الرواية والمدينة العربية: التحولات والتشابكاتالباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2024-02-01 09:35:20

د. مصطفى عطية جمعة

أستاذ الأدب العربي والنقد - الجامعة الإسلامية مينيسوتا

تختلف المدينة عن القرية، بحكم احتضانها تركيبًا اجتماعيًا غير متجانس، حيث يعمل غالبية سكانها في أنشطة مختلفة، غالبيتها تجارية وصناعية، وأيضًا في مؤسسات الحكومة والشركات. يتنوع التركيب الاجتماعي للمدينة، فهناك عائلات متجذرة في المدينة، وهناك القادمون عليها للإقامة والعمل، سواء بشكل وقتي أو دائم، وهو ما يعلل كون المدينة أكثر انفتاحًا، أما القرية فتميل للانغلاق الاجتماعي، نظرًا للطبيعة العشائرية الغالبة عليها، وضيق مساحتها، وقلة سكانها.

وهذا لا يمنع أن تنتهي أطراف المدينة بقرى وأراض زراعية، خاصة في المدن التي نشأت بحكم النمو العمراني في وسط المناطق الزراعية، كما هو الحال في مصر والسودان والعراق والشام والمغرب، على العكس من المدن التي تأسست حديثًا، وابتعدت عن الزحام التقليدي، وتم بناؤها في الصحراء، لتكوين مجتمعات جديدة، مدنية الطابع، على غرار التخطيط الحداثي للمدن في العالم، كما هو الحال في دول الخليج العربي، وفي غيرها من أقطار العروبة، ضمن خطط التوسع العمراني، حتى باتت كثير من المدن العربية الحديثة، شبيهة بمثيلاتها في أمريكا وأوروبا والشرق الأقصى: بنايات شاهقة، شوارع واسعة، طرق سريعة، مطارات متعددة، كثافة سكانية عالية، وأخلاط شتى من القاطنين: متعددي الأصول والجنسيات، مع تباينات في الهوية والسلوكيات، بحكم التعددية الثقافية لسكانها.

فالمشهد العمراني الحالي في العالم العربي: مدن قديمة، تم وضع مخططات حديثة لأحياء جديدة فيها، مع بقاء الأحياء القديمة وتطويرها، بأزقتها وبيوتها الصغيرة، كما هو الحال في العواصم العربية التقليدية: القاهرة، دمشق، بغداد، الرباط، بيروت، وأيضًا في المدن الكبرى التي تشكل عواصم للمحافظات. واُفتتحت في غالبية المدن الجامعات، بكل الزخم الفكري الذي تشكله الجامعة في حياة المدينة.

لقد وثقت الرواية العربية التجربة الإنسانية وخصوصية المكان، كما نبهت إلى حالات تغيره أو تدهوره أو اندثاره في أحيان أخرى، وذلك في على الصعيد الإقليمي والقطري، وأيضًا في داخل القطر الواحد، مما أوجد نتاجًا روائيًا شديد التنوع، وشديد الثراء، ويعبر عن حالة الخصوبة والدينامية المجتمعية التي حدثت في العصر الحديث.

 وبعيدًا عن ثنائية الريف والمدينة، فإن المدن العربية على اختلاف مواقعها، وعدد سكانها، وطبيعة تكوينها، وتنوع مواضعها الجغرافية؛ أمدّت الروائي العربي بأفكار وأحداث وشخصيات لا آخر لها، ففاضت الروايات العربية منذ النشأة وإلى يومنا بكثير من السرديات، متنوعة الأشكال والمستويات والاتجاهات والأفكار، تصف واقع المدن العربية، وترصد التغييرات الهائلة التي طرأت عليها، وتوازي في طرحها ما بين النمو الديموغرافي، والتبدلات الاجتماعية، والتباينات الثقافية، وترصد أيضًا النمو العمراني للمدن، وانتقال العائلات المدينية الأصيلة من الأحياء القديمة إلى الأحياء الجديدة، وما أصاب هذه العائلات من تبدلات، وتفاعلها مع قضايا الوطن. وهو ما يفتح المجال لقراءة المدينة العربية في منظور عمراني، بحثًا عن التفاعل بين العمران والإنسان، فطبيعة المدينة العمرانية: الشوارع والأحياء والأزقة والبيوت والميادين وطبيعة المهن التي يشتغل فيها أهلها، تختلف وتؤثر على نوعية الشخصيات وسلوكها وطريقة تفكيرها، وبعبارة أوجز: فإن المكان في المدينة ينعكس على الإنسان، مثلما أن الإنسان يساهم في صنع المكان والحدث.

وفي الروايات العربية، تنعكس شخصية المدينة على البنية السردية، وقد شكلت عنصرًا هامًا في البناء الروائي؛ فقد وظّف الروائيون العرب أنماط العمارة، وحققوا أهدافًا فنية وسردية جوهرية في رواياتهم، بل إن الأساليب السردية، ميزت في أوصافها بين الطبيعة العمرانية في المدن العربية، واستطاعت أن تعبر عن الثقافات العربية المحلية في اختلافاتها بين المدن. فقد اختلفت حارات نجيب محفوظ في وصف القاهرة القديمة، عن ديوانيات وأحواش عبده خال في مدن الخليج، وعن أبراج هاني النقشبندي وناطحات سحابه في مدينة دبي، وعن بيوت القرية الطينية في سرد الطيب الصالح، أو تطوان البيضاء ومراكش الحمراء في روايات المغاربة أمثال محمد شكري ومحمد زفزاف وسالم بن حميش (عبد الرؤوف، 2013).

فلا يمكن قراءة روايات نجيب محفوظ دون النظر إلى تاريخ القاهرة العمراني، بل ودراسة هذا التاريخ، وما تميزت به القاهرة في بيوتها وحواريها، كي نفهم الدقائق والتفصيلات التي ذخرت بها روايات محفوظ، وكانت خير معين في التسجيل الوصفي لعلاقة الإنسان بالعمران في القاهرة القديمة. لقد عشنا في ثلاثيته مع البيت القاهري القديم؛ بساحته الواسعة، ونوافذه ذات المشربيات، وأسطحه التي بها غرف الغسيل وعشش الدجاج، كذلك الفرن البلدي، والعيش الساخن، وعمارة البيت الداخلية، فغرف النوم في الأدوار العليا، بينما المجلس العائلي في المدخل. وتصميم البيت نفسه، نابع من الروح الإسلامية، التي تمنع كشف حرمة البيت لدى المارة في الشارع، أو الزائرين، بدءًا من المطرقة على الباب الخشبي الكبير، مرورًا بالدهليز في المدخل. بينما تعطي أهل البيت من النساء والبنات كامل الحرية في الحركة صعودًا ونزولاً، دون أن يتلصص عليهن أحد، مع الأخذ في الحسبان طبيعة المجتمع القاهري وقتئذ، من خلال النظام الأبوي، الذي يضع الأب في منزلة سامقة، والكل خاضع له، ويظهر الأم طيبة مطيعة، مدبرة لشؤون بيتها، وراعية لأولادها.

كما رصدنا في عالم نجيب محفوظ التطور العمراني الذي حدث في القاهرة، من خلال انتقال أبناء عائلة السيد أحمد عبدالجواد من حي بين القصرين الشعبي، إلى حي قصر الشوق، ثم مع الأحفاد في حي السكرية، ورأينا وصفًا دقيقًا لبيوت الأغنياء والموسرين، وطبيعة النظام الاجتماعي لديهم، كل هذا بجانب الأحداث المتوالية للعائلة، وأيضًا تفاعل أبناء العائلة مع قضايا الوطن، ومع التغيرات السياسية والاجتماعية التي حدثت في مصر، وأبرز الاتجاهات الفكرية التي سادت.

وسنجد أن الروايات العربية عبرت عن السلطة الأبوية التقليدية، التي رأيناها في شخصية سي السيد في المنزل، وتعادلها الطاعة العمياء لأهل الحكم والسلطان. تلك السلطة التي تلاشت بشكل كبير الآن، مع المجتمع الجماهيري، حيث ظهرت الأسر الصغيرة، وصار الفرد في المدينة الحديثة، مجرد ذرات وسط ملايين الناس، يتم التعرف عليه من خلال مؤهلاته التي يتقدم بها للوظائف أو تكون في سيرته الذاتية المهنية، بجانب بقية اللصقات الخارجية المتعلقة بهوية الفرد، فتعاظمت الفردانية(هاو، 2013).

ومن هنا، يمكن القول إن الرواية تتشابه في بنيتها السردية مع العمارة التي تعبر عنها، فالمكان هو مسرح الأحداث، وهو بمثابة المنصة أو خشبة المسرح التي تقف عليها الشخصيات، وتتفاعل مع بيوتها في داخلها وخارجها، فإحدى دعائم الرواية هي قيمة المكان وقدرته على إيجاد ساحة التفاعل بين الإنسان والحدث. فالمدينة القديمة كانت البيوت تجمع العائلة الكبيرة: الجد، والأبناء والأحفاد، أما المدينة الحديثة فهي مصممة على الشقق السكنية، حيث الأسرة الصغيرة، محدودة العدد، أو العيش بلا أسرة، أو الأمهات بلا أزواج، أو الرجل وصديقته كما هو في الغرب. وقد عبرت الرواية العربية عن المدينة القديمة من خلال العائلة الكبيرة في الثلاثية، وأيضًا في رواية "في قافلة الزمان" لعبدالحميد جودة السحار(1913-1974)، وهي مسيرة حياة أسرة مصرية، تعيش في منزل واحد، وفيها الجد وأولاده وأحفاده.

هذا، ومن المهم ألا ننظر إلى المدينة بوصفها مكانًا ماديًا جامدًا، بل هي تأخذ في الرواية بعدين: بعد حقيقي واقعي، من خلال ما هو كائن بالفعل، وأثره في الشخصيات وأثر الشخصيات فيه. وبعد خيالي من خلال المشاعر والإحساسات والخيالات التي تكنّها الشخصيات للمكان، وارتباط تفاصيل المكان بوجدانهم(عبدالرؤوف، 2013).

وهو ما ينعكس على وعي الروائي، فهناك روائيون يكتفون بالكتابة البصرية، التي لا تتخطى الوصف المادي للمكان: الأثاث، البيت، الشارع، وهناك من يغوص في الشخصيات، ويعرض تفاعلها مع المكان، وكيف أن كل جزء من المكان يعيش في أعماق الشخصيات، على هيئة ذكرى، وهذا ما يميز أعمال نجيب محفوظ، فالقاهرة ليست مجرد وصفًا مكانيًا يصوغه في رواياته، إنها شخصيات عاشت في أمكنة، وكانت شاهدة على أحداث وقعت فيها، وأثّرت في نفوسها، ولم يندثر المكان من نفوسهم، بل ظل يحيا فيهم، حتى وهم يتنقلون من حي إلى حي، مع مرور السنين.

وهناك روايات عربية، قدمت المدينة على أنها نموذج للعيش الكريم، والخدمات المتوافرة، فظهر المكان كأنه عالم مثالي، البيوت فخمة، والشوارع لامعة، والأسر ميسورة، والأبناء والبنات في أفضل المدارس، وتكمن المشكلة في صراعات النفوس، والعائلات، وقصص الحب، وأزمة الفرد. وخير نموذج على ذلك رواية "السراب" لنجيب محفوظ، فالبطل يعيش في أسرة ميسورة، الأم مطلقة منذ سنوات طويلة بعدما قضت أسبوعين فقط في منزل زوجها الذي عاد إلى السكر والعربدة، ولم يستطع التوبة كما وعدها، فعاشت الأم والابن الذي ولد بعد ذلك مع الجد المتقاعد عن رتبة كبيرة في الجيش. وتبدو القاهرة فيها من خلال حي المنيل الراقي، حيث تربّى الطفل في كنف الجد الذي راح يدلعه، والأم التي تعلقت به بشدة، ورفضت الزواج من أجله، فنشأ الولد مدللاً، عنيدًا، ثم تتطور الأحداث لتعالج عقدة أوديب، حيث الولد عشق أمه وجمالها، واختار فتاة تشبه أمه، فعجز عن القيام بمهام الزوجية(محفوظ، 1983).


عدد القراء: 914

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-