العدد الحاليالعدد رقم 48ترجمات

الـرومــانسيـة

بقلم: ريتشارد بيدل وبيتر س. بيكر

ترجمة: د. أشرف زيدان                  

يُعدّ مصطلح «رومانسي» ضروريًا عند الإشارة إلى أبرز الكتّاب الذين لمع نجمهم في أواخر القرن الثامن عشر وبدايات القرن التاسع عشر، غير أنه يحمل قدرًا من الالتباس؛ إذ لم تكن هناك آنذاك حركة أدبية تُعرف باسم الرومانسية، كما أن كبار كتّاب تلك الحقبة لم يطلقوا على أنفسهم هذا اللقب. ولم تتبلور الفروقات بين السمات العضوية والتشكيلية في الفن الرومانسي، في مقابل الطابع الميكانيكي للكلاسيكية، إلا لاحقًا، وتحديدًا في محاضرات ألقاها أغسطس فيلهلم فون شليغل في فيينا خلال عامي 1808 و1809.

رأى العديد من أبرز كتّاب ذلك العصر أن العالم يشهد تحولًا جديدًا. ففي عام 1793، أعلن ويليام بليك أن «سماء جديدة قد ظهرت»، وبعد جيل، أكّد بيرسي بيش شيلي أن «عصر العالم العظيم يبدأ من جديد». أما جون كيتس، فقد كتب عن لي هانت وويليام وردزوورث قائلًا: «سيمنح هؤلاءُ العالمَ قلبًا جديدًا ونبضات جديدة». ظهرت مُثُل جديدة إلى الساحة، وكان من أبرزها توسع مفهوم الحرية، الذي لطالما كان موضع تقدير في إنجلترا، ليشمل جميع مجالات النشاط الإنساني. ومع انتشار هذا المثل في أرجاء أوروبا، بدا من الطبيعي أن يؤمن الناس باقتراب نهاية عصر الطغاة.

أبرز ما يميز الشعر في تلك الفترة هو الدور الجديد الذي أُسند إلى الفكر الفردي والشعور الشخصي. ففي حين كان الاتجاه السائد في شعر القرن الثامن عشر يميل إلى تمجيد العام، حيث يُنظر إلى الشاعر كمتحدث باسم المجتمع يخاطب جمهورًا مثقفًا ومتجانسًا لنقل الحقيقة، اعتبر الرومانسيون أن جوهر الشعر يكمن في التجربة الفردية الفريدة. عبّر ويليام بليك عن هذا التوجه بحدة في تعليقه الهامشي على كتاب «خطابات» للسير جوشوا رينولدز، حيث قال: «التعميم هو الحماقة بعينها، أما التخصيص فهو ما يميزك عن غيرك». أصبح الشاعر يُرى كشخصية فريدة تتفوق بإدراكها العميق، ويتخذ من تأملاته الخاصة موضوعًا رئيسًا لعمله. وبات الشعر يُعد وسيلة لنقل حقيقة الشاعر الذاتية، حيث أصبح الإخلاص المعيار الأساسي للحكم على قيمته.

كان التركيز على المشاعر، الذي بلغ ذروته ربما في قصائد روبرت بيرنز، امتدادًا لـ تقديس الإحساس المرهف التي ازدهرت في فترات سابقة. ومن اللافت أن ألكسندر بوب أشاد بوالده لكونه لا يعرف سوى لغة القلب. إلا أن المشاعر اكتسبت تأكيدًا خاصًا خلال العصر الرومانسي، وأصبحت محورية في معظم تعريفاته للشعر. وصف ووردزوورث الشعر بأنه «فيض عفوي من المشاعر القوية»، بينما عرّفه جون ستيوارت ميل في عام 1833 بأنه «الشعور ذاته، الذي يستخدم الفكر فقط كأداة للتعبير عنه». بناءً على ذلك، أعد الشعر الأسمى هو ذلك الذي ينقل أعظم درجات الشدة العاطفية، مما منح الشعر الغنائي مكانة جديدة ومميزة.

كانت الكتابة الرومانسية تتميز بتحولها من الاعتماد على التقاليد المحاكية أو المقلدة التي ميزت العصر الكلاسيكي الجديد إلى إيلاء أهمية أكبر للخيال. فقد اعتبر صامويل تايلور كولريدج الخيال أعظم الصفات الشعرية، واصفًا إياه بأنه قوة إبداعية شبه إلهية تجعل من الشاعر كائنًا أقرب إلى الإله. بينما رأى صامويل جونسون أن الشعر يتألف من «الإبداع والخيال والتمييز العقلي»، أكد بليك أن «هناك قوة واحدة فقط تصنع الشاعر: الخيال، الرؤية الإلهية».

منح شعراء تلك الفترة اهتمامًا كبيرًا لآليات العقل اللاواعي، والأحلام، والخيالات، والظواهر الخارقة للطبيعة، إضافة إلى النظرة الطفولية أو البدائية للعالم، التي كانت تُقدَّر لقيمتها الواضحة والمكثفة غير المقيّدة بقيود العقل المتحضر. وغالبًا ما كان مفهوم جان جاك روسو العاطفي عن الوحش النبيل يُستشهد به، بالرغم من أن الكثيرين يجهلون أن هذه العبارة في الأصل تعود إلى درايدن، وأن هذا النموذج البشري ورد ذكره سابقًا في الهندي الفقير ضمن مقالة بوب عن الإنسان.

من أبرز المؤشرات على تراجع التركيز على التعبير الرسمي في الشعر هو تبني الرومانسيين لموقف مختلف تجاه الشكل. فقد اعتبروا أن الشعر، لكي يكون عفويًا، صادقًا، ومكثفًا، يجب أن يتبع في الأساس إملاءات الخيال الإبداعي. وقد عبّر وردزورث عن هذه الفكرة بنصيحته لشاعر شاب: «إذا شعرت بقوة، فثق بمشاعرك، فقصيدتك ستتخذ شكلها وأبعادها بنفس الطريقة التي تنمو بها الشجرة من المبدأ الحيوي الذي يحركها». جاءت هذه النظرة العضوية للشعر على خلاف النظرية الكلاسيكية لـــ الأنواع، التي تفترض وجود قواعد لغوية محددة لكل نوع. كما أدت إلى الاعتقاد بأن الوصول إلى العظمة الشعرية لا يمكن تحقيقه إلا في المقاطع القصيرة.

مع ظهور مفهوم جديد للشعر والتركيز على مواضيع جديدة، تزايدت الحاجة إلى أساليب مبتكرة في الكتابة. فقد أعد وردزوورث وأتباعه، لا سيما كيتس، أن الأسلوب الشعري الذي كان سائدًا في أواخر القرن الثامن عشر بات مبتذلًا ومصطنعًا، أو مبهرجًا وتافهًا، وغير ملائم تمامًا للتعبير عن رؤاهم الشعرية. من وجهة نظرهم، لم يكن هذا الأسلوب يعبر عن لغة المشاعر، لذا سعى وردزوورث إلى تقريب لغة الشعر من لغة الكلام العادي. ومع ذلك، كان أسلوب وردزوورث نفسه يبتعد أحيانًا عن هذه النظرية. وبحلول عام 1800، عندما نشر مقدمة ديوانه «القصائد الغنائية»، أصبح واضحًا أن الأسلوب الشعري المرن الذي ميز أوائل القرن الثامن عشر قد تحول إلى لغة تقليدية جامدة بحاجة إلى تغيير جذري.

الشعر: بليك، وردزوورث، وكوليردج

على الرغم من فائدة تتبع العناصر المشتركة في الشعر الرومانسي، إلا أن مستوى التوافق بين الشعراء كان محدودًا للغاية. ومن الخطأ أن نقرأ أعمال الرومانسيين الأوائل وكأن هدفها الأساسي كان التعبير عن مشاعرهم الشخصية؛ فقد تمحور اهتمامهم حول إحداث تغيير في المناخ الفكري السائد في عصرهم. كان ويليام بليك، على سبيل المثال، غير راضٍ منذ شبابه عن الحالة الراهنة للشعر وما وصفه بالكآبة غير الدينية التي خيمت على الفكر المعاصر. ويظهر تطويره المبكر لفكاهة ساخرة كوسيلة لمواجهة عالم بات فيه العلم بلا جدوى والفن فاقدًا للأهمية في قصيدته الهجائية «جزيرة في القمر» (1784-1785). ثم انتقل إلى خطوة أكثر جرأة بتبسيط أسلوبه في مجموعته الشعرية الخيالية «أغاني البراءة» (1789). وقد دفعه شغفه بالتجديد إلى اعتبار الثورة الفرنسية حدثًا تاريخيًا ذا أهمية بالغة. في أعمال مثل «زواج السماء والجحيم» (1790-1793) و«أغاني التجربة» (1794)، انتقد بليك نفاق عصره والقسوة اللاشخصية الناتجة عن سيطرة العقل التحليلي على الفكر السائد. ومع إدراكه أن تحقيق مُثُل الثورة الفرنسية في زمنه بات أمرًا بعيد المنال، ركز جهوده على إعادة تشكيل رؤية معاصريه للكون. سعى إلى بناء أسطورة جديدة، لا تتمحور حول إله الكتاب المقدس التقليدي، بل حول شخصية أوريزين، الذي رآه تجسيدًا قمعيًا للعقل والقانون، واعتقد أنه يمثل الإله الذي كان يعبده مجتمعه بالفعل. تناول بليك صعود أوريزين في «الكتاب الأول لأوريزين» (1794)، ثم بجرأة أكبر في المخطوطة غير المكتملة «فالا»، التي أعاد صياغتها لاحقًا باسم «الزواس الأربعة» (The Four Zoas)، وكتبها بين عامي 1796 و1807.

واصل بليك تطوير هذه الأفكار في أعماله الرؤيوية «ميلتون» (1804-1808) و«القدس» ( 1804-1820). من خلال شخصياته الأسطورية الخاصة، قدم بليك صورة الفنان الخيالي كبطل للمجتمع، مقترحًا إمكانية التحرر من الحالة الساقطة أو ما أطلق عليه حالة أوريزين.

في الوقت ذاته، كان ويليام وردزوورث وصامويل تايلور كولريدج يستكشفان تأثيرات الثورة الفرنسية. أصيب وردزوورث، الذي عاش في فرنسا بين عامي 1791 و1792 وأنجب طفلًا غير شرعي هناك، بصدمة عميقة عندما أعلنت بريطانيا الحرب على الجمهورية الفرنسية بعد فترة وجيزة من عودته، مما أدى إلى انقسام ولائه. ظل وردزوورث طوال حياته المهنية متأثرًا بتلك الأحداث، ساعيًا إلى صياغة رؤية للإنسانية تعكس إحساسه العميق بالمأساة التي تحيط بمصير الأفراد والإمكانات التي لم تتحقق للإنسانية ككل.

برز الجانب الأول من رؤية وردزوورث في قصيدتيه المبكرتين «الكوخ المدمر» و«البائع المتجول»، اللتين أصبحتا لاحقًا جزءًا من ديوانه «الرحلة». أما الجانب الثاني فتطور بشكل ملحوظ في عام 1797، عندما كان وردزوورث يعيش مع شقيقته دوروثي في غرب إنجلترا على اتصال وثيق بكولريدج. استلهم وردزوورث من المشاعر المباشرة لدوروثي، التي عُبِّر عنها بوضوح في «مذكراتها» (المكتوبة بين 1798 و1803، والمنشورة في عام 1897)، ومن عبقرية كولريدج التأملية والخيالية. ونتيجة لذلك، كتب القصائد التي جمعها في ديوان «القصائد الغنائية» (1798). افتتح المجلد بقصيدة كولريدج الشهيرة «قصائد البحار القديم»، واحتوى على قصائد تعبّر عن البهجة بقوى الطبيعة وغرائز البشر البسطاء، واختتم بقصيدة وردزوورث «أسطر مكتوبة على بعد أميال قليلة من دير تينترن»، التي تعكس إيمانه المتجدد بالطبيعة والإنسانية.

واصل وردزوورث استكشاف العلاقة بين الطبيعة والعقل البشري في قصيدته الطويلة ذات الطابع السيري، التي أُهديت إلى كولريدج، وعُرفت لاحقًا باسم «المقدمة». تطورت هذه القصيدة عبر مراحل زمنية مختلفة: في كتابين (1798-1799)، ثم في خمسة كتب (1804)، إلى 13 كتابًا (1805)، واستمر في مراجعتها حتى وفاته، حيث نُشرت عام 1850. في «المقدمة»، تناول وردزوورث أهمية الطفولة بالنسبة للشاعر، حيث ينشأ الطفل يتغذى بالجمال والخوف وسط بيئة طبيعية سامية. وتُعد «المقدمة”» التعبير الأهم في الأدب الإنجليزي عن الاكتشاف الرومانسي للذات كموضوع للفن والأدب. كما تعتمد القصيدة على استدعاء الذاكرة، وهو موضوع تناوله أيضًا في القصيدة: إشارات الخلود من ذكريات الطفولة المبكرة. على الجانب الآخر، في قصائد مثل «مايكل» و«الإخوة»، المكتوبتين للمجلد الثاني من «القصائد الغنائية» (1800)، ركّز وردزوورث على تعبيرات الشفقة واستكشاف الإمكانات في حياة الناس العاديين.

شهد تطور كوليريدج الشعري خلال هذه السنوات مسارًا مشابهًا لتطور ووردزورث. بعد أن مزج بين صور الطبيعة والعقل في قصيدة «القيثارة الإيولية» (1796)، وجه اهتمامه إلى موضوعات أوسع في قصائد ذات طابع سياسي واجتماعي نبوي، مثل «التأملات الدينية» و«مصير الأمم». إلا أن خيبة أمله في آرائه السياسية السابقة عام 1798، وتحفيز ووردزورث له، دفعاه للعودة إلى استكشاف العلاقة بين الطبيعة والعقل البشري. قصائد مثل «كوخ شجرة الليمون هذا سجني»، «العندليب»، و«الصقيع في منتصف الليل»، التي تُعرف أحيانًا باسم «قصائد المحادثة» (مع أن كوليريدج أدرجها تحت عنوان «قصائد تأملية في شعر مرسل»)، تجمع بين وصف الطبيعة برهافة وتحليل نفسي دقيق. أما قصيدة «كوبلا خان» (1797 أو 1798، ونُشرت في 1816)، والتي وصفها كوليريدج بأنها ثمرة حالة من التأمل، فتقدم أسلوبًا جديدًا من الكتابة الغريبة، وهو الأسلوب الذي ظهر أيضًا في قصائد ذات طابع ميتافيزيقي مثل «الملاح القديم» و«كريستابل»، التي ظلت غير مكتملة.

بعد زيارته لألمانيا بين عامي 1798 و1799، أعاد كوليريدج التركيز على الروابط العميقة بين القوى الدقيقة في الطبيعة والنفس البشرية. انعكس هذا الاهتمام في رسائله، ودفاتر ملاحظاته، وأعماله النقدية والأدبية، وكذلك في كتاباته اللاهوتية والفلسفية. في المقابل، أصبح إنتاجه الشعري أقل انتظامًا. اتخذت قصيدة «الحزن: قصيدة» (1802)، وهي من الأعمال التأملية، شكل رسالة شعرية موجهة إلى سارة هاتشينسون، أخت زوجة وردزوورث. عبرت هذه القصيدة بشكل مؤثر عن تعليق روح الخيال المشكل.

خلال هذه السنوات، ركز الشاعران على القضايا الوطنية، خاصة مع تصاعد نفوذ نابليون. في عام 1802، خصص وردزوورث مجموعة من السوناتات لدعم القضية الوطنية. شكل موت شقيقه جون عام 1805، الذي كان قبطانًا في البحرية التجارية، تذكيرًا مؤلمًا بأن الآخرين كانوا يقدمون تضحيات بينما كان هو يعيش منعزلًا ككاتب. منذ ذلك الحين، أصبح موضوع الواجب محورًا أساسيًا في شعره. في مقاله السياسي «حول العلاقات بين بريطانيا العظمى وإسبانيا والبرتغال … كما تأثرت باتفاقية سينترا» (1809)، اتفق وردزوورث مع دورية كوليريدج «الصديق» (1809-1810) في إدانة تراجع المبادئ بين السياسيين. عندما نشر وردزوورث قصيدة «الرحلة» عام 1814، مع نفي نابليون الأول، أعلن أنها ستكون الجزء المركزي من عمل أوسع بعنوان «الناسك»، وهي قصيدة فلسفية تقدم رؤية عن الإنسان والطبيعة والمجتمع. ومع ذلك، لم تتحقق هذه الخطة، وبقيت «الرحلة» مستقلة، لتُعد قصيدة تعزية أخلاقية ودينية لأولئك الذين أصيبوا بخيبة الأمل نتيجة فشل المثل الثورية الفرنسية.

استفاد كل من وردزوورث وكوليريدج من بداية عهد الوصاية في عام 1811، الذي جلب اهتمامًا متجددًا بالفنون. لاقت محاضرات كوليريدج عن شكسبير شعبية كبيرة، وعرضت مسرحيته «الندم» لفترة وجيزة، كما نُشر ديوانه الشعري «كريستابل؛ كوبلا خان: رؤية؛ آلام النوم» عام 1816. جمع كوليريدج في كتابه «السيرة الأدبية» (1817) بين الفلسفة والنقد الأدبي بأسلوب مبتكر، مما شكل إضافة دائمة ومؤثرة إلى النظرية الأدبية. استقر في هايجيت عام 1816، حيث أعد، كما وصفه الكاتب ويليام هازليت، أكثر المتحدثين إبهارًا في عصره. فيما بعد، أثرت كتاباته الدينية بشكل عميق على القراء الفيكتوريين.

شعراء آخرون من الفترة الرومانسية المبكرة

خلال حياته، كان شعر ويليام بليك قليل الشهرة. على النقيض من ذلك، كان السير والتر سكوت يُعد أحد أبرز الشعراء، بفضل قوته السردية في أعمال مثل «لحن آخر المنشدين» (1805) و«مارميون» (1808). نال العديد من الشعراء الآخرين تقديرًا كبيرًا في ذلك الوقت. استقبل كوليريدج بحماس «السوناتات الرثائية» (1784) لشارلوت سميث و«السوناتات الأربع عشرة» (1789) لويليام ليسل بولز. أما توماس كامبل، فهو معروف اليوم أساسًا بأغانيه الوطنية مثل «يا بحارة إنجلترا» و«معركة هوهنليندن» (1807)، بالإضافة إلى مقدمته النقدية لكتابه «نماذج من الشعراء البريطانيين» .(1819) اشتهر صمويل روجرز بحديثه الشائق الذي جُمع بعد وفاته في كتاب «ذكريات عن حديث المائدة مع صامويل روجرز» (1856)، إلى جانب قلة من قصائده الرائعة. كان توماس مور أيضًا من الشعراء المرموقين في ذلك العصر، وبرز منذ نشر ديوانه «الألحان الأيرلندية» عام 1808. كما لاقت روايته «لالا روخ: رومانسية شرقية» (1817) وشعره الساخر شهرة واسعة. أما النساء الشاعرات، فلم تقتصر المكانة البارزة على شارلوت سميث. فقد ضم ديوان «قصائد» لهيلين ماريا ويليامز (1786)، و«الرسومات الشعرية» لآن باتن كريستال (1795)، و«سافو وفاون» لماري روبنسون (1796)، و«نفس» لماري تيج (1805) أعمالًا ذات قيمة كبيرة.

كان روبرت ساوثي على صلة وثيقة بــ«وردزوورث وكوليريدج»، ويُعد عضوًا بارزًا معهما فيما يُعرف بـ «مدرسة البحيرة» للشعر. تتجلى أصالته الشعرية بوضوح في قصائده الغنائية وسلسلة «الأشعار الإنجليزية» التسعة، حيث نُشرت ثلاث منها لأول مرة في مجلد «قصائد» عام 1799، الذي تضمن مقدمة تصف هذه الأعمال بأنها رسومات شعرية للحياة المعاصرة لا تشبه أي قصائد أخرى في لغتنا. حققت قصائده السردية ذات الطابع الشرقي، مثل «ثالابا المدمرة» (1801) و«لعنة كيهاما» (1810)، نجاحًا كبيرًا في عصره. ومع ذلك، فإن شهرته تستند بشكل أكبر إلى أعماله النثرية، مثل «حياة نيلسون» (1813)، و”تاريخ حرب شبه الجزيرة” (1823-1832)، وإبداعه الكلاسيكي لحكاية الأطفال «الدببة الثلاثة».

كتب جورج كراب (Crabbe) نوعًا مميزًا من الشعر، يجمع بين حساسية وقيم القرن الثامن عشر وأسلوبه الشعري البطولي، لكنه يختلف عن الشعر الأغسطسي الأوائل من حيث الموضوعات. فقد ركز على روايات واقعية وغير عاطفية عن حياة الفقراء والطبقة المتوسطة. أظهر كراب مهارة سردية بارزة في مجموعاته من القصص الشعرية، والتي تنبأت بالعديد من تقنيات القصة القصيرة، بالإضافة إلى قوة وصفية استثنائية. ظهرت قصيدته المناهضة للطابع الرعوي «القرية» عام 1783، وبعد فترة طويلة من الصمت، عاد إلى الشعر مع أعمال مثل «سجل الرعية» (1807)، «البلدة» (1810)، «حكايات في الشعر» (1812)، و«حكايات القاعة» (1819)، التي جعلته أحد أبرز الشعراء في أوائل القرن التاسع عشر.

الرومانسيون المتأخرون: شيلي، وكيتس، وبايرون

شارك شعراء الجيل التالي أسلافهم شغفهم بالحرية، التي اتخذت الآن منظورًا جديدًا مع انتهاء الحروب النابليونية، واستفادوا من تجارب الجيل السابق. كان بيرسي بيش شيلي بشكل خاص متحمسًا للسياسة، حيث تأثر مبكرًا بالأفكار الأناركية لويليام جودوين، الذي نُشر كتابه «التحقيق في العدالة السياسية» عام 1793. ألهمت الحماسة الثورية شيلي ليؤكد في مقاله النقدي «دفاعًا عن الشعر» (1821، نُشر عام 1840) أن «الشعر هو المبشر والرفيق والمتابع الأكثر إخلاصًا لنهضة شعب عظيم يسعى إلى إحداث تغيير مفيد في الرأي أو المؤسسة»، وأن الشعراء هم «المشرعون غير المعترف بهم في العالم».

يتجلى هذا الحماس بوضوح في جميع أعماله المبكرة، مثل «الملكة ماب» (1813)، والقصيدة الطويلة «لاون وسيثنا» التي أعيدت تسميتها لاحقًا «ثورة الإسلام» (1818)، والدراما الغنائية «بروميثيوس طليقا» (1820). كان شيلي يرى نفسه شاعرًا ونبيًا في آنٍ واحد، كما يظهر في قصيدته البارزة «قصيدة إلى الريح الغربية» (1819). ومع أنه كان ملمًا بالسياسة العملية، إلا أنه من الخطأ البحث عن واقع ملموس في شعره، إذ يركز اهتمامه على أعماق الإدراك والقوى الخفية التي تشكل الطبيعة. تتميز صوره الشعرية باستخدامه المكثف لعناصر مثل السماء، الطقس، الأضواء، والنيران، مما يعكس طابعه الشعري الفريد. يدعو شيلي قراءه إلى التفاعل مع شعره بعقلية طموحة ومنفتحة. وقد تأثر بفلسفة روسو، مؤمنًا بوجود روح خفية في الأفراد تعبر عن الطبيعة البشرية الحقيقية أكثر مما يعكسه السلوك المجتمعي المقبول. لهذا السبب، فإن مادته الشعرية غالبًا ما تكون متسامية وكونية، يعبر عنها بأسلوب يتسم بالدقة والتألق. وفي أفضل لحظاته، يقدم شيلي شعرًا يمتلئ بالإثارة والقوة، ليؤكد مكانته كشاعر فذ.

على النقيض من ذلك، كان جون كيتس شاعرًا يرتكز على الحس والملموس، حيث تميزت أعماله المبكرة، مثل «إنديميون» (1818)، بفخامتها المفرطة وإثارتها العميقة. ومع ذلك، يظهر في قصيدته المبكرة «النوم والشعر» تصميمه على ضبط نفسه وتطوير أسلوبه. وبحلول فبراير 1820، حين بدأ يسعل دمًا لأول مرة، ربما كان على دراية بمحدودية عمره، مما دفعه لتكريس جهوده للتعبير عن رؤيته بشغف وحماسة متقدة. خاض كيتس تجارب في أنواع مختلفة من القصائد. في قصيدته «إيزابيلا» (نُشرت عام 1820)، المقتبسة من قصة لجيوفاني بوكاتشيو، أظهر مهارة فائقة في إعادة إحياء أجواء العصور الوسطى، مع تركيز على قضايا سياسية معاصرة. أما ملحمته «هايبريون» (بدأها عام 1818، ثم أهملها، لتُنشر عام 1820، وأعاد العمل عليها لاحقًا تحت عنوان «سقوط هايبريون»، الذي نُشر بعد وفاته عام 1856)، فقد اتسمت بتركيز أكثر على الاقتصاد في الصور. لكن كيتس أدرك أن أسلوبه اقترب كثيرًا من أسلوب ميلتون، فاختار أن يتبع ما أسماه أحاسيس أخرى. تجلت هذه الأحاسيس الأخرى بوضوح في قصائد كيتس المذهلة لعام 1819، الذي وصفه بـعام المعجزات، ومنها: «عشية القديسة أغنيس»، والقصائد الشهيرة «إلى البلبل»، و«على جرة يونانية»، و«إلى الخريف». تُعد هذه القصائد، إلى جانب ملحمتي هايبريون، ذروة إبداع كيتس، حيث نجح في تحويل المشاعر الحسية إلى معانٍ رمزية، وعالج موضوعات معقدة بثراء ملموس من التفاصيل. كما تكشف رسائله الرائعة عن النطاق الواسع لذكائه وشمولية رؤيته الشعرية.

كان جورج جوردون (اللورد بايرون) متميزًا عن شيلي وكيتس في موضوعاته وأسلوبه، لكنه شاركهما الاهتمام بالتحول نحو موضوعات مرتبطة بمنطقة البحر الأبيض المتوسط. في قصيدته المبكرة «الشعراء الإنجليز والنقاد الإسكتلنديون» (1809)، وجه انتقادًا لاذعًا للشعراء العاطفيون، معلنًا ولاءه للشعراء الكلاسيكيين مثل ميلتون، ودرايدن، وبوب. وقد طور بايرون شعرًا يتميز بالجرأة والأسلوب المميز، وغالبًا ما جسد شخصيات بطولية مثيرة للإعجاب. تُعد قصيدتاه الطويلتان «حج تشايلد هارولد» (1812-1818) و”دون جوان” (1819-1824) أبرز أعماله، حيث قدم من خلالهما شخصيتين تعكسان جوانب من ذاته: تجسد الأولى منفًى كئيبًا ومتشائمًا يجوب المواقع التاريخية في أوروبا، والثانية مغامر مرح يخوض سلسلة من المغامرات الغرامية. استلهم بايرون نزعة الكآبة ومعاداة الإنسانية من أعمال درامية مثل «مانفريد» (1817) و”كين” (1821)، التي ساهمت في ترسيخ شهرته في أوروبا. ومع ذلك، فإننا نذكره اليوم بشكل أفضل بفضل أعماله الساخرة المرحة الأقل كآبة، مثل «بيبو» (1818)، التي استخدم فيها لأول مرة صيغة أوتافا ريما. وقد طور هذا الأسلوب الساخر البسيط واللاذع ليصبح أداة قوية في قصيدة «دون جوان» وهجائه للشاعر ساوثي في «رؤية الحكم». (1822)

شعراء آخرون من الفترة المتأخرة

حقق جون كلير نجاحًا مبكرًا بفضل مجموعاته الشعرية التي وصفت الحياة الريفية والمناظر الطبيعية، مثل «قصائد وصفية» (1820)، «منشد القرية» (1821)، و«تقويم الراعي» (1827). ومع ذلك، شهدت أواخر ثلاثينيات القرن التاسع عشر تدهورًا في سمعته وصحته العقلية، مما أدى إلى قضاء السنوات الأخيرة من حياته في مصحة نفسية في نورثامبتون. أعيد اكتشاف الشعر الذي كتبه خلال تلك الفترة في القرن العشرين، ليتم تقديره لاحقًا. تتميز أعمال كلير بنقائها الطبيعي، ووضوح أسلوبه، وملاحظاته الدقيقة، واتزانه الذي يقترب من الكلاسيكية، إلى جانب كرامته المتواضعة في نظرته للحياة. هذه الصفات تجعله واحدًا من أكثر الشعراء الإنجليز تميزًا وهدوءًا وتأثيرًا.

كان توماس لوفيل بيدوز، الذي تستحضر صوره العنيفة وهوسه بالموت والرعب أجواء كتاب المسرحيات في العصر اليعقوبي، يمثل خيالًا مناقضًا تمامًا لتيارات الأدب السائدة. تتجلى مهارته في صياغة الأغاني والمقاطع الغنائية في مأساته المثيرة «كتاب نكتة الموت»، التي بدأها عام 1825 ونُشرت بعد وفاته في 1850. من بين الكُتاب الثانويين الآخرين الذين استوحوا أعمالهم من القرن السابع عشر، نجد جورج دارلي، الذي احتفظت بعض أغانيه من عمله «نيبينثي» (1835) بمكانتها في المختارات الأدبية. أما الكاتب الكوميدي توماس هود، فقد كتب قصائد ذات طابع اجتماعي احتجاجي، مثل «أغنية القميص» (1843) و«جسر التنهدات»، إلى جانب قصيدته «نداء جنيات منتصف الصيف» (1827). بالإضافة إلى ذلك، قدمت فيليسيا هيمانز قصيدتها الشهيرة «كازابيانكا» في مجموعتها «ملاذ الغابة» (1825)، وتبعتها في عام 1828 بمجلدها الأكثر أهمية «سجلات المرأة».

 

 

المصدر:

الموسوعة البريطانية أونلاين

https://www.britannica.com/art/English-literature, 2019.

 

Facebook
X
WhatsApp
Threads
Telegram

د. أشرف زيدان

جامعة بور سعيد - كلية الآداب - مصر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى