اليسار في الفكر السياسي المعاصر ثوابت الفكــر ومتغيراتــهالباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2023-09-29 11:28:10

د. مصطفى عطية جمعة

أستاذ الأدب العربي والنقد - الجامعة الإسلامية مينيسوتا

إن الاعتقاد الشائع أن اليسار دال على الفكر الماركسي، وهذا خطأ، فالنظرية الشيوعية تأتي ضمن تيارات الفكر الاشتراكي، فالشيوعية Communism هي إحدى نظريات الفكر الاشتراكي، في تطوراته الفلسفية والعقائدية.

إن مذهب الــ"شيوعية" من أكثر المذاهب ثورية وراديكالية، لأنه هو يقوم أساسًا على: القضاء على الملكية الفردية، وتدخّل الدولة الفعّال في حياة الأفراد، وإخضاعهم لإشرافها وتوجيههم ماديًا وفكريًا، وهو يستخدم غالبًا للإشارة إلى الاشتراكية الثورية، أي تلك التي تحققت عن طريق الثورة، بدلاً من التطور التدريجي، وتقوم بصورة خاصة على كتابات ماركس(1).

وكما نرى فإن رؤية الماركسية تنطلق من تحكم الدولة بشكل كامل في حياة الأفراد، من أجل نشر مبادئ المساواة، والعدالة في الدخل الذي سيكون على قدر الاحتياجات المادية الأساسية للناس، وهي رؤية أساسها الفلسفة المادية. لذا، فهو يلاقي مصطلح اليسار في الطبيعة الثورية التي تنطوي عليها الشيوعية في سعيها إلى التغيير المجتمعي والسياسي والاقتصادي.

فالمتأمل في التجربة الشيوعية - في بعديها الثوري والتطبيقي في مختلف بلاد العالم، مثلما كانت في الاتحاد السوفيتي سابقًا، وفي تجربة ماوتس تونج الصينية– يجد أن التغيير يحتّم وجود حزب على رأسه شيوعيون ثوريون، يقودون صراع "البروليتاريا" إلى النصر. فمفهوم الحزب الشيوعي: يعني حتمية وجود من يقود الثورة، ويعني أيضًا حتمية وجود من يحمي مصالح الطبقة العاملة، ويواجه البرجوازية وتحكماتها، ومن ثم يدافع عن المكتسبات الشيوعية.

فكل تجارب الشيوعية التي أثمرت في النهاية دولاً تحمل الشيوعية مذهبًا وتخطيطًا وسلطة كان نهجها ثوريًا، أي عسكريًا دمويًا في أحايين كثيرة. ذلك أن وصول الحزب إلى السلطة بالطريق الثوري يتيح تدريب العمال، وتنظيمهم، وتحقيق أهداف الثورة، بعيدًا عن فلسفة الأـحزاب الاشتراكية الديمقراطية في التجربة الغربية التي سلكت النهج السلمي القائم على تداول السلطة، مما يجعلها معرضة لمغادرة السلطة في أية لحظة، فتفقد بالتالي مكتسباتها. أما الأحزاب الشيوعية فهي تحكم بما يسمى ديكتاتورية البروليتاريا، أي جعل السلطة كلها في أيدي البروليتاريا ومن يمثلونها، لتحقيق أكبر قدر من المكاسب الأكيدة والسريعة لها(2).

أيضًا، فقد اعتبر الفكرُ الماركسي الديمقراطية من الإرث البرجوازي الذي يمثل الرأسمالية، بل إن الديمقراطية كانت وسيلة الرأسمالية لتجديد المجتمعات التقليدية (الملكية)، وتجديد بنيتها السياسية والاجتماعية وعمل علاقات جديدة في تلك المجتمعات. وهذا لا يقدح بالطبع في مبادئ الديمقراطية الداعمة للحريات والتداول السلمي للسلطة وسعيها إلى خير الشعوب، ولكنهم يرون أن الديمقراطيات الغربية لا تزال داعمة للنظام الرأسمالي، ولقوى البرجوازية(3).

ويثور السؤال: هل يؤمن الفكر الماركسي بالديمقراطية؟ ويأتي الجواب، بأن الماركسية تؤمن في جوهرها بالديمقراطية، ولكنها تقرأها قراءة خاصة به بعيدًا عن الممارسة السياسية الحالية، القائمة على تداول السلطة على نحو ما نرى في الديموقراطيات الغربية، حيث يرى الفكر الماركسي أن "الديمقراطية الاشتراكية" هي أعلى نمط للديمقراطية السياسية لأنها تضمن الإدارة الذاتية الاشتراكية للشعب وللحقوق والحريات السياسية الحقيقية للمواطنين، ومساواتهم أمام القانون ووحدة الحقوق والواجبات. وهي تضمن جذب العمال/الشغيلة إلى إدارة شؤون المجتمع والدولة. والتطور الشامل للديمقراطية الاشتراكية يؤدي في ظل الشيوعية إلى حلول الإدارة الذاتية الاجتماعية الشيوعية مكان الدولة"(4).

تلك هي رؤية الماركسية للديمقراطية فكرًا، وإن لم تقدم آليات وإجراءات لضمان التحول التجربة الاشتراكية إلى الإدارة الذاتية الاجتماعية، وهي رؤية أقرب إلى الطوباوية المثالية، أما واقع التطبيق فكان ديكتاتورية واستبدادًا وتسلطًا. وربما يعود هذا، إلى اقتصار المنظور على الأبعاد المادية فقط أي الجانب الاقتصادي، أما الأبعاد النفسية والقيمية للفرد فغابت كثيرًا، فالإنسان لديه رغبات عديدة وكثيرة، منها التملك الفردي، والرغبة في الاستعلاء والقوة والنفوذ والهيمنة، بجانب السعي لتحقيق طموحات شخصية، وكلها أشياء لا يمكن مقاومة إغراءاتها النفسية خصوصًا إذا غابت القيم عن أصحابها، وتلبّسهم حب المناصب والصراعات على النفوذ.

على صعيد آخر، انطلقت قراءة الفكر الماركسي للسلطة السياسية من بعدين: نبذ الطبقية، وربط الاقتصاد بالسياسة، وأن "الدولة في أنماط الحكم المختلفة (الملكية والجمهورية الرأسمالية) أداة للسيطرة الطبقية بل هي في خدمة الطبقات المسيطرة، ولا ينبغي خضوع الدولة/السلطة لإيديولوجية الطبقة السائدة (أي الطبقة المنتفعة من السلطة والمساندة لها في آن)، وإنما يجب تبنّيّ إيديولوجية ثورية، تغير الفكر والممارسة والطبقية في الدولة ذاتها، بدلاً من الطبقات المستغلة للسلطة والمال، والتي تخضع لطبقات أخرى، ومن ثم إزاحة هذه الطبقة، واستبدالها بقوى الإنتاج الحقيقية المهمشة والمنبوذة، وهذا عبر إجراءات ثورية وليس تغييرًا سياسيًا فقط(5).

فالمفكرون الماركسيون يرفضون نظرية نخبة السلطة، التي ترى بأن السلطة تتحكم فيها هيئات ثلاثة: اقتصادية وسياسية وعسكرية، وهؤلاء لا يعطون كثيرًا من المجال للسياسيين المحترفين لأن الهيئات الثلاثة هي صانعة القرار السياسي في النهاية لأنها تملك القوة، ويرد الماركسيون على ذلك بأن السلطة يتولاها من يمسك وسائل الإنتاج بشكل فعلي، بعيدًا عن النخبويين المتعطلين. أما نظرية التعدد، التي ترى أن السلطة تتولاها مجموعات قائدة وليس هيئات، تتصارع فيما بينها أو تنسق مواقفها، وتمثل مجموعات ضغط في صناعة القرار السياسي، ومن هذه المجموعات: قادة الفكر والجيش وأصحاب المصانع والملاك وكبار الموظفين في الإدارة وغيرهم. فإن الماركسيين يردون عليهم بأن تلك النظرية تخفي الطبقات المتحكمة في طياتها، وتقبل بوجودها وتعطيها دورا في السلطة، وبالتالي لا استقلال حقيقيا للدولة(6) ولا وجود لحياة اشتراكية آمنة، تحمي الطبقات الفقيرة. 

إن النظرية الماركسية تقرأ السلطة في ضوء مرجعيتها الفلسفية الاجتماعية التي لا تعترف بالواقع وجماعات المصالح والملاك وأصحاب المصانع، وما ينتج عن ذلك من طبقات واحتكارات وتحكمات، وإنما تعيد ترتيب المجتمع، وفق مبادئ المساواة الاجتماعية والاقتصادية، ومن ثم تتكون السلطة السياسية الضابطة لذلك.

ولكن واقع التجربة بكافة تطبيقاتها كان سيئًا، وهذا ما رصدته كثير من الدراسات، ويكفي سقوط الاتحاد السوفيتي ذاته، وانتهاج الصين نهجًا رأسماليًا مع بقاء الحزب الشيوعي على رأس السلطة. فقد كان النظام المطبق في غالبية الدول الاشتراكية كان أقرب إلى النظام الأوتوقراطي الحربي، لأنه يحكم بواسطة حزب وحيد ومنظم تنظيمًا صارمًا، ولا يسمح بحرية الإعلام، بل هو يشارك الفاشية في إحدى سماتها وهي الطريقة السياسية الاحتكارية للحكم والتوجيه(7).

إذن، فاليسار مصطلح يمثل تيارًا فكريًا وسياسيًا يتراوح من الليبرالية ذات التوجهات الاجتماعية، وبين الاشتراكية إلى الشيوعية مرورًا بالديمقراطية الاجتماعية والليبرالية الاشتراكية. بمرور الوقت تغيرت وتعقدت وتشعبت استعمالات مفهوم اليسار بحيث أصبح من الصعوبة - بل من المستحيل - استعماله كمفهوم موحد لوصف التيارات المختلفة المتجمعة تحت مظلة اليسار. فاليسار في الغرب يشير إلى الاشتراكية أو الديمقراطية الاجتماعية في أوروبا والليبرالية ذات التوجهات الاجتماعية في الولايات المتحدة الرافضة للاستغلال وهيمنة القوى الرأسمالية. ومن جهة أخرى فإن اليسار في الأنظمة الشيوعية يطلق على الحركات التي لا تتبع المسار المركزي للحزب الشيوعي وتطالب بالديمقراطية في جميع مجالات الحياة"(8).

ذلك هو واقع اليسار الجديد في العالم، حيث ينشط في مجالات تعبر عن فكره وتوجهاته، ويتعاطى بالإيجاب مع التجارب الديمقراطية وتداول السلطة، خاصة في أوروبا، وانقسم اليسار نفسه إلى يسار اليسار، ويمين اليسار، ووسط اليسار.

 

الهوامش:

1) الشامل: قاموس مصطلحات العلوم الاجتماعية، د. مصلح الصالح، دار عالم الكتب للطباعة والنشر، الرياض، ط1، 1999م، ص103.

2) الرأسمالية والاشتراكية والديمقراطية، جوزيف أ. شوبيتر، ترجمة: حيدر حاج إسماعيل، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، ط1، 2011م، ص558 -560، وانظر أيضًا: ما هي المنظومة الاشتراكية العالمية؟، بيرغوف، ترجمة: طارق معصراني، دار التقدم، موسكو، 1988م، ص190.

3) ما هي المنظومة الاشتراكية العالمية؟، ص190.

4) ما هي المنظومة الاشتراكية العالمية؟، ص190.

5) مدخل إلى الاشتراكية العلمية، أرنست ماندل، بدون مترجم، منشورات: اليسار الثوري المصري، ط1، 1974م، ص22-30.

6) النظم السياسية في العالم المعاصر، د. سعاد الشرقاوي، نشر مركز الدراسات السياسية، جامعة القاهرة، 2007م، ص259-262.

7) الرأسمالية والاشتراكية والديمقراطية، ص737.

8) تعريف المعهد العربي للبحوث والدراسات السياسية والاستراتيجية، http://www.airss.net/site/page/


عدد القراء: 2478

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-