العدد الحاليالعدد رقم 48موضوع العدد

نهايةُ المؤلِّف: مَن يكتُبُ الثقافةَ في عصر الذكاء الاصطناعي؟

ملخَّص

تنطلق هذه الدراسة من مفارقةٍ تأسيسية: في اللحظة التي بات فيها بالإمكان أن يُولَّد نصٌّ متماسك دون يدٍ بشرية تخطُّه عادت إلى الواجهة أطروحةٌ نقدية أعلنها رولان بارت قبل أكثر من نصف قرن، هي «موت المؤلِّف». يجادل البحث بأنّ النماذج اللغوية الكبرى لم تأتِ بقطيعةٍ معرفية مُطلقة، بل أنجزت – بصورةٍ تقنية حرفية – ما كانت البنيوية وما بعدها قد قالته على المستوى النظري: أنّ النصّ نسيجٌ من الاقتباسات لا أصلَ له، وأنّ اللغة هي التي تتكلّم لا الذات. غير أنّ هذا «التحقّق» يحمل في طيّاته انقلابًا في المعنى ينبغي تفكيكه. تتتبّع الدراسة مسار مفهوم المؤلِّف من فوكو وبنيامين، مرورًا ببارت وكريستيفا ودريدا، ثم تعيد قراءة التراث النقدي العربي  – من «المعاني المطروحة في الطريق» عند الجاحظ إلى نظرية السرقات وأطروحة كيليطو في «المؤلِّف وقرنائه» – لتُبيّن أنّ الثقافة العربية فكّرت مبكّرًا في إشكال الملكية والأصالة. ثمّ تنتقل إلى تحليل «الكتابة الخوارزمية» بوصفها كلامًا بلا قصد، لتُختتم بسؤال السيادة الثقافية: مَن يملك المعنى حين تُكتَب العربية من داخل مدوّنةٍ مركزُها في مكانٍ آخر؟

الكلمات المفتاحية: المؤلِّف، موت المؤلِّف، الوظيفة-المؤلِّف، التناصّ، النماذج اللغوية الكبرى، الذكاء الاصطناعي التوليدي، التراث النقدي العربي، السيادة الثقافية، الاستشراق الرقمي.

مقدِّمة: السؤال الذي عاد من الموت

ثمّة أسئلةٌ لا تموت، بل تُغيِّر هيئتها وتعود. سؤال «مَن يكتب؟» واحدٌ منها. حين أعلن رولان بارت سنة 1967 «موت المؤلِّف»، لم يكن يتحدّث عن موتٍ بيولوجي، بل عن أفولِ سلطةٍ تأويلية: سلطة الكاتب-الذي يُفترَض أنّه يمنح نصَّه معناه النهائي ويضبط حدود قراءته. كان بارت يكتب في مناخٍ بنيويٍّ شديد الثقة بأنّ اللغة بِنيةٌ سابقةٌ على المتكلِّم، وأنّ الذات لا تُنتِج الكلام بقدر ما يُنتِجها هو. بدا الإعلان حينها استفزازًا نظريًّا أنيقًا، تمرينًا في القراءة أكثر منه نبوءةً عن المستقبل. لكنّ نصف القرن الذي تلاه فعل بالمجاز ما لم يكن في الحسبان: لقد أنتج آلةً تكتب فعلًا.

مع ظهور النماذج اللغوية الكبرى وانتشارها الكاسح، صار النصُّ بلا مؤلِّفٍ واقعةً يومية لا فرضيةً فلسفية. تُولَّد المقالات والقصائد والرسائل والشيفرات من نظامٍ إحصائيٍّ لا «يقصد» شيئًا ولا «يعني» شيئًا بالمعنى البشري، ومع ذلك يُنتِج كلامًا قابلًا للقراءة، بل مقنِعًا في كثيرٍ من الأحيان. هنا تنقلب المفارقة: النظرية التي بدت تجريدًا متطرّفًا صارت وصفًا تقنيًّا، والمجاز الأدبي تحوّل إلى بنيةٍ تحتية. لم يعد السؤال «هل مات المؤلِّف؟» بل «إذا كان النصُّ قد استغنى عن مؤلِّفه، فمَن – أو ما – الذي يكتب الثقافة؟».

تتوسّل هذه الدراسة منهجًا أركيولوجيًّا-نقديًّا: تُفكِّك مفهوم المؤلِّف بوصفه بناءً تاريخيًّا لا معطًى طبيعيًّا، ثمّ تضعه في حوارٍ بين ثلاث مدوّنات: النظرية النقدية الغربية، والتراث البلاغي والنقدي العربي، والنقاش المعاصر حول الذكاء الاصطناعي. والأطروحة المركزية أنّ النموذج اللغوي لا «يلغي» المؤلِّف بقدر ما يُعيد توزيع وظيفته على شبكةٍ واسعة من الفاعلين الغائبين: المدوّنة التدريبية، والمهندسون، والمستخدِم الموجِّه، والبنية الاقتصادية والسياسية التي تحكم مَن تُكتَب لغتُه ومَن يُكتَب عنه. وفي هذا التوزيع تكمن، بالنسبة إلى الثقافة العربية، إشكاليةُ سيادةٍ ومعنًى لا مجرّد إشكالية أدبية.

أولًا: المؤلِّف اختراعٌ حديث – في أركيولوجيا الوظيفة-المؤلِّف

قبل الحديث عن «نهاية» المؤلِّف، يجدر التذكير بأنّه لم يكن أزليًّا. فالمؤلِّف بمعناه الحديث – الذاتُ الفردية المالكة لنصِّها، صاحبةُ الأصالة والحقوق والمسؤولية – ظاهرةٌ تاريخية محدّدة، لا بنيةٌ ثابتة في الطبيعة البشرية. هذا ما حاول ميشيل فوكو إثباته في محاضرته الشهيرة «ما المؤلِّف؟» سنة 1969، حين استبدل بالسؤال عن الكاتب الفرد سؤالًا عن «الوظيفة-المؤلِّف» (la fonction-auteur): أي عن الطريقة التي يشتغل بها اسمُ المؤلِّف داخل الخطاب.

لاحظ فوكو أنّ اسم المؤلِّف ليس اسمًا كباقي الأسماء؛ إنّه أداةُ تصنيفٍ وتنظيم: يجمع نصوصًا، ويُقصي أخرى، ويُضفي على الخطاب قيمةً ومرجعية. والأهمّ أنّه بيّن أنّ نسبة النصوص إلى مؤلِّفين بأعيانهم ارتبطت تاريخيًّا بإمكان المعاقبة: فالخطاب صار له «صاحب» يوم صار قابلًا للمساءلة والتجريم. لم تُولد فكرة الملكية الأدبية من تقديسٍ للإبداع الفردي بقدر ما وُلدت من منظومةٍ قانونية تحتاج إلى مَن تُحمِّله التبعة1. هذا القلب جوهري لبحثنا: إذا كانت «الوظيفة-المؤلِّف» قد نشأت يوم احتجنا إلى ذاتٍ مسؤولة، فإنّ سؤال الذكاء الاصطناعي اليوم هو بالضبط سؤال المسؤولية: مَن نُحمِّله تبعة نصٍّ لا يكتبه أحد؟

ولا يكتمل هذا المسار دون فالتر بنيامين، الذي بيّن في «العمل الفني في عصر إعادة إنتاجه تقنيًّا» أنّ التقنية تُزحزح مفهوم الأصل ذاته. فحين يصبح بالإمكان استنساخ العمل لا نهائيًّا، تذبل «الهالة» (Aura) التي كانت تُحيط بالنسخة الأصلية الفريدة وتمنحها حضورها الطقوسي2. لقد رأى بنيامين في الاستنساخ التقني تحريرًا وخطرًا في آنٍ: تحريرًا للعمل من احتكار النخبة، وتفريغًا له من فرادته. والنموذج اللغوي يدفع هذا المنطق إلى أقصاه: فهو لا يستنسخ العمل فحسب، بل يستنسخ فعل التأليف نفسه، ويُنتج «أصولًا» بلا أصل، ونسخًا بلا نموذجٍ أوّل.

ويذكّرنا الناقد سفن بيركرتس بأنّ فكرة المؤلِّف الفرد المالك لعملِه لم تترسّخ في الوعي العام إلا بعد أن حلّت الطباعة محلّ الشفاهية أساسًا للتواصل الثقافي3. أي أنّ المؤلِّف ابنُ تقنيةٍ بعينها هي المطبعة. وإذا كان قد وُلد مع ثورةٍ في وسائط الكتابة، فمن الطبيعي أن تُزعزِعه ثورةٌ جديدة في الوسائط. النموذج اللغوي، من هذه الزاوية، ليس عدوًّا خارجيًّا للمؤلِّف، بل هو الفصل الأحدث في تاريخٍ طويل من تَشكُّل الذات الكاتبة وتَفكُّكها تبعًا للوسائط التي تحملها.

ثانيًا: «موت المؤلِّف» البارتي وميلاد القارئ

في قلب الحجاج النظري يقف نصُّ بارت المؤسِّس. أطروحته أنّ النصّ ليس «خطًّا من الكلمات» يُطلق معنًى وحيدًا لاهوتيًّا هو «رسالة» المؤلِّف-الإله، بل فضاءٌ متعدّد الأبعاد تتزاوج فيه كتاباتٌ شتّى وتتنازع، لا أصلَ لأيٍّ منها؛ النصُّ نسيجٌ من الاقتباسات الآتية من ألف بؤرةٍ ثقافية4. والنتيجة المنطقية صادمة في بساطتها: إذا كان النصّ تشابُكًا للُغاتٍ سابقة، فإنّ وحدته لا تقيم في مَصدره (المؤلِّف) بل في مَقصِده (القارئ). من هنا شعار بارت: «ميلاد القارئ ينبغي أن يُدفَع ثمنًا له موتُ المؤلِّف».

لكنّ من السوء أن نقرأ بارت قراءةً حرفية مبتسَرة. فهو لا ينفي وجود مَن يكتب فيزيائيًّا، بل ينفي سلطةَ النيّة المؤلِّفة على ضبط المعنى. ما يموت هو «المؤلِّف-الإله» الضامن للحقيقة الواحدة، لا اليدُ التي تخطّ. وهذا التمييز حاسم حين ننتقل إلى الآلة: فالنموذج اللغوي ليس قارئًا حرًّا يُنتج المعنى، بل هو – إن صحّ التعبير – تجسيدٌ مادّيٌّ لفكرة «النصّ بوصفه نسيج اقتباسات»، من غير قارئٍ ولا مؤلِّف. لقد حقّق نصفَ معادلة بارت (موت المؤلِّف) دون نصفها الآخر (ميلاد القارئ)، وهنا يكمن لُبس المقارنة الذي سنعود إليه.

ولا يُفهَم بارت بمعزلٍ عن جوليا كريستيفا التي صاغت مفهوم «التناصّ» (intertextualité)، مستلهِمةً «الحواريّة» عند ميخائيل باختين: كلُّ نصٍّ فُسيفساءُ نصوص سابقة، وامتصاصٌ لها وتحويل5. وإذا كانت هذه هي طبيعة الكتابة البشرية أصلًا، فإنّ النموذج اللغوي هو التناصُّ في صورته القصوى: لا «يستلهم» النصوصَ السابقة بل يتكوّن منها إحصائيًّا بالكامل، فلا يوجد فيه ولو جزءٌ واحد ليس صدًى لمدوّنته. إنّه آلة تناصٍّ خالصة.

ويُكمل جاك دريدا الصورة من جهة الكتابة نفسها. ففي «علم الكتابة» يقوّض دريدا أسبقية الصوت/الحضور على الكتابة/الغياب، ويُبيّن أنّ المعنى لا يحضر حضورًا تامًّا أبدًا، بل يتأجّل ويتفرّق في لعبةٍ من الفروق والآثار 6(différance). الكتابة، عنده، بنيةُ غيابٍ بامتياز: تشتغل في انفصالها عن قائلها وعن لحظتها وعن مقصدها. وهذا الوصف ينطبق حرفيًّا على مُخرَجات النموذج اللغوي: نصوصٌ تشتغل في غيابٍ مطلقٍ لأيّ ذاتٍ حاضرة، آثارٌ بلا أصلٍ تُحيل بعضها على بعض. غير أنّ دريدا كان يتحدّث عن بنية اللغة، فيما نواجه نحن بنيةً صار الغيابُ فيها مؤتمتًا ومُصنّعًا. لقد انتقلنا من غياب المؤلِّف بوصفه شرطًا للكتابة، إلى غيابه بوصفه مُنتَجًا صناعيًّا قابلًا للبيع.

ثالثًا: المؤلِّف في المخيال العربي – من «المعاني المطروحة في الطريق» إلى المؤلِّف وقرنائه

قد يُظنّ أنّ إشكال موت المؤلِّف وافدٌ غربيٌّ بحت. والحقيقة أنّ الثقافة العربية الكلاسيكية فكّرت مبكّرًا، وبأدواتها الخاصة، في العلاقة المعقّدة بين الأصالة والاتّباع، وبين المعنى المشاع والصياغة الفردية، وبين النصّ وصاحبه. ولعلّ في إعادة قراءة هذا التراث ما يمنحنا موقعًا مختلفًا للنظر إلى الآلة الكاتبة، موقعًا لا يكتفي بترديد المقولات الغربية.

تأمّل مقولة الجاحظ الشهيرة بأنّ «المعاني مطروحةٌ في الطريق» يعرفها كلُّ أحد، وأنّ مدار الشعر إنّما هو على إقامة الوزن وتخيُّر اللفظ وجودة السبك، فالشعر «صناعةٌ وضربٌ من النسج وجنسٌ من التصوير»7. في هذه العبارة تمييزٌ بالغ الدلالة لعصرنا: المعاني مِلكٌ عام، شائعٌ متاحٌ للجميع كأنّه «بيانات» مشتركة؛ أمّا التأليف فيقيم في الصياغة، في النَّظم والنسج. وهذا بالضبط هو الوضع الذي يضعنا فيه النموذج اللغوي: إذ يُعامِل «المعاني» معاملةَ مُعطًى إحصائيٍّ مطروحٍ في طريق المدوّنة، ويُنجز عملية «النسج» اللفظي آليًّا. كأنّ الجاحظ قد وصف، من حيث لا يدري، البنيةَ التي يشتغل عليها التوليد الآلي، مع فارقٍ جوهري: أنّ صناعة النسج عنده فعلٌ بشريٌّ قاصد، فيما هي في الآلة عمليةٌ احتمالية بلا قصد.

ثمّ إنّ النقد العربي القديم بنى صرحًا كاملًا حول مسألة «السرقات» الشعرية، فميّز بين الأخذ والاجتلاب والاصطراف والإغارة والمواردة (توارُد الخواطر)، ووضع مراتب للأصيل والمسبوق والمُحسِن للأخذ والمسيء له8. هذا الجهاز المفاهيمي الدقيق يكشف وعيًا حادًّا بأنّ الأصالة المطلقة وهمٌ، وأنّ كلّ شاعرٍ عالةٌ على مَن سبقه، وأنّ الفصل بين «المِلك» و«المشاع» في عالم المعاني عسيرٌ بطبعه. وهي أسئلةٌ تعود إلينا اليوم بحدّةٍ مضاعفة: حين يُنتِج النموذج بيتًا أو فقرةً، أيّ مرتبةٍ من مراتب «الأخذ» ينتمي إليها؟ وهل ثمّة فرقٌ جوهري بين «التوارُد» البشري و«إعادة التركيب» الإحصائية؟

غير أنّ التراث لم يكن «بنيويًّا» يُذيب الذات بالكامل. فمع عبدالقاهر الجرجاني تبلغ نظرية «النظم» ذروتها: المعنى لا يُحدِّده اللفظ المفرد، بل التأليفُ النحويُّ الذي يربط المعاني بعضها ببعض في صورةٍ قصدية9. هنا يستعيد الفعلُ التأليفي البشري مركزيّته بوصفه فعلَ ضمٍّ وترتيبٍ قاصد، لا مجرّد توارُدٍ للألفاظ. وهذا التوتّر بين «شيوع المعاني» و«قصدية النظم» هو عينُ التوتّر الذي يسكن سؤالنا المعاصر: هل ما تفعله الآلة «نظمٌ» بالمعنى الجرجاني، أم مجرّد محاكاةٍ خارجية لصورة النظم من غير المعنى النحوي الحيّ الذي يربط القصدَ بالعبارة؟

ويبلغ هذا التفكير ذروته الحديثة عند عبدالفتاح كيليطو في «المؤلِّف وقرنائه»، حيث يُبيّن أنّ مفهوم المؤلِّف في الثقافة العربية الكلاسيكية كان مختلفًا جذريًّا عن المفهوم الرومنطيقي الغربي للعبقري المنفرد: فالكاتب القديم كان ينتسب إلى سلسلةٍ من الرواية والنقل والإسناد، ويكتب من داخل تقليدٍ يُذيب فرادته في جماعةٍ نصّية10. المادّة اللغوية، كما يُلمح كيليطو، في متناول الجميع، لكنّ قلّةً تُحسن تشكيلها. هذه الرؤية «الجماعية» للتأليف، حيث يكون النصّ ملتقى أصواتٍ ورواياتٍ متناسلة، أقربُ في الواقع إلى بنية النموذج اللغوي منها إلى أسطورة المؤلِّف-البطل. وكأنّ الذكاء الاصطناعي يُعيدنا، عبر دربٍ ملتوٍ، إلى تصوّرٍ «ما قبل حداثي» للتأليف بوصفه إعادة تدويرٍ وتركيبٍ للمشترك، بعد أن ظنّت الحداثة أنّها قطعت معه نهائيًّا.

ولا يفوتنا أنّ أدونيس، في مشروعه «الثابت والمتحوّل»، قرأ تاريخ الثقافة العربية بوصفه صراعًا بين سلطة «الاتّباع» التي تُكرِّر النموذج وتُقدِّسه، وطاقة «الإبداع» التي تخرق المألوف11. وإذا استعرنا هذا الجدل، أمكننا أن نسأل: أليس النموذج اللغوي، بطبيعته الإحصائية، آلةَ «اتّباعٍ» بامتياز، تُعيد إنتاج الأكثر احتمالًا والأكثر شيوعًا، وتنزع – بنيويًّا – نحو المتوسّط والمعتاد؟ إن كان الأمر كذلك، فإنّ خطره الأعمق على الثقافة ليس «موت المؤلِّف»، بل احتمالُ موت «المتحوّل»: أي تنميطُ الذائقة وتسطيحُ التخوم التي منها يولد الجديد.

رابعًا: الكتابة الخوارزمية – كلامٌ بلا قصد و«الببغاء الإحصائي»

لكي نُحاكِم المقارنة بين «موت المؤلِّف» النظري ونهاية المؤلِّف التقنية، لا بدّ من فهم ما يفعله النموذج اللغوي فعلًا. إنّه، في جوهره، نظامٌ يتعلّم التوزيعات الاحتمالية للرموز اللغوية في مدوّنةٍ ضخمة، ثمّ يُولِّد الرمز التالي الأرجح بالنظر إلى ما سبقه. ليس فيه «فهمٌ» للعالم ولا «قصدٌ» للتواصل بالمعنى الذي نعرفه؛ هو يُحاكي شكل اللغة دون أن يصل إلى مدلولها.

هذا ما لخّصته إميلي بِندر وزميلاتها في ورقتهنّ المؤثّرة عن «الببغاوات الاحتمالية» (Stochastic Parrots): النموذج اللغوي نظامٌ يرصُف تتابعاتٍ من الصور اللغوية التي رصدها في بيانات تدريبه، وفق معلوماتٍ احتمالية عن كيفية اقترانها، «بلا أيّ إحالةٍ إلى المعنى»12. الطلاقة هنا ليست دليلَ فهم؛ فالنظام قد يُنتج جملةً نحويةً سليمة عن طبيعته الذاتية دون أن تعكس تلك الجملة شيئًا حقيقيًّا. والاستعارة بليغة: الببغاء يُحاكي الأصوات دون أن يقصد بها معنًى، وكذلك النموذج «يَنطق» اللغة دون أن «يسكنها» معنًى.

وقد جسّدت إميلي إم بِندر وألكسندر كولر هذه الفكرة في تجربة «الأخطبوط» الذهنية: كائنٌ فائق الذكاء يتنصّت على محادثاتٍ بشرية عبر كابلٍ بحري، فيتقن أنماط تبادل الرسائل من غير أن يكون قد رأى العالم الذي تُحيل إليه تلك الرسائل؛ سيتمكّن من إنتاج ردودٍ معقولة شكليًّا، لكنّه سيعجز حين يُطلَب منه فعلٌ يقتضي ربط الصورة اللغوية بمرجعها الواقعي13. الدرس أنّ التدرّب على الصورة وحدها لا يُنتج معنًى؛ والمعنى يقتضي صلةً بالعالم والقصد، وهي صلةٌ يفتقر إليها التوليد الآلي مهما بلغت طلاقته.

هنا يظهر الفرق الحاسم بين «موت المؤلِّف» البارتي والكتابة الخوارزمية. بارت أزاح سلطة المؤلِّف لمصلحة القارئ المُنتِج للمعنى؛ أمّا النموذج فينتج نصًّا بلا مؤلِّفٍ ولا قارئٍ في لحظة التوليد: لا ذات تقصد، ولا وعي يتلقّى. إنّه يُحقّق «غياب المؤلِّف» الذي تحدّث عنه دريدا، لكنّه لا يُحقّق «حضور القارئ» الذي بشّر به بارت إلا متأخّرًا، حين يأتي المستخدِم البشري ليُسبغ على المخرَجات معنًى لم يكن فيها. بهذا المعنى، لا يموت المؤلِّف في عصر الذكاء الاصطناعي بقدر ما يتأجّل: يُطرَد من لحظة الإنتاج ليعود في لحظة التأويل، متقمّصًا هيئة القارئ الذي يقرّر، في النهاية، أنّ ما قرأه ذو معنى.

خامسًا: عودة المؤلِّف الميت – من النظرية النقدية إلى نقد النموذج

لاحظ فيلسوف التقنية ديفيد غنكل أنّ النماذج اللغوية تُعيد إحياء أطروحة بارت بصورةٍ غير متوقَّعة: فهي تُحرِّرنا قسرًا من عادة ردّ النصّ إلى نيّة مؤلِّفٍ بشري، لأنّه ببساطة لا يوجد مثل هذا المؤلِّف14. لكنّ غنكل يُنبّه إلى أنّ هذا «التحرّر» ذو وجهين: فمن جهةٍ يُسائل أوهامنا حول الأصالة والعبقرية الفردية؛ ومن جهةٍ أخرى يُفكِّك المنظومة التي نبني عليها الثقة والمسؤولية والاعتماد. فحين نقرأ نصًّا، نسأل عادةً «مَن كتبه؟» لنُقدِّر مدى جدارته بالثقة. والنموذج اللغوي يُفرغ هذا السؤال من جوابه، فيُهدِّد البنية التي تقوم عليها الثقة المعرفية ذاتها.

ويقترح لوتشانو فلوريدي مفهومين مفيدين لإعادة توصيف الوضع: «الكتابة عن بُعد» (distant writing) و«المؤلِّف-الميتا» (meta-author). فالمستخدِم لا يكتب النصّ مباشرةً، بل يُصمِّم شروطه عبر التوجيه (prompt)، فيما تتولّى الآلة التنفيذ15. هذا الفصل بين التصميم والتنفيذ ينقل التأليف من فعلٍ مباشر إلى فعلٍ بالوكالة، ويعيد تعريف الكاتب بوصفه مُهندِسَ مدخلاتٍ وموجِّهًا، لا صائغًا للعبارة بيده. ولنا أن نتساءل: أيكون «المؤلِّف-الميتا» وريثًا للمؤلِّف الميت، أم مجرّد قناعٍ جديد لمسؤوليةٍ صار من العسير تحديد موقعها؟

على أنّ عودة المؤلِّف الميت قد تأخذ شكلًا شبحيًّا. ففي تحليلٍ لافت سمّته إيفري سلايتر «أشباح الاستشهاد»، تُبيّن أنّ ظاهرة «هلوسة» المراجع لدى النماذج – حيث تخترع مصادر لا وجود لها بأسماء مؤلِّفين وعناوين وأرقام صفحات – تكشف عُطلًا في النظام وتوقيعًا له في آنٍ16. إنّ النموذج يُحاكي «الوظيفة-المؤلِّف» الفوكوية محاكاةً جوفاء: يُنتِج علامات المرجعية والإسناد (الاسم، التاريخ، العنوان) من غير المرجع الذي تُحيل إليه. إنّه يستحضر أشباحَ مؤلِّفين لم يُوجَدوا قطّ. وهكذا لا يكتفي بقتل المؤلِّف، بل يُعيد إنتاج هيكله الخارجي مفرَّغًا من مضمونه، في صورةٍ أقرب إلى الطيف منها إلى الكائن.

ولهذا السبب رفضت الدوريات العلمية الكبرى، ومنها مجلة Nature، أن تُدرِج النماذج اللغوية بوصفها «مؤلِّفين» معتمَدين، معلِّلةً ذلك بأنّ التأليف يستلزم مسؤوليةً وقابليةً للمساءلة لا تتوافر في آلة17. وهذا الموقف يُعيدنا، بصورةٍ كاملة، إلى حدس فوكو: الوظيفة-المؤلِّف ابنةُ المسؤولية والمساءلة. فحيث لا مساءلة، لا مؤلِّف. ومن ثمّ، فإنّ بقاء البشر «مؤلِّفين» في عصر الآلة ليس امتيازًا إبداعيًّا بقدر ما هو ضرورةٌ أخلاقية وقانونية: لا بدّ من ذاتٍ تتحمّل تبعة الكلام.

سادسًا: مَن يكتب الثقافة؟ التأليف الموزَّع والمدوّنة بوصفها مؤلِّفًا جماعيًّا

إذا لم يكن النموذج مؤلِّفًا، ولم يكن المستخدِم سوى موجِّه، فأين يقيم فعلُ التأليف؟ الجواب الذي تقترحه هذه الدراسة أنّ التأليف لم يَمُت، بل تشظّى وتوزّع. لقد انتقلنا من مؤلِّفٍ واحدٍ مركزي إلى تأليفٍ موزَّع على شبكةٍ واسعة من الفاعلين، معظمهم غائبٌ ومجهول.

في صدارة هؤلاء تقف المدوّنة التدريبية: ملايين النصوص التي كتبها بشرٌ حقيقيون عبر قرون، ثمّ ابتُلِعت في جوف النموذج بلا إذنٍ غالبًا، ولا نسبةٍ ولا أجر. كلّ مخرَجٍ من النموذج هو، في حقيقته، صدًى مُعاد تركيبه لأصواتٍ بشرية لا حصر لها. المدوّنة، إذن، هي «المؤلِّف الجماعي» المنسيّ، والمؤلِّفون الحقيقيون مدفونون في الإحصاء، حاضرون في كلّ كلمةٍ وغائبون عن كلّ نسبة. وهذا يقلب أطروحة بارت رأسًا على عقب: فبدل أن يتحرّر القارئ بموت المؤلِّف، يُحتجَب المؤلِّفون (بالجمع) ليتحرّر مالكُ الآلة.

ثمّ يأتي المهندسون ومُصمِّمو النظام الذين يختارون البيانات، ويضبطون المعايير، ويُجرون عمليات «المواءمة» التي تُحدِّد ما يجوز للنموذج قوله وما لا يجوز؛ فهم يمارسون رقابةً تحريرية صامتة على ثقافةٍ بأكملها. ويأتي المستخدِم الموجِّه الذي يُحدِّد الغاية والسياق. وفوق هؤلاء جميعًا تقف البنية الاقتصادية-السياسية التي تُقرِّر أيّ اللغات يُستثمَر في نمذجتها، وأيّ القيم تُرسَّخ بوصفها «محايدة». فعل الكتابة الثقافية، في هذا المشهد، لم يَعُد فعلًا فرديًّا، بل عمليةً مؤسَّسية مُعقّدة، يصعب فيها تحديد «مَن يكتب» بقدر ما يَسهُل تحديد «مَن يملك».

هنا يستعيد سؤال فوكو راهنيّته القصوى. فحين ردّد، نقلًا عن بيكيت، عبارة «ما أهمّية مَن يتكلّم؟»، كان يقصد تحريرَ النصّ من أسطورة الذات الموقِّعة. لكنّ السؤال نفسه، في فم الآلة، يكتسب دلالةً معكوسة وخطيرة: «ما أهمّية مَن يتكلّم؟» تصير ذريعةً لطمس المصدر، ولإعفاء المالك من المسؤولية، ولإذابة العمل البشري المسروق في بحرٍ من «اللاأحد». ما كان عند فوكو تحريرًا نظريًّا للقارئ، يُصبح عند الآلة تغطيةً على استحواذٍ مادّي. ولذلك فإنّ إصرارنا على سؤال «مَن يكتب؟» ليس حنينًا رومنطيقيًّا إلى المؤلِّف-البطل، بل دفاعٌ عن العدالة في توزيع الاعتراف والمسؤولية.

سابعًا: الخصوصية الثقافية العربية في مرآة النموذج – مَن يملك المعنى؟

يكتسب سؤال «مَن يكتب الثقافة؟» حدّةً مضاعفة حين تكون الثقافة المعنيّة عربية. فاللغة العربية، على مكانتها الحضارية وانتشارها، ما تزال ممثَّلةً تمثيلًا ناقصًا في أبحاث معالجة اللغة الطبيعية وفي البيانات التدريبية، قياسًا إلى الإنجليزية. وحين يُكتَب النصّ العربي من داخل نموذجٍ تشكّلت بنيته الأعمق على مدوّناتٍ إنجليزية وغربية المركز، فإنّ ما يُنتَج ليس عربيةً محايدة، بل عربيةً مترجَمة ضمنيًّا عن مخيالٍ آخر.

وقد وثّقت دراساتٌ تطبيقية هذا الانحياز بدقّة. ففي بحثٍ حمل عنوانًا لافتًا هو «جعةٌ بعد الصلاة؟» (معيار CAMeL)، بيّن الباحثون أنّ النماذج اللغوية – بل حتى النماذج العربية منها – تميل إلى ربط السياقات العربية بكِياناتٍ ومرجعياتٍ غربية، وتفشل في توليد إحالاتٍ ملائمة ثقافيًّا، بل قد تُسقِط افتراضاتٍ غربية على مشاهد عربية صميمة18. فحين يُطلَب من النموذج أن يُكمِل قصّةً في سياقٍ عربي، يُقحِم أسماءً وعاداتٍ وأطعمةً ومرجعياتٍ لا تنتمي إليه. الانحياز هنا ليس عابرًا، بل بنيويٌّ مغروسٌ في توزيع البيانات وفي طريقة تقطيع الكلمات (tokenization) التي تُجزِّئ المفردات العربية وتُسيء تمثيلها.

هنا يصير مفهوم «الاستشراق» عند إدوارد سعيد أداةَ تحليلٍ لا غنى عنها. فالاستشراق، كما بيّن سعيد، ليس مجرّد صورٍ نمطية سلبية، بل منظومةُ معرفة/سلطة تُنتِج «الشرق» بوصفه موضوعًا للمعرفة الغربية، وتُعيد تمثيله من موقع المركز19. والنموذج اللغوي المعاصر يُخاطر بأن يكون «استشراقًا مؤتمتًا»: آلةٌ تُعيد إنتاج التمثيلات الغربية للعرب والمسلمين بكفاءةٍ هائلة وعلى نطاقٍ غير مسبوق، فتربط العربيّ والمسلم – كما أظهرت أبحاثٌ عديدة – بالعنف والتطرّف، لا لأنّها «تكره» بل لأنّها تُكرِّر إحصائيًّا ما رصدته في مدوّنةٍ مشبعةٍ بهذه التصوّرات. إنّ الانحياز الخوارزمي هو الاستشراق وقد فقد مؤلِّفه البشري وصار «نسقًا» يعمل بذاته.

ولعلّ في النقد الثقافي العربي، كما طوّره عبدالله الغذّامي، أداةً مكمّلة. فالغذّامي يدعو إلى الكشف عن «الأنساق المضمَرة» التي تختبئ خلف الجميل من القول وتُمارِس سلطتها من حيث لا نشعر20. والنموذج اللغوي نسقٌ مضمَرٌ بامتياز: يُمرِّر قِيَمًا وتراتباتٍ ثقافية مغلّفةً بطلاقةٍ لغوية تبدو بريئة. فمسؤولية الناقد العربي اليوم ألّا ينخدع بالطلاقة، بل أن يُسائل المُضمَر في كلّ مخرَجٍ آلي: أيّ ثقافةٍ يُرسِّخ؟ وأيّ صوتٍ يُسكِت؟ وأيّ «طبيعيٍّ» يصنع؟

إنّ المسألة، في عمقها، مسألةُ سيادةٍ على المعنى. فإذا كانت لغةُ أمّةٍ هي خزّان ذاكرتها ومخيالها، فإنّ تفويض كتابتها إلى آلةٍ لا تملك تلك الذاكرة، ومركزُها في مكانٍ آخر، يُهدِّد باستلابٍ ناعمٍ للوعي الجمعي. لا يكفي إذن أن نطالب بنماذج «عربية»؛ بل ينبغي أن نسأل عن البيانات التي تتدرّب عليها، وعن القِيَم التي تُواءَم عليها، وعن الجهة التي تملكها وتوجّهها. فالعربية التي تكتبها آلةٌ لا تحملها ثقافةً حيّة قد تكون عربيةً في حروفها، أعجميةً في روحها.

خاتمة: نحو مؤلِّفٍ جديد – المسؤولية مِلاكُ التأليف

بعد هذا المسار، يتبيّن أنّ عنوان «نهاية المؤلِّف» مُضلِّلٌ إن أُخِذ على حرفيّته. فالمؤلِّف لم يَنتهِ، بل تبدّلت هيئته وموقعه. لقد طُرد من مركز الإنتاج النصّي ليتوزّع على شبكةٍ من الفاعلين، ولِيعود متخفّيًا في موضعين حاسمين: موضع التأويل، حيث يبقى القارئ البشري هو مَن يمنح المخرَجات معناها؛ وموضع المسؤولية، حيث يبقى الإنسان وحده قابلًا للمساءلة عمّا يُنشَر باسمه.

والنماذج اللغوية، إذ تُحقّق حرفيًّا ما قالته البنيوية مجازًا، لا تُثبت صحّة «موت المؤلِّف» بقدر ما تكشف حدوده. فبارت أراد تحرير المعنى من استبداد النيّة؛ أمّا نحن فنكتشف أنّ غياب النيّة كليًّا لا يُحرِّر المعنى بل يُهدِّده، إذ يفتح بابًا لكلامٍ بلا مسؤول، ولمعرفةٍ بلا ضامن، ولثقافةٍ بلا ذاكرة. لقد كان المؤلِّف، في نهاية المطاف، اسمًا آخر للمسؤولية؛ ومن هنا فإنّ الدفاع عنه ليس دفاعًا عن أسطورة العبقري المنفرد، بل عن مبدأٍ أخلاقيٍّ بسيط: أنّ وراء كلّ قولٍ مسؤولًا يُسأل.

وفي هذا الأفق، يقدّم الفكر الأخلاقي العربي المعاصر إسهامًا نوعيًّا. فطه عبدالرحمن يُنبّه إلى أنّ الحداثة التقنية حين تُجرِّد الفعل من بُعده الأخلاقي تُنتِج «إنسانًا مقطوعًا» عن غاياته21. والكتابة الآلية تُجسِّد هذا الخطر: فعلٌ منزوعُ الأخلاق لأنّه منزوعُ الذات. ومن ثمّ فإنّ المطلوب ليس مقاومة الأداة، بل إعادة وصلها بذاتٍ مسؤولة تستعيد دور «الناظم» الجرجاني والمؤلِّف القاصد. لا بأس أن نستعين بالآلة في النسج، شريطة أن يبقى القصد والمساءلة والمعنى بِيَد الإنسان.

وحريٌّ بنا، نحن قرّاء العربية وكتّابها، أن نُحوِّل القلق إلى مشروع. فبدل أن نسأل سؤالًا دفاعيًّا – «هل ستحلّ الآلة محلّنا؟» – يجدر بنا أن نسأل سؤالًا تأسيسيًّا على غرار ما دعا إليه إدوارد سعيد حين جعل «البداية» فعلًا إراديًّا واعيًا لا أصلًا مُعطًى22: كيف نبدأ من جديد علاقتنا بالكتابة بحيث نملك أدواتنا التقنية بدل أن تملكنا؟ كيف نبني مدوّناتٍ تحفظ ذاكرتنا، ونماذج تُعبِّر عن قِيَمنا، ونقدًا يكشف أنساقها المضمَرة؟ إنّ بناء مستقبلٍ تقني عادل ليس قدرًا مكتوبًا، بل خيارٌ يُصنَع، كما نبّهت بِندر وهانا إلى ضرورة تجاوز «دعاية» الصناعة الكبرى وصناعة المستقبل الذي نريده فعلًا.

في النهاية، لا يطرح الذكاء الاصطناعي علينا سؤالًا عن الآلة بقدر ما يطرحه عنّا نحن. حين تستطيع آلةٌ أن تُحاكي كتابتنا، يُصبح لِزامًا أن نُعيد تعريف ما يجعل كتابتنا كتابتنا: ليس مجرّد النَّظم اللغوي الذي صار بالإمكان أتمتته، بل القصدُ، والمسؤولية، والذاكرة الحيّة، والصلة بعالمٍ نعيشه لا نُحاكيه. مات المؤلِّف-الإله، نعم؛ لكنّ المؤلِّف-المسؤول، الشاهدَ على معناه، الحاملَ لثقافته، لم يكن يومًا أكثر ضرورةً ممّا هو اليوم.

 

الهوامش:

1 – ميشيل فوكو، «ما المؤلِّف؟» (Qu’est-ce qu’un auteur ?)، محاضرة أُلقيت أمام الجمعية الفلسفية الفرنسية في 22 فبراير 1969، ونُشرت في:

 Bulletin de la Société française de philosophie, 63e année, no 3, juillet–septembre 1969, pp. 73–104

 أُعيد نشرها في:

 Dits et écrits, t. I, Paris, Gallimard, 1994.

فالتر بنيامين، «العمل الفني في عصر إعادة إنتاجه تقنيًّا»

2 – (Das Kunstwerk im Zeitalter seiner technischen Reproduzierbarkeit)، 1935–1936؛ بالإنجليزية: «The Work of Art in the Age of Mechanical Reproduction», in Illuminations, trans. Harry Zohn, New York, Schocken, 1968.

3 – Sven Birkerts, The Gutenberg Elegies: The Fate of Reading in an Electronic Age, Boston, Faber & Faber, 1994.

4 – رولان بارت، «موت المؤلِّف» (La mort de l’auteur)، نُشر أوّلًا بالإنجليزية في مجلة Aspen, no. 5–6, 1967، ثم بالفرنسية في مجلة Mantéia, no. 5, 1968 ؛ أُعيد جمعه في:

 Le bruissement de la langue, Paris, Seuil, 1984, pp. 63–69.

5 – Julia Kristeva, Séméiotikè. Recherches pour une sémanalyse, Paris, Seuil, 1969؛

وقد طوّرت كريستيفا مفهوم «التناصّ» (intertextualité) انطلاقًا من «الحواريّة» (dialogisme) عند ميخائيل باختين، انظر:

  1. Bakhtine, La poétique de Dostoïevski, Paris, Seuil, 1970.

 – 6Jacques Derrida, De la grammatologie, Paris, Les Éditions de Minuit, 1967.

7 – أبو عثمان الجاحظ، الحيوان، تحقيق عبد السلام محمد هارون، القاهرة، مكتبة مصطفى البابي الحلبي، 1965، ج3 (مقولة «المعاني مطروحة في الطريق…» في معرض حديثه عن الشعر بوصفه صناعةً ونسجًا).

8 – في نظرية «السرقات» الشعرية ومراتب الأخذ والإغارة عند النقّاد القدامى، انظر: القاضي علي بن عبد العزيز الجرجاني، الوساطة بين المتنبّي وخصومه؛ وأبو القاسم الحسن الآمدي، الموازنة بين أبي تمّام والبحتري؛ وابن رشيق القيرواني، العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده.

9 – عبد القاهر الجرجاني، دلائل الإعجاز، تحقيق محمود محمد شاكر، القاهرة، مكتبة الخانجي (نظرية «النظم»: المعنى لا يقوم بمفرده بل في تأليف اللفظ وتوخّي معاني النحو فيما بينها).

 – 10Abdelfattah Kilito, L’Auteur et ses doubles. Essai sur la culture arabe classique, Paris, Seuil, coll. «Poétique», 1985

(تُرجم إلى العربية كما تُرجم إلى الإنجليزية بعنوان: The Author and His Doubles).

11 – أدونيس (علي أحمد سعيد)، الثابت والمتحوّل: بحث في الإبداع والاتّباع عند العرب، بيروت، دار الساقي، طبعات متعدّدة.

12 – Emily M. Bender, Timnit Gebru, Angelina McMillan-Major & Margaret Mitchell, «On the Dangers of Stochastic Parrots: Can Language Models Be Too Big?», in Proceedings of the 2021 ACM Conference on Fairness, Accountability, and Transparency (FAccT ’21), New York, ACM, 2021, pp. 610–623.

– 13Emily M. Bender & Alexander Koller, «Climbing towards NLU: On Meaning, Form, and Understanding in the Age of Data», in Proceedings of the 58th Annual Meeting of the ACL, 2020

(تجربة «الأخطبوط» الذهنية في الفصل بين الصورة اللغوية والمعنى).

– 14David J. Gunkel, «AI Signals the Death of the Author», Noema Magazine, June 4, 2025 ؛ وانظر كتابه: Communicative AI: A Critical Introduction to Large Language Models, Cambridge, Polity, 2025.

 Luciano Floridi, «distant writing» & «wrAIting«

15 – (الكتابة عن بُعد والمؤلِّف-الميتا)، 2025؛ يميّز فلوريدي بين مُصمِّم النصّ (المؤلِّف-الميتا) والآلة المنفِّذة للكتابة.

16 – Avery Slater, «Phantoms of Citation: AI and the Death of the Author-Function», Poetics Today, vol. 45, no. 2, June 2024, pp. 223–231.

17 – Editorial, «Tools such as ChatGPT threaten transparent science; here are our ground rules for their use», Nature, vol. 613, 2023, p. 612

(منع إدراج النماذج اللغوية مؤلِّفين معتمَدين في الأبحاث).

18 – Tarek Naous, Michael J. Ryan, Alan Ritter & Wei Xu, «Having Beer after Prayer? Measuring Cultural Bias in Large Language Models», 2024

(معيار CAMeL: انحياز النماذج، حتى العربية منها، نحو الكِيانات والمرجعيّات الغربية).

19 – إدوارد سعيد، الاستشراق: المفاهيم الغربية للشرق، ترجمة كمال أبو ديب، بيروت، مؤسسة

الأبحاث العربية؛ الأصل:

Edward W. Said, Orientalism, New York, Pantheon Books, 1978.

20 – عبد الله الغذّامي، النقد الثقافي: قراءة في الأنساق الثقافية العربية، الدار البيضاء/بيروت، المركز الثقافي العربي، 2000.

21 – طه عبد الرحمن، سؤال الأخلاق: مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية، الدار البيضاء، المركز الثقافي العربي، 2000.

22 – Edward W. Said, Beginnings: Intention and Method, New York, Basic Books, 1975.

23 – Emily M. Bender & Alex Hanna, The AI Con: How to Fight Big Tech’s Hype and Create the Future We Want, New York, Harper, 2025.

قائمة المصادر والمراجع

أولًا: المراجع العربية والمترجَمة

– ابن رشيق القيرواني، الحسن. العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده. تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد. بيروت: دار الجيل.

– الآمدي، أبو القاسم الحسن بن بشر. الموازنة بين شعر أبي تمّام والبحتري. تحقيق السيد أحمد صقر. القاهرة: دار المعارف.

– أدونيس (علي أحمد سعيد). الثابت والمتحوّل: بحث في الإبداع والاتّباع عند العرب. بيروت: دار الساقي.

– الجاحظ، أبو عثمان عمرو بن بحر. الحيوان. تحقيق عبد السلام محمد هارون. القاهرة: مكتبة مصطفى البابي الحلبي، 1965.

– الجرجاني، عبد القاهر. دلائل الإعجاز. تحقيق محمود محمد شاكر. القاهرة: مكتبة الخانجي.

– الجرجاني، القاضي علي بن عبد العزيز. الوساطة بين المتنبّي وخصومه. تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم وعلي محمد البجاوي. القاهرة.

– سعيد، إدوارد. الاستشراق: المفاهيم الغربية للشرق. ترجمة كمال أبو ديب. بيروت: مؤسسة الأبحاث العربية.

– طه عبدالرحمن. سؤال الأخلاق: مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية. الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 2000.

– الغذّامي، عبد الله. النقد الثقافي: قراءة في الأنساق الثقافية العربية. الدار البيضاء وبيروت: المركز الثقافي العربي، 2000.

– الغذّامي، عبدالله. الخطيئة والتكفير: من البنيوية إلى التشريحية. جدة: النادي الأدبي الثقافي، 1985.

– كيليطو، عبد الفتاح. المؤلِّف وقرناؤه: مقالة في الثقافة العربية الكلاسيكية (الأصل الفرنسي: L’Auteur et ses doubles).

ثانيًا: المراجع الإنجليزية

– Bender, Emily M., Timnit Gebru, Angelina McMillan-Major, and Margaret Mitchell. “On the – Dangers of Stochastic Parrots: Can Language Models Be Too Big?” In Proceedings of FAccT ’21, 610–623. New York: ACM, 2021.

– Bender, Emily M., and Alexander Koller. “Climbing towards NLU: On Meaning, Form, and Understanding in the Age of Data.” In Proceedings of the 58th Annual Meeting of the ACL, 2020.

– Bender, Emily M., and Alex Hanna. The AI Con: How to Fight Big Tech’s Hype and Create the Future We Want. New York: Harper, 2025.

– Birkerts, Sven. The Gutenberg Elegies: The Fate of Reading in an Electronic Age. Boston: Faber & Faber, 1994.

– Gunkel, David J. Communicative AI: A Critical Introduction to Large Language Models. Cambridge: Polity, 2025.

– Gunkel, David J. “AI Signals the Death of the Author.” Noema Magazine, June 4, 2025.

– Naous, Tarek, Michael J. Ryan, Alan Ritter, and Wei Xu. “Having Beer after Prayer? Measuring Cultural Bias in Large Language Models.” 2024.

– Nature Editorial. “Tools such as ChatGPT Threaten Transparent Science.” Nature 613 (2023): 612.

– Said, Edward W. Beginnings: Intention and Method. New York: Basic Books, 1975.

– Said, Edward W. Orientalism. New York: Pantheon Books, 1978.

– Slater, Avery. “Phantoms of Citation: AI and the Death of the Author-Function.” Poetics Today 45, no. 2 (2024): 223–231.

ثالثًا: المراجع الفرنسية

– Barthes, Roland. « La mort de l’auteur. » In Le bruissement de la langue, 63–69. Paris: Seuil, 1984 (première publication 1967–1968).

– Bakhtine, Mikhaïl. La poétique de Dostoïevski. Paris: Seuil, 1970.

– Benjamin, Walter. L’œuvre d’art à l’époque de sa reproductibilité technique. 1935–1936.

– Derrida, Jacques. De la grammatologie. Paris: Les Éditions de Minuit, 1967.

– Foucault, Michel. « Qu’est-ce qu’un auteur ? » Bulletin de la Société française de philosophie 63, no 3 (1969): 73–104.

– Kilito, Abdelfattah. L’Auteur et ses doubles. Essai sur la culture arabe classique. Paris: Seuil, coll. «Poétique», 1985.

– Kristeva, Julia. Séméiotikè. Recherches pour une sémanalyse. Paris: Seuil, 1969.

Facebook
X
WhatsApp
Threads
Telegram

المحرر الأدبي

مجلة فكر الثقافية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى