تأكيداً، ما زال الشباب يقرؤونالباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2023-05-31 13:58:00

د. أسماء كريم

باحثة في الترجمة ونظرية النص وتحليل الخطاب - المغرب

سالومي تيسولونج   Salomé Tissolong

ترجمة: د. أسماء كريم

تُظهر الدراسة الجديدة للمركز الوطني للكتاب (Centre national du livre) أنَّ الشباب لم يتخلَّوا عن القراءة. لكن ممارستهم الأدبيَّة وأذواقهم تطوَّرت...ذهبنا لمقابلتهم في المكتبة الوسائطيَّة.

إنَّها الثالثة مساءً، باريس بحُلَّة رماديَّة في هذا الأحد من شهر مارس. تذهب كنزة، البالغة من العمر عشر سنوات، إلى المكتبة الوسائطيَّة كانوبي  Canopéالواقعة في ميدان هال Forum des Halles، رفقة أختها الكبرى. غالبًا ما تقضيان فترة بعد الظهر هناك، بعد القيام ببعض التَّسوّق في المركز التجاري. تتوجَّه كنزة مباشرة إلى ركن الشباب، في الجزء الخلفي من المكتبة الوسائطية، وتبدأ استكشافها. تتجوَّل في المكان بحثًا عن كتاب يمكن أنْ يثير اهتمامها. يتمُّ تصنيف الألبومات والصُّور والروايات والقصص الـمُصوَّرة والمانغا، الموجَّهة لجمهور يتراوح عمره بين أقل من سنة واثنتا عشرة سنة، في صناديق على ارتفاع مستوى الطفل. تخطو الفتاة بضع خطوات، تفحص الأغلفة، والأغلفة الخلفيَّة، ثم تختار كتابًا وتتصفَّحه، فتتردَّد وتعود إلى الوراء، وتلتقط آخر...على يسارها، تجلس أمٌّ وابنتاها إلى طاولة صغيرة. تقرأ الكُبرى بصوت عالٍ، تستمع إليها بعناية خصلاتُ شعرها الشقراء الصغيرة. إنَّها قصة أميرة. فجأة، تنهض واحدة من الصغيرات وتهرب، ودُمية دبِّها في يدها، قائلةً لعائلتها: "سأجد كتابًا آخر!". عادتْ بسرعة بألبوم مُعنْون بـ "الماموث والغول والفضائيُّون وأختي الصغيرة/ Les Mammouths, les orges, les extraterrestres et ma petite sœur "، إنَّها لا تستطيع القراءة، لكنها اختارته لأن "الغلاف جميل". تواصل كنزة بحثها، وهي تعبر الغرفة وتمشي على سجادة مريحة، حيث تمَّ وضْعُ وسائد ملوَّنة صغيرة. وهناك، يشعر الطّفل بالسعادة لدرجة أنَّه لا يريد المغادرة، فيُخاطبه والده قائلاً: "آسف إنزو Enzo، لا يمكننا البقاء طويلاً، لكن يمكنك اختيار كُتب على سبيل الإعارة". بعد عدة مفاوضات، بدأوا كتابًا جديدًا- الأخير، وفقًا لشروط اتفاقهم، "صيَّاد يعرف كيف يصطاد/ Un chasseur sachant chasser"، يقرأ الأكبر سنًّا بِنَبْرة مسرحيَّة.

إنهم مازالوا يقرؤون

إذا كان الأطفال، في هذه المكتبة، يقرؤون بمُتعة، فماذا عن بقيَّة الشباب الفرنسي؟ وفقًا لأحدث دراسة أجراها المركز الوطني للكتاب (CNL)، والتي نُشرت في مارس 2022، ما يزال الكثيرون يمارسون فعل القراءة. وقد تمَّ إجراء الاستطلاع، الذي عُهِد به إلى إبسوس Ipsos، في جميع أنحاء البلاد، عبر الإنترنيت، ويُغطّي عيِّنة من 1500 شخص تتراوح أعمارهم بين سبع سنوات وخمسة وعشرين سنة. ونكتشف أنَّ % 76 من الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين سبع سنوات وخمسة وعشرين سنة يقرؤون من أجل المدرسة أو العمل، وأنَّ  % 81 يقرؤون من أجل التَّرفيه. لقد قرؤوا خمسة كُتُب إلى ستَّة، في المتوسّط، في غضون الأشهر الثلاثة الماضيَّة. بالإضافة إلى ذلك، يقول% 84 من الشَّباب إنَّهم يحبُّون القراءة. لكن المركز الوطني للكتاب يُحذِّر: على الرّغم من هذه الأرقام الـمُشجِّعة، ما يزال هناك من يقاوم. فـ % 16 من الشَّباب يقولون إنَّهم لا يحبُّون هذا النَّشاط ولا يكرهونه. ونلاحظ أيضًا انفصالاً عن القراءة التَّرفيهيَّة خلال فترة المراهقة، مع انخفاضٍ حادٍّ عند جميع الشباب بعد اثنتي عشرة سنة. هذا الانخفاض يكون أكبر بين الذكور منه بين الإنـاث:  فـ % 68 من الذكور يقرؤون من أجل التَّرويح عن أنفسهم بين ثلاث عشرة سنة وخمس عشرة سنة، مقابل % 81 من الإناث في المرحلة العُمْريَّة نفسها.

الافتتان بالقصص الـمُصوَّرة

تلتقي كنزة بشابٍّ يتَّجه بعزْمٍ نحو قسم المانغا، إنَّه لا يتباطأ: يختار المراهق خمسة من هذه الكُتب ذات الطِّراز الياباني، ويجلبها مباشرةً إلى الحَاجز لاستعارتها. والأمر عكس ذلك تمامًا بالنسبة للفتاة الصغيرة التي تحبُّ قضاء الوقت هنا. إنَّها تنضمُّ إلى أختها الكبرى، الجالسة في زاوية القصص المصوَّرة، وذراعاها محمَّلتان بالكُتب. بالكاد تلمحها الفتاة الكبرى، المستغرِقة في قراءة مجلَّد في كتاب دفاتر ايستير/ Cahiers d’Esther لرياض سطوف Riad Sattouf. هذا الفضاء من المكتبة مليء بالنَّاس: كثير منهم يلتهم الألواح في صمت. لاحظتْ أيساتو Aissatou، أمينة مكتبة في كانوبي Canopée منذ ستّ سنوات، هذا الانجذاب المتزايد نحو القصص الـمُصوَّرة خلال استطلاع أُجريَ مع زملائها. "كانت بعض أَرْفُفنا مليئة بالكُتب التي كانت في السَّابق تُستَعار بسرعة كبيرة. لذلك، سعينا لفهم ما يجذبُ الأطفال".

اكتشف أُمناء المكتبات، بفضل صندوق الاقتراحات الذي يدعو الأطفال لتقديم اقتراحات للقراءة، أنهم يريدون قراءة القصص الـمُصوَّرة في الغالب -الكثير من القصص المصوَّرة- بالإضافة إلى المانغا. وتؤكِّد دراسة المركز الوطني للكتاب ذلك: فالأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين سبع سنوات وتسع عشرة سنة يفضِّلون اليوم القصص الـمُصوَّرة على الرّوايات. وتمثِّل القصص المصوَّرة والمانغا والمجلَّات الهزليَّة % 73 من قراءاتهم، مقابل% 64 في عام 2016. ومن بين الرّوايات -التي تمثل % 46 من قراءاتهم، مقابل % 55 عام 2016 - يفضِّلون روايات الخيال العلمي وأدب الخيال وروايات المغامرات. ولا يزال الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين عشرين سنة وخمسة وعشرين سنة يفضِّلون الرّوايات (% 58)، لكن ما تزال القصص المصوَّرة والمانغا والمجلَّات الهزلية تمثل % 47 من اختياراتهم.

بعد ساعة قصيرة من القراءة، كانت كنزة قد عَبرَتْ كلّ اختياراتها، ثم عادت للبحث مرَّة أخرى. غادرت كرسيّها، وأعادت الكُتُب حيث أخذتها، وبدأت في طلب كُتب جديدة. مرَّت أمام ركن الوسائط المتعدّدة الذي يجذبُ انتباه العديد من الأطفال...يتم الاستيلاء على الحاسوب والجهازين اللَّوْحِيَّيْن في زاوية الشباب. يجادل البعض، أحيانًا، بصوتٍ عالٍ للوصول إلى الـمُعِدَّات. تشرح أمينة المكتبة أيساتو قائلة: "إنَّهم يلعبون الألعاب على هذه الأجهزة". وتضيف: "هنا، يحقُّ للأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين ثماني سنوات واثنتي عشرة سنة الحصول على ساعة واحدة من وقت الحاسوب، وساعتين لمن تزيد أعمارهم عن اثنتي عشرة سنة. أمَّا الجهاز اللَّوحي فهو مُتاح للجميع. هذا ما يحبُّه الكثير من الأطفال! يمكن للبعض قضاء اليوم كلّه فيها...". لا يُلاحَظ هذا التَّنافس بين الكُتب والأجهزة اللَّوحيَّة إلَّا في كانوبي. وبالنسبة لجميع الشَّباب الفرنسيِّين، فإنَّ الوقت الـمُخصَّص للقراءة الترفيهيَّة أقلّ بكثير من الوقت الذي يتمُّ قضاؤه أمام شاشة معيَّنة. في المتوسِّط، يقرأ قرَّاء "التَّرفيه" ثلاث ساعات وأربع عشرة دقيقة في الأسبوع، لكن جميع الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين سبع سنوات وخمسة وعشرين سنة (سواء كانوا قُرَّاء أم لا) يقضون ثلاث ساعات وخمسين دقيقة يوميًّا أمام الشَّاشة! وهذه الشَّاشات موجودة في كلّ مكان، لأنَّ نصف الشباب غالبًا ما يفعلون شيئًا آخر في الوقت ذاته الذي يقرؤون فيه: يرسلون رسائل، ويتصفَّحون شبكات التَّواصل الاجتماعي، ويشاهدون مقطع الفيديو...

تأكيدًا، تعرضتْ القراءة لهزيمة شنيعة، لكنها لم تختف لكلّ ذلك. فجاذبيَّة الشَّباب نحو الشَّاشات تعمل، بالمقابل، على تطوير ممارسات جيِّدة: فأربعون في المئة (% 40) من الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين سبع سنوات وخمسة وعشرين سنة قد قرؤوا بالفعل كتابًا إلكترونيًّا وثمانية وخمسون في المئة (% 58) منهم استمعوا فعلاً إلى كتاب صوتي أو بودكاست. بالإضافة إلى ذلك، أصبحت الإنترنيت وسيلة لتعزيز القراءة عند هذا الجمهور: % 29 من قُرَّاء "الترفيه" الشباب يختارون كتابًا بعد سماعهم به في الانترنيت، ويفكّر الكثير منهم في التَّعرّف على الكُتب من خلال شبكات التَّواصل الاجتماعي (يوتيوب وإنستغرام وتيك توك). ويُعلن نصفهم كذلك أنَّ رغبتهم في قراءة كتابٍ قد أُثيرَت بالفعل من خلال مشاهدة فيلم أو سلسلة على منصَّة الفيديو.

دور المحيط

إنَّها السَّادسة مساءً، ستغلق المكتبة الوسائطيَّة لكانوبي أبوابها. تتَّجه كنزة وبقيَّة القُرَّاء، بأسفٍ، إلى مكان الخروج الذي يؤدّي مباشرة إلى ميدان هال Halles. يختلطون مع حشْد من الـمارَّة بمن في ذلك فرانسوا François، الباريسيُّ البالغ من العمر ثماني عشرة سنة. لم يذهب أبدًا إلى المكتبة. في واقع الأمر، إنَّه يقرأ قليلاً: "آخر مرَّة قرأتُ فيها كانت الصَّيف الماضي، قبل سبعة أشهر...لقد الْتهمتُ كتاب: من قتل والدي/ Qui a tué mon père لإدوار لويس Edouard Louis". يوضّح أنَّه يحبُّ القراءة، لكنَّه يفضِّل الأنشطة الأخرى، مثل الرّياضة وألعاب الفيديو: "يجب أن أقول إنَّني لم أقرأ كثيرًا في طفولتي، لذلك عندما أبدؤُها، يكون الأمر صعبًا. لم يكنْ وَالدَاي قُرَّاءً، ولم يشجّعوني قطّ على القراءة، بينما كان على بعض أصدقائي قراءة كتاب في الأسبوع، على سبيل المثال..." كان فرانسوا على حقٍّ: دورُ الأسرة حاسم. وفقًا للمركز الوطني للكتاب، يقوم الآباء بمبادرة تشجيع القراءة عند الشَّباب: أكثر من نصف القُرَّاء الشَّباب يتم تشجيعهم، من قِبَل واحد من الوالدين على الأقلّ، على قراءة الكُتب. ومع ذلك، يَنْوِي فرانسوا تطوير هذا النَّشاط، وهو مسرور بوجود جواز الثَّقافة. فبفضل رصيد هذا النِّظام تمكَّن من الحصول على الكُتب التي يملكها. ويعترف قائلاً: "لمْ أكُنْ لأشتريها بِمالي". ويجب عليه الاعتراف بذلك: فهو، الآن، يُحبُّ قضاء الوقت في المكتبات.


عدد القراء: 1258

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-