
الصحوة بعد الصحوة (5)
ومع ذلك، فإن من المهم أن نطرح سؤالًا عن الجهة المستقبلة لصوت الصحوة، ولكن قبل ذلك لا بد أن نفرق بين صوتين -باعتبارنا نتحدث عن الكتاب- صوت الصحوة وصوت الكتاب بوصفه خطابًا مستقلًا يحاول أن يقدم مراجعة -إن صح التعبير- للتجربة السعودية، وهذا يعيدنا إلى السؤال الأول عن ماهية الصحوة، بمعنى: ما هي الصحوة؟
قلنا من قبل إن الصحوة في السعودية هي لون من إعادة إنتاج الحركة السلفية الإصلاحية الأولى، كما قلنا أيضًا إن المؤثرات المحلية هي الغالبة في بناء الصحوة على المؤثرات الوافدة، ولكن هل يكفي هذا في الكشف عن ماهية الصحوة؟ وأود، قبل أن أمضي في القول، أن أبين أن تعدد تعريفات الصحوة، وطرح السؤال عن ذلك، إنما يقوم على اختلاف زاوية النظر إلى الموضوع الذي ينتج عنه اختلاف الجواب.
يتحدث الكاتب عن «الصحوة السعودية»، وتحدثنا نحن أيضًا عنها، ومع ما قلنا في ذلك، فإننا لا نستطيع أن نفصل «الصحوة في السعودية» عن الصحوة في البلاد العربية، وأذكر أن عبد الوهاب الطريري، خطيب جامع الملك عبد العزيز في العليا في تلك الحقبة، كان يقول في إحدى خطبه وهو يمد صوته ما استطاع: «هذا جيل الصحوة يا جيل النكسة».
فهو يحيل إلى نكسة 1967، ما يعني أنه يموضع «الصحوة الإسلامية» في سياق التاريخ العربي الحديث الذي عانى النكبة أولًا والنكسة ثانيًا، وهما حدثان لم يكونا خاصين بالمملكة أو متصلين بها على وجه الدقة، ما يعني شدة الصلة، لدى أصحاب الصحوة في السعودية، بينها وبين الصحوة في سائر البلاد العربية والإسلامية.
وإذا كانت الصحوة قد نشأت في سبعينيات القرن الميلادي الماضي، فإن السؤال الآن عن صلة الصحوة الإسلامية في البلاد الإسلامية أجمع بحركة الإخوان المسلمين وحزب التحرير (من المفيد أن نذكر بأن حزب التحرير يحل أفكار جماعة الإخوان، غير أن الأول كان في فلسطين، والثانية كانت في مصر، وكانا تحت الهيمنة الإنجليزية)، هل هي امتداد لهما أم هي حركة جديدة؟ من خلال الملاحظات العامة عن الصلة بين القائمين على الصحوة الإسلامية وحركة الإخوان المسلمين، فإذا أضفنا إلى ما سمي بالسرورية، لا نستطيع أن نتجاهل أن الصحوة الإسلامية في السعودية استفادت كثيرًا من التراث الإخواني، وما يذكره الدكتور العوين في كتابه «تجربة فتى متطرف» عما كانت تقوم به الأنشطة المدرسية، وتتفق به مع ما تقوم به جماعة الإخوان المسلمين، كذلك ما كانت تعتمده من كتب ومراجع يبني المنتسبون إليها بها عقولهم، وهي لكتاب من الإخوان أو مصادر معتمدة لجماعة الإخوان، يؤيد الصلة بينهما، وهنا يأتي السؤال: هل كانت الصحوة حركة جديدة قامت على أنقاض جماعة الإخوان وحزب التحرير واستفادت من تراثهما، بمعنى أنها استلهمت الجماعة وتراثها الفكري والعلمي، أم أنها كانت امتدادًا لها أو صورة من صورها، بمعنى أن جماعة الإخوان هي التي كانت تدير الصحوة؟
لا يبدو الجواب سهلًا، فهو يتصل بتاريخ الفكر وتاريخ الحركات الاجتماعية، وهو أمر لا يتسع المقام لبسط القول فيه، (وإن كان
محمد قطب، وهو الإخواني المعروف، في كتابه «الصحوة الإسلامية» يعد جماعة الإخوان المسلمين هي الصحوة، أو يعد الصحوة قد بدأت بالإخوان المسلمين، ولكنه رأي لا يعول عليه لأن «قطبًا»، ببساطة، قد يدعي ما ليس له، ولكنها تمنح مؤشرًا على شدة الصلة بينهما إلى الحد الذي يجعل إخوانيًا كبيرًا يدعي صلة جماعته بالصحوة) غير أن الأمر الذي لا نستطيع أن نتجاوزه أن ارتباط الصحوة الإسلامية في السعودية بالإخوان جاء من ثلاثة عناصر: الوسائل التي كانت تتخذها الصحوة بنشر رسالتها، والمصادر الفكرية العلمية التي كانت توصي منتسبيها بقراءتها، والثالث القضايا التي كانت تعنى بها، وهي على سبيل المثال تختلف عن القضايا التي عني بها الشيخ محمد بن عبد الوهاب. فإذا ربطنا هذا بما قلناه من قبل عن نشأة الصحوة الإسلامية في المدارس والمساجد تبين لنا أن المؤسسة الرسمية (السياسية) السعودية كانت تسعى، عن وعي منها، إلى صناعة نسخة سعودية من الحركة الإسلامية، ووضعها تحت مجهر المراقبة لتنشأ وتتكون على عين منها، وبأيدٍ سعودية معروفة.
وهذا الارتباط له قيمته، إذ إنه يرتبط بالأصول الفكرية والظروف التاريخية التي قامت عليها جماعة الإخوان المسلمين، وذلك أنها بلا مواربة، وكما يبين محمد قطب في كتابه عن الصحوة الإسلامية، قد قامت ردة فعل على «حركات التغريب» التي تواجهها المجتمعات الإسلامية زمن الاستعمار، ومحاولة التفاف على النقد الذي وجه إلى المؤسسة الدينية التقليدية في ذلك الوقت والذي يسميهم «المشايخ» في مواجهة صريحة مع الحضارة الغربية. هذه المواجهة التي تقوم على المقارنة مع الحضارة الأوروبية مع تقليدها بالأخذ بالوسائل العلمية الحديثة، والنظرة النقدية للتراث العربي القديم والخروج على الأنماط التقليدية فيه.
وبناء على هذا التناقض في الموقف من الحضارة الأوروبية بحيث إنهم يرفضونها من جهة، ويقلدونها من جهة أخرى، وهذا التناقض في الموقف من التراث العربي حيث إنهم يدعون الارتباط به، ويثورون عليه في موقف آخر، فإنه يمكن القول بأن الصحوة الإسلامية بهذه الصورة هي «جماع» من المتناقضات تحاول أن تؤلف بينها لتؤسس رؤيتها الخاصة بها، وهي النظرة التي تتلخص بأخذ النافع من الحضارة الأوروبية وصبه في قوالب الإسلام.
وبعيدًا عما يمكن أن يثيره هذا الكلام من جدل، فإن هذه الحقبة التي عاشتها البلاد العربية والإسلامية وما ظهر فيها من آداب ومعارف، قد سميت في الفكر العالمي بمرحلة «ما بعد الاستعمار»، وهي التي تكون فيها الآداب والعلوم متأثرة بالفكر الأوروبي المستعمر (بكسر الميم) لتلك البلدان، مشكلة مرحلة جديدة من الفكر الإنساني، تكون فيها مستجيبة للتحديات التي واجهتها من المستعمر الأوروبي في تلك المرحلة، فهي بصورة من الصور استجابة للحضارة الأوروبية وما تبعثه في نفوس أبناء تلك البلدان من إيحاءات؛ ما كان منها مباشرًا أو غير مباشر، وعليه يمكن أن نعد دعوة «الإخوان المسلمين» وأفكارهم من «إسلام ما بعد الاستعمار».
وفي ظل هذا التشخيص، وفي موقف جماعة الإخوان المسلمين من «المشايخ» كما يذكر محمد قطب في كتابه الآنف الذكر، نفهم معنى أن يقول الكاتب: إن الصحوة الإسلامية في السعودية قد صارت نحو «المشيخة»، فهو يؤكد أنها انقلبت على الفكر الصحوي بوجهه الإخواني، ويعمق معنى الانقلابات المتتابعة في مفهوم التجديد.
إلا أنني لا أريد أن ننسى السؤال الذي انطلقت منه هذه الأفكار، وهو إلى أين يتجه صوت الصحوة؟ لن أعود لأطيل التفريق بين الصحوة داخل المملكة، والصحوة خارجها، والصحوة والإخوان نظرًا للصلة الوطيدة التي أبنتها من قبل، وسأتحدث عنهما بوصفهما متشابهتين بهذا الأمر.
وبناء على ما سبق قوله عن الظروف المحيطة بنشأة «الإخوان المسلمين»، والصلة التي نشأت بينها وبين الحضارة الأوروبية، نجد طرح هذا السؤال منطقيًا: لمن تتجه الصحوة بخطابها، هل تتجه إلى الداخل أم إلى الخارج؟ فإذا كانت تتجه نحو الداخل، فلم تأتِ القضايا التي تتناولها، والحلول التي تقدمها متوافقة مع الخارج؟ هذه إشكالية، لا أدري منهجية أم معرفية، فالأصل أنها تتجه نحو الداخل بوصفه الفضاء الذي تتحرك به، وتطمح أن تصلحه، وتشعر بأنها تتماس مع مصالحه، وإذا كان ذلك كذلك، فلماذا يأتي تصويرها للداخل على صورة معدلة عن الخارج، أو يمكن القول مرة أخرى: لماذا تأتي رؤيتهم نحو بناء الداخل على شروط الخارج؟
وسنبين هذه القضية بشكل أكبر؛ ففي حديث محمد قطب عن الصحوة الإسلامية، ذكر أن الناس قبل الصحوة كانوا على فئتين: المتدينين المحافظين التقليديين، والآخرين الذين اتجهوا إلى الحضارة الغربية، ووصفهم في أثناء حديثه بـ«دعاة التغريب»، و«الغزو الفكري».
ثم جاءت فئة ثالثة (هي الصحوة الإسلامية والمعلوم أنهم الإخوان المسلمون) يقول، ليست من المتدينين التقليديين، ولا من دعاة التغريب والمتجهين إلى الحضارة الأوروبية. هذه الفئة -كما يصفها- تخالف التقليديين بكل ما يميزهم به دعاة التغريب المتجهون نحو الحضارة الغربية، فإذا كانوا ينبزونهم بلبسهم التقليدي، ويسمونهم به، (كان اللباس قضية مهمة في الفروق بين أصحاب التوجهات الفكرية المختلفة في مصر في ذلك الوقت، فقد كان طه حسين يقابل بين أصحاب العمائم وأصحاب الطرابيش، كما أبنت ذلك في كتابي «العمى والبصيرة») فقد كان أصحاب الفئة الثالثة يرتدون لباس «الأفندية» في محاكاة واضحة لمن سماهم بـ«دعاة التغريب»، وتمايز عن فئة «المشايخ»، وإذا كانوا ينعتون المشايخ بأنهم رجعيون متخلفون يتجهون نحو الشرق، فإن هذه الفئة الثالثة لا تقف من الحضارة الغربية موقف الجمود «بل إنهم يعلنون أن فيها أشياء نافعة ينبغي أخذها والاستفادة منها» (الصحوة الإسلامية، ص15)، فـ«المعطيات الصالحة في الحضارة الغربية كالعلم، والتقدم المادي، واستخدام الآلة لتحمل عن الإنسان عبء الجهد البدني الشاق، وتنظيم الحياة وترتيبها، والدراسة العملية للمشاكل والحلول» (المصدر نفسه، ص9) لا يمثل الإعراض عنها شيئًا «من روح الإسلام الحقيقية»، وإذا كان دعاة التغريب -كما يقول- قد اتخذوا قضية المرأة في المجتمعات المسلمة منفذًا ينفذون من خلالها إلى قضيتهم، ومنبزًا ينبزون المتدينين به، فإن هذه الفئة ترفض هذا وترى أن «تحقير المرأة وازدراءها، ودورها في الحياة، ورفض تعليمها وتثقيفها» لم يكن مما أمر به الإسلام، وهذا يعني أنها تبتعد عن المشايخ بهذا الموقف وتتبنى موقف أهل التغريب ولكن بالصورة التي يرونها تتفق مع الإسلام.
الأمر المهم في هذه السردية، ليس قدرة جماعة الإخوان على تمثل ما ذكره محمد قطب، ولكن في العلاقة بين هذه الفئات الثلاث كما يصفهم؛ ففي الوقت الذي يبني فيه تقابلًا حديًا بين فئة «المشايخ»، وفئة الميالين إلى الحضارة الغربية، تأتي هذه الجماعة الثالثة وقد ميزت نفسها عن «المشايخ التقليديين» بما يميزهم في نظر مناصري الحضارة الغربية باللباس، وبموقفهم من الحضارة الأوروبية ومناصرتهم لقضايا المرأة، الأمر الذي صارت به أقرب إلى الفئة الثانية المناصرة للحضارة الغربية منها إلى فئة «المشايخ»، فكأنها هي ذاتها وجه آخر من مناصرة الحضارة الغربية أي بصورة أخرى من «التغريب»، ومعلوم أن أولئك الذين يسميهم بـ«دعاة التغريب»، لا يدعون بالضرورة إلى مطابقة الدول الأوروبية مطابقة تامة، وإنما المقصود الموقف العام من الحضارة الغربية، ومن نمط الحياة في أوروبا، وعلى هذا تصبح هذه الفئة الثالثة (جماعة الإخوان المسلمين) من دعاة التغريب بناء على الشبه الكبير بينها وبين الفئة الثانية التي يصفها بنفسه بـ«دعاة التغريب»، وعلى أنهم يتبنون القضايا نفسها التي يتبناها هؤلاء، ويأخذون بالأسباب التي تأخذ بها الحضارة الغربية.
وهذا بدوره يؤكد الأثر الكلي للحضارة الغربية على البناء الهيكلي لجماعة الإخوان المسلمين، وعلى بناء التصور الفكري والفلسفي الذي تؤمن به، وتدعو إليه، وعلى القضايا التي تناقشها والمنهجية التي تسير وفقها في مناقشتها تلك، وهو ما يؤيد الأطروحة السابقة في الحديث عن أثر الحضارة الغربية في بناء جماعة الإخوان المسلمين، الذي يدفع إلى اعتبارها من «إسلام ما بعد الاستعمار».
وبناء على هذا الشبه بين الجماعة الإسلامية ودعاة التغريب، وسواء أكان الشبه جوهريًا أم شكليًا، فإن القضية المهمة أن الجماعة تستخدم هذا الشبه لبناء صوت مؤثر تستفيد به من قوة الحضارة الغربية، وتأثيرها على الناس (الداخل)، وتظهر به للخارج (الحضارة الغربية) ولاءها وقربها منهم ببيان المشابهة لها.
وبعيدًا عما تمنحه هذه الحال من انطباع، فإن المهم هو أنه في سبيل الإجابة على سؤالنا السابق، وبناء على ما سبق، يمكن القول، وبناء أيضًا على الصلة بين الصحوة والإخوان، أن الصوتين متداخلان بشكل كبير، فقد بنت صوتها الداخلي على هوى من الصوت الخارجي، أو يمكن القول إنها فصلت الصوت الداخلي ليكون مواتيًا للصوت الخارجي، بناء على التداخل بينهما، فما يبين للخارج ولاءه، يجذب في الوقت نفسه الداخل ويثير اهتمامه.
ومع أن هذا قد يعطي انطباعًا بالانسجام بين وجهي الصوت الداخلي والخارجي، إلا أن الأمر المهم هو أن «المواتاة» أو «المواءمة» بين وجهي الصوت، لا تمنحه البراءة من العيب، فبناء نموذجها السياسي والاجتماعي بالاعتماد على النموذج الأوروبي لا يعني أن هذا موقفًا سياسيًا وحسب، وإنما عن عجز بتكوين تجربة إخوانية جديدة منطلقة من التجربة الإسلامية القديمة التي تزعم أنها امتداد لها.
وهذا القول ينطبق على صوت الكتاب، ففيه جانبان: الأول داخلي يظهر في موقف الكاتب من الأشخاص الذين يتحدث عنهم والأفكار التي يناقشها، وآخر خارجي يتمثل بالتبويب، والمصطلحات، والمفاهيم التي يستعملها في تحليل المادة. ولا نستطيع أن نقول إن التبويب أو المصطلحات ولا حتى المفاهيم قد سيقت خدمة لغرض الكتاب الأصلي، وتحليل مادته (لأن التحليل ضعيف كما قيل من قبل)، وإنما جيء بها لبناء خطاب آخر موازٍ لمادة الكتاب المعروضة، وتكشف المنظار الفكري الذي ينظر من خلاله الكاتب إلى مادته، وهذا يمثل هنا الصوت الخارجي.



