طيات اهتزاز. بالتالي، لم يعد السأم بذرة قاتمة، بل أضحى جِذْعًا. ينطوي على طفرة مثل أغلب القوى البسيطة الجميلة. يصبو غاية خلق وردة كبيرة باردة، فارغة، رائعة دون مباهاة، بعض زنبق الماء. محض قصيدة انبثقت إلى روح مالارميه من أحواض نهر النسيان.

إن توخَّينا الصواب بخصوص تأويلنا الديناميكي للقصائد، فيلزمنا الاتفاق على استحالة تمثُّل مختلف مزايا قوى مالارميه الشعرية سوى عندما نستثمر بداية تحليلًا إيقاعيا، بناء على تصوُّر بينهيرو دوس سانتوس الذي وظَّف المفهوم بهدف صياغة تحليل نفسي لكل عوامل القصور التي تعيق اهتزازات كائننًا. إنّه إذن حيِّز التقاء حركة مع حركة مناقضة لها تتَّسم بنجاعتها. أيضًا، نحن متأكِّدون من وجودنا عند أساس الكائن الديناميكي، عندما نستوعب الخيال المفارق لحركة تبتغي نقيضها. وحده، الخيال بوسع اختبار هذه المفارقة.

هل يلزم تقديم دلائل أخرى؟ وتيرة عند مالارميه يصاحبها بغتة ”نسيان كلِّي للذهاب”. تغدو لدى الحالم خطوة التجديف، التي تحاشت كل كبرياء رياضي ”خطوة كبيرة فاترة بكيفية خالصة”، تتوهَّج مثل ساق ممتدَّة كي تغفو ضمن جمالها المزهِرِ، لا ترغب قط في النمو، أو التفتُّح.

مع هيمنة صور جاهزة تمامًا، بمعنى إن تمعَّنا الصور بناء على تجليات متتالية حسب ديمومة نحياها دون جدلية، سيدهشنا نهر ”يمدِّد بغير اكتراث بحيرة مجعَّدة بالتردُّدات”. لكن، عندما يكشف التأمل الشارد الشعري،على أنَّ تلك التردُّدات المائية الأكثر هدوءا هي ”تردُّدات انطلاقًا من منبع”، فقد اكتسى النهر بأكمله حِسًّا ديناميكيًا. أيُّ ديناميكية! ثم كم هي اللامبالاة التي يعمل الشاعر بحسبها على تخليصنا من محاكاة فَظَّة للمنبع!

كي يجسِّد المنبع دلالة هذا التعريف حسب منظور مالارميه، لا يلزم فقط الانبثاق من الأرض، وفق طراوة وسذاجة ماء يمنح نفسه إلى نرجسيته، بل ينبغي امتلاكه فورًا اشتياقًا إلى مآوي تحت – أرضية وتوجسا من نزوات جدول الماء؛ منذ الحركة الأولى، الوضوح الأول، الانطباع الهوائي الأول، ينبغي الإحساس بالتعب، السأم، وزن انعكاس تجليات اللاَّزورد. مقارعة الصورة غاية إعطائها تعريفًا: الانبجاس، يعني التردُّد على مستوى الخروج. هكذا التحليل الإيقاعي، بين طيَّات نور شعرية مالارميه، خيال المنبع.

صورة المنبع الرتيبة بالنسبة لعدَّة شعراء، بحيث تأخذ لديهم وجهة وحيدة، صارت هنا مجالًا يستوعب حركتين متعارضتين. عبثية فكرة من هذا القبيل تجاوزتها تذبذباتها.

 

هامش المقالة:

المصدر:

 

*Gaston Bachelard :Le droit de rêver(1970).P. U .F ;PP.166 -172.

(1)Deborah Amelia Kirk Aish :la métaphore dans l œuvre de Stéphane Mallarmé .paris 1938.P/44.

Facebook
X
WhatsApp
Threads
Telegram

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى