
السرد الجماهيري وتحولات الذائقة: -أسامة المسلم- أنموذجًا
الملخص:
يعالج المقال تحولات الذائقة القرائية العربية من الرواية النخبوية إلى السرد الجماهيري، متخذًا أسامة المسلم نموذجًا. ويبين أن نجاحه نتاج تفاعل الفانتازيا والتشويق والبناء البصري مع المنصات الرقمية ومواقع التواصل الاجتماعي، بما أعاد تشكيل علاقة القارئ بالنص، ونقل سلطة التلقي من المؤسسة النقدية إلى الجمهور الرقمي.
مقدمة:
عرف المشهد الأدبي العربي في العقود الأخيرة تحولًا بنيويًا في مفهوم «القرائية» وعلاقة المتلقي بالنص الأدبي. فبعد عقود من سيادة «الرواية النخبوية» التي وظّفت الأدوات التشكيلية المعقدة والرمزية المكثفة والشغف بالهموم الفلسفية والأيديولوجية، ظهر انزياح حاد نحو ما يمكن تسميته بـ «السرد الجماهيري».
إن هذا التحول لا يمثل مجرد تغير في الفن الروائي، بل يعكس تحولًا سوسيولوجيًا ونفسيًا في صفوف أجيال جديدة من القراء (جيل الشباب والمراهقين على وجه التحديد) الذين باتوا يفتشون عن «التشويق البصري»، والسرعة السردية، والفانتازيا fantasy فهي من المفاهيم الأدبية التي اتسمت بما يمكن أن نسميه الالتباس النظري نظرًا لاختلاف أصولها ومرجعياتها الفكرية والفلسفية إلا أنها تشير عمومًا إلى «التخيل، وقد ورد في المعاجم الإنجليزية بمعان متعددة مثل: الوهم، الخيال، النزوة والغرابة واللا واقعية» ، والفنتازيا على هذا الأساس تعمل على تفكيك قيود الواقع. وفي قلب هذا التحول، برزت كتابات أسامة المسلم كظاهرة قرائية غير مسبوقة في المعارض العربية للكتاب، مما يطرح أسئلة نقدية ملحة حول دوافع هذا الإقبال، وطبيعة البناء الفني لهذه الأعمال، وحقيقة التوتر القائم بين النقد الأكاديمي والذائقة الجماهيرية؟
بنيوية النص الجماهيري (صناعة التشويق وسحر الفانتازيا)
السرد غواية، السرد صناعة لعوالم جديدة تلامس روح القارئ وتولد من رحم الكلمات الحية، واصطلاحًا يمكن أن نقول قول الناقد المغربي حميد لحمداني على أن السرد «بأنه الكيفية التي تروى بها القصة عبر قناة الراوي لمروي له، وما تخضع له من مؤثرات بعضها متعلق بالراوي والمروي له والبعض الآخر متعلق بالقصة ذاتها» ، وتشكل الأعمال السردية لأسامة المسلم سردًا موغلًا في العجائبية، ولا شك أن عناصر النص السردي عند أسامة المسلم تتصل اتصالا مباشرا لما أشار إليه الناقد تزفيتان تودوروف، إذ يضع شروطًا محكمة صارمة لتصنيف النص ضمن ما يمكن أن نسميه النص العجائبي/الفانتازي وهي:
– «أن يعرض العالم القصصي على أنه مطابق للعالم الواقعي، بما يجعل القارئ يتعامل معه بوصفه مألوفًا ومنطقيًا.
– أن يشير النص حالة التردد لدى القارئ ين تأويل علاقني للأحداث وتأويل خارق.
– أن تنعكس هذه الحيرة على إحدى شخصيات النص بحيث تصبح معادلة للقارئ في تجربته وتظهر ترددًا مشابهًا في تفسير ما يحدث». هذه العناصر التي أشار إليها تودوروف هي ملامح ناظمة للبناء السردي عند أسامة المسلم.
ولتفكيك الظاهرة القرائية لأسامة المسلم من خلال أعماله المشهورة مثل: خوف، بساتين عربستان، يتوجب علينا بداية فحص البنية الداخلية لنصوصه التي تميل إلى نقض الشروط الكلاسيكية للرواية العربية الثقيلة وذلك من خلال ميله إلى:
القطيعة مع الواقعية الاجتماعية:
لا يشتغل الروائي أسامة المسلم على تفكيك قضايا المجتمع التقليدية، بل يؤسس لـعوالِم بديلة جديدة تمزج بين الفانتازيا الفلكلورية والماورائيات. فالنص السردي عند أسامة المسلم هو في نهاية المطاف الملاذ التخييلي للهروب من ضغوط الواقع الرقمي نحو دهشة المجهول.

وتكشف الأرقام القرائية لرواياته هذا الاقبال الجماهيري الكبير، نجد في الشكل الأول ما يلي:
تكشف هذه المعطيات أن نجاح أسامة المسلم لم يعد يقاس بعدد النسخ المباعة فحسب، وإنما بمنظومة متكاملة من مؤشرات التلقي. فمن جهة، تشير بيانات المبيعات إلى انتشار واسع لرواياته وتصدرها المتكرر لقوائم الأكثر مبيعًا في عدد من معارض الكتاب والمتاجر الورقية والإلكترونية، وهو ما يعكس انتقال أعماله من دائرة القراءة المحدودة إلى فضاء التداول الجماهيري. ومن جهة ثانية، تؤكد مؤشرات منصات القراءة الرقمية، ولا سيما Goodreads، أن رواياته تحظى بعشرات الآلاف من التقييمات والقراءات المسجلة، وهو رقم يصعب تفسيره بمنطق الدعاية وحدها، لأنه يدل على وجود مجتمع قرائي نشط يتفاعل مع النصوص ويعيد إنتاجها عبر التعليقات والتوصيات.
ولا تقف دلالة هذه الأرقام عند حدود النجاح التجاري، بل تكشف عن تحول أعمق في بنية التلقي. فالمؤشرات الرقمية، ممثلة في الانتشار الواسع على منصات مثل BookTok وBookTube، توضح أن عملية القراءة لم تعد تنتهي بإغلاق الكتاب، وإنما تمتد إلى فضاءات التواصل الاجتماعي، حيث يتحول القارئ إلى منتج للخطاب الثقافي من خلال مراجعاته ومقاطع الفيديو التي ينشرها، فتغدو الرواية موضوعًا للتداول الجماعي أكثر من كونها تجربة فردية.
وبذلك لم يعد نجاح الكاتب رهينا بالمؤسسة النقدية أو الإعلام الثقافي التقليدي، بل أصبح يتشكل داخل شبكات القراء أنفسهم، الذين يملكون اليوم قدرة كبيرة على توجيه الذائقة وصناعة الظواهر الأدبية.
ومن هنا فإن قراءة ظاهرة أسامة المسلم لا ينبغي أن تنصرف إلى الأرقام بوصفها دليلا على الرواج فقط، وإنما باعتبارها مؤشرات ثقافية تعكس إعادة توزيع السلطة داخل الحقل الأدبي؛ إذ انتقلت سلطة التزكية تدريجيا من الناقد والمؤسسة الأكاديمية إلى القارئ الرقمي، الذي أصبح فاعلًا رئيسيًا في صناعة القيمة الأدبية وتوجيه مسارات القراءة.
البلاغة البصرية والسينمائية:
يتميز أسلوب الكاتب بتخليص اللغة من حمولتها البلاغية المعقدة لصالح جمل قصيرة، وحوارات سريعة، ومشاهد مبنية بدقة سينمائية وكأنك أمام شريط سينمائي يماثل كثيرًا إيقاع المسلسلات وألعاب الفيديو. اللغة هنا تؤدي وظيفة «الناقل الشفاف» للحادثة بدلًا من أن تكون هي الموضوع في حد ذاتها.
استراتيجية السلسلة والعالم الممتد (Transmedia Storytelling):
اعتماد مبدأ الأجزاء الممتدة والمتقاطعة يمنح القارئ شعورًا بالانتماء لمنظومة سردية كاملة، مما يحول فعل القراءة من تجربة فردية معزولة إلى حالة طقسية جماعية وتجربة مشاركة عبر المنصات الرقمية.
يتضح من خلال القراءة التحليلية للمعطيات الواردة في الشكل الثاني أن الإقبال الجماهيري على روايات أسامة المسلم لا يمكن تفسيره بعامل واحد، بل هو نتاج تفاعل ثلاثة مستويات متداخلة: عوامل نفسية وسوسيولوجية، وعوامل فنية وسردية، وأخرى تقنية واقتصادية. ويؤكد هذا التداخل أن الظاهرة تتجاوز خصوصية الكاتب إلى تحولات أوسع مست بنية التلقي والثقافة العربية المعاصرة.
إذ على المستوى النفسي والسوسيولوجي، يبدو أن الرواية الجماهيرية استجابت لحاجات جيل يعيش في فضاء رقمي سريع الإيقاع، حيث أصبح البحث عن المتعة والهروب المؤقت من ضغوط الحياة اليومية أحد دوافع القراءة الأساسية. كما أن انتشار ثقافة الصورة والوسائط الرقمية أسهم في إعادة تشكيل الذائقة، بحيث بات القارئ أكثر ميلًا إلى النصوص التي تمنحه تجربة تخييلية مكثفة وسريعة، في الوقت الذي تحولت فيه القراءة إلى ممارسة اجتماعية تتغذى من مجتمعات القراء على المنصات الرقمية، ولم تعد فعلًا فرديًا معزولًا.
فنيًا، فيكشف الشكل أن نجاح أعمال أسامة المسلم لا يرتبط بعوامل خارجية وحدها، بل يستند إلى خصائص سردية واضحة؛ إذ يعتمد الكاتب على التشويق، وبناء العوالم الفانتازية، وتبسيط اللغة دون الإخلال بوظيفتها السردية، إضافة إلى توظيف مشاهد ذات طابع بصري وسينمائي تجعل الرواية أكثر قربًا من المخيال الذي تشكل في ظل الأفلام والمسلسلات وألعاب الفيديو. ومن ثم فإن النص لا يكتفي بسرد الحكاية، بل يبني تجربة قرائية تتوافق مع أنماط التلقي الجديدة.
أما العوامل التقنية والاقتصادية، فتبدو الأكثر تأثيرًا في توسيع دائرة الانتشار؛ إذ لم تعد شهرة الرواية تصنعها المؤسسة النقدية أو الصفحات الثقافية التقليدية، وإنما أصبحت تتشكل داخل الفضاء الرقمي عبر منصات مثل BookTok وBookTube، التي حولت القارئ من متلق إلى فاعل في الترويج والتوصية وصناعة القيمة الرمزية للنص. كما أسهم التسويق للسلاسل الروائية والعوالم الممتدة في تعزيز ارتباط القراء بالنصوص، بما يشبه تكوين مجتمعات قرائية حول الكاتب وأعماله.
انطلاقًا مما سبق، يمكن القول إن ظاهرة أسامة المسلم ليست نتيجة تفوق عامل سردي بعينه، ولا ثمرة حملة تسويقية منفصلة، وإنما هي حصيلة تفاعل بين تحولات الذائقة، وبنية النص، وآليات التداول الرقمي. وهو ما يفسر عجز القراءات التي تختزل الظاهرة في بعدها التجاري أو تفسرها بمنطق الجودة الفنية وحده، لأن نجاح السرد الجماهيري أصبح مرتبطًا بشبكة معقدة من العوامل الثقافية والاجتماعية والتقنية التي أعادت تعريف العلاقة بين الكاتب والقارئ
خاتمة
تثبت تجربة أسامة المسلم -ومن يسير في فلك السرد الجماهيري- أن المشهد الأدبي العربي يمرّ بمرحلة إعادة تشكّل جذري. لم يعد الكتاب المطبوع حكرًا على النخبة الفكرية، بل تحول الأدب إلى مساحة تفاعلية تتداخل فيها الفنون الرقمية بالصناعة الثقافية.
إن مستقبل السرد الجماهيري لا يلغي بالضرورة الرواية الأكاديمية أو النخبوية، بل يؤسس لثنائية صحية تتسع لمتطلبات القارئ المعاصر؛ حيث يعيد تعريف فعل القراءة بوصفه متعة ومغامرة قبل أن يكون طقسًا ذهنيًا معقدًا.
وتتطلب هذه المرحلة من المؤسسات النقدية والثقافية في العالم العربي ردم الفجوة بين «البرج العاجي» و«شارع القراء»، وذلك عبر تطوير أدوات نقدية جديدة قادرة على قراءة أدب التشويق والفانتازيا بعيون تحليلية منصفة، تستوعب دوافع الجيل الجديد، دون التفريط في الشروط الجمالية للفن الأدبي.
الهوامش:
1 – نقصد بالرواية النخبوية تلك الرواية التي تعتمد السرد الأدبي الذي يركز على تصوير فئة محدودة من المجتمع (النخبة المثقفة أو السياسية أو الاقتصادية) باعتبارها صاحبة القرار والتأثير، وغالبًا ما يعكس علاقتها بالسلطة والجماهير، ويكشف عن التوتر بين الأقلية المهيمنة والأغلبية التابعة.
2 – السرد الجماهيري هو أسلوب سردي يهدف إلى مخاطبة الجمهور الواسع بلغة بسيطة ومباشرة، ويعتمد على بناء قصص أو خطابات يسهل فهمها وتلقيها من قبل عامة الناس، غالبًا عبر وسائل الإعلام أو الأدب الشعبي.
3 – يمكن الرجوع إلى: جميل صليبا: المعجم الفلسفي: بالألفاظ العربية والفرنسية والإنجليزية واللاتينية، دار الكتاب اللبناني، بيروت لبنان 972 ج1 ص168.
وكذلك يمكن الرجوع: منير البعلبكي: المورد القريب: قاموس انجليزي-عربي دار العلم للملايين، بيروت 2003 ص154.
4 – حميد لحمداني: بنية النص السردي من منظور النقد الأدبي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء ط1 سنة 1991 ص 45.
5 – تزفيتان تودوروف: مدخل إلى الأدب العجائبي، ترجمة الصديق بوعلام، مراجعة محمد برادة، دار شرقيات للطباعة والنشر، القاهرة ط1 سنة 1994 ص 104.
6 – أرقام ودلالات الظاهرة القرائية لأسامة المسلم. من إعداد الباحثة اعتمادًا على استقراء بيانات منصات القراءة الرقمية (Goodreads) ومؤشرات التداول ومبيعات الدور والمتاجر الإلكترونية (2024–2026).
7 – من إعداد الباحث، بالاستناد إلى تجميع وتحليل البيانات ومؤشرات الأداء المنشورة عبر منصات القراءة الرقمية (Goodreads)، وقوائم المبيعات المعلنة في المتاجر الإلكترونية الكبرى، وإحصائيات التداول عبر شبكات التواصل الاجتماعي (BookTok/BookTube)، حتى عام 2026.
المراجع المعتمدة:
– تزفيتان تودوروف: مدخل إلى الأدب العجائبي، ترجمة الصديق بوعلام، مراجعة محمد برادة، دار شرقيات للطباعة والنشرن القاهرة ط1 سنة 1994.
– جميل صليبا: المعجم الفلسفي: بالألفاظ العربية والفرنسية والإنجليزية واللاتينية، دار الكتاب اللبناني، بيروت لبنان 972 ج1.
– حميد لحمداني: بنية النص السردي من منظور النقد الأدبي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء ط1 سنة 1991.
– منير البعلبكي: المورد القريب: قاموس إنجليزي-عربي دار العلم للملايين، بيروت 2003.



