المجتمع الفلسطيني في عهد الدولة العثمانية من حيث الحياة السياسية والاجتماعيةالباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2016-02-15 08:31:30

عماد أحمد العالم

هل اختلف نمط معيشة سكان فلسطين في أثناء حكم العثمانيين لهم, وهل كانت لهم مشاركة سياسية في الدولة واجتماعية طاغية بحكم كونهم سكان البلاد الأصليين, وهل حظوا بدورٍ فاعل في إدارة شؤونهم عبر انخراطهم المباشر في مؤسسات الدولة الواقعة على أراضيهم, وهل كان لهم تأثير على تسيير شؤونهم الخاصة والعامة والإدارية والاجتماعية, أم أن دورهم كان هامشيًّا مقارنةً بالعثمانيين, الذين احتفظوا بكل ما هو أساسي من الأدوار وهمشوا الفلسطينيين, ولم يمنحوهم فرصة لحكم أنفسهم وتسيير شؤونهم دون الرجوع للباب العالي وباستقلاليةٍ في اتخاذ القرارات.

شهدت الحقبة الأولى من الحكم العثماني لفلسطين تغييرات قليلة في نمط الإدارة الذي كان سائدًا أيام حكم المماليك, واعتمد الحاكم الجديد على العائلات الفلسطينية في جمع الضرائب والمساهمة في حفظ الأمن وصد المطامع العربية الخارجية, وبرز من هذه العائلات ثلاثة وهم: آل رضوان، وآل طراباي، وآل فروخ, وأنيطت بهم قيادة قافلة الحج, التي تناوبت العائلات الثلاث عليها حسب رضا الدولة العثمانية عليها.

في البداية, لم يقم العثمانيون بتغيير بعض الأمراء المحليين في فلسطين, بل أبقوا عليهم وهم الذين اعترفوا بالسلطة العثمانية، وتعهدوا لها بالمساهمة معها في حفظ الأمن وجباية الضرائب. بشكلٍ عام تذبذبت سياسة العثمانيين في التعامل مع الزعامات الفلسطينية, فتراوحت ما بين الشدة في التعامل الذي يصل لحد القمع, وأخرى بمحاولات احتوائهم وكسب ودهم عبر منحهم الأعطيات، وتعيينهم في مناصب الدولة ومنحهم الإقطاعات.

شهد القرن السابع عشر الميلادي تحولاً في السياسة العثمانية تجاه الزعامات الفلسطينية المحلية والعائلات, التي وقفت معها سابقًا, كان أحد أبرز الأسباب لهذا التوجه العثماني الجديد هو توقف فتوحاتها وتوسعاتها الخارجية, وحدوث تغيرات في الاقتصاد العثماني أثرت على المناطق الواقعة تحت حكمها. كما تغير نظام تحصيل الضرائب من نظام التيمار أو الإقطاع العسكري إلى نظام الالتزام، وقد أدى هذا التغير في نظام الإدارة المحلية، المتزامن مع ضعف الإدارة المركزية، إلى ازدياد دور القوى المحلية اقتصاديًّا وسياسيًّا, فبرزت عندئذٍ ثلاث عائلاتٍ فلسطينية متصاهرة ومتحالفة (آل رضوان، وآل طراباي، وآل فروخ ) تحالفت مع العثمانيين وأسهمت في صد مطامع فخر الدين المعني الثاني من جبل لبنان ومحاولاته التوسعية في فلسطين, وحفظت الأمن والاستقرار، وساهمت في الازدهار. لكن هذه المكانة للعائلات الفلسطينية الثلاث قد تم القضاء عليها لاحقًا من قبل العثمانيين وتحجيمها وإلغائها, بعد اعتماد الحكم العثماني المتمثل بوزراء آل كوبريلي سياسة المركزية في القرارات, وتحجيم دور القوى المحلية وصلاحياتها الواسعة التي كانت تتمتع بها سابقًا, واستشعر العثمانيون استقلاليتها وقوتها ورفضها الخضوع التام لها, وخاصة أن هذه الأسر كانت ترفض استقبال بعض الموظفين الكبار الذين أرسلتهم الدولة العثمانية أكثر من مرة. كما شهدت تلك الحقبة بروز الانكشارية التي انضم العديد لها, فشكلت بذلك قوةً جديدة طغت على القوى الفلسطينية التقليدية.

كان اندحار قوة العائلات الفلسطينية سببًا لنشوء فئة من القيادات الفلسطينية الجديدة تمثلت في المشايخ والأعيان, الذين برزوا وقتها في ظل انشغال العثمانيين في حروبهم الخارجية مع آل هاسبرج في الثلث الأخير من القرن السابع عشر. نتج عن ذلك الانشغال ضعف في سيطرة الدولة وحكمها, ومن ثم انعكس ذلك على الأمن والاقتصاد, ولم تتمكن الفئة الناشئة من المشايخ والأعيان من ملىء الفراغ السياسي الذي تركته العائلات الثلاث. نتج عن ذلك عصيان للقبائل البدوية التي كانوا قد اتفقوا معها واحتووها سابقًا، وبدأت طبقة الفلاحين بالاعتماد على أنفسهم لحماية ما يملكون, فشكلوا ميليشيات مسلحة تقف ضد قطاع الطرق ومحصلي الضرائب الحكوميين. لاحقًا, وكنتيجة للتسلح الذاتي للفلاحين, برز الظهور الواضح والقوي على الأرض لمشايخ القرى والنواحي الطامحين بمكانة سياسية واقتصادية، كما ظهر فريقان متنافسان وهما قيس واليمن.

شهد القرن الثامن عشر أحداثًا على الأرض الفلسطينية تمثلت أولاً بثورة القدس ونقيب الأشراف, وهي من أكثر الثورات المحلية على العثمانيين تأثيرًا, والتي أدت لاحقًا لتغييرٍ في السياسة العثمانية تجاه الزعامات الفلسطينية والمطالب المحلية في المشاركة في الحكم. كما برز لاحقًا ظاهر العمر الزيداني حاكم الجليل, الملك الفلسطيني الذي كون إمارةً مستقرة اقتصاديًّا وسياسيًا، وتوسع في حكمه حتى قضاء العثمانيين عليه في العام 1775م, وتعيين أحمد باشا حاكمًا على عكا مقر حكم ظاهر العمر, الذي عُرف فيما بعد بالجزار, وساهم في صمود عكا أمام حملة نابليون بونابرت سنة 1799م, التي فشلت في دخولها حتى بعد حصارها من قبلهم لعدة أشهر.

في القرن التاسع عشر, استقرت العلاقات بين الحكام المحليين والسلطات الحاكمة في عكا ودمشق، وتعززت المصالح المشتركة فيما بينهم، ووقفوا جميعًا ضد مطامع والي مصر محمد علي التوسعية التي استشعروها, فقاموا على إثر ذلك بثورة العام 1834م, التي شهدت مشاركة لسكان فلسطين ولأول مرة من الشمال (الجليل) حتى الجنوب (الخليل وغزة).

استمال محمد علي بعض العائلات الفلسطينية لحملته, فوقفوا إلى جانبه كآل السعيد وآل طوقان وآل عبدالهادي، وقاسم الأحمد, مما أسهم في ضعف مقاومة قواته, لكن القدس كان لها موقف مختلف، ومع ذلك دخلها الجيش المصري سنة 1831م.

عقب استعادة العثمانيين لحكمهم بعد ثماني سنوات, حاولت الدولة العثمانية تطبيق أحكام خط شريف غولخانة، لكن هذه الجهود اصطدمت بمعارضة مشايخ النواحي والزعامات المحلية، لأنها تهمش دورهم، وتقضي على نفوذهم, فحدث صراع امتد على مدار ستة عشر عامًا على مراكز القوة، وإعادة توزيع السلطة, تمكنت الدولة العثمانية فيما بعد من إقامة سلطة مركزية ومؤسسات الدولة الحديثة وخصوصًا في المدن الفلسطينية.

تنوع تعامل العثمانيين مع الزعامات الفلسطينية طوال مدة حكمهم ما بين مواقف متشددة تجاههم, تمثلت في تهميش سلطاتهم لتعزيز سلطة الدولة المركزية, وبين أوقات شهدت مشاركة فعالة لهذه الزعامات الفلسطينية في الحكم, حتى إن بعضهم كان له وجود قوي في مجلس المبعوثين العثماني الأول المنحل, والثاني الذي انطلق عقب الإطاحة بالسلطان عبدالحميد الثاني، وتولي جمعية الاتحاد والترقي الحكم, والتي شهدت مدة استيلائها على السلطة أسوأ أوقات حكم العثمانيين لفلسطين, من حيث قمع الحريات والتنازل للغرب واليهود, وتمكينهم من الاقتصاد الفلسطيني وتسهيل استيلائهم على الأراضي الفلسطينية, التي كانت مسجلة سابقًا باسم السلطان عبد الحميدالثاني, في خطوةٍ قننها الأخير لوقف تسرب هذه الأراضي لليهود, إما بسبب عجز أصحابها عن دفع ما عليهم من ضرائب ورسوم للدولة أو الأراضي المشاع والعامة.

على الصعيد الاجتماعي, لم يتقبل المجتمع الفلسطيني بالمطلق فكرة التجنيد الإجباري التي فرضها العثمانيون عليهم, موقفهم في ذلك كان قد سبقه مواقف مشابهة من المماليك سابقًا ومحمد على إبان مدة حكمه القصيرة لفلسطين. كما وجدوا أنه من الضيم والظلم والإجحاف زج أبنائهم في حروب العثمانيين الخارجية.

طوال مدة الحكم العثماني لفلسطين, وبغض النظر عن ما شهدته من مواقف متذبذبة للدولة العثمانية تجاههم, إلا أن الزعامات الفلسطينية من العائلات والمشايخ ورؤساء الأحياء والمدن والأعيان قد حظيت باحترام الشعب الفلسطيني, وتمتعت بدعمه, وجعلت منه قادةً لها في إضراباتها, وسارت خلفها في مطالباتها الوطنية, برغم كون بعض هذه الزعامات قد ارتكب أخطاءً في تعاملها مع بعض القضايا والمطالب, ولم تكن في المستوى المطلوب من الزعامة التي أنيطت بها من قبل السكان لأن تكون ممثلةً لهم في بعض القضايا, إلا أنها بقيت برغم ذلك تتمتع بنفوذٍ قوي, وساد الأراضي الفلسطينية بين السكان أجواء التعاضد, برغم الاختلافات بين قيس واليمن ومطامع وطموح كل منهما في تقوية نفوذه على حساب الآخر.

من جانبٍ آخر, يحفظ التاريخ للدولة العثمانية، والسلطان عبدالحميد الثاني خصوصًا مواقف مشرفة للدفاع عن فلسطين وحمايتها والتصدي للمد الاستيطاني الصهيوني.


عدد القراء: 5174

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-