العدد الحاليالأدب والنقدالعدد رقم 47

بلاغة النّجاة في (ألف ليلة وليلة): كيف روّض السردُ سيفَ الاستبداد

تقديم

إن الحديث عن المؤلفات الحكائية العربية القديمة، وعن عوالمها ومكنوناتها الثرة لا يستقيم إلا بالإشارة إلى مؤلف (ألف ليلة وليلة)، إنه من أبرز النصوص العربية الأكثر غنى وعمقًا من ناحية الموضوعات وعمق السرد، والأكثر تعقيدًا من حيث بناؤُه المتشعب، وما يضمه بين دفتيه من تمثلات ثقافية تقارب العلاقة بين الإنسان والسلطة، إنه سرد ينبش في عوالم مقاومة القهر وإعادة بناء الوعي. ففضلًا عن آفاق التشويق والإدهاش والإمتاع التي يكتنزها فهو أيضا تأسيس لخطاب ثقافي مخالف يطل علينا من كوة العجائبي والغرائبي، ليكشف عما يمكن أن يقوله المبدع بعيدًا عن المباشَرة والإفصاح في ظل سلطة تقهر مظاهر الوعي والانعتاق، وتستثمر الاستبداد لتدجين المجتمع.

إن دراستنا هذه تنطلق من فرضية مركزية مفادها أن مؤلَّف (ألف ليلة وليلة) هو تجسيد لصراع رمزي بين سلطتين: سلطة القهر وسلطة الحكي، وهذا الصراع يشكل البؤرة الأساسية التي ينبني عليها النص، ليفصح عن وعي أدبي نافذ إلى أعماق الواقع. إننا إذن أمام سُلطة القهر التي يمثلها شهريار، بما يعنيه حضوره من جور وظلم وتغوّل للسلطة، وسلطة الحكي ممثلة بشهرزاد باعتبارها ذاتًا عارفةً، تمتلك سحر الحكي والتخييل والإبداع. هكذا نكون أمام صراع لا يحسمه منطق العنف والاستبداد، بل التراكم السردي وتشغيل آليات الإغراب والإبهام والخرق.

والجدير بالذكر أن عملنا هذا ينطلق من ضرورة التأكيد على أهمية ربط المؤلَّف بالسياق الذي أنتج ضمنه، وهو سياق عباسي بامتياز، شكل انعطافة حاسمة في تاريخ الثقافة العربية والإسلامية، إذ شهد هذا العصر استقرارًا سياسيًا لافتًا، وتوسعًا هامًا لرقعة الدولة، ما شكل فرصة للاحتكاك الإيجابي بين الثقافات والأعراق، وأسهم في الاطلاع على منجز جديد في شتى المجالات كالفلسفة والآداب والترجمة والعلوم. لقد انعكس هذا الانفتاح على حركية الإبداع في هذا العصر فلم يعد الشعر يشكل المركزية الوحيدة التي تُمَكِّن العربي من التعبير بل نافسه النثر بقوة، بوصفه أفقًا تعبيريًا سمح باستيعاب مختلف التحولات الثقافية والفكرية والاجتماعية والسياسية، إذ ظهرت أجناس أدبية جديدة لم يكن للعربي في العصور الأولى معرفة بها، ومنها، على سبيل المثال، المقامة، وأدب الترسل، والمناظرة، وأدب الرحلات، والحكاية العجيبة.

ومن خلال الاطلاع على مؤلف (ألف ليلة وليلة) يمكن القول إن هذا الأخير يشكل نموذجًا لهذا التحول، حيث ضم بين دفتيه ومضات من التراث الفارسي والهندي والعربي، وقد أعاد تطويعها وصهرها في عالم سردي ثر، يعكس وعيًا جمعيًا بأزمة السلطة وتغوُّلها، ما يستدعي آليات للتحايل عليها عبر الترميز والإبعاد والحكي الممتد.

العصر العباسي وإبدالات النسق الثقافي

يعد العصر العباسي من العصور التي عرفت انعطافة حاسمة في تاريخ الثقافة العربية الإسلامية. لقد شكل هذا العصر تحولات عميقة سواء على المستوى السياسي أو الثقافي والمعرفي، وقد كان هذا نتاج الاستقرار السياسي النسبي الذي عرفه خاصة مراحله الأولى. ومع توسع رقعة الدولة الإسلامية في هذه المرحلة تداخلت الثقافات والأعراق المختلفة، واحتكت ببعضها البعض، ما أفرز تفاعلًا هامًا شمل كل المجالات المعرفية، وأغنى الروافد التي أعادت تشكيل النسق الثقافي. فتخصَّبت الثقافات الفارسية والهندية واليونانية تحت مظلة الدولة العباسية، كما نشطت حركة الترجمة، ما انعكس بوضوح على أشكال التعبير بعامة والأدبي بخاصة.

في هذا الإطار لم يعد الشعر وسيلة العرب الوحيدة للتعبير، والحامل لهموم الذات والجماعة، وديوان العرب الفريد، بل بدأ النثر يفرض نفسه بوصفه عالمًا تعبيريًا يمتلك القدرة على استيعاب التحولات الاجتماعية والثقافية والفكرية المتشعبة. مما يعني فهما عميقا لأهمية البيان ووظيفته، فهو «اسم جامع لكل شيء كَشَفَ لك قناع المعنى، وهتك الحجاب دون الجوهر، حتى يفضي السامع إلى حقيقته»1. إن هذا التعريف يميط اللثام عن وعي مبكر بقيمة النثر وقدرته على بناء المعنى والإيضاح والإقناع، ومن ثم فإنه، بما يتيحه من رحابة في السرد والحوار والوصف والتحليل، أضحى أداة ثرة تتقاطع والواقع الجديد، واقع التحول والتعبير الجديد، لقد أضحى النثر جسرًا لمقاربة القيم السائدة ومساءلتها، وآلية لكشف أنماط السلطة والمعرفة. وبالتالي عرف العصر العباسي ازدهار أجناس نثرية متعددة، كالمقامة، وأدب الترسل، والمناظرة، والخطابة، والرحلة، فضلًا عن الحكايات العجيبة، التي كانت منتشرة في الفضاءات العامة والخاصة على حد سواء.

لقد شهد هذا العصر تحولات عميقة على مستوى الهيمنة الثقافية، فلم تعد بلاغة الشعر الجسر الوحيد للتعبير، ولا المرجعية التي تمنح صاحبها المكانة والمشروعية، بل أضحت المعرفة الموسوعية، وامتلاك سحر الحكي، وضبط تقنيات السرد، ركائز رمزية جديدة تؤسس لمنطق الهيمنة الثقافية، وتعيد تشكيل عناصر القوة داخل الحقل الأدبي والثقافي، هكذا انتقل مركز ثقل الإبداع والتأثير من فحولة اللغة وجمالية الإيقاع إلى العمق السردي، واستثمار السرد للمراوغة والتحايل، وبالتالي بناء المعنى عبر طَرْقِ عوالم الحكاية. «لقد ولد، في هذا الإطار، فن جديد هو فن الكتابة، الذي أتقنه كُتَّابٌ مُجيدون، ونافس النثرُ الشعرَ، والكاتبُ الشاعرَ، في ظل ظروف سياسية وفكرية، ولم يعد الشعر وحده يستوعب ضروب الجدل والحوار والتناظر، التي استجدت حول قضايا عقلية، وصوفية، وفلسفية»2.

في هذا الصدد، يمكن اعتبار (ألف ليلة وليلة) نموذجًا حيًا لهذا التحول الذي شهده هذا العصر، فهي تشكل تراكمًا بالغ الدِّلالة على تحول في نسق التعبير، لأنها جمَّاعة لثقافات متعددة ولتراث انفتح على مكونات مختلفة فارسية وهندية وعربية، وأعاد بلورتها في بؤرة سردية منفتحة على احتمالات عدة، قائمة على توليد الحكايات وتداخل النصوص. لقد مكن هذا المنجز الغزير المتلقي من الاطلاع على أزمة السلطة في هذا العصر، كما تعرف عبرها على آليات اشتغالها. إن المتن هنا لا يقدم نفسه بوصفه خطابًا تقريريًا في مواجهة سلطة القهر والظلم، إنه يشتغل ضمن نسق الرمزية والتلميح والإيحاء والتشويق باعتبارها آليات لخداع السلطة ومراوغتها وترويض وجهها البشع، وبالتالي تفكيك منطق اشتغالها من الداخل.

هكذا نفهم، أن «حكايات ألف ليلة وليلة» مؤلف لا يمكن مقاربته بسطحية، من منظور أنه تجميع لحكايات عجيبة تبتغي التسلية والمتعة، بل بوصفه تجسيدًا للحظة ثقافية تعكس انتقالًا من سلطة التعبير الواحد المطلق إلى تعدد الأصوات وتداخلها، ومن سلطة الحسم إلى سلطة المعنى. إنه متن يميـط اللثام عن إدراك عميق لقوة السرد بوصفه آلية مقاوِمة، وعن اقتناع عميق بأن الحكاية شكل من أشكال التعبير القادر على تعديل الأفكار والسلوكات وبناء وعي جمعي جديد يؤمن بشرعية المعنى، وإمكانية مساءلة العنف عبره، حتى في أحلك فترات القهر والجور.

الحكاية الإطار وبنية السلطة

لا شك أن أهم سمة من سمات «حكايات ألف ليلة وليلة» أنها تضم حكاية إطار تنضوي تحت لوائها عديد من الحكايات المؤطَّرة، والملاحظ أن هذه الحكاية الإطار ليست تقنية من تقنيات الكتابة فحسب، بل تشكل بناءً رمزيًا كثيفًا يكشف منذ البداية منطق اشتغال السلطة في أبعد تجلياتها العنيفة. إن بؤرة الحكي في هذا العمل مرتبطة بشهريار قاتل النساء بعد كل ليلة زفاف، إن فعله هذا لا يعني رد فعل نفسي على خيانة زوجية فجة، إنما هو انتقال من جرح داخلي ذاتي إلى رؤية سلطوية كيّفت «العدالة» وفق منظورها الخاص، فحولت الانتقام إلى نموذج حكم، يُخْضِعُ الجميع ويمارس عنفه الرمزي والمادي دون حدود ودون رادع.

في هذا السياق نفهم كيف تتقاطع القصة الإطار مع طموحات السلطة المستبدة، فهي بقدر ما تنتج الخطاب الإمتاعي، بقدر ما تنتج القمع والظلم، فالبطل شهريار لا يمارس فعل القتل وكفى، إنما يؤسس لعلاقة متوترة ومشوّهة مع المرأة، ترتكز على التعميم والاختزال، وتعتبر الخيانة صفة لصيقة بالمرأة. هذا الخطاب بفعل التكرار وبفعل تحوله إلى طقس يومي، تحول من مجرد حدث بشع إلى حقيقة راسخة، تُطبِّع مع العنف وتجد له تبريرًا، وتقمع أي محاولة للاحتجاج والرفض. إن السلطة هنا لا تحتاج إلى الإقناع إنما تحتاج إلى ما يبرر استمرارها.

فـ«كما أنها قهرية وانضباطية، فإنها منتجة أيضًا، حيث تقوم بإنتاج الواقع وموضوعاته وتشكيل ذاتية الأفراد وصياغة المعرفة، وبذلك تصل إلى مجال التشكيل الذي يساعدها على إعادة خلق حياة أكثر سهولة في ممارسة عملها»3.

إن الحكاية الإطار بهذا المعنى تسبر أغوار علاقة متشعبة بين السلطة والسرد، فالقتل والقهر يتكرران بتغول وصمت خارج اللغة وخارج التخييل وبعيدًا عن العاطفة، بينما تتم محاصرة الحكاية وتعقب مبدعيها لأنها قادرة على الكشف والفضح ومساءلة المعنى، إن الصمت يعني القمع كما يعني أيضًا قهرًا ومصادرة للحق في التعبير في أقصى مداه، والسلطة المطلقة لا تقبل الحكي لأنه قد يتحول إلى وعي بضرورة التمرد والثورة على التدجين والإخضاع.

إن اقتحام شهرزاد لهذا العالم الموبوء المتعطش للدماء يخلخل النسق السلطوي من الداخل، إنها لا تواجه السلطة بشكل مباشر، ولا تخاطب شهريار مباشرة لتفضح استراتيجية الانتقام لديه باعتبارها مرضًا وعقدة نقص، بل تعتمد آلية أكثر ذكاء ومكرًا، فهي تتسلل إلى لاوعي البطل عبر السرد، فالحكاية التي تبدأ لا تنتهي لأنها تتخذ من خلق أفق الانتظار عالمها، تشوق وتغري وتأسر المتلقي، بهذا تستطيع تأجيل القرار النهائي، وتعطّل القتل، وتعيد تشكيل الزمن داخل بوتقة الحكي، إن التأجيل والتعطيل ليسا تقنية سردية وحسب، بل مراوغة للسلطة، ومقاومة ناعمة، بذلك تتمكن سلطة المعنى من تطويع سلطة الموت. «فشهرزاد، التي تقف في قلب هذا المشروع، ليست مجرد راوٍ تقليدي، بل مبدعة سردية واعية تمارس فعلها الحواري باستراتيجية دقيقة تراوغ بها الموت، وتؤسس لعالم موازٍ بالكلمة وحدها. وفي ظل هذه الدينامية، لا تقتصر البطولة على الأبطال المغامرين، بل تتوزع بين من يروي ومن يُصغي، بين من يعيش الحدث ومن يعيد تشكيله بالحكي، فتتعدد أنماط البطولة، ويبرز “الحكّاء” بوصفه بطلا بديلا عن المحارب والمغامر»4.

لا شك إذن أن اقتحام شهرزاد لهذه العوالم عبر تمكنها من ناصية الحكي المتعدد، جعلها تعيد تشكيل صورة المرأة لا باعتبارها رمزًا للخيانة، إنما باعتبارها ذاتًا فاعلة، مفكرة، عاقلة، حكيمة تتقن آليات التدبير، كما تعيد تشكيل مفهوم السلطة القائم على الإكراه إلى سلطة تحسن الإنصات، وتتجاوز منطق الحكم العنيف إلى حكم تديره الكلمة. إن السرد هنا يستحيل قوة رمزية بل ركيزة سياسية تحتوي الاستبداد لا بمواجهته بشكل مباشر، إنما بإفراغه من مبرراته التي تسوغ له القتل والقمع.

من هنا نستنتج أن الحكاية الإطار في (ألف ليلة وليلة) ليست مجرد عالم رحب يضم بين دفتيه باقي الحكايات المؤَطَّرة، بل تصبح بؤرة سردية تَتَتَبَّعُ آفاق مواجهة السلطة عبر سحر اللغة، وتكشف عن جدلية مركزية تتواجه فيها قوتان، قوة القهر التي تبتغي قتل الحياة، وقوة الحكي التي تحتفي بها وتؤمن بحتمية التجدد والانعتاق من ربقة الظلم عبر إعادة إنتاج المعنى ودفع التأويل ليبلغ مداه.

التجليات الرمزية لتغوُّل سلطة القهر

لعل المطلع على «حكايات ألف ليلة وليلة» يلفيها عالمًا لكشف عنف السلطة وتوظيفها لآليات متعددة لإخضاع الجميع، والملاحظ أن هذا العنف لم يختص به شهريار لوحده باعتباره تجسيدًا بشعًا للسلطة المطلقة، إنما يتشظى هذا العنف عبر شبكة من القوى الفاعلة التي تحضر داخل متن الحكاية، ونجد ضمنها ولاة وقضاة وغيرهم تجمعهم سمة التعسّف وسوء استعمال السلطة. بهكذا منطق نلمس في المتن محاولة لتوسيع مساحة الإدانة، لتشمل بنية السلطة كلها، لا شهريار وحده، فينتقل الاستبداد من مجرد انفلات فردي إلى خصيصة لصيقة بالسلطة وآليات تدبيرها لأمور المحكومين.

إن القوى الفاعلة التي تؤثث الحكاية وتؤسس للفعل الحكائي فيها غالبًا ما تكون في وضعية اختبار قيمي وأخلاقي، فيكون عليها إثبات حسن تدبيرها للسلطة التي من المفترض أن تكون عادلة، لكنها تفشل في هذا الاختبار فتتحول إلى رمز للسقوط والانحدار خاصة حين ينكشف ظلمها. إن عمل الحكاية لا يقتصر على فضح القهر بل يتعدى ذلك إلى إنتاج مسارات المحاسبة داخل بنائها السردي، وكأننا بالنص يتجاوز غاية العدالة الحقيقية ويعوضها بعدالة أخرى تتأطر ضمن عوالم التخييل، إنها تشبع رغبة الجماهير في معانقة الحرية وإحقاق العدالة حتى وإن اقتصر الأمر على التخييل والإبداع، إنها تداوي الأرواح المتعطشة إلى الانتصار الرمزي على ظُلَّامِها.

ولعل المتأمل في (ألف ليلة وليلة) يكتشف أنها لا تمارس النقد بشكل تقريري مباشر، إنما تلجأ إلى الإبهام والإغراب عبر معانقة عوالم العجب والتشويق، فعالمها هو عالم الجمال والإغراء تكثف المعنى ثم تدفعه لينفتح على قراءات مختلفة ودلالات ثرة، فهي حين تتوسل بالجن والعفاريت والكائنات الخارقة لا تبتغي من ذلك الزخرفة والتزويق، بل تجعلها مرايا تعكس بشاعة السلطة البشرية وتغولها واتسامها بالسادية، فالعفريت أو الجني الغاضب، القادر على القتل والبطش، المتعطش للدماء، هو صورة عن حاكم مطلق يمارس السلطة كما يشاء دون محاسبة.

هذا الانزياح يمكِّن العمل من أداء رسالته وبلوغ غاياته المتمثلة في نقد السلطة دون الاصطدام المباشر بها، فالحديث عن عفريت ظالم أو جن متسلط، يبعد الحكاية عن المباشرة وفي الآن نفسه يسعفها في التعبير عن الواقع المعيش، إنه يضمن لها الديمومة والاستمرارية، ويضمن للرموز الموظفة فيها التجدد والامتداد والراهنية. إن الحكاية تغدو جسرًا لتفجير المكبوتات السياسية والاجتماعية في قالب مقبول سرديًا وتداوليًا، فهي «في خصوصيتها الإبداعية، صيغة وروح إلهام، تقوى جذوتها في كل زمان ومكان، وتتعمق معايشتها مع كل مجتمع، باعتبارها حكايات متنوعة لها أشكالها المختلفة، بين الصراع على وتيرة النقيضين، كما تمتد أيضا، إلى بداية التغيرات الظاهرية لهذا الواقع، والكشف عن الدور الجوهري للنفس الإنسانية»5.

إننا أمام رمزية لا تلغي الحس الإنساني عن المتن، خاصة حس الصراع والشر، بل تعمقه، فالقهر مهما تعددت أشكاله واختلفت مظاهره تبقى الغاية منه مصادرة حق التعبير من الجماهير واستعبادها وتشييئها، وتحويلها إلى موضوع للعقاب أو حتى الاستمتاع، في هذا الإطار أمكن الحديث عن الحكاية باعتبارها فضاءً لفضح ميكانيزمات عنف السلطة المقنّع، ومساحة للكشف عن عوالم الصراع بين القوة والعدل والخير والشر. وبذلك، فإن استئساد سلطة القهر في ألف ليلة وليلة لا يقدم باعتباره قدرًا محتومًا لا مفر منه، إنما كظاهرة تستحق الدراسة والتفكيك والتحليل وإعادة القراءة، إن الحكاية حين تسبر عوالم الاستبداد في مظاهره المختلفة، تستثير لدى المتلقي حسًا نقديًا يدفعه إلى إعادة التأمل في الأشياء، وتبرز أن التخييل متى استثمر بشكل عميق يمكنه أن يتحول إلى أداة مقاومة تتجاوز المواجهة المباشرة، بل تتفوق عليها أحيانًا لأنها تضمن التداول والبقاء عبر الحقب والأزمنة.

شهرزاد وسلطة المعرفة

لا شك أن لكل حكاية بؤرة مركزية تحوم حولها باقي الأحداث وتدور في فلكها، وفي (ألف ليلة وليلة) تجسد شهرزاد هذه البؤرة، فهي القلب النابض لهذا المنجز السردي، لا بوصفها قوة فاعلة رئيسة، بل باعتبارها عاملًا ثقافيًا يطوِّع السلطة من الداخل، فهي لا تواجه شهريار بمنطق القوة الكلاسيكية القائمة على العنف، إنما تلجأ إلى قوة ناعمة أساسها المعرفة، لأنها تستطيع إعادة بناء الخطاب وتوجيه المعنى وفق منطق اللحظة والواقع الجديد الذي يحتم على المبدع ابتكار آليات تواصلية جديدة ترتكز على الترميز والتلميح والإيحاء. إن المعرفة ليست بريئة دائمًا ولا محايدة وهي عنصر توظفه السلطة بدورها للإخضاع والتدجين والاحتواء وهو ما وعته شهرزاد وأحسنت توظيفه.

والجدير بالذكر أن شهرزاد لا تنقل المعرفة وفق نموذج محدد مسبقًا بل تنتجها، فهي حين تحكي الحكايات تتمكن من التحكم في خيطها الناظم، وتخضعها لإيقاع معين يخدم الغاية منها، إنها تدير لحظة السكوت ولحظة الكشف باقتدار ومهارة، هكذا تنتقل القوة من يد الحاكم إلى فضاء اللغة والإبداع وبلاغة الإمتاع، حيث يصبح الإنصات إلى عوالم الحكاية التي تشتغل ضمن مساحات التشويق شرطًا للحكم، وتعوض المعرفة العنف، وهنا نستنتج أن شهرزاد لا تبتغي إسقاط السلطة بل تتطلع إلى ترويضها. «لقد تمكنت من إثبات مركزيتها في إدارة الأحداث وتوجيه سهم الانتصار لصالحها بشكل جذري، سواء من خلال الحكاية المركزية أو من خلال حضورها في الحكايات الفرعية. لقد استغلت عنصر الدهشة في فن الحكي كي تؤسس لتقنية سردية صنعت التحول وجذبت الآخر / الرجل إلى فضائها الأنثوي، وحوَّلت أفق الصراع إلى غير ما كان عليه في بداية الحكاية، فحققت الانتصار واحتلت المركز»6.

إن ميزة (ألف ليلة وليلة) تكمن في تداخل الأصوات وتناسل السراد، فالسرد الذي تنسج عوالمه شهرزاد ليس سردًا أحاديًا مغلقًا، وهي بذلك لا تدعي امتلاك الحقيقة المطلقة، إنها تفتح المتن على كُوى متعددة وأصوات أحيانًا تتوافق وأحيانًا تتعارض وتعيش لحظة الصراع، في هذا نجد أصوات الملوك كما نجد أصوات العبيد، وأصوات الحكماء كما أصوات المغفلين والحمقى، والمذنبين وأيضًا الضحايا. إننا بصدد مدى يعيد توزيع الأدوار ويمكِّن الجميع من حق التعبير بعيدًا عن الصفة أو المكانة الاجتماعية، ويخلخل منطق الصوت الواحد الذي تحتكره السلطة الظالمة.

لا غرو إذن أن نقف عند معطى تحاول الحكاية الدفاع عنه، ويتمثل في نقدها لمنطق التعميم والإسقاط والتبسيط الذي يستند إليه شهريار في ممارسته للسلطة، فإذا كانت الزوجة خائنة فهذا الحكم لا يمكن أن ينطبق على جميع النساء، فبدل هذا النموذج السلبي قدمت الحكايات المؤطَّرة نماذج لنساء حكيمات ووفيات ومقاومات ومعترفات أيضًا بالذنب، وبدل الحاكم الظالم فتحت الحكايات عيوننا على أشكال متعددة من السلطة منها العادلة والرشيدة، ثم المتهورة المستبدة، وأيضا تلك القابلة للإصلاح وأخرى يتحتم على الجماهير إسقاطها.

ونلاحظ أيضًا أن تعدد الأصوات وتداخلها لا يشمل القوى الفاعلة وحدها، إنما يمتد الأمر ليشمل الحكايات أيضًا، والتي نستشف من خلال الاطلاع عليها تواتر الأحداث فيها بشكل لا نهائي، فمن حكاية إلى حكاية أخرى يتشظى المعنى، ويأخذ مسارًا لا ضفاف له، إننا أمام تداخل لا يحصر المعنى في سياق معين بل يدفعه ليتنامى ويتشابك، وبالتالي يربك سلطة شهريار الذي يحتاج إلى قرار، وهو قرار تؤجله الحكاية لأن أفقها التأويلي مستمر في التشكل دون حدود.

على هذا الأساس يمكن القول إن شهرزاد تمتلك معرفة مقاوِمة تتجاوز سلطة القهر، إنها ممارسة ابستيمولوجية ترج أركان الاستبداد، فالمعرفة حين تشتغل بشكل عميق لا تفرض نفسها على المتلقي بالقوة، ولكنها تتغلغل في العقول والقلوب، مزاوِجة بين بلاغتي الإمتاع والإقناع. إنها تعيد تشكيل الوعي، وبذلك فهي لا تنقذ شهرزاد وحدها من الخطر الداهم وإنما تشحذ لدى الحاكم إحساس الرحمة والصفح والعطف، وتفتح أمامه تعديل السلوك، عبر استدراجه إلى تجربة الإصغاء، وهي تجربة تناقض تصوّر الاستبداد الذي لا يؤمن بالحوار بل يرى أن استمرار الحكم لا يكون إلا بقهر الجميع وإخضاعهم.

الحكي باعتباره مقاومة ثقافية ورأس مال رمزي

لعل المطلع على (ألف ليلة وليلة) يقف عند حقيقة راسخة وهي تَبَنِّي السلطة المستبدة للعنف المادي والقهر بشتى صنوفه، عكس سلطة الحكي التي تتبنى خطابًا آخر مخالفًا، يقوم على الرأسمال الرمزي، ويحسن استثمار المعنى ودلالاته العميقة. إن النظر إلى الحكي، في هذا الصدد، يتجاوز اعتباره تسلية أو تأجيلًا للموت، إلى فِعْلٍ ثقافي واعٍ، تراكمَ عبر اللّيالي، وقدرتها على التموقع داخل سيرورة الحقل السلطوي.

إن هذا الرأسمال الرمزي الذي تحقق لشهرزاد ليس إلا نتاج تراكم اكتسب عبر الزمن، وأضفى على الحكي شرعية ومصداقية لا يعتورها شك. إننا بصدد قوة فاعلة حققت حضورها داخل سياقها وداخل السياق التاريخي والثقافي والأدبي اللاحق، فشهرزاد في كل ليلة تنجح في إغراء شهريار وشد انتباهه وكسب إصغائه، وبذلك تحقق قدرًا كبيرًا من الثقة والجرأة، وتتجاوز كونها مجرد ضحية إلى عنصر فاعل مُعْتَرَفٍ به داخل سيرورة السلطة، يمتلك خصّيصة التأثير دون امتلاك آليات القهر.

وتكمن قوة هذه الخصّيصة في كونها لا تختار خط المواجهة المباشرة مع السلطة، ولا ترمي إلى إسقاطها وإلغاء وجودها، لكنها تختار الاشتغال من داخل منطقها، مستثمرة نقاط ضعفها، والمتمثلة في حاجتها إلى المعنى وسحر الحكاية. فشهريار مهما بلغ طغيانه، يبقى كائنًا يمكن أن يتأثر بالخطاب وهو ما تستثمره شهرزاد عبر استراتيجية الحكي، حيث يستحيل السرد عندها آلية تفاوض رمزي يتجاوز العنف ويحتفي بالمعنى. بذلك نكتشف أن «الأدب يستطيع الكثير. يستطيع أن يمُد لنا اليد حين نكون محبطين بعمق، ويقودنا نحو الكائنات البشرية الأخرى المحيطة بنا، ويجعلنا أفضل فهما للعالم، ويعيننا على أن نحيا. ليس ذلك لكونه، قبل كل شيء، تقنية لعلاجات الروح، بل لأنه وهو كشف للعالم، يستطيع أيضا، في المسار نفسه، أن يحوِّل كل واحد منا من الداخل»7.

واللافت أن المقاومة التي تؤسّس لها شهرزاد مقاومة هادئة تشتغل في أناة، بعيدًا عن العنف الثوري، فهي مقاومة تبتغي ترويض السلطة عبر البعد الجمالي الذي تتأطر ضمنه الحكايات، إنها لا تُدين بل تُخاتل، تراوغ وتتغنج ليلة تلو ليلة، لتضع البطل أمام تجارب مختلفة تجعله يعيد التفكير والتأمّل وإدراك العالم، دون أن يكون مجبرًا على تعديل السلوك أو الاعتراف بالذنب، وهنا يتحول الحكي إلى لحظة تهذيب وتطهير تُذَكِّرُ الحاكم بالقيم الإنسانية التي أطفأتها سلطة العنف.

إن التراكم الذي تحقق لشهرزاد عبر الحكي وعبر توالي الليالي تراكم رمزي يعيد ضبط مواقع القوة داخل هذا المنجز، إذ ينتقل مركز الثقل من العنف إلى التروي، ومن الذبح إلى الكلمة الساحرة، فشهرزاد من خلال قدرتها على الحكي تمسك بالزمن وتدفعه ليتحول إلى لحظة تَعَلُّم وتَفَكُّر بدل أن يكون لحظة قتل، إنها تعيد تعريف السلطة بوصفها عالمًا يختار الإنصات عوض الإنهاء، وبذلك فإن الانتصار الذي تحققه لا يأتي من فراغ، بل هو ثمرة عمل طويل، عمل رمزي فيه الكثير من الإغراب والإبهام، فيه أيضًا تنجح الثقافة في تهذيب السياسة وتليينها، وبالتالي تنجح الحكاية في مجابهة العنف وكبح جماحه.

بالتالي يمكن القول، إن (ألف ليلة وليلة) تقدّم نموذجًا مختلفًا للمقاومة، لا يرتكز على رد العنف بالعنف، إنما يتخذ من الثقافة آلية للمواجهة، كما يرجح التأني والنفَس الطويل. فالحكي رأسمال رمزي إذن، يمتلك ميزة البقاء والاستمرارية، إنه يؤثر لأنه يخاطب الوجدان والوعي والخيال والذوق، وهي مساحات لا تستطيع السلطة المستبدة السيطرة عليها بشكل كامل.

تأسيسًا على ما سبق، نرى أن شهرزاد هي نموذج للمثقف العضوي المقاوم الممانع، الذي يجابه السلطة بالكلمة بدل السلاح، وبالصدق والإيمان بعدالة القضية، إن سلاحها عمق المعنى والقدرة على التخييل والإبداع.

الزمن السردي وتأجيل الموت

يُعد الزمن في (ألف ليلة وليلة) أحد أعمدة الحكي، وعنصرًا مركزيًا في التحكّم في الأحداث وإنتاج المعنى، فهو ليس مجرد قالب تتناسل ضمنه الأحداث، وعمومًا نلاحظ أن الزمن في هذا العمل يشتغل ضمن فضاء التقابل، إذ نجد الليل كما نجد النهار، ونكتشف أن لكل منهما دلالته داخل المتن. إن الليل يقترن بالحكي والعوالم المفتوحة على احتمالات عدة، بينما يقترن النهار بالقرار والتسلّط والقتل، هكذا يتجاوز الزمن معناه الفيزيائي ويستحيل مجالًا للصراع بين إرادتين، إرادة الحياة والأمل، وإرادة الموت واليأس.

من هذا المنطلق يتحول الليل إلى مظلة حماية، ففيه تتعطّل آلة القتل، ويتنامى السّمر والمتعة والتشويق وحسن الإصغاء. إن الحكاية حين تُروى ليلًا تُمتع، لكنها أيضًا تُربك السلطة وتخلخل منطقها القائم على القرار النافذ والحاسم. إن القدرة على تأجيل قرارها بقدر ما يبدو أمرًا بسيطًا بقدر ما يعكس رؤية وجودية تعيد تعريف الزمن، وتدمجه في بوتقة الصراع، صراع لا يخبو بين الحياة والموت، فكل حكاية تؤجل فيها شهرزاد النهاية، تعني أيضًا موتًا مؤجلًا وتحكمًا في الزمن وتأسيسًا لتيمة الانتظار.

تتجلى مظاهر البعد الوجودي للسرد في الحكاية، كون الحياة نفسها مشروطة بقدرة شهرزاد على الاستمرار في الحكي، لا بوصفه آلية جمالية، إنما ضرورة أنطولوجية فلسفية تنتصر للحياة، فكل توقف للحكي يعني كسرًا للزمن وبالتالي منح شهريار فرصة ممارسة ساديته على شهرزاد وكل النساء. إن شهرزاد لا تنجو من القتل لأنها بريئة، بل، لأنها تضبط وتر الحكي، وتعرف متى تبوح ومتى عليها أن تصمت. بذلك نفهم أن «الزمن لا يصير إنسانيًا إلا حين يُروى، أي حين يدخل في بنية السرد. وهو ما يجعل استمرار الحكي عند شهرزاد استمرارًا للزمن الإنساني نفسه»8.

ووفق هذه البنية تتمكن الحكاية من إعادة تعريف العلاقة بين الإنسان والزمن، فالزمن لم يعد تلك الآلة التي تسحق الإنسان وتبعثر كيانه ووجوده، بل أضحى مجالًا يمكن كسب وده عبر السرد. إن الحكاية تمسك بِكُنْهِ الزمن، تُسَرِّعُهُ كما تشاء وتبطئه أيضًا، وتمنحه دلالات جديدة، فيتحول إلى شكل من أشكال السيطرة الرمزية على المصير، يواجه عبره الأفراد حتمية الفناء عبر إعادة تشكيل المعنى.

من سمات الزمن السردي أيضًا في (ألف ليلة وليلة) أنه زمن دائري، ينطلق من مشهد ثم يعود إليه، كما أنه يؤجّل النهاية. فليلًا تبدأ شهرزاد الحكي، وفي لحظة الذروة تتوقف ليتلو ذلك الانتظار. إن هذا البناء السردي لا يُشعر المتلقي بالرتابة والملل، إنما يُرسّخ لديه ملحمة وجودية، تعيش فيها الحياة عنفوانها كل مرة، بعيدًا عن الجمود والركود. إننا بصدد إيقاع يقاوم النهاية ويبقيها مفتوحة على احتمالات لا نهائية.

إن الحكاية بهذا المعنى تنفتح على سؤال المصير وفلسفة الخلود والبقاء، صحيح أنها تُمتع وتُشوِّق وتغري وتخاطب الوجدان، لكنها أيضًا وسيلة لإنقاذ الحياة من بطش الموت وتغوّله، إن رهانها تغيير نظرة الإنسان للزمن لا باعتباره عدًا تنازليًا نحو الرحيل والأفول، بل بوصفه بؤرة لتجدد المعنى. إن الحكي نموذج أسمى وأرقى لمواجهة الفناء، لأنه يمنح الحياة أفقًا جديدًا يتسامى ليعانق الأرواح المكلومة، وللوجود حضورًا مختلفًا يستحق أن يُروى عبر العصور.

من سلطة السيف إلى سلطة المعنى

بَعد تنامي خطّ الحكي وتشعّب الحكايات المؤطَّرة يبلغ المسار السردي مدى عميقًا، إنه يتشابك ويتنامى ليبلغ ذروته لا باعتباره انتصارًا طارئًا على سلطة القهر، بل كمحصلة طبيعية للتراكم الرمزي الحاصل. فشهريار الذي بدأ حكايته كنموذج للسلطة الشمولية المطلقة التي تؤمن بالسيف والعقاب، ينتهي به المطاف ليعلن تخلّيه عن تجبُّره، وليعترف بحق شهرزاد في التعبير والحياة والبوح. إننا هنا بصدد تحول نفسي فعل فيه سحر السرد كل الأفاعيل، وأعاد تشكيل وعي الحاكم عبر تشغيل الزمن وشحذ المعنى ليتشظى وينتصر للحس الإنساني.

لقد شكل هذا التحول انقلابًا لافتًا على سلطة السيف، وانتصارًا لسلطة المعنى، أي انفلاتًا من صخب القوة وارتماء في أحضان الحيلة، فالسيف في دلالاته الرمزية أداة للحسم لا تمنح أي فرصة للحوار والاختلاف، بينما يظل المعنى مسرحًا للتواصل الإيجابي، والإيمان بنسبية الأحكام، ومن ثم، نرى أن انتصار منطق الحكي لا يلغي السلطة، إنما ينزع عنها آفات القهر، ويعيد رسم حدود اشتغالها وفق معايير قيمية وأخلاقية.

إن (ألف ليلة وليلة) تمتح من مساحات السياسة أبعادًا لا محدودة، ذلك أن انتصار «سلطة المعنى» في هذا المنجز الثر يحبل بالرمزية، إذ لا ينتهي الحكي بإسقاط شهريار أو إعدامه، بل بتهذيب سلوكه وتطهير وجدانه. إن الغاية لم تكن أبدًا الانتقام من السلطة ولا ينبغي للنص أن يؤمن بذلك، إنما عليه أن يقنع الجميع بإمكانية التعديل والإصلاح، بذلك تبتعد هذه الحكاية عن سرديات الثورة وتقترح الترويض الطويل عبر استثمار آلية الثقافة والوعي. «إن السرد هو الرهان الذي يمنح التجربة الزمنية شكلًا، ويضفي عليها معنى، ويوفر معقولية للفعل الإنساني، ولذلك نفترض ألا يكون الزمن إنسانيًا إلا إذا كان محكيًا، لأنه بفضل السرد يصير له معنى ووحدة متجانسة، ومن ثم يسمح للأفراد بتنظيم تجاربهم الحياتية»9.

لقد شكل حرص شهريار على الإنصات وقبول السفر في عوالم الحكايات اعترافًا ضمنيًا بشهرزاد باعتبارها نموذجًا إنسانيًا طوَّع السلطة وأخضعها لرؤيته وقناعاته، هكذا تنتصر الإرادة الحُرة، والكلمة الرصينة السّاحرة المنفتحة على مدارج التأويل، ويتجسد السرد كبؤرة تُحَقِّقُ العدالة الرمزية. فمن تغوّل الموت إلى قبول تقاسم الحكم وإن بشكل معنوي، لا باستخدام الوجه القبيح للسلطة، بل عبر التأثير فيها من الداخل، وهنا يتأسس المعنى حين يراكم التجارب وحين يصوغ الحِكم، إن نفوذه هنا يتجاوز نفوذ السيف، لأنه يعيد تشكيل الوعي بدل قهر الجسد وخنق حضوره.

يشير هذا التحول، من منطلق أخلاقي، إلى تخلي الحكم عن منطق العقاب واستبداله بمنطق المسؤولية، ومن الانتقام العابر إلى العدالة الراسخة. فالحاكم الذي يسقط تجربته الشخصية على الجماعة، يتربى عبر الحكي على الفصل بين الذاتي والموضوعي، وبين المأساة الشخصية والتشريع المنطقي، وبهذا تتمكن الحكاية من صهر السلطة ضمن مسار القيم الإنسانية، عوض أن تظل معزولة عن الأخلاق والمبادئ الفاضلة.

إن انتصار سلطة المعنى في (ألف ليلة وليلة) يجب أن يتجاوز منطق النهاية السعيدة المستهلَكة، إلى نهاية بأفق أخلاقي وفكري، وبتصور جديد، وباستشراف لآفاق أخرى تنحو منحى الفلسفة والثقافة. إن هذا المنجز يعيد تعريف مجموعة من المفاهيم، منها القوة والعدل، والحكي والحُكم، كما أنه ينتصر لسلطة تحسن الإنصات وتؤمن بالاختلاف، وتتفهم اختيارات الأفراد، بهكذا منطق، تتحول الحكاية من مجرد رغبة في النجاة الفردية إلى طرح جديد ينتصر للإنساني، ويعترف بأن الكلمة حين يحسن استثمارها وتشكيل معانيها تستطيع قهر العنف والتسلط، وبناء عالم أكثر عدلًا وإنسانية.

خاتمة

تكشف مقاربة حكايات (ألف ليلة وليلة)، من منظور قدرة الحكي على تجاوز قهر السلطة وتغوُّلها، عن نص ماتع امتلك القدرة على تشكيل وعي نقدي ورؤية سردية وثقافية بالغة العمق والثراء، تجاوزت آليات السلطة السطحية في تدجين الأفراد وإخضاعهم وإذلالهم، واحتفت بسلطة المعنى التي عرَّت السلطة وأبرزت هشاشتها.

إن السرد في هذا الإطار مقاومة ناعمة، خاصة وأنه يمتح من عوالم الثقافة الشعبية، إنه ليس هروبا من المواجهة أو تسلية بريئة، بل كوة عبرها يتم تصريف القلق الجماعي، وبناء خطاب قادر على الالتفاف على الوُثوقيات التقليدية والطابوهات المحظورة. ففي لحظات الاغتراب والضياع والألم والقهر، تشتغل الحكاية وترسي ديناميتها وتبتكر استراتيجيات تفصح عن المعنى، وتنتصر للخلود وتسافر بالمتلقي في عوالمها اللانهائية، فيتأجل الموت والفناء، ويفيض الزمن بمكنوناته الإنسانية.

يتجاوز السرد في الحكاية تلك الرؤية الضيقة التي ترى فيه مجرد انعكاس للواقع، ويستحيل قوة فاعلة تتجاوز الرصد إلى إعادة التشكيل والبلورة، فيتحول الحكي إلى مساحة رمزية حُبلى بالمعرفة والفكر، قادرة على تليين العنف، ودفع السلطة إلى تبني القيم الأخلاقية في تعاملها مع الأفراد.

ونؤكد في الأخير، أن هذا المؤلف الفخم شاهد على أن الحكاية ليست مجرد ترف أو تسلية، بل حتمية وجودية، تنتصر لثقافة المقاومة والممانعة، كما تدعو الأفراد إلى مجابهة الظلم وحتى التفاهة، لأن السرد قادر دائما على مواجهة السيف ومحاصرته. إن هذا المؤلف لا يمكن أن يفقد راهنيته، فهو مصدر إلهام أبدي، وأفق يكشف حتمية الصراع بين الخير والشر دائما، مهما اختلفت العصور والظروف، إنه يثبت أن الكلمة متى امتلكت وعيا تنويريا قادرة على استدراج السلطة إلى عالمها وبالتالي تفكيك قسوتها من الداخل.

 

الهوامش:

1 – الجاحظ، أبو عثمان عمرو بن بحر، البيان والتبيين، تحقيق: عبدالسلام هارون، مكتبة الخانجي، القاهرة، الجزء الأول، الطبعة السابعة، 1998م، ص 76.

2 – سمية الهادي، ثنائية الشعر والنثر في منظور النقد العربي بين القديم والحديث، مجلة العمدة في اللسانيات وتحليل الخطاب، الجزائر، المجلد السابع، العدد الأول، يناير 2023م، ص: 482.

3 – أحمد مصطفى الكوشي، ميشيل فوكو ومولد السياسة الحيوية: تحوّل السلطة في إدارة الحياة والموت، مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث، شتنبر 2025م، رابط الموقع:

https://2u.pw/3q4Rbi

4 – أريج محمد طيب خطاب، شهرزاد مبدعة سردية: دراسة في وظيفة الحكي كفعل مقاومة وتجاوز في (ألف ليلة وليلة)، المجلة العلمية لكلية التربية، جامعة سرت ليبيا، المجلد الرابع، العدد الثاني، يوليو 2025م، ص: 135.

5 – نبيل حويلي، حكايات ألف ليلة وليلة بعيون غربية (دراسة نقدية / أناسية)، مجلة إشكالات في اللغة والأدب (فصلية محكمة)، الجزائر، العدد الثاني، ماي 2013م، ص: 68.

6 – آمال كبير -عادل بوديار، مركزية الأنثى ودهشة الحكي في (ألف ليلة وليلة)، مجلة علوم اللغة العربية وآدابها، الجزائر، المجلد 13، العدد الأول، مارس 2021م، ص: 1483

7 – تزفيتان تودوروف، الأدب في خطر، ترجمة: عبد الكبير الشرقاوي، الدار البيضاء: دار توبقال للنشر، ط1، 2007، ص: 45.

 -8  Paul Ricoeur, Time and Narrative, Vol. 1, trans. Kathleen McLaughlin & David Pellauer, University of Chicago Press, 1984, p. 3.

9 – حميدة بوعبدالله، السرد والهوية السردية في فكر بول ريكور، مجلة الحكمة للدراسات الأدبية واللغوية، جامعة الجزائر، العدد الثاني، المجلد 12، 2024م، ص: 37.

https://2u.pw/3q4Rbi

المصادر والمراجع:

1 -أريج محمد طيب خطاب، شهرزاد مبدعة سردية: دراسة في وظيفة الحكي كفعل مقاومة وتجاوز في (ألف ليلة وليلة)، المجلة العلمية لكلية التربية، جامعة سرت ليبيا، المجلد الرابع، العدد الثاني، يوليو 2025م.

2 -أحمد مصطفى الكوشي، ميشيل فوكو ومولد السياسة الحيوية: تحوّل السلطة في إدارة الحياة والموت، مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث، شتنبر 2025م، رابط الوقع

https://2u.pw/3q4Rbi

3 – آمال كبير -عادل بوديار، مركزية الأنثى ودهشة الحكي في (ألف ليلة وليلة)، مجلة علوم اللغة العربية وآدابها، الجزائر، العدد الأول، المجلد 13، مارس 2021م.

4 – تزفيتان تودوروف، الأدب في خطر، ترجمة: عبد الكبير الشرقاوي، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، الطبعة الأولى، 2007م.

5 – الجاحظ، أبو عثمان عمرو بن بحر: البيان والتبيين، تحقيق: عبد السلام هارون، مكتبة الخانجي، القاهرة، الجزء الأول، الطبعة السابعة، 1998م.

6 – حميدة بوعبدالله، السرد والهوية السردية في فكر بول ريكور، مجلة الحكمة للدراسات الأدبية واللغوية، جامعة الجزائر، العدد الثاني، المجلد 12، 2024م.

7 – سمية الهادي، ثنائية الشعر والنثر في منظور النقد العربي بين القديم والحديث، مجلة العمدة في اللسانيات وتحليل الخطاب، المجلد السابع، العدد الأول، يناير 2023م.

8 – نبيل حويلي، حكايات ألف ليلة وليلة بعيون غربية (دراسة نقدية/أناسية)، مجلة إشكالات في اللغة والأدب (فصلية محكمة)، جامعة تمنراست، الجزائر، العدد الثاني، ماي 2013م.

باللغة الأجنبية:

 9- Paul Ricoeur, Time and Narrative, Vol. 1, trans. Kathleen McLaughlin & David Pellauer, University of Chicago Press, 1984, p. 3

 

Facebook
X
WhatsApp
Threads
Telegram

د. عزيز بويغف

أستاذ باحث، الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين، ورزازات، المغرب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى