العدد الحاليالعدد رقم 48مراجعات

الدماغ في القرن الحادي والعشرين: كيف تُحصِّن عقلك في عصر الذكاء الاصطناعي؟

الكتاب: «الدماغ في القرن الحادي والعشرين: كيف تُحصِّن عقلك في عصر الذكاء الاصطناعي»

المؤلف: د. هانا كريتشلو

الناشر: Torva (مجموعة بنغوين)، لندن

تاريخ النشر: 2026

اللغة: النجليزية

عدد الصفحات: 400 صفحة

لم يعُد سؤال «هل ستتفوّق الآلة على الإنسان؟» ترفًا فكريًّا في زمن الذكاء الاصطناعي، بل صار قلقًا يوميًّا يلامس العمل والتعليم والعلاقات ومعنى أن نكون بشرًا. وفي خضمّ هذا القلق، تأتي عالمة الأعصاب البريطانية هانا كريتشلو، الزميلة في جامعة كامبريدج، بكتابٍ يقلب زاوية النظر: فبدل أن نسأل كيف نُجاري الآلة أو نُسابقها، تدعونا إلى أن نسأل كيف نُحصِّن ما لا تستطيع الآلة أن تنتزعه منّا – إنسانيّتنا ذاتها.

يُصنَّف الكتاب في خانةٍ تجمع بين تبسيط علوم الأعصاب والتنمية المعرفية، وقد لقي رواجًا سريعًا فور صدوره عام 2026؛ إذ تصدّر قوائم الأكثر مبيعًا، واختارته مجلة «نيو ساينتِست» ضمن أفضل كتب الشهر، مثنيةً على جمعه بين الرصانة العلمية والنبرة المتفائلة. وهذا المزج بين سلطة المتخصص وبين الطابع العملي التطبيقي هو ما يمنح العمل موقعه في سوقٍ مزدحمٍ بكتب «تطوير الدماغ».

تنهض أطروحة الكتاب على مفارقةٍ لافتة: أنّ أفضل استعدادٍ لمواجهة الآلة ليس في مضاهاتها فيما تُتقنه – من سرعة الحساب وحفظ المعطيات – بل في تنمية القدرات التي تظلّ عصيّةً عليها، تلك التي تجعلنا «أكثر إنسانيةً» لا أقلّ. فالمستقبل، عند كريتشلو، لا يُكسَب بالتنافس مع الذكاء الاصطناعي، بل بالانحياز إلى ما يميّز العقل البشري.

وتُعدِّد المؤلفة جملةً من هذه المهارات الإنسانية الجوهرية التي ينبغي «تحصينها» في وجه التغيّر التقني: الذكاء العاطفي والقدرة على التعاون، والخيال والإبداع والمرونة الذهنية، والتفكير بعيد المدى وحسن اتخاذ القرار، والقدرة على التكيّف والصمود النفسي، إضافةً إلى الحدس والانتماء والتواصل، والفضول، والتعاطف والشجاعة. وتربط هذه القدرات بأحدث ما توصّلت إليه أبحاث الدماغ حول مرونته وقابليّته للتشكّل، مقدّمةً إلى جانب العرض النظري تمارين عمليةً بسيطةً تستهدف تعزيز هذه المهارات في الفرد وفي الأطفال على حدٍّ سواء.

والسؤال الذي يشدّ فصول الكتاب بعضها إلى بعض سؤالٌ عمليٌّ في جوهره: كيف نرعى أدمغتنا وأدمغة أبنائنا لنملك مرونةً تكفينا للازدهار في موجة التحوّل التقنيّ والاجتماعيّ المقبلة؟ وإجابة كريتشلو تنطلق من مبدأٍ راسخٍ في علم الأعصاب الحديث، هو أنّ الدماغ ليس قدَرًا مغلقًا، بل بنيةٌ قابلةٌ للتشكّل مدى الحياة؛ ومن هذا المبدأ تُشيّد رهانها على أنّ ما نختار أن نُنمّيه في أنفسنا اليوم هو ما سيحدّد موقعنا غدًا في عالمٍ تتقاسمه العقول البشرية والاصطناعية.

يسير الكتاب على منهجٍ يمزج ثلاثة خيوط: عرض البحث العلمي الحديث، وسوق أمثلةٍ وحالاتٍ تطبيقية، وتقديم «تمارين دماغية» يُفترض أن تترجم المعرفة إلى ممارسة. وبهذا ينتمي العمل إلى تقليدٍ راسخٍ في الكتابة العلمية الشعبية الموجَّهة إلى القارئ العام، حيث تُوظَّف علوم الأعصاب لا لغاية المعرفة المجرَّدة فحسب، بل لخدمة رفاه الفرد ونجاحه.

ويتّسع الكتاب ليطرق موضوعاتٍ متنوعةً تتقاطع مع اهتمامات القارئ المعاصر – من اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه، إلى التغذية والميكروبيوم، مرورًا بالمواد المؤثِّرة على العقل والإبداع والتفكير النقدي – وهو تنوّعٌ يعكس سعة اطّلاع المؤلفة وحرصها على ربط المختبر بالحياة. غير أنّ الملمح الأبرز في نبرة الكتاب هو تفاؤله المقصود: فهو يقف عمدًا في مواجهة السرديات المتشائمة التي ترى في الذكاء الاصطناعي تهديدًا وجوديًّا، ليقدّم بديلًا يبعث على التمكين والأمل بدل الخوف والعجز.

ولا يُقرأ هذا العمل بمعزلٍ عن مسار مؤلفته الفكري؛ فهو الحلقة الأحدث في مشروعٍ متّصل. ففي «علم القدَر» (2019) ساءلت كريتشلو حدود حريّتنا في مواجهة ما تنقشه فينا الجينات وبنية الدماغ، وفي «التفكير المتشابك» (2022) احتفت بقوة العقول حين تتضافر، مبشّرةً بالذكاء الجمعيّ. وها هي في هذا الكتاب تمدّ الخيط نفسه إلى تخوم عصر الآلة، فتجعل من التعاون والذكاء العاطفي والتواصل ركائز لِما يميّز الإنسان. وإدراك هذا التواصل بين أعمالها يكشف أنّ الكتاب ليس استجابةً ظرفيةً لموجة الذكاء الاصطناعي بقدر ما هو تتويجٌ لرؤيةٍ إنسانيةٍ للعقل ظلّت المؤلفة تنسجها على مدى سنوات.

«راهنيّة السؤال»: يلامس الكتاب واحدًا من أكثر أسئلة اللحظة إلحاحًا – مصير العقل البشري في مواجهة الذكاء الاصطناعي – ويقدّم إطارًا يُعيد للقارئ إحساسه بالفاعلية بدل الاستسلام للقلق.

«سلطة المؤلفة»: تكتب كريتشلو من موقع الباحثة المتخصصة في مرونة المشابك العصبية، وصاحبة تجربةٍ راسخةٍ في تبسيط العلم عبر مؤلفاتٍ سابقةٍ تُرجم بعضها إلى لغاتٍ عدّة، ما يمنح طرحها موثوقيةً تتجاوز كتب التنمية الذاتية المعتادة.

«الطابع العملي والتمكيني»: لا يكتفي الكتاب بالتشخيص، بل يقدّم أدواتٍ وتمارين قابلةً للتطبيق، ويوجّهها إلى الكبار والأطفال معًا، ما يجعله ذا قيمةٍ للآباء والمربّين لا للقارئ الفرد وحده.

«الجمع بين الرصانة والتيسير»: أشادت مراجعاتٌ مختصّةٌ بقدرة المؤلفة على المزج بين الاستناد إلى البحث العلمي وبين لغةٍ سلسةٍ في متناول الجمهور، وهي معادلةٌ يصعب تحقيقها في هذا النوع من الكتابة.

تُقدَّم الملاحظات الآتية بوصفها قراءةً في طبيعة الكتاب وإطاره المعلَن، لا حكمًا على شواهد نصيةٍ بعينها، تحرّيًا للأمانة الموضّحة في ختام المراجعة:

«حدود التفاؤل»: قد يقود الانحياز إلى النبرة التمكينية الفردية إلى تخفيفٍ لتعقيدات الذكاء الاصطناعي البنيوية – من أثره في سوق العمل، إلى قضايا التفاوت والخصوصية والمراقبة – وهي قضايا لا يكفي فيها «تحصين» العقل الفرديّ وحده.

«اتّساعٌ قد يُثقله»: المرور على موضوعاتٍ شديدة التباين – من الميكروبيوم إلى المواد المؤثِّرة على العقل – يمنح الكتاب حيويةً وتنوّعًا، لكنه قد يأتي أحيانًا على حساب التعمّق في كلٍّ منها.

«إشكالية جنس الكتاب»: تنتمي عبارات «تحصين العقل» و«التمارين الدماغية» إلى نوعٍ أدبيٍّ تتفاوت فيه قوة الأدلة؛ فحريٌّ بالقارئ أن يميّز بين ما يقوم على بحثٍ راسخٍ وما هو أقرب إلى الاستنتاج أو الاستقراء المتفائل.

يكتسب هذا الكتاب قيمةً خاصةً للقارئ العربي الذي يعيش التحوّل التقنيّ نفسه الذي يخاطبه، حيث يتصاعد القلق من الذكاء الاصطناعي على المستويين الفردي والمجتمعي، وتتزايد الحاجة إلى رؤيةٍ تُوازن بين الوعي بالمخاطر وبين استعادة الثقة بالقدرات الإنسانية. وطرح كريتشلو، بتركيزه على ما يميّز الإنسان لا على ما يهدّده، يقدّم مقاربةً بنّاءةً تُكمِّل – لا تُلغي – الأعمال الأكثر تحذيرًا في هذا الحقل.

كما أنّ رسالة الكتاب الجوهرية – أنّ قيمتنا في إنسانيّتنا لا في مضاهاة الآلة – تلتقي مع حساسيةٍ عميقةٍ في الثقافة العربية الإسلامية التي ترى في الإنسان أكثر من أداةٍ للإنتاج أو الحساب. ولعلّ أنفع ما يقدّمه للقارئ العربي، وخصوصًا الآباء والمعلّمين، ليس معلوماته العلمية وحدها، بل الإطار الذي يعلّم كيف نربّي عقولنا وعقول أبنائنا على ما يبقى ثمينًا حين تتغيّر الأدوات.

ويتّسق هذا الطرح مع لحظةٍ عربيةٍ فارقة، إذ تتسارع خطط التحوّل الرقميّ وتبنّي الذكاء الاصطناعيّ في التعليم والاقتصاد عبر المنطقة، وتُطرح أسئلةٌ ملحّةٌ عن المهارات التي ينبغي أن نُعدّ لها أجيالنا. وفي مثل هذا السياق، يتحوّل كتابٌ كهذا من قراءةٍ فرديةٍ إلى مادةٍ صالحةٍ للنقاش التربويّ والمجتمعيّ حول أيّ «إنسانٍ» نريد أن نصنع في عصر الآلة، ما يجعل تعريبه ومناقشته إسهامًا في حوارٍ لا يحتمل التأجيل.

يقدّم «الدماغ في القرن الحادي والعشرين» دليلًا راهنيًّا ومتفائلًا يعيد تأطير القلق من الذكاء الاصطناعي بوصفه دعوةً إلى تنمية أعمق ما فينا من إنسانية. قوّته في راهنيّته وطابعه التمكيني وسلطة مؤلفته؛ وحدوده في أنّ من يبحث عن تحليلٍ علميٍّ معمَّقٍ أو عن مساءلةٍ نقديةٍ لأبعاد الذكاء الاصطناعي البنيوية قد يحتاج إلى أن يقرنه بأعمالٍ أكثر تخصّصًا أو تحذيرًا. وعلى العموم، يبقى عملًا جديرًا بالقراءة لجمهورٍ عريضٍ يبحث عن بوصلةٍ إنسانيةٍ لا تفقد اتجاهها وسط عاصفة التغيّر التقني.

المؤلفة:

د. هانا كريتشلو (Hannah Critchlow)، دكتوراه، ودكتوراه فخرية في العلوم، عالمة أعصاب وكاتبة وإعلامية تحظى بتقدير دولي، وعضو زميل في كلية ماغدالين بجامعة كامبريدج.

تتركز خبرتها العلمية في مجالات الوعي، والتعلّم والذاكرة، واتخاذ القرار، والذكاء، والتعاون بين العقول، وعلاقتنا بالذكاء الاصطناعي. وفي عام 2019، اختارتها مجلة Nature ضمن قائمة «النجوم الصاعدة في علوم الحياة»، كما صنّفها مجلس العلوم في المملكة المتحدة ضمن «أفضل 100 عالِم في المملكة المتحدة».

صدر كتابها «الوعي: دليل ليدي بيرد للخبراء» عن دار بنغوين عام 2018. وفي مايو 2019، أصدرت دار هودر وستوتون كتابها «علم القدر»، الذي دخل قائمة الكتب الأكثر مبيعًا في صنداي تايمز.

أما أحدث كتبها، «التفكير المتكامل»، فقد صدر عام 2022، وحظي بإشادة نقدية واسعة. كما قدّمت عرضًا لأبرز ما توصل إليه الكتاب أمام مسؤولين دوليين معنيين بالسياسات في أنحاء مختلفة من العالم.

Facebook
X
WhatsApp
Threads
Telegram

المحرر الأدبي

مجلة فكر الثقافية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى